Showing posts with label الكتاب المقدس. Show all posts
Showing posts with label الكتاب المقدس. Show all posts

Wednesday, March 5, 2014

تأملات إنجيل الثلاثاء الأول من الصوم الكبير


محاضرة قداسة البابا تواضروس الثاني الأربعاء 26 فبراير 2014م، بعنوان: ألنا قلت هذا الكلام أم للجميع؟ تأملات في إنجيل الثلاثاء من الأسبوع الأول من الصوم الكبير

محاضرة قداسة البابا تواضروس الثاني

الأربعاء 26 فبراير 2014م، بعنوان: ألنا قلت هذا الكلام أم للجميع؟ تأملات في إنجيل الثلاثاء من الأسبوع الأول من الصوم الكبير

في إنجيل يوم الثلاثاء من الأسبوع الأول هناك سؤال واضح جداً: فقال له بطرس: يارب، ألنا تقول هذا المَثَل أم للجميع أيضاً

بصيغة أخرى: هل كلام اللَّه وكلام الكتاب المقدس ووصاياه هي لك أنت بصورة خاصة، أم أنها مكتوبة لكل الناس ماعدا أنت؟ للإنسان أم للإنسانية

هل تشعر في داخلك أن الكلمة المُقدَّسة موجَّهة لك بصورة شخصية، ولا تنظر للكتاب المقدس أنه أحداث وشخصيات وتواريخ ومعجزات وأمثال للمعرفة فقط! بطرس الرسول يسأل: ألنا تقول هذا المَثَل؟ متسائل

قد يظن الناس أن الكتاب المقدس بوصاياه يخص فقط الخدام في الكنيسة، هذا هو نفس الفكر الذي سأل به القديس بطرس. ويشرح ربنا يسوع المسيح كيف أن هذا الكلام هو لكل إنسان لكي ما يكون إنساناً مُستعداً

ونُصلِّي في صلاة النوم عبارة هامة جداً: ( العُمر المُنقضي في الملاهي يستوجب الدينونة )، والملاهي هي الأمور التي تلهي الإنسان وتشغله وتنسيه، حتى لو كانت أمور جيدة مثل الخدمة

ويأتي السؤال: لماذا يهمل الناس كلمة ربنا؟.. الإهمال والإهتمام بكلمة ربنا والكتاب المقدس

بعض الناس لا يعرفون القراءة، والبعض لا يعرف النُّطق، ويمكن أيضاً البعض لا يعرف المعنى أو الربط بين أجزاء الكتاب، وهناك آخرين حجّتهم أنهم لا يملكون وقت للكتاب المقدس، أو ناس حجَّتهم عدم تنظيم الوقت، وآخرين الكسل هو سبب إهمالهم الكتاب المقدس

لذلك عندما يبتعد الإنسان عن كتابه المقدس يسهل على الشيطان أن يُهاجمه، وهذا ما دفع القديس بولس الرسول أن يقول: كلمة اللَّه حيَّة وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدّين، وخارقة إلى مفرق النفس، ومميزة أفكار القلب ونيَّاته



من أسباب اهتمامنا بالكتاب المقدس

أولاً: الكتاب المقدس سراج
وكلمة سراج تعني إضاءة، ومن صغرنا حفظنا الآية: سراج لرجلي كلامك ونور لسبيلي، سراج يُعرِّفك طريقك في الحياة، فالوصية هي التي تُنير لك طريقك

ثانياً: الوصية شبع
كلمة اللَّه تشبع الإنسان، هي لا تشبعه على المستوى المادي، ولكن تشبعه على المستوى الروحي والنفسي، ويقول الكتاب: وجدت كلامك فأكلته، ومعناها إنِّي جعلت كلمتك في فمي على الدوام

ثالثاً: الكتاب يُمثِّل حياة الإنسان
وبحسب تعاليم ربنا يسوع: الكلام الذي أُكلِّمكم به هو روح وحياة، فأنت في كُلِّ مَرَّةٍ تقرأ الكتاب المقدس تأخذ نسمة حياة

رابعاً: الكتاب المقدس حصانة
يقول الكتاب: اسم الرب برج حصين، وكأنك بمعرفتك لكلمة اللَّه على مستواك الشخصي فأنت تبني برج حصين

خامساً: كلمة اللَّه أيضاً هي سبب فرح للإنسان
الإنسان اليوم يتعرَّض للقلق والخوف والاضطراب الداخلي وغياب السلام القلبي، اعرف أن كتابك المقدس على المستوى الشخصي يمنحك فرح

سادساً: كلمة اللَّه صلاة
كل صلاوتنا خارجة من الإنجيل فأنت حينما تقرأ الكتاب المقدس على المستوى الشخصي أنت تُصلِّي، عندما ذهب التلاميذ للمسيح وقالوا له: علِّمنا كيف نُصلِّي. قال لهم: متى صليتم فقولوا: أبانا الذي في السموات..، هذا جزء من الكتاب، وأيضاً صلوات كثيرة مبنية على الكتاب المقدس، ولهذا يقول القديس بولس الرسول في رسالة كولوسي 3 : 16.. لتسكن فيكم كلمة المسيح بغنى، أوَّل شيء في هذه الآية الصغيرة كلمة لتسكن فتأتي كلمة اللَّه وتسكن داخلي، وأرجوك أن تستطعم هذا التعبير، يعني كلمة اللَّه تسكن وتقيم داخلك، وهذا يعني المعرفة بكلمة اللَّه وحفظها، ويصير قلبك مقر دائم للكلمة المقدسة، ولتسكن فيكم كلمة المسيح بغنى بمعنى أن تسكن فيكم كلمة المسيح بوفرة أو بكمال، وتكون طول اليوم في فمك وفي بيتك على الدوام حتى في علاقاتنا اليومية في كل المناسبات



خلاصة الموضوع أن تكون علاقتك بالإنجيل تمر بعدَّة خطوات

الخطوة الأولى
أن يكون لك كتابك المقدس الشخصي الذى تتعوَّد عليه (اقتناء الكتاب). إنجيلك الشخصي أو كتابك المقدس الشخصي

الخطوة الثانية
أن يكون عندك باستمرار هذه المحبة الفيَّاضة لكلمة اللَّه، وتضع الوصية: لتسكن كلمة المسيح بغنى، تجعلها أمامك هدف

الخطوة الثالثة
هي القراءة اليومية ولا تجعل يوم من حياتك يمر دون أن تفتح إنجيلك

الخطوة الرابعة
أنك تتقدَّم وتدرس وتحاول تفهم

الخطوة الخامسة
أنك تحفظ وتكون كلمة اللَّه دائماً في فمك

الخطوة السادسة
أنك تتكلَّم في أحاديثك وعباراتك تستعير من هذا الغنى الذي سكن فيك

الخطوة السابعة والأخيرة
في هذه العلاقة الوثيقة بينك وبين الكلمة المُقدَّسة هي خطوة الحفظ والحياة والعمل تعيشها وتُطبِّقها وتصير جزء من كيانك اليومي، وصرت أنت إنجيل مقروء من جميع الناس، وصار سلوكك وكلامك وملامح وجهك وقراراتك كلها تنبع من خلفية الكتاب المقدس


Share

Friday, March 1, 2013

قدوس بلا عيب سفك دمه


وصفت عذراء النشيد رب المجد

وصفت عذراء النشيد رب المجد: حبيبي أبيض وأحمر

هكذا وصفت عذراء النشيد حبيبها ربها وإلهها ومخلصها بهذا الوصف.. حَبِيبِي أَبْيَضُ وَأَحْمَرُ. نشيد الأنشاد 5: 10

أبيض لأنه قدوس بلا عيب ولا خطية.. مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟ يوحنا 8: 46.. وأحمر كفادٍ سفك دمه من جلدات وأكليل شوك

أبيض حين ننظره على جبل التجلي.. وَصَارَتْ ثِيَابُهُ تَلْمَعُ بَيْضَاءَ جِدًّا كَالثَّلْجِ، لاَ يَقْدِرُ قَصَّارٌ عَلَى الأَرْضِ أَنْ يُبَيِّضَ مِثْلَ ذلِكَ. مرقس 9: 3.. وأحمر عندما ننظره على جبل الجلجثة

أبيض بلاهوته أذ رآه يوحنا الرائي في رؤيا يوحنا اللاهوتي اصحاح 19 و 20

وَبَعْدَ هذَا سَمِعْتُ صَوْتًا عَظِيمًا مِنْ جَمْعٍ كَثِيرٍ فِي السَّمَاءِ قَائِلاً: هَلِّلُويَا! الْخَلاَصُ وَالْمَجْدُ وَالْكَرَامَةُ وَالْقُدْرَةُ لِلرَّبِّ إِلهِنَا
لأَنَّ أَحْكَامَهُ حَقٌ وَعَادِلَةٌ، إِذْ قَدْ دَانَ الزَّانِيَةَ الْعَظِيمَةَ الَّتِي أَفْسَدَتِ الأَرْضَ بِزِنَاهَا، وَانْتَقَمَ لِدَمِ عَبِيدِهِ مِنْ يَدِهَا
وَقَالُوا ثَانِيَةً: هَلِّلُويَا! وَدُخَانُهَا يَصْعَدُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ
وَخَرَّ الأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ شَيْخًا وَالأَرْبَعَةُ الْحَيَوَانَاتِ وَسَجَدُوا للهِ الْجَالِسِ عَلَى الْعَرْشِ قَائِلِينَ: آمِينَ! هَلِّلُويَا
وَخَرَجَ مِنَ الْعَرْشِ صَوْتٌ قَائِلاً: سَبِّحُوا لإِلهِنَا يَا جَمِيعَ عَبِيدِهِ، الْخَائِفِيهِ، الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ
وَسَمِعْتُ كَصَوْتِ جَمْعٍ كَثِيرٍ، وَكَصَوْتِ مِيَاهٍ كَثِيرَةٍ، وَكَصَوْتِ رُعُودٍ شَدِيدَةٍ قَائِلَةً: هَلِّلُويَا! فَإِنَّهُ قَدْ مَلَكَ الرَّبُّ الإِلهُ الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
لِنَفْرَحْ وَنَتَهَلَّلْ وَنُعْطِهِ الْمَجْدَ! لأَنَّ عُرْسَ الْخَرُوفِ قَدْ جَاءَ، وَامْرَأَتُهُ هَيَّأَتْ نَفْسَهَا
وَأُعْطِيَتْ أَنْ تَلْبَسَ بَزًّا نَقِيًّا بَهِيًّا، لأَنَّ الْبَزَّ هُوَ تَبَرُّرَاتُ الْقِدِّيسِينَ
وَقَالَ لِيَ: اكْتُبْ: طُوبَى لِلْمَدْعُوِّينَ إِلَى عَشَاءِ عُرْسِ الْخَرُوفِ!. وَقَالَ: هذِهِ هِيَ أَقْوَالُ اللهِ الصَّادِقَةُ
فَخَرَرْتُ أَمَامَ رِجْلَيْهِ لأَسْجُدَ لَهُ، فَقَالَ لِيَ: انْظُرْ! لاَ تَفْعَلْ! أَنَا عَبْدٌ مَعَكَ وَمَعَ إِخْوَتِكَ الَّذِينَ عِنْدَهُمْ شَهَادَةُ يَسُوعَ. اسْجُدْ للهِ! فَإِنَّ شَهَادَةَ يَسُوعَ هِيَ رُوحُ النُّبُوَّةِ
ثُمَّ رَأَيْتُ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَإِذَا فَرَسٌ أَبْيَضُ وَالْجَالِسُ عَلَيْهِ يُدْعَى أَمِينًا وَصَادِقًا، وَبِالْعَدْلِ يَحْكُمُ وَيُحَارِبُ
وَعَيْنَاهُ كَلَهِيبِ نَارٍ، وَعَلَى رَأْسِهِ تِيجَانٌ كَثِيرَةٌ، وَلَهُ اسْمٌ مَكْتُوبٌ لَيْسَ أَحَدٌ يَعْرِفُهُ إِّلاَ هُوَ
وَهُوَ مُتَسَرْبِلٌ بِثَوْبٍ مَغْمُوسٍ بِدَمٍ، وَيُدْعَى اسْمُهُ: كَلِمَةَ اللهِ
وَالأَجْنَادُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ كَانُوا يَتْبَعُونَهُ عَلَى خَيْل بِيضٍ، لاَبِسِينَ بَزًّا أَبْيَضَ وَنَقِيًّا
وَمِنْ فَمِهِ يَخْرُجُ سَيْفٌ مَاضٍ لِكَيْ يَضْرِبَ بِهِ الأُمَمَ. وَهُوَ سَيَرْعَاهُمْ بِعَصًا مِنْ حَدِيدٍ، وَهُوَ يَدُوسُ مَعْصَرَةَ خَمْرِ سَخَطِ وَغَضَبِ اللهِ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ
وَلَهُ عَلَى ثَوْبِهِ وَعَلَى فَخْذِهِ اسْمٌ مَكْتُوبٌ: مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ
وَرَأَيْتُ مَلاَكًا وَاحِدًا وَاقِفًا فِي الشَّمْسِ، فَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً لِجَمِيعِ الطُّيُورِ الطَّائِرَةِ فِي وَسَطِ السَّمَاءِ: هَلُمَّ اجْتَمِعِي إِلَى عَشَاءِ الإِلهِ الْعَظِيمِ
لِكَيْ تَأْكُلِي لُحُومَ مُلُوكٍ، وَلُحُومَ قُوَّادٍ، وَلُحُومَ أَقْوِيَاءَ، وَلُحُومَ خَيْل وَالْجَالِسِينَ عَلَيْهَا، وَلُحُومَ الْكُلِّ: حُرًّا وَعَبْدًا، صَغِيرًا وَكَبِيرًا
وَرَأَيْتُ الْوَحْشَ وَمُلُوكَ الأَرْضِ وَأَجْنَادَهُمْ مُجْتَمِعِينَ لِيَصْنَعُوا حَرْبًا مَعَ الْجَالِسِ عَلَى الْفَرَسِ وَمَعَ جُنْدِهِ
فَقُبِضَ عَلَى الْوَحْشِ وَالنَّبِيِّ الْكَذَّابِ مَعَهُ، الصَّانِعِ قُدَّامَهُ الآيَاتِ الَّتِي بِهَا أَضَلَّ الَّذِينَ قَبِلُوا سِمَةَ الْوَحْشِ وَالَّذِينَ سَجَدُوا لِصُورَتِهِ. وَطُرِحَ الاثْنَانِ حَيَّيْنِ إِلَى بُحَيْرَةِ النَّارِ الْمُتَّقِدَةِ بِالْكِبْرِيتِ
وَالْبَاقُونَ قُتِلُوا بِسَيْفِ الْجَالِسِ عَلَى الْفَرَسِ الْخَارِجِ مِنْ فَمِهِ، وَجَمِيعُ الطُّيُورِ شَبِعَتْ مِنْ لُحُومِهِمْ

وَرَأَيْتُ مَلاَكًا نَازِلاً مِنَ السَّمَاءِ مَعَهُ مِفْتَاحُ الْهَاوِيَةِ، وَسِلْسِلَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَى يَدِهِ
فَقَبَضَ عَلَى التِّنِّينِ، الْحَيَّةِ الْقَدِيمَةِ، الَّذِي هُوَ إِبْلِيسُ وَالشَّيْطَانُ، وَقَيَّدَهُ أَلْفَ سَنَةٍ
وَطَرَحَهُ فِي الْهَاوِيَةِ وَأَغْلَقَ عَلَيْهِ، وَخَتَمَ عَلَيْهِ لِكَيْ لاَ يُضِلَّ الأُمَمَ فِي مَا بَعْدُ، حَتَّى تَتِمَّ الأَلْفُ السَّنَةِ. وَبَعْدَ ذلِكَ لاَبُدَّ أَنْ يُحَلَّ زَمَانًا يَسِيرًا
وَرَأَيْتُ عُرُوشًا فَجَلَسُوا عَلَيْهَا، وَأُعْطُوا حُكْمًا. وَرَأَيْتُ نُفُوسَ الَّذِينَ قُتِلُوا مِنْ أَجْلِ شَهَادَةِ يَسُوعَ وَمِنْ أَجْلِ كَلِمَةِ اللهِ، وَالَّذِينَ لَمْ يَسْجُدُوا لِلْوَحْشِ وَلاَ لِصُورَتِهِ، وَلَمْ يَقْبَلُوا السِّمَةَ عَلَى جِبَاهِهِمْ وَعَلَى أَيْدِيهِمْ، فَعَاشُوا وَمَلَكُوا مَعَ الْمَسِيحِ أَلْفَ سَنَةٍ
وَأَمَّا بَقِيَّةُ الأَمْوَاتِ فَلَمْ تَعِشْ حَتَّى تَتِمَّ الأَلْفُ السَّنَةِ. هذِهِ هِيَ الْقِيَامَةُ الأُولَى
مُبَارَكٌ وَمُقَدَّسٌ مَنْ لَهُ نَصِيبٌ فِي الْقِيَامَةِ الأُولَى. هؤُلاَءِ لَيْسَ لِلْمَوْتِ الثَّانِي سُلْطَانٌ عَلَيْهِمْ، بَلْ سَيَكُونُونَ كَهَنَةً للهِ وَالْمَسِيحِ، وَسَيَمْلِكُونَ مَعَهُ أَلْفَ سَنَةٍ
ثُمَّ مَتَى تَمَّتِ الأَلْفُ السَّنَةِ يُحَلُّ الشَّيْطَانُ مِنْ سِجْنِهِ
وَيَخْرُجُ لِيُضِلَّ الأُمَمَ الَّذِينَ فِي أَرْبَعِ زَوَايَا الأَرْضِ: جُوجَ وَمَاجُوجَ، لِيَجْمَعَهُمْ لِلْحَرْبِ، الَّذِينَ عَدَدُهُمْ مِثْلُ رَمْلِ الْبَحْرِ
فَصَعِدُوا عَلَى عَرْضِ الأَرْضِ، وَأَحَاطُوا بِمُعَسْكَرِ الْقِدِّيسِينَ وَبِالْمَدِينَةِ الْمَحْبُوبَةِ، فَنَزَلَتْ نَارٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مِنَ السَّمَاءِ وَأَكَلَتْهُمْ
وَإِبْلِيسُ الَّذِي كَانَ يُضِلُّهُمْ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ وَالْكِبْرِيتِ، حَيْثُ الْوَحْشُ وَالنَّبِيُّ الْكَذَّابُ. وَسَيُعَذَّبُونَ نَهَارًا وَلَيْلاً إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ
ثُمَّ رَأَيْتُ عَرْشًا عَظِيمًا أَبْيَضَ، وَالْجَالِسَ عَلَيْهِ، الَّذِي مِنْ وَجْهِهِ هَرَبَتِ الأَرْضُ وَالسَّمَاءُ، وَلَمْ يُوجَدْ لَهُمَا مَوْضِعٌ
وَرَأَيْتُ الأَمْوَاتَ صِغَارًا وَكِبَارًا وَاقِفِينَ أَمَامَ اللهِ، وَانْفَتَحَتْ أَسْفَارٌ، وَانْفَتَحَ سِفْرٌ آخَرُ هُوَ سِفْرُ الْحَيَاةِ، وَدِينَ الأَمْوَاتُ مِمَّا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الأَسْفَارِ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ
وَسَلَّمَ الْبَحْرُ الأَمْوَاتَ الَّذِينَ فِيهِ، وَسَلَّمَ الْمَوْتُ وَالْهَاوِيَةُ الأَمْوَاتَ الَّذِينَ فِيهِمَا. وَدِينُوا كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِ
وَطُرِحَ الْمَوْتُ وَالْهَاوِيَةُ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ. هذَا هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي
وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُوجَدْ مَكْتُوبًا فِي سِفْرِ الْحَيَاةِ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ
سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي 19 و 20

