Showing posts with label حيل الشيطان. Show all posts
Showing posts with label حيل الشيطان. Show all posts

Wednesday, March 25, 2009

أسباب الشك

أحيانا يرجع سبب الشك إلي طبيعة الشخص نفسه‏،‏ إذ تكون شخصيته مهزوزة غير ثابتة‏،‏ أو يكون موسوسا‏،‏ وطريقته في التفكير وفي الحكم علي الأمور تجلب له الشك‏.‏ وقد يكون بسيطا يصدق كل مايقال له‏،‏ فيصبح ألعوبة في يد من يلهو به‏.‏ إن حكي له أحد عن صديق يتقول عليه‏،‏ ما أسهل ان تتغير معاملته لهذا الصديق‏،‏ ويشك في إخلاصه بل إنه قد يتعرض إلي الشك في أمور عقائدية أو إيمانية‏،‏ إذا ماشككه شخص أكثر منه فهما‏،‏ ونفس الوضع من جهة الفكر السياسي‏،‏ فإن البعض الذين لهم اتجاه سياسي معين‏،‏ يجدون لهم مجالا في أمثال هؤلاء البسطاء والقليلي المعرفة لكي يضموهم إليهم‏.‏ ومثل هؤلاء البسطاء ـ ربما بالشك ـ يتحولون من اتجاه الي عكسه‏،‏ ويكونون كما قال الشاعر‏:‏ كريشة في مهب الريح طائرة‏..‏ لاتستقر علي حال من القلق وعلي عكس هذا فإن الشك قد يحارب أشخاصا لهم عقول عميقة التفكير‏،‏ فبينما الإنسان العميق التفكير يستطيع أن يكتشف زيف الشكوك فلا يقع فيها‏،‏ نراه من الناحية المضادة‏.‏ إذا ما بحث أمورا أعلي من مستوي عقله خاصة بالله والسماء والأبدية وطبيعة الخليقة ـ ربما يقع في الشك ويرتبك عقله‏.‏ وهذا هو الذي حدث مع الفلاسفة الملحدين‏..‏ كانوا فلاسفة علي مستوي عقلي عميق‏.‏

ولكنهم ألحدوا‏،‏ لأنهم حاولوا أن يبحثوا أمورا فوق مستوي عقلهم‏!!‏ ففشل العقل في الوصول‏،‏ وضلوا‏..‏

حقا‏،‏ إن العقل هو نعمة كبيرة من عند الله ولكن له حدودا لايجوز له أن يتجاوزها‏.‏ هذه الأمور أعلنها الله بطريق الوحي والأنبياء‏،‏ ولايمكن الوصول إليها بالعقل وحده وإذا حاول بالعقل بعيدا عن الإيمان أن يصل إليها قد يقع في الشك‏.‏ مثال ذلك خلق الإنسان من تراب‏..!!‏ وأيضا المعجزات‏.‏ ولهذا فإن المعجزات قد تحدث مع البسطاء الذين يقبلونها بالإيمان‏..‏ بينما بعض العقلاء الذين لايقبلون شيئا إلا بعد تفكير وفحص‏..‏ هؤلاء لاتحدث لهم معجزة‏،‏ ولايؤمنون بها‏..‏