وهو أحمر من جهة ناسوته لأن آدم معناها أحمر لأن آدم من تراب الأرض والتراب يميل إلى الحمرة

+++++

حبيبي أبيض وأحمر. مُعلم بين ربوة. نشيد الأنشاد 5: 10

تساءلت بنات أورشليم عن هذا الحبيب.. ما حبيبك من حبيب.. وإزاء ذلك لم يسمع العروس إلا أن تبادر بالجواب وتقدم صورة جميلة لحبيبها من الرأس إلى القدمين. لقد كان هذا الحبيب ماثلًا أمام عينها دائمًا، وكان ملء قلبها وعواطفها، لذا لم تتردد في الجواب، ولم تكن بحاجة إلى فرصة للتأمل، فلم تطلب من بنات أورشليم أن يمهلنها لتجيب على تساؤلهن، بل ابتهجت بالفرصة التي أتاحت لها أن تقدم صورة عن حبيبه.. بَلْ قَدِّسُوا الرَّبَّ الإِلهَ فِي قُلُوبِكُمْ، مُسْتَعِدِّينَ دَائِمًا لِمُجَاوَبَةِ كُلِّ مَنْ يَسْأَلُكُمْ عَنْ سَبَبِ الرَّجَاءِ الَّذِي فِيكُمْ، بِوَدَاعَةٍ وَخَوْفٍ. رسالة بطرس الرسول الأولى 3: 15

حبيبي أبيض وأحمر

قبل أن تبدأ العروس بذكر أوصاف حبيبها بالتفصيل بدأت بوصف عام عن كمالاته، فقالت: حبيبي أبيض وأحمر. فهو القدوس المولود من العذراء.. الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ. لوقا 1: 35. وهو الذي في حياته بالجسد لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر.. الَّذِي لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلاَ وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ. رسالة بطرس الرسول الأولى 2: 22. وقد أستطاع أن يتحدى معاصريه من الحسّاد بقوله: من منكم يبكتني (يثبت علىّ) على خطية.. مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟ يوحنا 8: 46. فالخطية غريبة عن طبيعته المقدسة. وعندما تكلم عن الشيطان رئيس العالم قال: ليس له فيّ شئ.. لأَنَّ رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ. يوحنا 14: 30

ويقول عنه يوحنا: ليس فيه خطيه.. وَتَعْلَمُونَ أَنَّ ذَاكَ أُظْهِرَ لِكَيْ يَرْفَعَ خَطَايَانَا، وَلَيْسَ فِيهِ خَطِيَّةٌ. رسالة يوحنا الرسول الأولى 3: 5.. هناك على جبل التجلي ظهرت طهارة شخصه القدوس الخالية من أي أثر للدنس في ثيابه البيضاء اللامعة.. صارت ثيابه تلمع بيضاء جدًا كالثلج، لا يقدر قصّار على الأرض أن يبيض مثل ذلك. مرقس 9: 3

وهو ليس أبيض فقط بل هو أيضًا أحمر. فمع أنه قدوس بلا شر ولا دنس.. ولكنه أحب الخطاة والأشرار والدنسين.. أحبنا وقد غسلنا من خطايانا بدمه.. لقد رآه إشعياء: الآتي من أدوم بثياب حمر من بُصرة. هذا البهي بملابسه المتعظم بكثرة قوته.. المتكلم بالبر العظيم للخلاص.. مَنْ ذَا الآتِي مِنْ أَدُومَ، بِثِيَابٍ حُمْرٍ مِنْ بُصْرَةَ؟ هذَا الْبَهِيُّ بِمَلاَبِسِهِ، الْمُتَعَظِّمُ بِكَثْرَةِ قُوَّتِهِ. أَنَا الْمُتَكَلِّمُ بِالْبِرِّ، الْعَظِيمُ لِلْخَلاَصِ. إشعياء 63: 1

معلم بين ربوة = المرتفع كعلم وراية

هذا العريس كما يقول عنه إشعياء: القائم راية للشعوب. إشعياء 11: 10.. لقد أرتفع على الصليب فجذب الشعوب إليه إنه المرتفع كالعلم والراية


Share

Monday, February 25, 2013

يونان في البحر الثائر


إن كان يونان قد هرب من الخدمة إلى يافا ليبحر إلى ترشيش في عصيان الله، الأمر الذي أثار البحر بنوء عظيم حتى لم يهدأ إلاَّ بإلقائه فيه، فمن جانب آخر فإن يونان يُمثل السيد المسيح حامل خطايانا الذي ألقى بنفسه في بحر حياتنا المضطرب ليهبنا سلامًا فائقًا خلال ذبيحة المصالحة

دعوة يونان                       1 - 2

هروبه إلى ترشيش               3

يونان والنوء العظيم              4 - 7

يونان والنوتية                    8 - 12

يونان في جوف الحوت          13 - 17


دعوة يونان

وَصَارَ قَوْلُ الرَّبِّ إِلَى يُونَانَ بْنِ أَمِتَّايَ قَائِلاً: قُمِ اذْهَبْ إِلَى نِينَوَى الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ وَنَادِ عَلَيْهَا، لأَنَّهُ قَدْ صَعِدَ شَرُّهُمْ أَمَامِي. يونان 1: 1 - 2. وفي الترجمة السبعينية: صعد صراخ شرهم أمامي

كانت الدعوة الفريدة في نوعها، فهو النبي الوحيد الذي دُعي لخدمة مدينة أممية لا ليتنبأ عنها بالدمار وإنما ليدعوها للتوبة حتى لا يحل عليها الغضب الإلهي. ولم يكن ممكنًا لهذا النبي أو غيره أن يتقبل مثل هذه الدعوة ليس لكراهية نحو الأمم وإنما لحبه لشعبه، كما سبق فقلنا أن خلاص الأمم إنما يتحقق مع زلة إسرائيل، وإيمان العالم خلال جحود الشعب القديم رو ١١: ١١. فَأَقُولُ: أَلَعَلَّهُمْ عَثَرُوا لِكَيْ يَسْقُطُوا؟ حَاشَا! بَلْ بِزَلَّتِهِمْ صَارَ الْخَلاَصُ لِلأُمَمِ لإِغَارَتِهِمْ. فَإِنْ كَانَتْ زَلَّتُهُمْ غِنىً لِلْعَالَمِ، وَنُقْصَانُهُمْ غِنىً لِلأُمَمِ، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ مِلْؤُهُمْ؟ رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 11: 11 – 12. على أي الأحوال، إذ كان يونان غير قادر بفكره البشري أن يتقبل الدعوة فهرب، لكن الله الذي يرى نقاوة قلبه إستخدم حتى هروبه لتحقيق مقاصده الإلهية نحو الأمم

جاء في الترجمة السبعينية: لأنه قد صعد صراخ شرهم أمامي، فإن كانت الحياة المقدسة تتجلى في أكمل صورها في السيد المسيح الذي لاَ يُخَاصِمُ وَلاَ يَصِيحُ، وَلاَ يَسْمَعُ أَحَدٌ فِي الشَّوَارِعِ صَوْتَهُ. متى 12: 19. فإن الحياة الشريرة تحمل في أُذني الله صراخًا أو ضجيجًا لا تقبله السماء ولا يستريح له خالقها، يكشف عن فقدان السلام الداخلي. لقد قتل قايين الشرير أخاه هابيل وصمت بفمه عن الحديث في هذا الأمر لكن بصمات شره كانت تصرخ منطلقة خلال دم إخيه المسفوك، إذ يقول الرب: صَوْتُ دَمِ أَخِيكَ صَارِخٌ إِلَيَّ مِنَ الأَرْضِ. التكوين 4: 10، كما قيل في شر سدوم وعمورة: إِنَّ صُرَاخَ سَدُومَ وَعَمُورَةَ قَدْ كَثُرَ، وَخَطِيَّتُهُمْ قَدْ عَظُمَتْ جِدًّا. التكوين 18: 20

لقد دُعي يونان، الذي يعني إسمه: حمامة، للكرازة في نينوى المدينة العظيمة التي ارتفع صراخ شرها حتى السماء، وكأن الله أراد أن يحطم صرخات الشر بوداعة الحمامة، ويعالج الجراحات الملتهبة بالزيت اللين، ويطفيء النار بالماء

إن كان العالم قد تحول إلى ضجيج لا ينقطع وصرخات ظلم مرّة فهو في حاجة إلى الكنيسة أو المؤمن الحقيقي الذي له العينان الحمامتان.. هَا أَنْتِ جَمِيلَةٌ يَا حَبِيبَتِي، هَا أَنْتِ جَمِيلَةٌ. عَيْنَاكِ حَمَامَتَانِ. نشيد الأنشاد 1: 15. هَا أَنْتِ جَمِيلَةٌ يَا حَبِيبَتِي، هَا أَنْتِ جَمِيلَةٌ! عَيْنَاكِ حَمَامَتَانِ مِنْ تَحْتِ نَقَابِكِ. شَعْرُكِ كَقَطِيعِ مِعْزٍ رَابِضٍ عَلَى جَبَلِ جِلْعَادَ. نشيد الأنشاد 4: 1. عينا السيد المسيح القائل: اِحْمِلُوا نِيرِي عَلَيْكُمْ وَتَعَلَّمُوا مِنِّي، لأَنِّي وَدِيعٌ وَمُتَوَاضِعُ الْقَلْبِ، فَتَجِدُوا رَاحَةً لِنُفُوسِكُمْ. متى 11: 29، عينا الروح القدس الحمامة الحقيقية، لكي بالوداعة نرث الأرض.. طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ. متى 5: 5 لحساب السيد المسيح فتصير ملكوته المملوء فرحًا وسلامًا

إن كان الأشرار أرضًا لا سماءً بسبب محبتهم للأرضيات وتعلقهم بالزمنيات، فإذ نحمل فينا يونان الحقيقي، نكسبهم بوداعة روحه القدوس فلا يصيروا بعد أرضًا بل سماءً. وكما يقول القديس يوحنا كليماكوس: يجد الرب راحة في القلوب الوديعة، أما الروح المضطربة فهي كرسي الشيطان. الودعاء يرثون الأرض أو بالحري يسيطرون عليها، أما ذو الخلق الشرير فيطردون من أرضهم.. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هَلُمَّ نُلْقِي قُرَعًا لِنَعْرِفَ بِسَبَبِ مَنْ هذِهِ الْبَلِيَّةُ. فَأَلْقَوا قُرَعًا، فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى يُونَانَ. يونان 1: 7

إن كانت نينوى المدينة العظيمة تمثل الجسد الذي ترتفع صرخات شهواته الشريرية أمام الرب فليس من يقدر أن يرفع عنه هذه الصرخات إلاَّ يوناننا الحقيقي الذي يملأ النفس ويقدس  الجسد أيضًا


هروبه إلى ترشيش

فَقَامَ يُونَانُ لِيَهْرُبَ إِلَى تَرْشِيشَ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ، فَنَزَلَ إِلَى يَافَا وَوَجَدَ سَفِينَةً ذَاهِبَةً إِلَى تَرْشِيشَ، فَدَفَعَ أُجْرَتَهَا وَنَزَلَ فِيهَا، لِيَذْهَبَ مَعَهُمْ إِلَى تَرْشِيشَ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ. يونان 1: 3

لماذا أراد يونان الهروب إلى ترشيش من وجه الرب عوض الذهاب إلى نينوى؟

أولًا: يرى القديس چيروم أن يونان لم يحتمل الذهاب إلى نينوى فتخلص على حساب شعبه إسرائيل، فعصى الرب لا عن كراهية في القلب وإنما عن غيرة من جهة شعبه، وكأنه يمتثل بموسى النبي الغيور في قوله: إن غفرت خطيتهم وإلاَّ فامحني من كتابك الذي كتبت... فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى الرَّبِّ، وَقَالَ: آهِ، قَدْ أَخْطَأَ هذَا الشَّعْبُ خَطِيَّةً عَظِيمَةً وَصَنَعُوا لأَنْفُسِهِمْ آلِهَةً مِنْ ذَهَبٍ. وَالآنَ إِنْ غَفَرْتَ خَطِيَّتَهُمْ، وَإِلاَّ فَامْحُنِي مِنْ كِتَابِكَ الَّذِي كَتَبْتَ. الخروج 32: 31 - 32. فقد ظهر موسى كمن يقاوم الرب لكنه إقتنى مراحم الله لشعبه ولم يمح الله إسمه من كتابه. بنفس الروح يقول الرسول بولس: فَإِنِّي كُنْتُ أَوَدُّ لَوْ أَكُونُ أَنَا نَفْسِي مَحْرُومًا مِنَ الْمَسِيحِ لأَجْلِ إِخْوَتِي أَنْسِبَائِي حَسَبَ الْجَسَدِ، الَّذِينَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ. رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 9: 3 - 4. لقد اشتهى لو حُرم هو نفسه لكي يحيا إخوته بالمسيح، حاسبًا موته ربحًا، بهذا الحب لم يمت بل استحق الحياة التي إشتهاها لهم. هكذا خشي يونان من كرازته للأشوريين أعداء إسرائيل هلاك إسرائيل نفسه، فهرب إلى ترشيش، أي الاتجاه المضاد. يرى البعض أنها ترتيسوس الواقعة في جنوب أسبانيا قرب جبل طارق، أو قرطاجنة في شمال أفريقيا

ثانيًا: كلمة ترشيش كما يرى القديس چيروم تعني بحر أو تأمل في الفرح، فإن كانت كلمة يافا بالكنعانية تعني جمال، فإن يونان عوض أن ينطلق خلال وصية الله إلى الكرازة لنينوى بالخلاص إستحسن النزول إلى جمال فكره البشرية وحكمته الإنسانية أي إلى يافا ليلقي بنفسه في ترشيش أي في بحر هذا العالم أو في التأملات المفرحة دون الجهاد الحق وحمل الصليب عمليًا. هذا التصرف يمثل تصرفات الإنسان السالك حسب هواه لا حسب وصية الرب الصعبة

ثالثًا: يونان النبي وهو يعرف أن الله إله السماء الذي صنع البحر والبر.. فَقَالَ لَهُمْ: أَنَا عِبْرَانِيٌّ، وَأَنَا خَائِفٌ مِنَ الرَّبِّ إِلهِ السَّمَاءِ الَّذِي صَنَعَ الْبَحْرَ وَالْبَرَّ. يونان 1: 9، وقد يشهد بذلك، إذ يتكيء على فكره البشري خارج الإيمان يندفع نحو الهروب من الله. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: حقًا لقد هرب من البر لكنه لم يهرب من غضب الله! هرب من الأرض لكنه جلب على نفسه العواصف في البحر.. فَخَافَ الرِّجَالُ خَوْفًا عَظِيمًا، وَقَالُوا لَهُ: لِمَاذَا فَعَلْتَ هذَا؟ فَإِنَّ الرِّجَالَ عَرَفُوا أَنَّهُ هَارِبٌ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ، لأَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ. فَقَالُوا لَهُ: مَاذَا نَصْنَعُ بِكَ لِيَسْكُنَ الْبَحْرُ عَنَّا؟ لأَنَّ الْبَحْرَ كَانَ يَزْدَادُ اضْطِرَابًا. يونان 1: 10 - 11. كان يليق به بالحري لا أن يهرب من الله بل إلى الله، ففيه وحده يجد المؤمن سلامه وأمانه


يونان والنوء العظيم

إن كان يونان قد هرب إلى البحر من صانع البحر نفسه لهذا استدعاه الرب بلغة جديدة تليق به كهارب هي لغة الضيقات المتوالية، إذ أَرْسَلَ الرَّبُّ رِيحًا شَدِيدَةً إِلَى الْبَحْرِ، فَحَدَثَ نَوْءٌ عَظِيمٌ فِي الْبَحْرِ حَتَّى كَادَتِ السَّفِينَةُ تَنْكَسِرُ. يونان 1: 4. صار الرب يحدثه بلغة الريح الشديدة والنوء العظيم والسفينة الفاقدة لاتزانها، الأمور التي تُناسب يونان وتكشف عما في داخله من ريح عصيان عنيف، ونوء اضطراب داخلي عظيم، وسفينة قلبه غير المتزنة

يقول القديس چيروم: يُشير هروب يونان إلى حال الإنسان بوجه عام فباحتقاره وصايا الرب هرب من وجهه وسلم نفسه للعالم فاشتد به نوء العالم ليغرق، عندئذ إلتزم بالتأمل في الله والرجوع إلى من هرب منه... كانت السفينة في خطر... والأمواج هائجة بواسطة الرياح... فإنه متى كان الرب غير راضٍ لا يكون شيء في أمان

سمع الغرباء صوت الله بالرغم من عدم معرفتهم له، بينما تثقلت أُذني يونان عن السماع، إذ قيل فَخَافَ الْمَلاَّحُونَ وَصَرَخُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى إِلهِهِ، وَطَرَحُوا الأَمْتِعَةَ الَّتِي فِي السَّفِينَةِ إِلَى الْبَحْرِ لِيُخَفِّفُوا عَنْهُمْ. وَأَمَّا يُونَانُ فَكَانَ قَدْ نَزَلَ إِلَى جَوْفِ السَّفِينَةِ وَاضْطَجَعَ وَنَامَ نَوْمًا ثَقِيلاً. يونان 1: 5. كان الملاحون وثنيين، ومعرفتهم عن الله يشوبها الكثير، ومع ذلك إذ تحدث الله بلغة الشدة والضيق إمتلأوا خوفًا ولم يتصرفوا إلاَّ بعد أن صرخ كل واحدٍ منهم إلى إلهه، فكان الله بالنسبة لهم أولًا وقبل كل شيء بالرغم من عدم معرفتهم له

يقول القديس چيروم: لقد ظنوا أن السفينة بأمتعتها الطبيعية ثقيلة جدًا ولم يدركوا أن الثقل قائم بسبب النبي الهارب. لقد خاف الملاحون فصرخ كل واحد إلى إلهه، إذ كانوا يجهلون الحق لكنهم لم يجهلوا العناية الإلهية. خلال تدينهم الخاطيء عرفوا شيئًا وأدركوا بعض العمق الروحي... أما إسرائيل فلم يستطع الوسع ولا الألم أن يقوداه إلى معرفة الله. لذلك بكى يشوع على الشعب كثيرًا أما عيون الشعب فكانت جافة

كان الوثنيون يصرخون إلى آلهتهم ويلقون بأمتعتهم في البحر، كل واحد يصلي ويعمل قدر إستطاعته، أما يونان وهو يدرك أنه سبب البلية فنزل إلى جوف السفينة لينام نومًا ثقيلًا، وكأنه أراد ألاَّ يرى أمواج غضب الله عليه، أو كمن تناول مخدرًا ليهرب من واقعه المؤلم

إن كان نوم يونان يمثل نوعًا من الرخاوة، لكنه في نفس الوقت قدم لنا جانبًا نبويًا طيبًا، فمن جهة كان يمثل البشرية المُستريحة في الرب وسط أمواج هذا العالم المضطرب. فعندما كان هيرودس مزمعًا أن يقدم الرسول بطرس ليقتله، كان بطرس يغط في نومٍ عميق وهو مربوط بسلسلتين بين عسكريين في السجن وتحت حراسة مشددة.. وَلَمَّا كَانَ هِيرُودُسُ مُزْمِعًا أَنْ يُقَدِّمَهُ، كَانَ بُطْرُسُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ نَائِمًا بَيْنَ عَسْكَرِيَّيْنِ مَرْبُوطًا بِسِلْسِلَتَيْنِ، وَكَانَ قُدَّامَ الْبَابِ حُرَّاسٌ يَحْرُسُونَ السِّجْنَ. أعمال الرسل 12: 6. ومن جانب آخر كان يونان يمثل السيد المسيح الذي نام على الصليب كما في السفينة ليُقيم حواء الجديدة من جنبه المطعون تنعم بالراحة الحقيقية فيّه، لقد نام أيضًا على الصليب لكي يُدفن في بطن الحوت ليقوم واهبًا إيّانا قوة القيامة. وكما يقول القديس چيروم: بينما كان الآخرون في خطر إذا به في أمان ينام ويقوم. وبناء على طلبه وبسرّ آلامه خلّص الذين أيقظوه... فَقَالُوا لَهُ: مَاذَا نَصْنَعُ بِكَ لِيَسْكُنَ الْبَحْرُ عَنَّا؟ لأَنَّ الْبَحْرَ كَانَ يَزْدَادُ اضْطِرَابًا. فَقَالَ لَهُمْ: خُذُونِي وَاطْرَحُونِي فِي الْبَحْرِ فَيَسْكُنَ الْبَحْرُ عَنْكُمْ، لأَنَّنِي عَالِمٌ أَنَّهُ بِسَبَبِي هذَا النَّوْءُ الْعَظِيمُ عَلَيْكُمْ. يونان 1: 11 - 12

نعود إلى الملاحين ورئيسهم لنجدهم يتصرفون بحكمة فائقة مع لطف ووداعة، إذ قيل: فَجَاءَ إِلَيْهِ رَئِيسُ النُّوتِيَّةِ وَقَالَ لَهُ: مَا لَكَ نَائِمًا؟ قُمِ اصْرُخْ إِلَى إِلهِكَ عَسَى أَنْ يَفْتَكِرَ الإِلهُ فِينَا فَلاَ نَهْلِكَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هَلُمَّ نُلْقِي قُرَعًا لِنَعْرِفَ بِسَبَبِ مَنْ هذِهِ الْبَلِيَّةُ. فَأَلْقَوا قُرَعًا، فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى يُونَانَ. يونان 1: 6 - 7

اتسم رئيس النوتية بوداعة فائقة في حديثه مع النبي الذي يغط نومًا في وقت كان الكل فيه يصرخ ويصلي ويلقي بالأمتعة في البحر... لقد تحدث برقة زائدة لم يجرح فيها مشاعره، حثه على الصلاة بلطف، الأمر الذي لا نجده أحيانًا في المؤمنين بل وفي الرعاة أنفسهم، إذ يفقدون سلامهم عند التوبيخ ويخسرون هدوءهم ليصلحوا من شأن الآخرين

نقول أن الله الذي سبق فتحدث مع النبي ربما خلال رؤيا أو إعلان للعمل في نينوى، عاد ليحدثه خلال الطبيعة الثائرة، وإذ سد أُذنيه حدثه خلال الوثنيين، قائلًا له: مالك نائمًا، قم اصرخ إلى إلهك عسى أن يفتكر الإله فينا فلا نهلك. وكأنه يقول: مالك نائمًا في داخل قلبك، فإن إلهك الذي تهرب منه يقدر أن يخلصنا نحن الأمم من الهلاك، إن كنت تحب شعبك وأمتك فانصت إلى توسلاتنا وتطلع إلى إشتياقنا ولا تستهن بإيماننا، فإن كنا لم نعرف بعد الإله الذي تعبده، لكننا بالإيمان نقبله فلا نهلك

والعجيب أن البحارة ألقوا قرعة فكشف الله عن الحقيقة وأدركوا أن يونان علة غضب الله... وكما يقول القديس چيروم: إن كان الله أرشدهم خلال القرعة إنما يحدثهم خلال فكرهم، فلا يبرر هذا إستخدامنا للقرعة. لقد أرشد الله بلعام خلال أتانه... فَفَتَحَ الرَّبُّ فَمَ الأَتَانِ، فَقَالَتْ لِبَلْعَامَ: مَاذَا صَنَعْتُ بِكَ حَتَّى ضَرَبْتَنِي الآنَ ثَلاَثَ دَفَعَاتٍ؟. العدد 22: 28، ليعلن له أن الحيوان الأعجم أدرك ما لم يدركه الإنسان في شره، وكما تحدث الله مع المجوس خلال النجم، وكما سمح لقيافا أن يتنبأ وهو لا يعرف حين قال أنه ينبغي أن يموت واحد عن الشعب كله. على أي الأحوال إن كان يونان في حبه لشعبه استهان بخلاص الأمم فخلال القرعة كشف له الله أنه لا يحتقر أمميًا، إنما يحدثهم بلغتهم ويكشف لهم عن الحقيقة حتى خلال ممارستهم فما قدمته القرعة حمل توبيخًا إلهيًا خفيًا ليونان المُستهين بخلاص الأمم


يونان والنوتية

فَقَالُوا لَهُ: أَخْبِرْنَا بِسَبَبِ مَنْ هذِهِ الْمُصِيبَةُ عَلَيْنَا؟ مَا هُوَ عَمَلُكَ؟ وَمِنْ أَيْنَ أَتَيْتَ؟ مَا هِيَ أَرْضُكَ؟ وَمِنْ أَيِّ شَعْبٍ أَنْتَ؟ فَقَالَ لَهُمْ: أَنَا عِبْرَانِيٌّ، وَأَنَا خَائِفٌ مِنَ الرَّبِّ إِلهِ السَّمَاءِ الَّذِي صَنَعَ الْبَحْرَ وَالْبَرَّ. يونان 1: 8 - 9

وفي وسط التيارات العنيفة والنوء الشديد والخطر المحدق كنا نتوقع في النوتية أن يفقدوا سلامهم وهدوءهم، لكنهم أثبتوا أنهم حكماء، فإذ رأوا في يونان سرًا صاروا يسألونه عن كل حياته بالتفصيل... طالبين المعرفة الحقة. فكانت أسئلتهم توبيخًا لطيفًا إستخدمه الله لإصلاح يونان نفسه، ففيما هم يسألون كان يليق بيونان أن يُراجع نفسه في تصرفاته. وكما قال القديس چيروم: كان هدف القرعة أن يضغط النوتية عليه ليعترف بلسانه عن سبب هذا النوء وعلة غضب الله. أي ليعترف بعصيانه للرب وهروبه من ذاك الذي خلق البحر والبر

وقد جاءت الأسئلة بالنتيجة المرجوة إذ اعترف قائلًا: أنا عبراني، وأنا خائف من الرب إله السماء الذي صنع البحر والبر. وكما يقول القديس چيروم: إنه لم يقل أنا عبراني قاصدًا اللقب الخاص بشعبه الذي ينتمي إلى أحد أسباطه، إنما قصد أنه عابر كإبراهيم، وكأنه يقول: أنا ضعيف وراحل كسائر آبائي، وكما جاء في المزمور: عبروا من مدينة إلى أخرى ومن مملكة إلى شعب آخر... إنني خائف من الرب إله السماء وليس من الآلهة التي تضرعون إليها العاجزة عن الخلاص. إنني أتضرع إلى إله السماء الذي صنع البحر والبر، البحر الذي أهرب إليه، والبر الذي أهرب منه

اعترف يونان بخطئه فتعرف البحارة على الله المخوف بحق، إذ قيل: فَخَافَ الرِّجَالُ خَوْفًا عَظِيمًا، وَقَالُوا لَهُ: لِمَاذَا فَعَلْتَ هذَا؟ فَإِنَّ الرِّجَالَ عَرَفُوا أَنَّهُ هَارِبٌ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ، لأَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ. يونان 1: 10. أدركوا أنه إنسان مقدس هارب من الله القدوس لذا سألوه لا توبيخًا له وإنما كما يقول القديس چيروم: استفسارًا عن سرّ تصرفه

بعد تمتعهم بمعرفة الله سألوا يونان: مَاذَا نَصْنَعُ بِكَ لِيَسْكُنَ الْبَحْرُ عَنَّا؟ لأَنَّ الْبَحْرَ كَانَ يَزْدَادُ اضْطِرَابًا. يونان 1: 11

يقول القديس چيروم: كأنهم يقولون: إنك تقول بأنه بسببك صار الريح والأمواج والبحر في هياج. لقد كشفت لنا عن سبب المرض فافصح عن الدواء. هوذا البحر يرتفع ضدنا، وعرفنا أننا صرنا موضع غضب لأننا أخذناك. أخطأنا إذ إستضفناك، فماذا نفعل حتى يسكن غضب الله علينا؟ ماذا نفعل بك؟ هل نقتلك؟ لكنك من مؤمني الرب! هل نحتفظ بك؟ إنك هارب من الله! الآن ليس لنا إلاَّ أن نُنفذ أمرك، فلتأمر حتى يهدأ البحر، فإن إضطرابه يشهد عن غضب الخالق... لا يمكن التأجيل بعد، أمام انتقام الخالق؟

فَقَالَ لَهُمْ: خُذُونِي وَاطْرَحُونِي فِي الْبَحْرِ فَيَسْكُنَ الْبَحْرُ عَنْكُمْ، لأَنَّنِي عَالِمٌ أَنَّهُ بِسَبَبِي هذَا النَّوْءُ الْعَظِيمُ عَلَيْكُمْ. يونان 1: 12

قدم يونان العلاج وهو طرحه في البحر الهائج فيسكن النوء العظيم، فقد كان هذا النوء بسبب عصيانه للرب فلا يهدأ إلاَّ بإلقائه في المياه لتوبته، ومن ناحية أخرى فإن يونان كممثل للسيد المسيح حامل خطايا العالم كان لابد أن يُلقى به على الصليب ويُسلم للقبر لينعم المؤمنون به بالمصالحة مع الآب ويدخلون إلى سلامه الأبدي

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: توقع يونان أن يهرب بواسطة السفينة، فإذا بالسفينة تكون له قيودًا. ظن أنه قادر على الهرب من إله البحر خلال سفينة فأمسك به وسط المياه الثائرة داخل السفينة ليحصره وسط الضيق ويدخل به إلى التوبة. إستخدم الله ذات الوسيلة التي ظنها يونان لهربه من يد الله لكي يمسك به ويرده إليه. ما أجمل العبارة التي قالها القديس يوحنا الذهبي الفم: لم تكن هناك حاجة إلى أيام كثيرة ولا إلى نصائح مستمرة لكن في بساطة نقول كانت الحاجة أن يقوده كل شيء إلى التوبة (أي يستخدم الله كل الظروف لخلاصه). فالله لم يقده من السفينة إلى المدينة مباشرة، وإنما سلمه البحارة للبحر، والبحر للحوت، والحوت لله، والله لأهل نينوى، وخلال هذه الدائرة الطويلة ردّ الشارد حتى يعرف الكل أنه لن يمكن الهروب من يد الله... وَلكِنَّ الرِّجَالَ جَذَفُوا لِيُرَجِّعُوا السَّفِينَةَ إِلَى الْبَرِّ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا، لأَنَّ الْبَحْرَ كَانَ يَزْدَادُ اضْطِرَابًا عَلَيْهِمْ. يونان 1: 13

يُعلق القديس چيروم على الكلمات التي نطق بها يونان مع البحارة، قائلًا: إن هذا النوء يبحث عني، يُهددكم بالغرق لكي تمسكوا بيّ وبموتي تحيون! إنني أعرف بالحقيقة أن هذا النوء العظيم هو بسبي... هوذا الأمواج تأمركم أن تلقونيّ في البحر فتجدون هدوءًا... لنلاحظ هنا عظمة الهارب فإنه لا يراوغ ولا يكتم الأمر ولا ينكر بعدما اعترف بهروبه من الله، وإنما يتقبل العقاب بقلب متسع. يُريد أن يموت ولا يتحطم الآخرون بسببه

وللقديس چيروم أيضًا تعليق جميل على كلمات يونان هذه بكونها نبوة عن عمل السيد المسيح - يوناننا الحقيقي - الذي قَبِلَ أن يموت ليفدي الشعب كله، إذ يقول: يوناننا يقول: إنني بالحقيقة أعرف أن هذا النوء العظيم عليكم هو بسببي، فإذ تراني الرياح مبحرًا معكم إلى ترشيش أي إلى (التأمل المفرح)، أقودكم إلى المجد، حتى حيث أوجد أنا هناك تكونون أنتم أيضًا عند الآب، لهذا يحدث غضب. العالم يبكي والطبيعة تضطرب! الموت يُريد أن يبتلعني لكي يقتلكم في نفس الوقت وهو لا يدرك أنه يأخذني كطعم، فبموتي يموت هو! خذوني إذن واطرحوني في البحر


يونان في جوف الحوت

وَلكِنَّ الرِّجَالَ جَذَفُوا لِيُرَجِّعُوا السَّفِينَةَ إِلَى الْبَرِّ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا، لأَنَّ الْبَحْرَ كَانَ يَزْدَادُ اضْطِرَابًا عَلَيْهِمْ. فَصَرَخُوا إِلَى الرَّبِّ وَقَالُوا: آهِ يَا رَبُّ، لاَ نَهْلِكْ مِنْ أَجْلِ نَفْسِ هذَا الرَّجُلِ، وَلاَ تَجْعَلْ عَلَيْنَا دَمًا بَرِيئًا، لأَنَّكَ يَا رَبُّ فَعَلْتَ كَمَا شِئْتَ (أو كما أمرت). يونان 1: 13 - 14

أبرز هذا السفر في بساطة الجوانب الطيبة لهؤلاء الأمميين، ففي البداية لم يلقوا بأمتعتهم ولا تصرفوا بحسب خبرتهم كبحارة إلاَّ بعد أن صرخ كل واحد إلى إلهه، فوضعوا آلهتهم أولًا قبل خبرتهم الأمر الذي يتجاهله كثير من المؤمنين. مرة أخرى حين ألقوا القرعة ووقعت على يونان لم يجرحوا مشاعره بكلمة ولا أهانوه بالرغم من الخسائر الكثيرة التي لحقت بهم بسببه، وحتى عندما اعترف بخطئه وأشار إليهم بطرحه في البحر حاولوا إنقاذه بكل وسيلة، وإذ فشلوا تمامًا وأدركوا أنها مشيئة الله أن يطرحوه في البحر كانوا في رعدة يخشون غضب الله، ويسألونه ألاَّ يسمح بهلاكهم من أجل نفس هذا الرجل! ألم تكن هذه التصرفات المملوءة حبًا ورقة وحكمة كافية لتوبيخ يونان الذي دعاه الرب لخلاص الأمم في نينوى فهرب! لقد قدم له عينة من الأمميين يفوقون المؤمنين أنفسهم. لو قورنوا باليهود الذين لهم الشريعة ومعهم النبوات ورأوا أعمال المسيح العجيبة وشهادة السماء والأرض والبحر وكل خليقة له، حتى بيلاطس الأممي غسل يديه أمامهم ومع ذلك صرخوا: دمه علينا وعلى أولادنا، ألا يُحسبون أفضل منهم

يعلق القديس چيروم على تصرفات الملاحين، قائلًا

كانوا يريدون أن يسحبوا المجداف ويهزموا الطبيعة حتى لا يفضحوا نبي الرب.. ظنوا أنهم قادرون أن يخلصوا السفينة من الخطر ولم يضعوا في اعتبارهم الدور الذي يقوم به يونان أنه يجب أن يتألم. القديس چيروم

عظيم هو إيمان الملاحين، فقد كانوا في خطر ومع هذا كانوا يصلون من أجل حياة الغير. عرفوا جيدًا أن الموت الروحي أبشع من الموت الطبيعي، إذ قالوا: لا تجعل علينا دمًا بريئًا. يجعلون الله نفسه شاهدًا حتى لا يتهمهم فيما لا يستطيعون عليه، وكأنهم يقولون له: لا نُريد أن نقتل نبيك إنما هو أعلن عن غضبك عليه، والنوء أكدّ إرادتك يا رب، هذه التي نحن نتممها بأيدينا. القديس چيروم

بينما لا يود الأمم موت المسيح مؤكدين أنه دم بريء.. فَلَمَّا رَأَى بِيلاَطُسُ أَنَّهُ لاَ يَنْفَعُ شَيْئًا، بَلْ بِالْحَرِيِّ يَحْدُثُ شَغَبٌ، أَخَذَ مَاءً وَغَسَلَ يَدَيْهِ قُدَّامَ الْجَمْعِ قَائِلاً: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هذَا الْبَارِّ! أَبْصِرُوا أَنْتُمْ!. فَأَجَابَ جَمِيعُ الشَّعْب وَقَالُوا: دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلاَدِنَا. متى 27: 24 - 25، إذا باليهود يقولون: دمه علينا وعلى أولادنا، لهذا متى رفعوا أيديهم نحو السماء لا يُستجاب لهم، لأن أيديهم مملوءة دمًا. القديس چيروم

ثُمَّ أَخَذُوا يُونَانَ وَطَرَحُوهُ فِي الْبَحْرِ، فَوَقَفَ الْبَحْرُ عَنْ هَيَجَانِهِ. يونان 1: 15

يقول القديس چيروم: لم يقل أمسكوه أو انقضوا عليه بل أخذوه كمن حملوه باحترام وإكرام، وطرحوه في البحر مسلمًا نفسه بين أيديهم بلا مقاومة، عندئذ وقف البحر عن هيجانه، إذ وجد من كان يبحث عنه. عندما نقتفي أثر شارد نجري وراءه بكل قدرات أرجلنا، وإذ نمسك به نتوقف بالغنيمة. هكذا كان البحر هائجًا بدون يونان، وإذ أُخذ في أعماقه من كان يشتهيه إبتهج بأخذه إياه وعيَّد له وهدأ فرحًا

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم في إلقاء يونان العاصي في البحر إشارة إلى طرد الخطية من سفينة حياتنا ليعود إلينا سلامنا الحق الذي نزعته آثامنا، إذ يقول: إضطربت المدينة بسبب خطايا أهل نينوى، وإضطربت السفينة بسبب عصيان النبي. لذلك ألقى البحارة يونان في العمق فحُفظت السفينة. لنلق نحن أيضًا خطايانا فتبقى مدينتنا في أمان أكيد