من مصادر الشك أيضا‏،‏ بل من أهمها الشيطان فهو ماهر جدا في ايجاد الشكوك وفي تصديرها‏.‏ وله خبرة طويلة في غرس الشكوك في عقول الناس‏.‏ ويجد لذة في ذلك‏.‏ ويعتبر قبول البشر لشكوكه انتصارا له‏،‏ والشيطان يعرف جميع الشكوك التي مرت علي العالم من آلاف السنين‏، ويمكنه أن يحارب بها‏.‏ وقد يلقي الشكوك في الإيمان‏،‏ وفي العلاقة مع الآخرين‏،‏ وفي القيم والمبادئ‏،‏ وفي كل شيء‏..‏ لكي يجعل الإنسان في حيرة من أمره‏،‏ وفي دوامة من الشك‏..‏ وربما يأتي الشك إلي الإنسان من غيره من الناس‏،‏ إذا ماترك أذنيه فريسة لأقوالهم‏..‏ وهكذا قد تأتي الشكوك من معاشرة الشكاكين‏.‏ فاحترس إذن من كلام هؤلاء ولاتصدقه‏.‏ لأنه كما أن معاشرة المؤمنين الثابتين في إيمانهم تنقل إليك الإيمان والثقة‏،‏ فإن معاشرة الشكاكين تنقل إليك الشك إذا قبلت مايقولونه لك‏.‏ ومثال ذلك أن شخصا قال لي‏:‏ حينما أقرأ بعض الجرائد في الصباح‏,‏ يخيل إلي أن البلد قد ضاعت‏، وأن الخطر قريب‏،‏ فهم يشككوننا في الحال وفي المستقبل وفي الأشخاص‏..‏

ولذلك فمن أشهر مصادر الشك‏،‏ الشائعات‏.‏ وكثيرا ماتكون خاطئة أو مغرضة‏،‏ وفي ذلك قال أحد الأدباء‏:‏ إذا أردت أن تشعل حريقا في بلد ما أطلق فيها شائعات مهمة فإن الشائعات يمكن أن تثير جوا من القلق والاضطراب وربما الخوف أيضا‏..‏ ويشك الناس قائلين‏:‏ تري ماالذي حدث؟‏!‏ من أسباب الشك أيضا‏:‏ الانحصار في سبب واحد‏..‏ وقد يكون هذا السبب هو أسوأ افتراض ممكن‏.‏ مثال ذلك‏:‏ أم قد تأخرت ابنتها في العودة إلي البيت مساء فتشك في إصابتها بسوء‏،‏ كأن حدث لها حادث‏،‏ أو أن أحدا قد خطفها‏،‏ وتظل في قلق بسبب هذا الشك حتي تعود‏..‏ وربما تشك في أنها ستعود‏!!‏ بينما يكون السبب في تأخرها هو زحمة المواصلات أو زميلة لها قد عطلتها‏،‏ أو احتاجت أن تشتري شيئا من مكان بعيد‏،‏ أو‏..‏ ولكن حصر التفكير في سبب واحد‏، وهو إصابتها بسوء هذا مايجلب الشك‏.‏

ومشكلة الانحصار في سبب واحد‏،‏ كثيرا مايجلب الشك بين الأزواج‏..‏ وهذا السبب هو سوء الظن في شريك الحياة‏.‏ فإن حدث أن الزوج قد ألزمته الضرورة في الاهتمام بوالدته أو والده في ضيقة معينة‏،‏ ربما تشك الزوجة قائلة‏:‏ إنه يحب عائلته اكثر مني‏،‏ وبسببهم يتأخر عن بيته‏،‏ أو ينفق عليهم اكثر مما ينفق علي أولاده وأسرته‏!!.‏ وإذا أعجب الزوج بدعابة قالتها امرأة أخري‏،‏ أو برأي ذكي عرضته تبدأ الزوجة في أن تشك وتظن ان هذا الاعجاب ربما وراءه علاقة ما‏،‏ أو أنه سيقود الي انحراف‏،‏ وتتعب‏!!‏ إن الانحصار في سبب واحد هو ضيق في التفكير بينما الفكر المتسع يضع أمامه افتراضات كثيرة‏،‏ فلايشك ولايتعب‏.‏