ويرى القديس چيروم في إلقاء يونان في البحر إشارة إلى آلام السيد المسيح، التي نزعت عن بحرنا هياجه، وخلصت السفينة ومن بها من الخطر. خلال آلام السيد المسيح إمتلأ العالم سلامًا داخليًا فائقًا

فَخَافَ الرِّجَالُ مِنَ الرَّبِّ خَوْفًا عَظِيمًا، وَذَبَحُوا ذَبِيحَةً لِلرَّبِّ وَنَذَرُوا نُذُورًا. يونان 1: 16

إذ أُلقى يونان في البحر إي احتمل السيد المسيح الآلام حتى الموت خلصنا من العبادات الوثنية القديمة، واهبًا إيانا مخافته العظيمة وتقديم ذبيحته الكفارية الفريدة وإيفاء نذورنا للرب أي تكريس حياتنا له تمامًا

يقول القديس چيروم: عندما مات يونان الهارب في البحر خلصت السفينة التي هزتها الرياح وخلص عابدوا الأوثان. كما يقول: قبل آلام الرب تضرعوا إلى آلهتهم تحت تأثير الخوف.. فَخَافَ الرِّجَالُ خَوْفًا عَظِيمًا، وَقَالُوا لَهُ: لِمَاذَا فَعَلْتَ هذَا؟ فَإِنَّ الرِّجَالَ عَرَفُوا أَنَّهُ هَارِبٌ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ، لأَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ. يونان 1: 10، أما بعد الآلام فخافوه بمعنى عبدوه ومجدوه.. لقد خافوه خوفًا عظيمًا إي من كل النفس ومن كل القلب ومن كل الفكر فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ. التثنية 6: 5؛ فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ. متى 22: 37. وذبحوا ذبيحة؛ بالتأكيد لا تعني المعنى الحرفي، إذ لا توجد ذبائح في البحر، لكن ذبيحة الرب إنما هي الروح الأصيل، وكما قيل: قدموا للرب ذبيحة الحمد، أوف للعلي نذورك.. اِذْبَحْ للهِ حَمْدًا، وَأَوْفِ الْعَلِيَّ نُذُورَكَ. المزامير 50: 14

إذن بطرح يونان في البحر أو دخول السيد المسيح إلى آلامه حلّ علينا روح المخافة الإلهية، وصار لنا حق تقديم ذبيحته المقدسة، وإيفاء نذورنا له

وَأَمَّا الرَّبُّ فَأَعَدَّ حُوتًا عَظِيمًا لِيَبْتَلِعَ يُونَانَ. فَكَانَ يُونَانُ فِي جَوْفِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال. يونان 1: 17

لم تسر الأمور بلا تدبير أو تخطيط إلهي، لكن الله الذي أرسل الريح الشديدة فحدث نوء عظيم يعلن غضب الله على العصيان هو الذي أرسل سمكة ضخمة بجوار السفينة تبتلع يونان لتهبه مبيتًا آمنًا لا موتًا، تكشف له عن رعاية الله به، يقول القديس چيروم: أظهر الرب غضبه حين كان يونان في السفينة، وأظهر فرحه حين دخل إلى الموت، معللًا ذلك بأنه يمثل السيد المسيح الذي أمات الموت بموته. حقًا لقد ظهر يونان كضحية للموت يبتلعه الجحيم، لكن لم يستطيع أن يحتمله في داخله أكثر من ثلاثة أيام وثلاث ليالِ بل قذفه من جوفه، ليقول النبي: أَيْنَ أَوْبَاؤُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ شَوْكَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟ هوشع 13: 14

لقد أكد السيد المسيح ما حدث ليونان في جوف الحوت كرمز لما حدث مع السيد نفسه، بقوله: لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليالِ هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليالِ.. لأَنَّهُ كَمَا كَانَ يُونَانُ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال، هكَذَا يَكُونُ ابْنُ الإِنْسَانِ فِي قَلْب الأَرْضِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال. متى 12: 40

كيف بقى السيد المسيح في الأرض هذه المدة؟

أولًا: يرى القديس چيروم أن اليهود يحسبون الجزء من اليوم كيومٍ كامل، فتُحسب مدة الموت للسيد المسيح من الجمعة حتى الأحد، وإن كان قد مات في نهاية الجمعة وقام في فجر الأحد. ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أنه لو بقى السيد حتى نهاية يوم الأحد لكان الجند قد تركوا القبر وصدق اليهود أن خبر القيامة من صنع التلاميذ. إفتعلوه بعد ترك الجند للموقع، لذا قام والجند يحرسون القبر

ثانيًا: يُقدم القديس چيروم رأيًا كان له من ينادي به هو اعتبار ساعات الظلمة على الصليب ليلًا جديدًا فريدًا من نوعه

ثالثًا: يُحسب البعض مدة الدفن منذ اللحظة التي سلم فيها السيد جسده المبذول في أحشاء تلاميذه في العشاء الأخير، كمن هو مدفون في الأرض البشرية ليقيمها معه سماءً له بقيامته في فجر الأحد

على أي الأحوال لقد دفن السيد ثلاثة أيام وقام، هذه هي الحقيقة التي شهدها التلاميذ وأكدها الرب ببراهين كثيرة لنعيشها كسرّ قيامتنا اليومية وغلبتنا على الموت والجحيم

هذا وقد استخدم يونان بدخوله إلى الموت وخروجه كدليل حيّ على قيامة الجسد في اليوم الأخير


الإصحاح الأول من سفر يونان

وَصَارَ قَوْلُ الرَّبِّ إِلَى يُونَانَ بْنِ أَمِتَّايَ قَائِلاً

قُمِ اذْهَبْ إِلَى نِينَوَى الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ وَنَادِ عَلَيْهَا، لأَنَّهُ قَدْ صَعِدَ شَرُّهُمْ أَمَامِي

فَقَامَ يُونَانُ لِيَهْرُبَ إِلَى تَرْشِيشَ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ، فَنَزَلَ إِلَى يَافَا وَوَجَدَ سَفِينَةً ذَاهِبَةً إِلَى تَرْشِيشَ، فَدَفَعَ أُجْرَتَهَا وَنَزَلَ فِيهَا، لِيَذْهَبَ مَعَهُمْ إِلَى تَرْشِيشَ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ

فَأَرْسَلَ الرَّبُّ رِيحًا شَدِيدَةً إِلَى الْبَحْرِ، فَحَدَثَ نَوْءٌ عَظِيمٌ فِي الْبَحْرِ حَتَّى كَادَتِ السَّفِينَةُ تَنْكَسِرُ

فَخَافَ الْمَلاَّحُونَ وَصَرَخُوا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى إِلهِهِ، وَطَرَحُوا الأَمْتِعَةَ الَّتِي فِي السَّفِينَةِ إِلَى الْبَحْرِ لِيُخَفِّفُوا عَنْهُمْ. وَأَمَّا يُونَانُ فَكَانَ قَدْ نَزَلَ إِلَى جَوْفِ السَّفِينَةِ وَاضْطَجَعَ وَنَامَ نَوْمًا ثَقِيلاً

فَجَاءَ إِلَيْهِ رَئِيسُ النُّوتِيَّةِ وَقَالَ لَهُ: مَا لَكَ نَائِمًا؟ قُمِ اصْرُخْ إِلَى إِلهِكَ عَسَى أَنْ يَفْتَكِرَ الإِلهُ فِينَا فَلاَ نَهْلِكَ

وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هَلُمَّ نُلْقِي قُرَعًا لِنَعْرِفَ بِسَبَبِ مَنْ هذِهِ الْبَلِيَّةُ. فَأَلْقَوا قُرَعًا، فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى يُونَانَ

فَقَالُوا لَهُ: أَخْبِرْنَا بِسَبَبِ مَنْ هذِهِ الْمُصِيبَةُ عَلَيْنَا؟ مَا هُوَ عَمَلُكَ؟ وَمِنْ أَيْنَ أَتَيْتَ؟ مَا هِيَ أَرْضُكَ؟ وَمِنْ أَيِّ شَعْبٍ أَنْتَ؟

فَقَالَ لَهُمْ: أَنَا عِبْرَانِيٌّ، وَأَنَا خَائِفٌ مِنَ الرَّبِّ إِلهِ السَّمَاءِ الَّذِي صَنَعَ الْبَحْرَ وَالْبَرَّ

فَخَافَ الرِّجَالُ خَوْفًا عَظِيمًا، وَقَالُوا لَهُ: لِمَاذَا فَعَلْتَ هذَا؟ فَإِنَّ الرِّجَالَ عَرَفُوا أَنَّهُ هَارِبٌ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ، لأَنَّهُ أَخْبَرَهُمْ

فَقَالُوا لَهُ: مَاذَا نَصْنَعُ بِكَ لِيَسْكُنَ الْبَحْرُ عَنَّا؟ لأَنَّ الْبَحْرَ كَانَ يَزْدَادُ اضْطِرَابًا

فَقَالَ لَهُمْ: خُذُونِي وَاطْرَحُونِي فِي الْبَحْرِ فَيَسْكُنَ الْبَحْرُ عَنْكُمْ، لأَنَّنِي عَالِمٌ أَنَّهُ بِسَبَبِي هذَا النَّوْءُ الْعَظِيمُ عَلَيْكُمْ

وَلكِنَّ الرِّجَالَ جَذَفُوا لِيُرَجِّعُوا السَّفِينَةَ إِلَى الْبَرِّ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا، لأَنَّ الْبَحْرَ كَانَ يَزْدَادُ اضْطِرَابًا عَلَيْهِمْ

فَصَرَخُوا إِلَى الرَّبِّ وَقَالُوا: آهِ يَا رَبُّ، لاَ نَهْلِكْ مِنْ أَجْلِ نَفْسِ هذَا الرَّجُلِ، وَلاَ تَجْعَلْ عَلَيْنَا دَمًا بَرِيئًا، لأَنَّكَ يَا رَبُّ فَعَلْتَ كَمَا شِئْتَ

ثُمَّ أَخَذُوا يُونَانَ وَطَرَحُوهُ فِي الْبَحْرِ، فَوَقَفَ الْبَحْرُ عَنْ هَيَجَانِهِ

فَخَافَ الرِّجَالُ مِنَ الرَّبِّ خَوْفًا عَظِيمًا، وَذَبَحُوا ذَبِيحَةً لِلرَّبِّ وَنَذَرُوا نُذُورًا

وَأَمَّا الرَّبُّ فَأَعَدَّ حُوتًا عَظِيمًا لِيَبْتَلِعَ يُونَانَ. فَكَانَ يُونَانُ فِي جَوْفِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال

يونان 1


تفسير سفر يونان - يونان 1 - الاصحاح الأول -  تفسير الكتاب المقدس - العهد القديم - القمص تادرس يعقوب ملطي - من تفسير و تأملات الآباء الأولون


يمكن الرجوع إلى

النبي الهارب والشعب التائب
 
http://orthodoxcoptic.blogspot.com/2012/10/blog-post_2.html

Share

Thursday, January 24, 2013

مائدة الحكمة


لا يقف عمل الحكمة عند النداء العملي لكل البشرية والدعوة للتمتع به بكونه حكمة الله الأزلي، الخالق والمدبر للخليقة كلها، مقدمًا بركاته الفائقة، لكنه يكشف هنا عن المائدة التي أعدها للمؤمنين، تكلفتها بذل ذاته بالحب العملي على الصليب لأجل الإنسان

يدعونا السيد المسيح - الحكمة الإلهي - إلى سمواته لكي نشبع من المائدة الفريدة الغنية، فقد حمل جسدنا بيتًا له، وصار جسده الحقيقي الذي يبذله بالحب طعامًا روحيًا يشبع النفس ويرويها

جاء السيد المسيح نفسه ليدعونا إلي وليمته، كما بعث إلينا تلاميذه ورسله والعاملين في كرمه لتقديم دعوة عامة لكل البشرية. لكن لا يستطيع أن يتمتع بهذه الدعوة إلا من يشعر بجهله واحتياجه إلي الحكمة. مسيحنا جاء لا ليدعو الأبرار، بل الخطاة إلي التوبة. بَلِ اخْتَارَ اللهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى وَغَيْرَ الْمَوْجُودِ لِيُبْطِلَ الْمَوْجُودَ، لِكَيْ لاَ يَفْتَخِرَ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَمَامَهُ. وَمِنْهُ أَنْتُمْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ، الَّذِي صَارَ لَنَا حِكْمَةً مِنَ اللهِ وَبِرًّا وَقَدَاسَةً وَفِدَاءً. حَتَّى كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: مَنِ افْتَخَرَ فَلْيَفْتَخِرْ بِالرَّبِّ. رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 1: 27 - 31

من لا يقبل وليمة الحكمة يجد نفسه قد انسحب إلي وليمة الجهل

مائدة الحكمة، سفر الأمثال 9، الآيات 1 - 12

مائدة الجهل، سفر الأمثال 9، الآيات 13 - 18

+++++

مائدة الحكمة

يستعرض سليمان الحكيم اهتمام حكمة الله بالمائدة السمائية التي أعدها لمحبوبيه، بني البشر، الذين هم موضع سروره ولذته، موضحًا تكلفتها وفاعليتها في حياتهم. تحدث عن الآتي

بيت الوليمة، سفر الأمثال 9، الآيات 1

قوة البيت وثباته، سفر الأمثال 9، الآيات 1

طعام فريد، سفر الأمثال 9، الآيات 2

شراب فريد، سفر الأمثال 9، الآيات 2

نظام الوليمة، سفر الأمثال 9، الآيات 2

الدعوة للوليمة، سفر الأمثال 9، الآيات 3 - 5

فاعلية الوليمة، سفر الأمثال 9، الآيات 6.. يمكن الرجوع إلى: ما احلى حبك يا كنيستنا سفر الأمثال 9، الآيات 1 - 6

جدية الوليمة، سفر الأمثال 9، الآيات 7 - 9

طريق الوليمة، سفر الأمثال 9، الآيات 10

امتداد الوليمة، سفر الأمثال 9، الآيات 11

المنتفع بالوليمة، سفر الأمثال 9، الآيات 12


بيت الوليمة، قوة البيت وثباته، طعام فريد، شراب فريد، نظام الوليمة، الدعوة للوليمة، فاعلية الوليمة.. سفر الأمثال 9، الآيات 1 - 6
اَلْحِكْمَةُ بَنَتْ بَيْتَهَا. نَحَتَتْ أَعْمِدَتَهَا السَّبْعَةَ. ذَبَحَتْ ذَبْحَهَا. مَزَجَتْ خَمْرَهَا. أَيْضًا رَتَّبَتْ مَائِدَتَهَا. أَرْسَلَتْ جَوَارِيَهَا تُنَادِي عَلَى ظُهُورِ أَعَالِي الْمَدِينَةِ: مَنْ هُوَ جَاهِلٌ فَلِيَمِلْ إِلَى هُنَا. وَالنَّاقِصُ الْفَهْمِ قَالَتْ لَهُ: هَلُمُّوا كُلُوا مِنْ طَعَامِي، وَاشْرَبُوا مِنَ الْخَمْرِ الَّتِي مَزَجْتُهَا. اُتْرُكُوا الْجَهَالاَتِ فَتَحْيَوْا، وَسِيرُوا فِي طَرِيقِ الْفَهْمِ. سفر الأمثال 9: 1 - 6


اَلْحِكْمَةُ بَنَتْ بَيْتَهَا. نَحَتَتْ أَعْمِدَتَهَا السَّبْعَةَ
ذَبَحَتْ ذَبْحَهَا. مَزَجَتْ خَمْرَهَا. أَيْضًا رَتَّبَتْ مَائِدَتَهَا
أَرْسَلَتْ جَوَارِيَهَا تُنَادِي عَلَى ظُهُورِ أَعَالِي الْمَدِينَةِ
مَنْ هُوَ جَاهِلٌ فَلِيَمِلْ إِلَى هُنَا. وَالنَّاقِصُ الْفَهْمِ قَالَتْ لَهُ
هَلُمُّوا كُلُوا مِنْ طَعَامِي، وَاشْرَبُوا مِنَ الْخَمْرِ الَّتِي مَزَجْتُهَا
اُتْرُكُوا الْجَهَالاَتِ فَتَحْيَوْا، وَسِيرُوا فِي طَرِيقِ الْفَهْمِ
امثال 9: 1 - 6

يمكن الرجوع سفر الأمثال 9، الآيات 1 - 6 في ما احلى حبك يا كنيستنا.. بيت الوليمة، قوة البيت وثباته، طعام فريد، شراب فريد، نظام الوليمة، الدعوة للوليمة، فاعلية الوليمة.. المسيح يدعونا لوليمته، وليمة الشركة، المائدة المقدسة لجسده ودمه
 
http://orthodoxcoptic.blogspot.com/2012/12/blog-post_31.html


مَنْ يُوَبِّخْ مُسْتَهْزِئًا يَكْسَبْ لِنَفْسِهِ هَوَانًا، وَمَنْ يُنْذِرْ شِرِّيرًا يَكْسَبْ عَيْبًا. لاَ تُوَبِّخْ مُسْتَهْزِئًا لِئَلاَّ يُبْغِضَكَ. وَبِّخْ حَكِيمًا فَيُحِبَّكَ. أَعْطِ حَكِيمًا فَيَكُونَ أَوْفَرَ حِكْمَةً. عَلِّمْ صِدِّيقًا فَيَزْدَادَ عِلْمًا. بَدْءُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ الرَّبِّ، وَمَعْرِفَةُ الْقُدُّوسِ فَهْمٌ. لأَنَّهُ بِي تَكْثُرُ أَيَّامُكَ وَتَزْدَادُ لَكَ سِنُو حَيَاةٍ. إِنْ كُنْتَ حَكِيمًا فَأَنْتَ حَكِيمٌ لِنَفْسِكَ، وَإِنِ اسْتَهْزَأْتَ فَأَنْتَ وَحْدَكَ تَتَحَمَّلُ. اَلْمَرْأَةُ الْجَاهِلَةُ صَخَّابَةٌ حَمْقَاءُ وَلاَ تَدْرِي شَيْئًا، فَتَقْعُدُ عِنْدَ بَابِ بَيْتِهَا عَلَى كُرْسِيٍّ فِي أَعَالِي الْمَدِينَةِ، لِتُنَادِيَ عَابِرِي السَّبِيلِ الْمُقَوِّمِينَ طُرُقَهُمْ: مَنْ هُوَ جَاهِلٌ فَلْيَمِلْ إِلَى هُنَا. وَالنَّاقِصُ الْفَهْمِ تَقُولُ لَهُ: الْمِيَاهُ الْمَسْرُوقَةُ حُلْوَةٌ، وَخُبْزُ الْخُفْيَةِ لَذِيذٌ. وَلاَ يَعْلَمُ أَنَّ الأَخْيِلَةَ هُنَاكَ، وَأَنَّ فِي أَعْمَاقِ الْهَاوِيَةِ ضُيُوفَهَا. سفر الأمثال 9: 7 - 18


مَنْ يُوَبِّخْ مُسْتَهْزِئًا يَكْسَبْ لِنَفْسِهِ هَوَانًا، وَمَنْ يُنْذِرْ شِرِّيرًا يَكْسَبْ عَيْبًا
لاَ تُوَبِّخْ مُسْتَهْزِئًا لِئَلاَّ يُبْغِضَكَ. وَبِّخْ حَكِيمًا فَيُحِبَّكَ
أَعْطِ حَكِيمًا فَيَكُونَ أَوْفَرَ حِكْمَةً. عَلِّمْ صِدِّيقًا فَيَزْدَادَ عِلْمًا
بَدْءُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ الرَّبِّ، وَمَعْرِفَةُ الْقُدُّوسِ فَهْمٌ
لأَنَّهُ بِي تَكْثُرُ أَيَّامُكَ وَتَزْدَادُ لَكَ سِنُو حَيَاةٍ
إِنْ كُنْتَ حَكِيمًا فَأَنْتَ حَكِيمٌ لِنَفْسِكَ، وَإِنِ اسْتَهْزَأْتَ فَأَنْتَ وَحْدَكَ تَتَحَمَّلُ
اَلْمَرْأَةُ الْجَاهِلَةُ صَخَّابَةٌ حَمْقَاءُ وَلاَ تَدْرِي شَيْئًا
فَتَقْعُدُ عِنْدَ بَابِ بَيْتِهَا عَلَى كُرْسِيٍّ فِي أَعَالِي الْمَدِينَةِ
لِتُنَادِيَ عَابِرِي السَّبِيلِ الْمُقَوِّمِينَ طُرُقَهُمْ
مَنْ هُوَ جَاهِلٌ فَلْيَمِلْ إِلَى هُنَا. وَالنَّاقِصُ الْفَهْمِ تَقُولُ لَهُ
الْمِيَاهُ الْمَسْرُوقَةُ حُلْوَةٌ، وَخُبْزُ الْخُفْيَةِ لَذِيذٌ
وَلاَ يَعْلَمُ أَنَّ الأَخْيِلَةَ هُنَاكَ، وَأَنَّ فِي أَعْمَاقِ الْهَاوِيَةِ ضُيُوفَهَا
امثال 9: 7 - 18

+++++

جدية الوليمة

مَنْ يُوَبِّخْ مُسْتَهْزِئًا يَكْسَبْ لِنَفْسِهِ هَوَانًا، وَمَنْ يُنْذِرْ شِرِّيرًا يَكْسَبْ عَيْبًا. لاَ تُوَبِّخْ مُسْتَهْزِئًا لِئَلاَّ يُبْغِضَكَ. وَبِّخْ حَكِيمًا فَيُحِبَّكَ. الأمثال 9: 7 - 8

كان الفلاسفة يظنون أنهم بلا خطية، يمثِّلون طبقة خاصة معصومة من الخطأ، لكن كلمة اللَّه تكشف عن ضعف الطبيعة البشرية وحاجة الكل، حتى المعلمين والقادة، إلى التعلم المستمر

ألعل هذا هو السبب أنه لا يوجد أحد حتى من بين الذين يتجاسرون وينعتون أنفسهم كحكماء، لأنهم (الفلاسفة) يظنون أن الحكيم بلا خطية؟ أما كتابنا المقدس فلا يقول هذا بل يقول: وَبِّخْ حَكِيمًا فَيُحِبَّكَ. الأمثال 9: 8. بلاشك من يظن أن الإنسان يلزم أن يُوبخ، يحكم بأنه خاطي.. على أي الأحوال، من جانبي لا أجسر أن أحسب نفسي حكيمًا حتى بهذا المعنى. يكفيني أن أحسب نفسي ما لا يستطيعوا أن ينكروه، أي يُنسب الصراع من أجل الحكمة إلى الفلاسفة، أي إلى محبي الحكمة. فإن الذين يمتهنون محبة الحكمة لا يتوقفون عن الصراع من أجل الحكمة، ويُحسب هؤلاء أكثر منهم حكماء. القديس أغسطينوس

الدعوة موجهة إلى الجميع، لكن لا يدركها إلا الإنسان الجاد في خلاص نفسه. لهذا فإن المستهزئ إذ يجد في الدعوة توبيخًا لاستهتاره عوض التجاوب مع نداء الحكمة يهين من يقدمها إليه، والشرير المصمم علي شره عوض التوبة ينسب لمن يهتم بخلاصه العيوب والشرور

ليس عجيبًا لأَنَّ كُلَّ مَنْ لَهُ يُعْطَى فَيَزْدَادُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ فَالَّذِي عِنْدَهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ. متى 25: 29. من لديه حكمة يزداد حكمة، لأنه يطلب أن ينمو فيها، يحب من يعلمه ويوبخه لينال معرفة. وأما من له روح السخرية والاستهزاء والشر يزداد شرًا، لأنه يحمل بغضة لمن يوبخه أو يرشده

أَعْطِ حَكِيمًا فَيَكُونَ أَوْفَرَ حِكْمَةً. عَلِّمْ صِدِّيقًا فَيَزْدَادَ عِلْمًا. الأمثال 9: 9

لم يقل (أعط تعليمًا للحكيم)، بل قال (أعط حكيمًا)، دون تحديد ما تقدمه له. فالحكيم ينتفع من كل ما يُعطى إليه؛ إنه كالنحلة التي تجمع عسلًا من كل زهرة

يرى القديس يوحنا الذهبي الفم في شعبه حكماء يحتاجون أن يبدأ معهم بعض تأملاته في الكتاب المقدس ليفتح لهم الطريق، وأما هم فيكملون ما بدأه ويُضيفون عليه، إذ يزدادون حكمة

يليق بنا أن نقدم كل النقاط الأخرى، لكن بهذا يصير الحديث طويلًا للغاية، ويمتد إلى مدة طويلة جدًا. لهذا فإننا نتوقف عن أن نقدم نقاط أخرى، ونترك هذا الأمر لكم، ففي وسعكم أن يكون بين أيديكم. أنه في قدرتكم أن تجمعوا هذه النقاط معًا في البيت وتفحصوا الاختلافات، وبنفس الطريقة تدركون نقاطًا جديدة. قيل: أعط بدء المكان للحكيم فيزداد حكمة. فالبدء هو من عندنا، وأما النهاية فهي عندكم. القديس يوحنا الذهبي الفم

+++++

طريق الوليمة

بَدْءُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ الرَّبِّ، وَمَعْرِفَةُ الْقُدُّوسِ فَهْمٌ. الأمثال 9: 10

لن نستطيع الدخول في طريق الحكمة ما لم نطلب مخافة الرب، فهي بدء الحكمة، وهي غايتها أيضًا. نبدأ بالمخافة الإلهية التي ترافقنا طوال الطريق حتى تدخل بنا إلي الأحضان الإلهية. ننعم بالخوف الممزوج بالحب، ليس خوف العبيد الذي يطرد المحبة، بل خوف البنين الذين يتمتعون بروح الحب

يتحدث العلامة ترتليان في هجومه على الفلسفة والفلاسفة قائلًا: بأن الفلاسفة يفشلون في التعرف على اللَّه، ويتشككون، ويصيرون في ارتباك بسبب فقدانهم مخافة الرب

+++++

امتداد الوليمة

لأَنَّهُ بِي تَكْثُرُ أَيَّامُكَ وَتَزْدَادُ لَكَ سِنُو حَيَاةٍ. الأمثال 9: 11

تهب الحكمة كثرة أيام وزيادة سني حياة. إن قصرت أو طالت أيام حياة المؤمن علي الأرض، إلا أنها في عينيْ الله مثمرة وممتدة لا يستطيع الموت أن يحطمها

+++++

المنتفع بالوليمة

إِنْ كُنْتَ حَكِيمًا فَأَنْتَ حَكِيمٌ لِنَفْسِكَ، وَإِنِ اسْتَهْزَأْتَ فَأَنْتَ وَحْدَكَ تَتَحَمَّلُ. الأمثال 9: 12

ما يزرعه الإنسان إياه يحصد، فإن زرع حكمة تمتع بها، وإن زرع سخرية واستهزاء لا يضر أحدًا إنما يضر نفسه

لا يشترك في المائدة الروحية إلا ذاك الذي يُدعى بواسطة (اللَّه)، والذي يصغي إلى الحكمة القائلة: هلموا كلوا. القديس ديونسيوس الكبير


من يختبر الحكمة يأتي إليها جائعًا، يطلبها لا لينال بركات زمنية، إنما ليقتنيها، وقد عبر يشوع بن سيراخ عن ذلك بقصيدة رائعة في طلب الحكمة ختم بها السفر، جاء فيها

في شبابي وقبل تجوالي، التمست الحكمة علانية في صلاتي

أمام الهيكل طلبتها، وإلي آخر حياتي أسعى وراءها

ابتهج قلبي بزهرها، كما يبتهج بعنبٍ ينضج

ودرجت قدمي في الطريق المستقيم

ومنذ شبابي جددت في أثرها. أملت أذني قليلًا فتلقيتها

ووجدت لنفسي تأديبًا كثيرًا

وتقدمت بفضلها، والذي أتاني الحكمة آتيه مجدًا

فإني عزمت أن أعمل بها، وغرت علي الخير فلا أخزي

جاهدت نفسي لأجلها. ومارست الشريعة بدقة بالغة

ومددت يديَّ إلي العلاء. وبكيت علي جهالاتي

وجهت نفسي إليها بالطهارة ووجدتها

ومعها ملكت الإدراك منذ البدء، فلذلك لا أخذل

تحركت أحشائي في طلبها، فلذلك اقتنيت اقتناءً صالحًا


سفر يشوع بن سيراخ 51: 18 - 38 من الأسفار القانونية الثانية - اسفار (الأبوكريفة) الابوكريفا
في صبائي قبل ان اتيه التمست الحكمة علانية في صلاتي
امام الهيكل ابتهلت لاجلها والى اواخري التمسها فازهرت كباكورة العنب
ابتهج بها قلبي ودرجت قدمي في الاستقامة ومنذ صبائي جددت في اثرها
املت اذني قليلا ووعيت
فوجدت لنفسي تاديبا كثيرا وكان لي فيها نجح عظيم
ان الذي اتاني حكمة اوتيه تمجيدا
فاني عزمت ان اعمل بها وقد حرصت على الخير ولست اخزى
جاهدت نفسي لاجلها وفي اعمالي لم ابرح متنطسا
مددت يدي الى العلاء وبكيت على جهالاتي
وجهت نفسي اليها وبالطهارة وجدتها
بها ملكت قلبي من البدء فلذلك لا اخذل
وجوفي اضطرب في طلبها فلذلك اقتنيت قنية صالحة
اعطاني الرب اللسان جزاء فبه اسبحه
ادنوا مني ايها الغير المتادبين وامكثوا في منزل التاديب
لماذا تتقاعدون عن هذه ونفوسكم ظامئة جدا
اني فتحت فمي وتكلمت دونكم كسبا بلا فضة
اخضعوا رقابكم تحت النير ولتتخذ نفوسكم التاديب فان وجدانه قريب
انظروا باعينكم كيف تعبت قليلا فوجدت لنفسي راحة كثيرة
نالوا التاديب كمقدار كثير من الفضة واكتسبوا به ذهبا كثيرا
تبتهج نفوسكم برحمته ولا تخزوا بمدحته
اعملوا عملكم قبل الاوان فيؤتيكم ثوابكم في اوانه
سفر يشوع بن سيراخ 51: 18 - 38 من الأسفار القانونية الثانية - اسفار (الأبوكريفة) الابوكريفا

+++++

مائدة الجهل

اَلْمَرْأَةُ الْجَاهِلَةُ صَخَّابَةٌ حَمْقَاءُ وَلاَ تَدْرِي شَيْئًا. الأمثال 9: 13

إن كانت مائدة الحكمة قد أعدها الله نفسه ورتبها، مقدمًا إمكانيات إلهية يتمتع بها المؤمن ليصير حكيمًا وصاحب معرفة، وينمو فيهما، فإن مائدة الجهل تقدمها المرأة الجاهلة. ولعله يقصد بالمرأة الجاهلة هنا الشر نفسه. ويصفها بالآتي

جاهلة: بلا حكمة ولا معرفة صادقة

صخابة: تسبب صخبًا بلا معني ولا يحمل حبًا، بل ضجيجًا وقلقًا

حمقاء: تتصرف بغباوة

متشامخة: تجلس عند باب بيتها علي كرسي في أعالي المدينة، تعلم من يلتصق بها روح الكبرياء.. فَتَقْعُدُ عِنْدَ بَابِ بَيْتِهَا عَلَى كُرْسِيٍّ فِي أَعَالِي الْمَدِينَةِ. الأمثال 9: 14

تنادي السالكين في الحق لكي يتركوا طريقهم ويسيروا وراءها.. لِتُنَادِيَ عَابِرِي السَّبِيلِ الْمُقَوِّمِينَ طُرُقَهُمْ: مَنْ هُوَ جَاهِلٌ فَلْيَمِلْ إِلَى هُنَا. وَالنَّاقِصُ الْفَهْمِ تَقُولُ لَهُ: الْمِيَاهُ الْمَسْرُوقَةُ حُلْوَةٌ، وَخُبْزُ الْخُفْيَةِ لَذِيذٌ. الأمثال 9: 15 - 17

تغوى فتقدم عذوبة مع السرقة، ولذة مع المتخفي في الشر. بينما يقيم حكمة الله بيتًا يدعونا إليه لنتمتع بوليمة حب بادل، إذا بالجهل يدعو الشباب ويغويه لوليمة مياه مسروقة وخبز خفي تُقام في الشارع بدون بيت

تقدم خيالات وموتًا لمن يقبل ضيافتها، ويأكل من خبز الخفية الذي تقدمه والمياه المسروقة الحلوة.. وَلاَ يَعْلَمُ أَنَّ الأَخْيِلَةَ هُنَاكَ، وَأَنَّ فِي أَعْمَاقِ الْهَاوِيَةِ ضُيُوفَهَا. الأمثال 9: 18

+++++

الحكمة الجهالة

ملكة تهتم بالبناء. امرأة جاهلة حمقاء

تعد وليمة ثمينة. تدعو للملذات الباطلة

تقدم خبرة الحياة الملوكية. تقدم العبودية للملذات


الآيات 1 - 6 المسيح يدعونا لوليمته، وليمة الشركة، المائدة المقدسة لجسده ودمه.. يمكن الرجوع سفر الأمثال 9، الآيات 1 - 6 في ما احلى حبك يا كنيستنا.. بيت الوليمة، قوة البيت وثباته، طعام فريد، شراب فريد، نظام الوليمة، الدعوة للوليمة، فاعلية الوليمة

الآيات 7 - 11 يشرح أن الحكيم هو من يستجيب لدعوته

الآيات 12 الطريقان أمامنا وكلٌ بحرية يختار أيهما.. هو نفس ما قيل في سفر التثنية: بَلِ الْكَلِمَةُ قَرِيبَةٌ مِنْكَ جِدًّا، فِي فَمِكَ وَفِي قَلْبِكَ لِتَعْمَلَ بِهَا. اُنْظُرْ. قَدْ جَعَلْتُ الْيَوْمَ قُدَّامَكَ الْحَيَاةَ وَالْخَيْرَ، وَالْمَوْتَ وَالشَّرَّ، بِمَا أَنِّي أَوْصَيْتُكَ الْيَوْمَ أَنْ تُحِبَّ الرَّبَّ إِلهَكَ وَتَسْلُكَ فِي طُرُقِهِ وَتَحْفَظَ وَصَايَاهُ وَفَرَائِضَهُ وَأَحْكَامَهُ لِكَيْ تَحْيَا وَتَنْمُوَ، وَيُبَارِكَكَ الرَّبُّ إِلهُكَ فِي الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِلَيْهَا لِكَيْ تَمْتَلِكَهَا. التثنية 30: 14 - 16

الآيات 13 - 16 وليمة بابل الزانية.. الَّتِي زَنَى مَعَهَا مُلُوكُ الأَرْضِ، وَسَكِرَ سُكَّانُ الأَرْضِ مِنْ خَمْرِ زِنَاهَا. رؤيا يوحنا اللاهوتي 17: 2، وليمة إبليس للنفس، وتُصوَّر الخطية هنا على أنها امرأة تدعو الجميع لها وتغريهم بملذات، هي تمتع وقتي بالخطية، ومن يستجيب يسقط في شباكها

الآيات 18 الموت عاقبة من يستجيب للخطية

+++++

مَنْ يُوَبِّخْ مُسْتَهْزِئًا يَكْسَبْ لِنَفْسِهِ هَوَانًا، وَمَنْ يُنْذِرْ شِرِّيرًا يَكْسَبْ عَيْبًا. لاَ تُوَبِّخْ مُسْتَهْزِئًا لِئَلاَّ يُبْغِضَكَ. وَبِّخْ حَكِيمًا فَيُحِبَّكَ. أَعْطِ حَكِيمًا فَيَكُونَ أَوْفَرَ حِكْمَةً. عَلِّمْ صِدِّيقًا فَيَزْدَادَ عِلْمًا. الأمثال 9: 7 - 9

هذه الآيات آيات معترضة بين الوليمتين أو الدعوتين، فيهما يُصوِّر الوحي نوعين من البشر
الحكماء وهؤلاء يفرحون بالتعليم
الجهال وهؤلاء يستهزئون به

وكأن هذه الآيات هي للرسل تكشف لهم أنواع الناس الذين سيقابلونهم في دعوتهم حتى لا يندهشوا إذا وجدوا رفضًا لهم بينما هم يشعرون بأن كلمتهم فيها كل الحق

الحكماء: الحكيم هو الذي يقبل التعليم. فالحكيم يرى نفسه دائمًا أنه جاهل، يريد المزيد من العلم، وهو يقبل توبيخ الروح القدس وتوبيخ خدام الله الذين يقدمون له تعليم الله فيستفيد ويتوب ويذهب ويرجع للمسيح. مثل هذا يفرح بالتوبيخ لأنه يسعى للكمال ويفرح بمن يكشف له ضعفاته ليتركها فيصير كاملًا، بل مثل هذا يحب من يوبخه

الجهلاء: الجاهل الفارغ يكون حكيمًا في عيني نفسه، مستهزئًا بكل ما يقدم له من نصائح. فهو يشعر أن لا أحد يعرف أكثر منه، ومثل هذا الإنسان لأنه يرفض كل تعليم يصبح مضيعًا لوقت الخدام فهي يستهزئ بكل ما يقدم له ولن يستفيد بأي تعليم أو توبيخ.. ومن أمثلة ذلك.. فَكَانَ السُّعَاةُ يَعْبُرُونَ مِنْ مَدِينَةٍ إِلَى مَدِينَةٍ فِي أَرْضِ أَفْرَايِمَ وَمَنَسَّى حَتَّى زَبُولُونَ، فَكَانُوا يَضْحَكُونَ عَلَيْهِمْ وَيَهْزَأُونَ بِهِمْ. إِلاَّ إِنَّ قَوْمًا مِنْ أَشِيرَ وَمَنَسَّى وَزَبُولُونَ تَوَاضَعُوا وَأَتَوْا إِلَى أُورُشَلِيمَ. أخبار الأيام الثاني 30: 10 - 11؛ وَلكِنَّهُمْ تَهَاوَنُوا وَمَضَوْا، وَاحِدٌ إِلَى حَقْلِهِ، وَآخَرُ إِلَى تِجَارَتِهِ، وَالْبَاقُونَ أَمْسَكُوا عَبِيدَهُ وَشَتَمُوهُمْ وَقَتَلُوهُمْ. متى 22: 5 - 6