قد يحدث الشك ايضا بسبب الوهم‏.‏ فقد يتوهم البعض أن رقم‏13‏ مثلا وراءه شر ما فيدخلهم الشك في كل يوم يكون تاريخه‏13‏ أو مضاعفاته‏!‏ وهكذا في بعض البلاد نري أن المصعد‏(‏ الأسانسير‏)‏ ينتقل من رقم‏12‏ إلي‏14‏ مباشرة‏،‏ ويلغي رقم‏13‏ ونفس الوضع في أدوار المساكن‏..‏ وكل ذلك عبارة عن وهم‏..‏ وقد يحدث الشك بسبب الضيقات وبخاصة إذا ما طالت مدتها‏،‏ واقترب الإنسان من اليأس‏.‏ حينئذ قد يحاربه الشك في رحمة الله‏،‏ وفي جدوي الصلاة التي لم تكن لها نتيجة‏.‏ أو أن فتاة طال بها الوقت ولم تتزوج‏،‏ أو كلما يأتي إليها عريس يذهب ولايعود‏..‏ حينئذ قد يدخلها الشك في أن‏(‏ عملا‏)‏ قد عمل لها وبسببه يحدث كل هذا‏!!‏ وتبدأ في الذهاب إلي المشعوذين لكي يفكوا لها ذلك العمل‏!‏ وكل ذلك خرافات‏.‏

ومن أسباب الشك أيضا عدم الثقة بالنفس‏،‏ ومثال ذلك كثير من ألوان الشك بين الأزواج‏،‏ فالزوجة التي تشك في خيانة زوجها‏.‏ وراء هذا الشك يوجد شك منها في نفسها‏،‏ وفي مدي كفايتها للزوج‏،‏ أما الزوجة الواثقة بنفسها فهي لاتشك بل تقول في نفسها‏:‏ لا توجد امرأة أفضل مني في الجمال أو الجاذبية يمكن أن ينجذب إليها زوجي أنا واثقة أنه في قبضة يدي‏،‏ لايمكنه الخروج منها‏!‏

وبنفس المنطق يمكن أن يتحدث الزوج الواثق تماما بقوته وتأثيره علي زوجته وبمدي محبتها له‏.‏ أما إذا فقد الثقة بنفسه‏،‏ فحينئذ يمكن ان يشك في زوجته‏،‏ وفي إمكانية أن تتجه إلي رجل آخر وتتعلق به‏.‏

مقال قداسة الانبا شنوده الثالث – بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – في جريدة الأهرام – السنة 133 – العدد 44652 – يوم الأحد الموافق 8 مارس (آذار) 2009 ميلادية، 29 أمشير 1725 شهداء (قبطية)، 11 ربيع الاول 1430 هجرية (للهجرة) – الصفحة العاشرة (10)، قضايا وآراء،
http://www.ahram.org.eg


Share/Save/Bookmark

Monday, March 9, 2009

الشكوك‏..‏ أنواعها وعلاجها

الشك حالة يكون فيها الإنسان مزعزعا قلقا‏،‏ لا يدري في أي طريق يسير‏،‏ هو في حالة من عدم وضوح الرؤيا يفقد فيها سلامه الداخلي‏،‏ ويكون مضطربا في نفسه وفكره‏،‏ فاقدا للثقة وهكذا يصير الشك جحيما للفكر والقلب معا‏.‏ أحيانا يكون دخول الشك سهلا‏،‏ ولكن خروجه يكون صعبا جدا وقد يترك أثرا مخفيا‏،‏ مايلبث أن يظهر بعد حين‏..‏ واذا استمر الشك‏،‏ ما أسهل ان يتحول الي مرض والي عقد لها نتائجها‏،‏ فيقال ان هذا الشخص شكاك‏، أي أن الشك صار طبعا له‏.‏ وهذا الشك ـ إذا استمر ـ فإنه يتلف الأعصاب‏،‏ ويدعو الي الحيرة وارتباك الفكر‏،‏ وفي عنف الشك‏،‏ يمنع النوم‏،‏ ومن نتائجه أيضا‏،‏ أنه يؤدي الي التردد وعدم القدرة علي البت في الأمور‏.‏ والشك علي أنواع كثيرة‏:‏ منها الشك في الله وفي العقيدة‏،‏ والشك في الناس وفي الأصدقاء والأقارب‏، وأحيانا الشك في بعض الفضائل والقيم‏،‏ بل الشك في النفس أيضا‏، وفي امكانية التوبة وفي قبول الله لها‏،‏ وما أكثر تفرعات الشك ومجالاته‏،‏ وسنحاول في هذا المقال ان نتعرض ولو بإيجاز لكل ذلك‏..‏