وعمومًا فمن يستهزئ بكلمة الله لن يقبل أي تعليم. والبدء أن يخاف الإنسان الله ليكون هناك فائدة من أي تعليم. وهذا كأنه دعوة للرسل والخدام أن يعرضوا عن مثل هذا الهازئ لدعوتهم. ويمتنعوا عن توبيخه، ومن هو نجس فليتنجس بعد.. مَنْ يَظْلِمْ فَلْيَظْلِمْ بَعْدُ. وَمَنْ هُوَ نَجِسٌ فَلْيَتَنَجَّسْ بَعْدُ. وَمَنْ هُوَ بَارٌّ فَلْيَتَبَرَّرْ بَعْدُ. وَمَنْ هُوَ مُقَدَّسٌ فَلْيَتَقَدَّسْ بَعْدُ. رؤيا يوحنا اللاهوتي 22: 11 أي يصبح كل إنسان مسئولًا عن نفسه. ولا تلقوا بدرركم قدام الخنازير

+++++

بَدْءُ الْحِكْمَةِ مَخَافَةُ الرَّبِّ، وَمَعْرِفَةُ الْقُدُّوسِ فَهْمٌ. لأَنَّهُ بِي تَكْثُرُ أَيَّامُكَ وَتَزْدَادُ لَكَ سِنُو حَيَاةٍ. إِنْ كُنْتَ حَكِيمًا فَأَنْتَ حَكِيمٌ لِنَفْسِكَ، وَإِنِ اسْتَهْزَأْتَ فَأَنْتَ وَحْدَكَ تَتَحَمَّلُ. الأمثال 9: 10 - 12

الحكمة الحقة تتلخص في هذا: بدء الحكمة مخافة الرب.. بينما الجاهل يظن في جهله أن منتهى الحكمة هو أن يتحرر من قيود وصايا الله. وأيضًا نجد الفهم الصحيح هو في معرفة أمور الله المقدسة، وبعيدًا عن المعرفة المقدسة الحقة يكون الإنسان ميتًا في نظر الله. إن كنت حكيمًا فأنت حكيم لنفسك = الله في قداسته اللانهائية لن يزداد قداسة بقداستنا، بل هو لصالحنا أن نستجيب لصوته ونتقدس، هو حقًا يفرح برجوع الخاطئ لكنه لن يزداد شيئًا بهذا. والعكس صحيح فهو لن يخسر شيئًا من خطيتنا، بل خطيتنا وعنادنا وإصرارنا على عدم التوبة يكون لهلاكنا ونتحمله وحدنا

+++++

اَلْمَرْأَةُ الْجَاهِلَةُ صَخَّابَةٌ حَمْقَاءُ وَلاَ تَدْرِي شَيْئًا، فَتَقْعُدُ عِنْدَ بَابِ بَيْتِهَا عَلَى كُرْسِيٍّ فِي أَعَالِي الْمَدِينَةِ، لِتُنَادِيَ عَابِرِي السَّبِيلِ الْمُقَوِّمِينَ طُرُقَهُمْ: مَنْ هُوَ جَاهِلٌ فَلْيَمِلْ إِلَى هُنَا. وَالنَّاقِصُ الْفَهْمِ تَقُولُ لَهُ: الْمِيَاهُ الْمَسْرُوقَةُ حُلْوَةٌ، وَخُبْزُ الْخُفْيَةِ لَذِيذٌ. وَلاَ يَعْلَمُ أَنَّ الأَخْيِلَةَ هُنَاكَ، وَأَنَّ فِي أَعْمَاقِ الْهَاوِيَةِ ضُيُوفَهَا. الأمثال 9: 13 - 18

في مقابل الوليمة السمائية التي أقامها رب المجد يسوع. نجد هنا وليمة الخطية وهي وليمة حقيرة، مسروقة، محرمة، غادرة ويذهب ضيوفها للهلاك. وليمة ملذات في بيت المرأة الخاطئة (رمز لإبليس والخطية عمومًا التي تخاطب شهوة الجسد) ولاحظ أن الخطية لا ترسل جواري لدعوة الناس، لأن الشهوة الخاطئة داخل كل منا كفيلة بهذا. بل هي جالسة عند بيتها تدعو المارة، أي من يسير في طريق مستقيم أن يميل إليها، إلى مسكن خطيتها وعارها ولكن من يدخل فهو في طريقه إلى الهاوية = القبر والجحيم. والأخيلة = هم الموتي في قاع الجحيم

+++++

مواصفات المرأة الجاهلة

جاهلة: عكس الحكمة، بلا منطق مقبول ولكنها لا تخاطب سوى الغريزة

صخابة: دائمًا تنادي على الشباب بإغراءاتها

تقعد عند باب بيتها على كرسي في أعالي المدينة: تجلس كملكة تنتظر فريسة لتسود عليه، تجلس كمن لها سلطان في الأماكن العالية في المدينة، ولكن سلطانها هو على كل من يستسلم لها، ومن يستسلم لها هم الجسدانيون فقط الذين صاروا مديونين لها بما قبلوه من يدها من شهوات. أما من رفض إغراءاتها يصير حرًا ولا يكون لها سلطان عليه.. رئيس هذا العالم يأتي وليس له فيَّ شيء.. لماذا؟ من يبكتني على خطية

ومن الذين تدعوهم لبيتها: الشباب المقومين طرقهم = أي الذين يحاولون التوبة، فهي لا تريد أن تترك فرصة لأحد أن يتوب، وهي تتهمهم ظلمًا بأنهم جهلة، ناقصي الفهم إذ يتركون طريق اللذة الذي تعرضه عليهم هي، طريق التحرر من قيود الوصايا الإلهية

إغراءاتها: المياه المسروقة حلوة = هي تدعوهم إلى اللذات المحرمة، والإنسان المتمرد يحلو له اللذة المحرمة أكثر من اللذة التي يسمح بها الله. وهكذا آدم وحواء اشتهوا ما حرمه الله. ولاحظ هذا هو ما تعرضه الزانية في مقابل مائدة الرب التي تقدمها الحكمة. وهي مياه مسروقة، لأنها تحدي لوصايا الله، وكأن سارق اللذة كسر أولًا سور الوصية ليسرق شيئًا حرمه الله. وهي تحدي اللعنة التي لعنها الله للخاطئ. وكأن شرب المياه المسروقة في الخفاء أو أكل خبز الخفية هو نوعًا من الاختباء الجاهل من لعنة الله. إلا أنه دائمًا ما يسقط الإنسان في هذه الخطية وهو واقع تحت خدعة أن هذه اللذة المسروقة لا يدانيها لذة في العالم، وهو لا يدري مصير سارق اللذة الرهيب. وكتطبيق لهذه الاية من واقع ما يحدث الان.. لماذا يجد إنسان متزوج لذة في مشاهدة صور او افلام خارجة، اليس هو متزوجاً من امراة احبها لذلك تزوجها؟! وما الفرق بين ما يراه في هذه الصور الخارجة وبين امراته؟!  أليست الإجابة هنا في هذه الآية، ان المياه المسروقة حلوة ولكن ليضع من يفعل ذلك امامه ما قاله السيد المسيح: رَئِيسَ هذَا الْعَالَمِ يَأْتِي وَلَيْسَ لَهُ فِيَّ شَيْءٌ. يوحنا 14: 30، ولماذا ليس له شيء في المسيح؟ هذا لأن المسيح سبق وقال: مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟ يوحنا 8: 46.. فلان المسيح لم يفعل خطية فعدو الخير لا يوجد لديه شيء قبله منه المسيح ليطالبه بثمنه لحظة الموت. ولنعلم أن هذه الساعة آتية، فلماذا نقبل من يد الشيطان شيئًا يطلب نفوسنا في مقابل لحظات لذة غاشة قبلناها من يده! أما من يجده إبليس ثابتا في المسيح في هذه الساعة فلا سلطان له عليه، إذ يحسب كاملا في المسيح. لذلك يقول السيد المسيح: اُثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ. كَمَا أَنَّ الْغُصْنَ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَأْتِيَ بِثَمَرٍ مِنْ ذَاتِهِ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْكَرْمَةِ، كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا إِنْ لَمْ تَثْبُتُوا فِيَّ. يوحنا 15: 4. ولكن هل يمكن أن نظل ثابتين ونحن بهذه الطريقة نحيا. هل يثبت في المسيح من يجلس مع الشيطان في اماكن أو اوضاع عملها الشيطان ولا يقبل المسيح أن يكون فيها. لنثق أنه لا شركة للمسيح الذي هو النور مع الشيطان بليعال سلطان الظلمة

لاَ تَكُونُوا تَحْتَ نِيرٍ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لأَنَّهُ أَيَّةُ خِلْطَةٍ لِلْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ وَأَيَّةُ شَرِكَةٍ لِلنُّورِ مَعَ الظُّلْمَةِ؟ وَأَيُّ اتِّفَاق لِلْمَسِيحِ مَعَ بَلِيعَالَ؟ وَأَيُّ نَصِيبٍ لِلْمُؤْمِنِ مَعَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِ؟ وَأَيَّةُ مُوَافَقَةٍ لِهَيْكَلِ اللهِ مَعَ الأَوْثَانِ؟ فَإِنَّكُمْ أَنْتُمْ هَيْكَلُ اللهِ الْحَيِّ، كَمَا قَالَ اللهُ: إِنِّي سَأَسْكُنُ فِيهِمْ وَأَسِيرُ بَيْنَهُمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا، وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا. لِذلِكَ اخْرُجُوا مِنْ وَسْطِهِمْ وَاعْتَزِلُوا، يَقُولُ الرَّبُّ. وَلاَ تَمَسُّوا نَجِسًا فَأَقْبَلَكُمْ، وَأَكُونَ لَكُمْ أَبًا، وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي بَنِينَ وَبَنَاتٍ، يَقُولُ الرَّبُّ، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس 6: 14 - 18

إِذْ كُنْتُ مَعَكُمْ كُلَّ يَوْمٍ فِي الْهَيْكَلِ لَمْ تَمُدُّوا عَلَيَّ الأَيَادِيَ. وَلكِنَّ هذِهِ سَاعَتُكُمْ وَسُلْطَانُ الظُّلْمَةِ. لوقا 22: 53


من وحيْ الأمثال 9

عجيبة هي مائدتك

قدمت لي جسدك ودمك مائدة سماوية، اشبع وأفرح وأنمو في معرفتك. أتمتع بها واتحد بك يا مخلص نفسي

حولت نفسي إلى هيكل لك، وأقمت مذبحك في داخلي، وأعلنت كهنوتك الفريد! اقبل حياتي ذبيحة حب

لتسكب عليها خمر فرحك، وتحول أعماقي إلى مقادس حية

احملني على منكبيك، فإني جاهل وضعيف! انطلق بي في طريقك الملوكي، فأتمتع بمعيتك

اسندني فلا انجذب إلى وليمة الجهل، ولا اسمع لصوت غريب

ولا أطلب ملذات زائلة، لئلا تنحدر نفسي إلى الهاوية

اقتحم نفسي ولتدخل إلى أعماقها. افتح لي أبواب السماء فادخل فيها

لتسكن في أعماقي، واسكن أنا في سمواتك! أنت نصيبي وشبعي وتهليل قلبي


المراجع

الكتاب المقدس بعهديه: العهد القديم والعهد الجديد

تفسير الكتاب المقدس - العهد القديم - القمص تادرس يعقوب ملطي. أمثال سليمان 9 - تفسير سفر الأمثال

شرح الكتاب المقدس - العهد القديم - القس أنطونيوس فكري. أمثال سليمان 9 - تفسير سفر الأمثال 


Share

Monday, December 31, 2012

ما احلى حبك يا كنيستنا


اَلْحِكْمَةُ بَنَتْ بَيْتَهَا. نَحَتَتْ أَعْمِدَتَهَا السَّبْعَةَ. ذَبَحَتْ ذَبْحَهَا. مَزَجَتْ خَمْرَهَا. أَيْضًا رَتَّبَتْ مَائِدَتَهَا. أَرْسَلَتْ جَوَارِيَهَا تُنَادِي عَلَى ظُهُورِ أَعَالِي الْمَدِينَةِ: مَنْ هُوَ جَاهِلٌ فَلِيَمِلْ إِلَى هُنَا. وَالنَّاقِصُ الْفَهْمِ قَالَتْ لَهُ: هَلُمُّوا كُلُوا مِنْ طَعَامِي، وَاشْرَبُوا مِنَ الْخَمْرِ الَّتِي مَزَجْتُهَا. اُتْرُكُوا الْجَهَالاَتِ فَتَحْيَوْا، وَسِيرُوا فِي طَرِيقِ الْفَهْمِ. سفر الأمثال 9: 1 - 6


اَلْحِكْمَةُ بَنَتْ بَيْتَهَا. نَحَتَتْ أَعْمِدَتَهَا السَّبْعَةَ
ذَبَحَتْ ذَبْحَهَا. مَزَجَتْ خَمْرَهَا. أَيْضًا رَتَّبَتْ مَائِدَتَهَا
أَرْسَلَتْ جَوَارِيَهَا تُنَادِي عَلَى ظُهُورِ أَعَالِي الْمَدِينَةِ
مَنْ هُوَ جَاهِلٌ فَلِيَمِلْ إِلَى هُنَا. وَالنَّاقِصُ الْفَهْمِ قَالَتْ لَهُ
هَلُمُّوا كُلُوا مِنْ طَعَامِي، وَاشْرَبُوا مِنَ الْخَمْرِ الَّتِي مَزَجْتُهَا
اُتْرُكُوا الْجَهَالاَتِ فَتَحْيَوْا، وَسِيرُوا فِي طَرِيقِ الْفَهْمِ
امثال 9: 1 - 6

بيت الوليمة

كل إمبراطور أو ملك أو رئيس دولة يهتم أن يخصص جزءًا رئيسيًا من قصره لإقامة الولائم، خاصة للأباطرة أو الملوك أو الرؤساء، وأيضًا لرجال الدولة والمسئولين وغيرهم. تكشف صالة الوليمة عن اهتمام الشخص بمن يدعوهم كما تعلن عن شخصية من قدم الوليمة. لذا فإن المبني يحمل طابعًا قوميًا يكشف عن حضارة البلد وإمكانياته الخ. أما حكمة الله فلم يبنِ منزلًا ليدعو الآخرين إليه، بل قبل طبيعتنا البشرية، إذ صار إنسانًا حقًا. صار البيت ليس بغريبٍ عنه، بل هو بيته. اتحد لاهوته بناسوته بلا انفصال وبغير امتزاج. فالدعوة التي يقدمها لنا هي أن نثبت فيه فنصير أعضاء جسده. أنها دعوة اتحاد أبدي معه

لقد فتح أبواب بيته، أي جسده، ليس فقط حين فتح فاه أمام الجماهير في موعظته علي الجبل، ولا حين تحدث معنا علي مستوي الجماعة كما علي المستوي الشخصي، مع كل أحدٍ منا، وإنما حين سمح بفتح جنبه علي الصليب ليفيض لنا دمًا وماء. جنبه مفتوح علي الدوام لكي ندخل في بيته، ونتلامس مع أحشاء حبه الناري، فننعم بالوجود الدائم معه وفيه. وكما يقول صاحب الوليمة نفسه: اُثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ. كَمَا أَنَّ الْغُصْنَ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَأْتِيَ بِثَمَرٍ مِنْ ذَاتِهِ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْكَرْمَةِ، كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا إِنْ لَمْ تَثْبُتُوا فِيَّ. يوحنا 15: 4. ويقول الرسول بولس: وَحَيَاتُكُمْ مُسْتَتِرَةٌ مَعَ الْمَسِيحِ فِي اللهِ. رسالة بولس الرسول إلى أهل كولوسي 3: 3

اَلْحِكْمَةُ بَنَتْ بَيْتَهَا. امثال 9: 1

البيت الذي بناه حكمة الله هو ناسوت السيد المسيح. لقد هيّأت خطة اللَّه الأزلية التجسد لكي يتحقق الخلاص

ليتنا ننظر إلى المسيح من الجانبين: الكلمة الإلهي الذي صار واحدًا في مريم مع الذي أخذه من مريم. فإنه في رحمها شكَّل الكلمة لنفسه بيته، كما أنه في البداية شكَّل آدم من الأرض.. أو بالأحرى كما قال سليمان الحكيم  صراحة، إذ يعرف أن الكلمة قد دُعي الحكمة: الحكمة بنت بيتها، وقد فسّرها الرسول قائلًا: ونحن بيته، وفي موضع آخر يدعونا هيكلًا. إن كان يليق باللَّه أن يسكن في هيكل على صورة (معينة) مصنوع من حجارة، فقد أمر بواسطة سليمان الشعب القديم أن يبنيه، بينما عند ظهور الحق توقفت الصورة (إذ ظهر الحق نفسه). البابا أثناسيوس الرسولي

لكننا نقول إنه في الجزء الأول من الكتاب حيث يقول: الحكمة بنت بيتها، يُشير بطريقة غامضة خلال هذه الكلمات إلى إعداد جسد الرب، فإن الحكمة الفائقة لم تسكن في مسكن لآخر، بل بنت لنفسها مسكنًا من جسد العذراء.. هكذا يمكننا أن نرى في هذه العبارة سليمان يتحرك بروح النبوة ويسلم لنا فيها كمال سرّ التجسد. القديس غريغوريوس أسقف نيصص

هنا بالتأكيد ندرك أن حكمة اللَّه، أي الكلمة الشريك مع الآب في الأزلية قد بنى لنفسه بيتًا، أي جسدًا بشريًا في أحشاء البتول، وأخضع الكنيسة له كأعضاء للرأس، وقد ذبح الشهداء كذبائح، وأعد مائدةً بالخبز والخمر، حيث أبرز الكهنوت على رتبة ملكي صادق، ودعى البسطاء والذين ينقصهم الحس، وكما يقول الرسول: بَلِ اخْتَارَ اللهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ. رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 1: 27. القديس أغسطينوس


شهادة القديس غريغوريوس أسقف نيصص في كتابه ضد أونوميوس

كان الكلمة قبل كل العصور، أما الجسد فصُنع في ملء الزمان، ولا يستطيع أحد أن يقول العكس أن الجسد كان قبل الدهور أو الكلمة صُنع في ملء الزمان. ثيؤدورت

المسيح، يقصد حكمة اللَّه وقوته، بنى بيتًا له، أي طبيعته في الجسد التي أخذها من العذراء، حيث يقول يوحنا: وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا. يوحنا 1: 14. وذلك كما يشهد النبي الحكيم: الحكمة الذي كان قبل العالم، مصدر الحياة، غير المحدود، حكمة اللَّه بنت بيتها بواسطة أُمٍ لا تعرف رجلًا، أي أخذ هيكل الجسد. القديس هيبوليتس

يعلن الكتاب المقدس أن الثالوث القدوس اشترك في إتمام عمل التجسد الإلهي أو في إقامة بيت الوليمة، حيث دبَّر خطة الخلاص، وبني الحكمة الإلهي له بيتًا، وتحقق التجسد الإلهي بعمل الروح القدس في أحشاء القديسة البتول مريم، فنالت كرامة فريدة. والعجيب أن حكمة الله أيضًا يبني بروحه القدوس له فينا بيتًا له، مسكنًا للثالوث القدوس، إذ يقول: يحبه أبي وإليه نأتي، وعنده نصنع منزلًا.. إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلاَمِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلاً. يوحنا 14: 23

كما نقرأ أن الآب صنع سرّ تجسد الرب، والروح أيضًا، هكذا نقرأ أن المسيح نفسه صنع جسده. بالنسبة للآب كُتب: الرب خلقني.. اَلرَّبُّ قَنَانِي أَوَّلَ طَرِيقِهِ، مِنْ قَبْلِ أَعْمَالِهِ، مُنْذُ الْقِدَمِ. الأمثال 8: 22، وفي موضع آخر: أرسل اللَّه ابنه مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس.. وَلكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ، لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ. رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية 4: 4. والروح خلق كل السرّ، كما نقرأ: ووُجدت مريم حُبلى بطفل من الروح القدس.. أَمَّا وِلاَدَةُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَكَانَتْ هكَذَا: لَمَّا كَانَتْ مَرْيَمُ أُمُّهُ مَخْطُوبَةً لِيُوسُفَ، قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَا، وُجِدَتْ حُبْلَى مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. متى 1: 18. القديس أمبروسيوس

يقيم من إنساننا الداخلي بيت وليمة عجيب، تدعوه النفس: جنته.. إذ تناجي حكمة الله، قائلة: لِيَأْتِ حَبِيبِي إِلَى جَنَّتِهِ وَيَأْكُلْ ثَمَرَهُ النَّفِيسَ. نشيد الأنشاد 4: 16. ويستجيب الحكمة الإلهي لدعوتها فيقول: قَدْ دَخَلْتُ جَنَّتِي يَا أُخْتِي الْعَرُوسُ. قَطَفْتُ مُرِّي مَعَ طِيبِي. أَكَلْتُ شَهْدِي مَعَ عَسَلِي. شَرِبْتُ خَمْرِي مَعَ لَبَنِي. نشيد الأنشاد 5: 1. كلوا أيها الأصحاب. اشربوا واسكروا أيها الأحباء

هذا هو البيت الذي يقيمه فينا حكمة الله ويحسبه بيته وجنته، يدعو إليه أصحابه السمائيين ليأكلوا ويشربوا ويفرحوا بثمر روحه القدوس العجيب فينا

يعلق القديس غريغوريوس أسقف نيصص علي هذه الدعوة التي تقدمها النفس البشرية لذاك الذي أقام منها جنة وحوّل أعماقها وليمة غنية فيقول:من هو هذا الذي تدعوه العروس إلي وليمتها التي تحمل ثمارها؟ لمن أعَدّتْ وليمة من مصادرها (الداخلية)؟ من هو هذا الذي تدعوه العروس إلي الوليمة التي أعدتها؟ ليس إلا ذاك الذي منه وبه وفيه توجد كل الأشياء.. لأَنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ الأَشْيَاءِ. لَهُ الْمَجْدُ إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ. رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 11: 36. إنه يعطي لكل شخص طعامه في حينه.. أَعْيُنُ الْكُلِّ إِيَّاكَ تَتَرَجَّى، وَأَنْتَ تُعْطِيهِمْ طَعَامَهُمْ فِي حِينِهِ. المزامير 145: 15، يفتح يديه ويملأ كل حيّ من بركاته. نزل كخبزٍ من السماء.. أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. يوحنا 6: 41، وأعطي العالم الحياة، وجعل المياه تتفجر من ينبوعه الذي للحياة. هذا هو ذاك الذي تُعد له العروس مائدتها. المائدة هي جنة مزروعة بأشجار حية. نحن بحق الأشجار، والطعام المقدم له هو خلاص نفوسنا

عمل حكمة الله أن يهدم الخيمة القديمة التي هي أعمال الإنسان القديم التي أقامتها الخطية فينا، ليُقيم بيتًا جديدًا داخليًا، يتجدد كل يوم. إن كان إنساننا الخارجي يفني فالداخل يتجدد يومًا فيومًا.. لِذلِكَ لاَ نَفْشَلُ، بَلْ وَإِنْ كَانَ إِنْسَانُنَا الْخَارِجُ يَفْنَى، فَالدَّاخِلُ يَتَجَدَّدُ يَوْمًا فَيَوْمًا. رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس 4: 16

هذا البيت الذي بناه السيد المسيح هو كنيسته المقدسة حيث يقدم نفسه حجرًا حيًا مرفوضًا من الناس ولكنه مختار من الآب وكريم.. الَّذِي إِذْ تَأْتُونَ إِلَيْهِ، حَجَرًا حَيًّا مَرْفُوضًا مِنَ النَّاسِ، وَلكِنْ مُخْتَارٌ مِنَ اللهِ كَرِيمٌ. رسالة بطرس الرسول الأولى 2: 4، يحملنا كحجارة حيَّة ترتكز عليه، نُبني بجوار بعضنا البعض ونتحد معًا لنصير أشبه ببرجٍ واحدٍ. وكما يقول القديس بطرس الرسول: كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيِّينَ ­ كَحِجَارَةٍ حَيَّةٍ ­ بَيْتًا رُوحِيًّا، كَهَنُوتًا مُقَدَّسًا، لِتَقْدِيمِ ذَبَائِحَ رُوحِيَّةٍ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ اللهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. رسالة بطرس الرسول الأولى 2: 5

+++++

قوة البيت وثباته

نَحَتَتْ أَعْمِدَتَهَا السَّبْعَةَ. امثال 9: 1

إن كان قد أقام حكمة اللَّه لنفسه بيتًا، إذ اقتبس ناسوتنا وجعله واحدًا معه، فإنه نحت أعمدة سبعة يقيم عليها البناء. ما هذه الأعمدة إلا روحه الناري الواحد معه. هذا الروح الذي لا ينفصل عنه، وهبنا إياه بإقامته إنساننا الداخلي بيتًا له، فصرنا مسنودين به، يقودنا بقوة إلي مراعي المسيح التي لا تنضب، ويدخل بنا إلي ملكوته الأبدي، واهبًا إيانا القوة والنصرة والتعزيات الفائقة

يستحيل أن ينال أحد نعمة الله، ما لم يكن له الروح القدس، الذي فيه كل عطايا الله. القديس ديديموس الضرير

يُسمي (الروح القدس) المعزي، لأنه يعزي ويفرِّح الذين في الشدائد. القديس مقاريوس الكبير

حين تمتلئ النفس من ثمر الروح تتعزى تمامًا من الكآبة والضيق والضجر، وتلبس الاتساع والسلام والفرح بالله، ويُفتح في قلبها باب الحب لسائر الناس. مار إسحق السرياني

وأقامت أعمدتها السبعة، أي الرائحة الذكية التي للروح الكلي القداسة، كقول إشعياء: وأرواح اللَّه السبعة تستقر عليه. ويرى البعض أن الأعمدة هي السبعة أنظمة التي تقوم عليها الخليقة بتعليمه (الإلهي) المقدس والموحى به، أي الأنبياء والرسل والشهداء والكهنة والمتوحدين والقديسين والأبرار

إنه يقصد أورشليم الجديدة والجسد المقدس. ويعني بالأعمدة السبعة وحدة الروح القدس السباعية المستقرة عليها. القديس هيبوليتس

بخصوص كرامة الرقم 7 لدينا شهادات كثيرة، لكننا نكتفي بالقليل من الكثير. كمثال: سبعة أرواح ثمينة قد سُميت، فإنني أظن أن إشعياء يحب أن يدعو أنشطة الروح أرواحًا، وتعاليم الرب المصفاة سبعة مرات كقول داود: كَلاَمُ الرَّبِّ كَلاَمٌ نَقِيٌّ، كَفِضَّةٍ مُصَفَّاةٍ فِي بُوطَةٍ فِي الأَرْضِ، مَمْحُوصَةٍ سَبْعَ مَرَّاتٍ. المزامير 12: 6، والبار يخلص من ست ضيقات وبالسابعة لا يُضرب. أما الخاطي فيُغفر له ليس سبع مرات، بل سبعين مرة سبع مرات. وأيضًا يمكننا أن نرى ذلك بالمقابل النقيض (فإن عقاب الأشرار ممتدح)، فاُنتُقِم لقايين سبع مرات، أيضًا أن العقوبة عن قتل أخيه إذ تحققت، اقتص له للامك سبعين مرة سبع مرات، لأنه كان قاتلًا حسب الشريعة ويُدان. والأقرباء الأشرار ينالون سبع أضعاف في حضنهم، وبيت الحكمة يستقر على سبعة أعمدة، وحجر زربابل يزين بسبعة أعين، واللَّه يُسبح سبع مرات في اليوم، وأيضًا تحمل العاقر سبع، الرقم الكامل، وذلك في مقابل تلك التي أولادها غير كاملين. القديس غريغوريوس النزينزي

+++++

طعام فريد

ذَبَحَتْ ذَبْحَهَا. امثال 9: 2

ماذا يقدم السيد المسيح في بيته إلا جسده المبذول، ذبيحة حب، يشتمها الآب رائحة رضا، ويقدمها لمؤمنيه مائدة فائقة سماوية

هذه المائدة هي عضد نفوسنا، رباط ذهننا، أساس رجائنا، خلاصنا ونورنا وحياتنا

عندما تري المائدة معدة قدامك قل لنفسك: من أجل جسده لا أعود أكون ترابًا ورمادًا، ولا أكون سجينًا بل حرًا! من أجل هذا (الجسد) أترجى السماء، وأتقبل الخيرات السمائية، والحياة الخالدة، ونصيب الملائكة، والمناجاة مع المسيح! سُمر هذا الجسد بالمسامير وجُلد، ولا يعود يقدر عليه الموت! إنه الجسد الذي لُطخ بالدماء وطُعن، ومنه خرج الينبوعان المخلصان للعالم: ينبوع الدم وينبوع الماء. القديس يوحنا الذهبي الفم

إذ نتناول هذه الذبيحة الفريدة نشتهي أن نشارك مسيحنا حبه الذبيحي فنقدم ذبائح حب بلا انقطاع. وكما يقول العلامة ترتليان: تخرج هذه الذبيحة من كل القلب، وتتغذى علي الإيمان، وتراعي الحق، تدخل في براءة ونقاوة، في عفة، تتزين بالحب. ويلزمنا أن نحرسها بعظمة الأعمال الصالحة، مقدمين مزامير وتسابيح علي مذبح الله لننال كل الأشياء منه

نقدم مع الرسول بولس ذبيحة الألم اليومي فنترنم قائلين: مَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ؟ أَشِدَّةٌ أَمْ ضِيْقٌ أَمِ اضْطِهَادٌ أَمْ جُوعٌ أَمْ عُرْيٌ أَمْ خَطَرٌ أَمْ سَيْفٌ؟ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: إِنَّنَا مِنْ أَجْلِكَ نُمَاتُ كُلَّ النَّهَارِ. قَدْ حُسِبْنَا مِثْلَ غَنَمٍ لِلذَّبْحِ. رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 8: 35 - 36. بصليب ربنا تُذبح الأنا فنقول: مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي. رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية 2: 20. معتزين بأن المسيح الذبيح صار حيًا فينا.. فنقول: بل المسيح يحيا فيَّ. غلاطية 2: 20

نقدم ذبيحة الاتضاع أمام الله.. لأَنَّكَ لاَ تُسَرُّ بِذَبِيحَةٍ وَإِلاَّ فَكُنْتُ أُقَدِّمُهَا. بِمُحْرَقَةٍ لاَ تَرْضَى. ذَبَائِحُ اللهِ هِيَ رُوحٌ مُنْكَسِرَةٌ. الْقَلْبُ الْمُنْكَسِرُ وَالْمُنْسَحِقُ يَا اَللهُ لاَ تَحْتَقِرُهُ. مزمور 51: 16 - 17، ذبائح البرّ.. اِذْبَحُوا ذَبَائِحَ الْبِرِّ، وَتَوَكَّلُوا عَلَى الرَّبِّ. مزمور 4: 5، ذبيحة الجسد المضبوط بصليب الرب.. فَأَطْلُبُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ بِرَأْفَةِ اللهِ أَنْ تُقَدِّمُوا أَجْسَادَكُمْ ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ، عِبَادَتَكُمُ الْعَقْلِيَّةَ. رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 12: 1، ذبيحة التسبيح.. فَلْنُقَدِّمْ بِهِ فِي كُلِّ حِينٍ للهِ ذَبِيحَةَ التَّسْبِيحِ، أَيْ ثَمَرَ شِفَاهٍ مُعْتَرِفَةٍ بِاسْمِهِ. رسالة بولس الرسول إلى العبرانيين 13: 15

أنا نفسي أود أن أكون في عداد أبنائها لكي أُذبح بواسطتها. أود أن أّذبح لكي أكون ابنًا. لكن هل هي قاتلة لأبنائها، أو مُعذبة لهم؟ فإني اسمع الله أيضًا في موضع آخر يقول: احرقهم كالذهب في النار، وأُمحصهم كالفضة المصفَّاة. بالتأكيد إنه بآلام النار والعقوبات وباختبار الاستشهاد من أجل الإيمان. يعرف الرسول أيضًا نوعًا من الذبح يصفه لنا: الذي لم يُشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين كيف لا يهبنا معه كل شيء؟ أنظر كيف تذبح الحكمة الإلهية حتى ما لها! يُذبح الابن البكر الوحيد، الذي ليس فقط يحيا بل يهب حياة للآخرين. أقول: إنه السيد المسيح الذي يبذل ذاته من أجل معاصينا. العلامة ترتليان

العبارة: ذُبحت حيواناتها.. تُشير إلى الأنبياء والشهداء الذين قُتلوا في كل مدينة ودولة بواسطة غير المؤمنين من أجل الحق، ويصرخون قائلين: من أجلك ذُبحنا كل النهار، حُسبنا كغنم نُساق للذبح. القديس هيبوليتس


شراب فريد

مَزَجَتْ خَمْرَهَا. امثال 9: 2

نادرًا ما كان قدماء اليهود أو اليونانيين أو الرومانيين يشربون الخمر دون مزجه بماء، وقد تعرض كثير من قدامي الكتاب لهذا الأمر، فالبعض يرى مزج الخمر بالماء بنسبة 3 إلى 1، وآخرون 5 إلى 1، وأشار بليني
Pliny
إلا أن بعض الخمور تحتاج إلى إضافة 20 قدرًا من الماء عليها، لكن الغالبية العظمى يرون إضافة 3 مقادير من الماء إلى قدرين من الخمر

هذا والبعض لا يمزج الخمر بالماء ليضعف من قوته بل يمزجه ببعض التوابل أو العسل، أو المر، أو
Madragora
أو
Opium
وغير ذلك لكي تزداد حدة الخمر، فلا يصير مسكرًا فحسب بل ويجعله مخدرًا. وربما المزج أيضًا يُشير إلى مزجه بأنواع ثمينة من الخمر لكي تسبب للإنسان فرحًا وبهجة قلبٍ

يقدم لنا حكمة الله دمه الطاهر شرابًا روحيًا سمائيًا. وكما جاء في قداس الأسقف سرابيون: نقدم لك هذا الخبز.. وهذه الكأس.. اجعل كل المشتركين فيها أن يتناولوا دواء الحياة، شفاءً لكل ضعفٍ، وسندًا لكل تقدم وفضيلة، وليس دينونة علينا

علاوة على هذا فإن الروح القدس يظهر بواسطة سليمان الحكيم نظام ذبيحة الرب، مُشيرًا إلى الذبيحة المقدمة من الخبز والخمر. وأيضًا عن المذبح والرسل يقول: الحكمة بنت بيتها، نحتت أعمدتها السبعة، ذبحت ذبائحها، مزجت خمرها في الكأس، أيضًا رتبت مائدتها، أرسلت جواريها تُنادي على ظهور أعالي المدينة: من هو جاهل فليمل إلى هنا. والناقص الفهم قالت له: هلموا كلوا من طعامي واشربوا من الخمر التي مزجتها. يُعلن عن الخمر الممزوج، أيضًا يخبرنا مقدمًا بصوت نبوي عن كأس الرب الممزوج بماء وخمر، التي تظهر أنها تمت في آلام ربنا والتي سبق النبوة عنها. القديس كبريانوس

العبارة: مزجت خمرها.. في وعاء فخاري تعني أن المخلص، يتّحد بلاهوته بالجسد مثل خمرٍ نقيٍ في البتول، مولودًا منها إلهًا وإنسانًا في نفس الوقت دون امتزاجٍ بينهما. القديس هيبوليتس

إذ يبطلون اللبن يشربون خمرًا يفرح قلوب من هم أكثر كمالًا، الذين لا يعودون يمارسون الأمور الطفولية. الآن صاروا قادرين علي شرب الأمور الصالحة من كأس الحكمة بأفواههم. القديس غريغوريوس أسقف نيصص

يقدم لنا حكمة الله كأس الخمر، الذي هو دمه المبذول عنا غفرانًا لخطايانا، ومعه كأس الحكمة لندرك بها أسرار الكتاب المقدس وننال معرفة روحية فعَّالة في حياتنا

هؤلاء الذين يتقبلون رموزًا من الكتاب المقدس حسب فهم التلاميذ ينعمون بالرجاء في أن القديسين يأكلون حقًا، بل سيكون خبز الحياة الذي ينعش النفس بطعام الحق والحكمة وينير الذهن ويجعله يشرب من كأس الحكمة الإلهية حسب إعلان الكتاب المقدس. العلامة أوريجينوس

إن كان الخمر يشير إلي الفرح الروحي، فإننا إذ نتناول من الدم المقدس، وإذ نشرب من كأس الحكمة، يتولد فينا فرح حقيقي يسند النفس ويرويها، فلا تخور في طريق الآلام

+++++

نظام الوليمة

أَيْضًا رَتَّبَتْ مَائِدَتَهَا. امثال 9: 2

بقوله: رتبت أو أعدت مائدتها، يؤكد الكتاب المقدس أن هذه الوليمة مع كونها مجانية، وأبوابها مفتوحة لكل بشر، لكنها وليمة أعدها الرب نفسه. هيأ البشرية لأجيال طويلة خلال الآباء والأنبياء لدخولهم إليها. للوليمة نظامها وتدبيرها، لأن الذي أعدها إله نظام وليس إله تشويش.. لأَنَّ اللهَ لَيْسَ إِلهَ تَشْوِيشٍ بَلْ إِلهُ سَلاَمٍ، كَمَا فِي جَمِيعِ كَنَائِسِ الْقِدِّيسِينَ. رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 14: 33

+++++

الدعوة للوليمة

أَرْسَلَتْ جَوَارِيَهَا تُنَادِي عَلَى ظُهُورِ أَعَالِي الْمَدِينَةِ: مَنْ هُوَ جَاهِلٌ فَلِيَمِلْ إِلَى هُنَا. وَالنَّاقِصُ الْفَهْمِ قَالَتْ لَهُ: هَلُمُّوا كُلُوا مِنْ طَعَامِي، وَاشْرَبُوا مِنَ الْخَمْرِ الَّتِي مَزَجْتُهَا. امثال 9: 3 - 5

أرسلت الحكمة جواريها إلي قمم التلال والمرتفعات والجبال لتنادي، فهي دعوة عامة وعلنية، لأن الله يريد أن الكل يخلصون وإلي معرفة الحق يقبلون. كانت العادة قديمًا في بعض المدن الآسيوية أن يُرسل الشخص إلى المدعوّين مجموعة من الجواري النساء يسبقهن بعض الخصيان ويُقدمون دعوة الاستضافة

يرى القديس إكليمنضس السكندري أن هؤلاء المرسلين هم الأنبياء الذين تقدموا الرب، وقد أرسلهم ليدعوهم إلى الوليمة؛ هؤلاء ليسوا سارقين ولا لصوص، أما الفلسفة فلم تُرسل بواسطة الرب لذا جاءت تسرق. وهو يقصد هنا الفلسفات المُضادة للحق والمقاوِمة لمعرفة اللَّه

العبارة: أعدت مائدتها.. تُشير إلى معرفة الثالوث القدوس الموعود بها، كما تُشير إلى جسده ودمه الطاهرين الثمينين، اللذين يقدمان كل يوم ذبيحة على المائدة الإلهية الروحية، تذكارًا دائمًا للعشاء الأول الإلهي الروحي. القديس هيبوليتس

صرخة الدعوة موجهة إلي من يشعر أنه جاهل لكي يميل ويتمتع بالحكمة الإلهية، ومن يشعر بنقص الفهم يتقدم ليتمتع بمائدة المعرفة الحقة

في بيت الوليمة هذا يجد الآتين من المشارق والمغارب موضعًا لهم في حضن إبراهيم وإسحق ويعقوب في ملكوت السماوات. العلامة أوريجينوس

+++++

فاعلية الوليمة

اُتْرُكُوا الْجَهَالاَتِ فَتَحْيَوْا، وَسِيرُوا فِي طَرِيقِ الْفَهْمِ. امثال 9: 6

إذ يستجيب المؤمن لنداء الحكمة العلني المجاني يليق به أن يعلن عن تجاوبه مع هذا النداء بترك الجهالات والسير في طريق الفهم، وذلك بغني نعمة الله العاملة فيه. يطالبنا بترك الجهل والجهال، فإن من يصاحبهم بالضرورة يصير جاهلًا مثلهم

تلك (مائدة الشياطين) هي اختلاط بالشياطين، أما هذه (مائدة الرب) فهي شركة مع الله. القديس كيرلس الأورشليمي

المائدة السرائرية هي جسد الرب الذي يعضدنا قبالة شهواتنا وضد الشيطان. حقًا يرتعد الشيطان من الذين يشتركون في هذه الأسرار بوقار. القديس كيرلس الكبير

+++++

اَلْحِكْمَةُ بَنَتْ بَيْتَهَا. نَحَتَتْ أَعْمِدَتَهَا السَّبْعَةَ. الأمثال 9: 1

مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ، الَّذِي فِيهِ كُلُّ الْبِنَاءِ مُرَكَّبًا مَعًا، يَنْمُو هَيْكَلاً مُقَدَّسًا فِي الرَّبِّ. الَّذِي فِيهِ أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيُّونَ مَعًا، مَسْكَنًا للهِ فِي الرُّوحِ. رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس 2: 20 - 22

كُونُوا أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيِّينَ ­ كَحِجَارَةٍ حَيَّةٍ ­ بَيْتًا رُوحِيًّا، كَهَنُوتًا مُقَدَّسًا، لِتَقْدِيمِ ذَبَائِحَ رُوحِيَّةٍ مَقْبُولَةٍ عِنْدَ اللهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. رسالة بطرس الرسول الأولى 2: 5

+++++

ما احلى حبك يا كنيستنا
ما احلى حبك يا كنيستنا  .:.  فاتحه احضانك لينا
بحنانك تشملي الجموع  .:.  وتقدمي لهم حب يسوع
جمعت الأبيض والأسود  .:.  وحضنت الأسياد والعبيد
يا أم الأغنياء والفقراء  .:.  مدرسة الأمي والحكماء
أكرمت وعلمتي الأمراء  .:.  وجذنت اللص والغرباء
نهديك أرواحنا  ..  نفديك بدمائنا  ..  ونقدم نفوسنا فداك


الحكمة بنت بيتها = في الاصحاح الثامن من سفر الأمثال سبق أن رأينا للحكمة أبواب يقف عندها طالبي الحكمة.. طُوبَى لِلإِنْسَانِ الَّذِي يَسْمَعُ لِي سَاهِرًا كُلَّ يَوْمٍ عِنْدَ مَصَارِيعِي، حَافِظًا قَوَائِمَ أَبْوَابِي. الأمثال 8: 34. وطالما لها أبواب، فهي إذن لها بيت يقف عند أبوابه الحكماء ساهرين منتظرين أن يتعلموا وربما يشير البيت الذي بنته الحكمة إلى الهيكل الذي بناه سليمان ولكن سليمان كان يرمز للمسيح، والهيكل كان يرمز لجسد المسيح الذي هو كنيسته

فَأَجَابَ الْيَهُودُ وَقَالوُا لَهُ: أَيَّةَ آيَةٍ تُرِينَا حَتَّى تَفْعَلَ هذَا؟ أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: انْقُضُوا هذَا الْهَيْكَلَ، وَفِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ أُقِيمُهُ. فَقَالَ الْيَهُودُ: فِي سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً بُنِيَ هذَا الْهَيْكَلُ، أَفَأَنْتَ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ تُقِيمُهُ؟ وَأَمَّا هُوَ فَكَانَ يَقُولُ عَنْ هَيْكَلِ جَسَدِهِ. فَلَمَّا قَامَ مِنَ الأَمْوَاتِ، تَذَكَّرَ تَلاَمِيذُهُ أَنَّهُ قَالَ هذَا، فَآمَنُوا بِالْكِتَابِ وَالْكَلاَمِ الَّذِي قَالَهُ يَسُوعُ. يوحنا 2: 18 - 22

فَإِنَّهُ لَمْ يُبْغِضْ أَحَدٌ جَسَدَهُ قَطُّ، بَلْ يَقُوتُهُ وَيُرَبِّيهِ، كَمَا الرَّبُّ أَيْضًا لِلْكَنِيسَةِ. لأَنَّنَا أَعْضَاءُ جِسْمِهِ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ. رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس 5: 29 - 30

وسليمان هنا يدعو الناس للعبادة في الهيكل الذي بناه، والمسيح يدعو الناس للاشتراك في جسده والثبات فيه: اُثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ. كَمَا أَنَّ الْغُصْنَ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَأْتِيَ بِثَمَرٍ مِنْ ذَاتِهِ إِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْكَرْمَةِ، كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا إِنْ لَمْ تَثْبُتُوا فِيَّ. يوحنا 15: 4. والثبات في جسد المسيح يحتاج منا أن نترك الخطية = اتركوا الجهالات

وبنفس المفهوم يطلب سليمان أن يترك الناس أماكن وبيوت الشر ويأتوا للهيكل. إذًا بيت الحكمة هو بيت المسيح أي كنيسته.. وَإِنَّمَا إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَعْرِفُ أَنْ يُدَبِّرَ بَيْتَهُ، فَكَيْفَ يَعْتَنِي بِكَنِيسَةِ اللهِ؟ رسالة بولس الرسول الأولى إلى تيموثاوس 3: 5. وهو أسسها على صخرة الإيمان به كابن الله الحي.. فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ وَقَالَ: أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيِّ!. فَأجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا، إِنَّ لَحْمًا وَدَمًا لَمْ يُعْلِنْ لَكَ، لكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. وَأَنَا أَقُولُ لَكَ أَيْضًا: أَنْتَ بُطْرُسُ، وَعَلَى هذِهِ الصَّخْرَةِ أَبْني كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا. متى 16: 16 - 18

نحتت أعمدتها السبعة = الكنيسة تؤسس وهي مستندة دائمًا على عمل روح الله القدوس وهو عمله الكامل (رقم 7 رقم الكمال). ونلاحظ في سفر الرؤيا: هذَا يَقُولُهُ الَّذِي لَهُ سَبْعَةُ أَرْوَاحِ اللهِ وَالسَّبْعَةُ الْكَوَاكِبُ. رؤيا يوحنا اللاهوتي 3: 1 أن المسيح له سبعة أرواح الله، والمسيح هو الذي أرسل الروح القدس للكنيسة، وهو العامل في أسرار الكنيسة السبعة ليؤسس بهم جسد المسيح أي بيته أي كنيسته، هو روح الحكمة روح الرب.. وَيَحُلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ، رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ، رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ. إشعياء 11: 2

والروح القدس أُرِسلَ للكنيسة باستحقاقات دم المسيح = ذبحت ذبحها = فلولا الصليب الذي به تم الصلح بين الله والإنسان ما حل الروح على الكنيسة. مزجت خمرها = الخمر الممزوجة هي خمر أضيفت إليها بعض الأطياب لتجعل لها طعمًا لذيذًا ورائحة طيبة، ولاحظ أننا رائحة المسيح الذكية. هي خمر ليست للخلاعة والسكر بل خمر الفرح، رمز لعمل الروح القدس في الكنيسة وفي النفس.. أَدْخَلَنِي إِلَى بَيْتِ الْخَمْرِ، وَعَلَمُهُ فَوْقِي مَحَبَّةٌ. نشيد الأنشاد 2: 4؛ وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ. ضِدَّ أَمْثَالِ هذِهِ لَيْسَ نَامُوسٌ. رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية 5: 22 – 23؛ وَلاَ تَسْكَرُوا بِالْخَمْرِ الَّذِي فِيهِ الْخَلاَعَةُ، بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ. رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس 5: 18

ورتبت مائدتها = هي مائدة عشاء دعا لها الرب.. فَقَالَ لَهُ: إِنْسَانٌ صَنَعَ عَشَاءً عَظِيمًا وَدَعَا كَثِيرِينَ، وَأَرْسَلَ عَبْدَهُ فِي سَاعَةِ الْعَشَاءِ لِيَقُولَ لِلْمَدْعُوِّينَ: تَعَالَوْا لأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ أُعِدَّ. لوقا 14: 16 - 17
هي مائدة التناول من جسد الرب ودمه، الذي يعطينا الشبع الروحي والفرح الروحي. والمسيح بعد أن قدم ذاته ذبيحة = ذبحت ذبحها. وقدم ذاته مأكلًا ومشربًا = رتبت مائدتها وصلب وقام وصعد للسموات وأرسل الروح القدس ليؤسس الكنيسة = الحكمة بنت بيتها أرسل المسيح تلاميذه المملوئين من الروح ليبشروا كسفراء له = أرسلت جواريها تنادي يدعون الناس لوليمة العرس.. وَجَعَلَ يَسُوعُ يُكَلِّمُهُمْ أَيْضًا بِأَمْثَال قَائِلاً: يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا مَلِكًا صَنَعَ عُرْسًا لابْنِهِ، وَأَرْسَلَ عَبِيدَهُ لِيَدْعُوا الْمَدْعُوِّينَ إِلَى الْعُرْسِ، فَلَمْ يُرِيدُوا أَنْ يَأْتُوا. فَأَرْسَلَ أَيْضًا عَبِيدًا آخَرِينَ قَائِلاً: قُولُوا لِلْمَدْعُوِّينَ: هُوَذَا غَدَائِي أَعْدَدْتُهُ. ثِيرَانِي وَمُسَمَّنَاتِي قَدْ ذُبِحَتْ، وَكُلُّ شَيْءٍ مُعَدٌّ. تَعَالَوْا إِلَى الْعُرْسِ! متى 22: 1 - 4

هم أكملوا العمل الذي بدأه المسيح.. فَكَيْفَ نَنْجُو نَحْنُ إِنْ أَهْمَلْنَا خَلاَصًا هذَا مِقْدَارُهُ؟ قَدِ ابْتَدَأَ الرَّبُّ بِالتَّكَلُّمِ بِهِ، ثُمَّ تَثَبَّتَ لَنَا مِنَ الَّذِينَ سَمِعُوا، شَاهِدًا اللهُ مَعَهُمْ بِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ وَقُوَّاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ وَمَوَاهِبِ الرُّوحِ الْقُدُسِ، حَسَبَ إِرَادَتِهِ. رسالة بولس الرسول إلى العبرانيين 2: 3 – 4. ومن يقبل الدعوة يأخذ حياة ويكون حكيمًا. وخدام الله يدعون من هو جاهل = قارن مع
قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: لَوْ كُنْتُمْ عُمْيَانًا لَمَا كَانَتْ لَكُمْ خَطِيَّةٌ. وَلكِنِ الآنَ تَقُولُونَ إِنَّنَا نُبْصِرُ، فَخَطِيَّتُكُمْ بَاقِيَةٌ. يوحنا 9: 41
فَانْظُرُوا دَعْوَتَكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنْ لَيْسَ كَثِيرُونَ حُكَمَاءَ حَسَبَ الْجَسَدِ، لَيْسَ كَثِيرُونَ أَقْوِيَاءَ، لَيْسَ كَثِيرُونَ شُرَفَاءَ، بَلِ اخْتَارَ اللهُ جُهَّالَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الْحُكَمَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ ضُعَفَاءَ الْعَالَمِ لِيُخْزِيَ الأَقْوِيَاءَ. وَاخْتَارَ اللهُ أَدْنِيَاءَ الْعَالَمِ وَالْمُزْدَرَى وَغَيْرَ الْمَوْجُودِ لِيُبْطِلَ الْمَوْجُودَ، لِكَيْ لاَ يَفْتَخِرَ كُلُّ ذِي جَسَدٍ أَمَامَهُ. وَمِنْهُ أَنْتُمْ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ، الَّذِي صَارَ لَنَا حِكْمَةً مِنَ اللهِ وَبِرًّا وَقَدَاسَةً وَفِدَاءً. حَتَّى كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: مَنِ افْتَخَرَ فَلْيَفْتَخِرْ بِالرَّبِّ. رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 1: 26 - 31

والجاهل معناها الإنسان البسيط الذي يشعر في نفسه بالاحتياج لأن يتعلم، يشعر في داخله أنه لا شيء وأنه محتاج للمسيح، يشعر في داخله أنه عطشان وجوعان: إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ. يوحنا 7: 37؛ طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ، لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ. متى 5: 6. أما حالة الشعور بالاكتفاء فهي تقود للفتور والشيخوخة الروحية ثم الكبرياء.. لأَنَّكَ تَقُولُ: إِنِّي أَنَا غَنِيٌّ وَقَدِ اسْتَغْنَيْتُ، وَلاَ حَاجَةَ لِي إِلَى شَيْءٍ، وَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ أَنْتَ الشَّقِيُّ وَالْبَئِسُ وَفَقِيرٌ وَأَعْمَى وَعُرْيَانٌ. أُشِيرُ عَلَيْكَ أَنْ تَشْتَرِيَ مِنِّي ذَهَبًا مُصَفًّى بِالنَّارِ لِكَيْ تَسْتَغْنِيَ، وَثِيَابًا بِيضًا لِكَيْ تَلْبَسَ، فَلاَ يَظْهَرُ خِزْيُ عُرْيَتِكَ. وَكَحِّلْ عَيْنَيْكَ بِكُحْل لِكَيْ تُبْصِرَ. رؤيا يوحنا اللاهوتي 3: 17 - 18. فكل حكيم حقيقي هو جاهل في عيني نفسه يريد أن يتعلم وخاطئ في عيني نفسه محتاج لغفران خطاياه، والمسيح أتى لمثل هؤلاء، لمن يشعرون أنهم خطاة يحتاجون الغفران والمرضى الذين يحتاجون للطبيب، ولم يأتي للأصحاء فهم لا يحتاجونه

وماذا بعد التناول، علينا أن نكمل حياتنا بلا خطية ونترك الشر = اتركوا الجهالات = هذه هي التوبة السلبية، ترك الشر، هي دعوة لتغيير كامل في أسلوب الحياة. وسيروا في طريق الفهم = عمل الخير هو توبة إيجابية. وهذا هو نفس مفهوم عيد الفطير سبعة أيام بعد تقديم الفصح، أي بعد الصليب علينا أن نكمل حياتنا بلا خطية.. إِذًا نَقُّوا مِنْكُمُ الْخَمِيرَةَ الْعَتِيقَةَ، لِكَيْ تَكُونُوا عَجِينًا جَدِيدًا كَمَا أَنْتُمْ فَطِيرٌ. لأَنَّ فِصْحَنَا أَيْضًا الْمَسِيحَ قَدْ ذُبحَ لأَجْلِنَا. إِذًا لِنُعَيِّدْ، لَيْسَ بِخَمِيرَةٍ عَتِيقَةٍ، وَلاَ بِخَمِيرَةِ الشَّرِّ وَالْخُبْثِ، بَلْ بِفَطِيرِ الإِخْلاَصِ وَالْحَقِّ. رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 5: 7 - 8

+++++

من وحيْ الأمثال 9

عجيبة هي مائدتك

قدمت لي جسدك ودمك مائدة سماوية، اشبع وأفرح وأنمو في معرفتك. أتمتع بها واتحد بك يا مخلص نفسي

حولت نفسي إلى هيكل لك، وأقمت مذبحك في داخلي، وأعلنت كهنوتك الفريد! اقبل حياتي ذبيحة حب

لتسكب عليها خمر فرحك، وتحول أعماقي إلى مقادس حية

احملني على منكبيك، فإني جاهل وضعيف! انطلق بي في طريقك الملوكي، فأتمتع بمعيتك

اسندني فلا انجذب إلى وليمة الجهل، ولا اسمع لصوت غريب

ولا أطلب ملذات زائلة، لئلا تنحدر نفسي إلى الهاوية

اقتحم نفسي ولتدخل إلى أعماقها. افتح لي أبواب السماء فادخل فيها

لتسكن في أعماقي، واسكن أنا في سمواتك! أنت نصيبي وشبعي وتهليل قلبي


المراجع

الكتاب المقدس بعهديه: العهد القديم والعهد الجديد

تفسير الكتاب المقدس - العهد القديم - القمص تادرس يعقوب ملطي. أمثال سليمان 9 - تفسير سفر الأمثال

شرح الكتاب المقدس - العهد القديم - القس أنطونيوس فكري. أمثال سليمان 9 - تفسير سفر الأمثال 


Share

Facebook Comments

Twitter

I Read

Word of the Day

Quote of the Day

Article of the Day

This Day in History

Today's Birthday

In the News