فمن جهة الشك في الله جل جلاله يكون ذلك علي نوعين‏:‏ إما في وجود الله‏،‏ وإما في مدي معونته لنا‏،‏ والشك في وجود الله‏،‏ أي الإلحاد‏،‏ فهو إما محاربة من الشيطان‏،‏ يحاول أن يزعج بها فكر المؤمن‏،‏ بينما القلب يرفضها بشدة‏،‏ فلا يجوز للإنسان ان يتعامل مع هذا الفكر ولا أن يضطرب بسببه‏،‏ والاثباتات علي وجود الله كثيرة‏.‏ وقد يكون السبب في هذا الشك قراءة كتب الملحدين أو معاشرتهم والاختلاط بأفكارهم‏،‏ أو يأتي ذلك من بحوث منحرفة في الفلسفة‏،‏ أو في العلاقة بين الدين والعلم‏،‏ وأصل الكون ونشأته‏،‏ بينما لا خلاف بين الدين والعلم‏،‏ فإن عرض البعض خلافا‏،‏ فإما ان يكون سببه خطأ فيما يسمونه علما‏، أو فهما خاطئا للدين‏.‏

وقد يكون الشك هو في مدي معونة الله وحفظه كأن يقول شخص‏:‏ لقد صليت من أجل أمر معين مرات عديدة بلا نتيجة‏،‏ فما قيمة الصلاة إذن وما نفعها؟‏!‏ ويبدأ ان يشك في جدوي الصلاة أو في مراحم الله‏،‏ بينما الله سيستجيب في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة‏.‏ ويعطي الإنسان ما ينفعه وليس مايطلبه‏،‏ والله بحكمته يعرف تماما ماينفعنا‏،‏ ويمنحنا إياه دون أن نطلب‏..‏ ان الشيطان يلقي بذاره من جهة الشك في الله‏،‏ لكي يجعلك تترك الله‏،‏ وتصبح فريسة في يديه هو‏،‏ فعليك ان تبعد عن كل مصدر يبعدك عن الله‏،‏ أما الكتب التي تشكك في وجود الله أو معونته‏،‏ فلا يصح أن يقرأها إلا الثابت في الإيمان‏،‏ القوي في عقيدته‏،‏ الذي يستطيع أن يرد علي ما فيها من انحراف فكري‏..‏

هناك نوع آخر من الشك هو الشك في بعض الأصدقاء والأحباء والأقارب هؤلاء إن كانت تربطم المحبة والثقة‏،‏ فلن يعرف الشك اليهم سبيلا ولكن ان نقصت المحبة‏،‏ حينئذ تنقص الثقة‏،‏ فيكون القلب مستعدا للشك‏،‏ والأذن مفتوحة لكلام الوشاة‏، وكما يقول أمير الشعراء أحمد شوقي‏:‏ قد صادفوا أذنا صغواء لينة‏..‏ فأسمعوها الذي لم يسمعوا أحدا‏.‏

وعلاج هذا الأمر هو المواجهة والصراحة علي أن يكون ذلك في محبة وفي غير اتهام أو قسوة مع عدم التأثر بالسماعات والوشايات‏،‏ وعدم تصديق كل ما يقال‏،‏ فكثير ما يكون الاتهام ظالما مهما كانت الدلالات واضحة‏،‏ ولايجوز الحكم علي أحد بدون الاستماع اليه‏.‏

وقد يحدث الشك أحيانا بين زوجين‏،‏ فيشك الزوج في أن زوجته تخونه‏،‏ أو تشكك الزوجة في أن زوجها يخونها‏،‏ وقد يكون سبب ذلك كلمة إعجاب بريئة أو ابتسامة‏.‏ وأحيانا يحدث الشك كرد فعل لوسائل الاعلام فإن رأت الزوجة فيلما فيه زوج خان زوجته‏،‏ وهو في سفر أو في غربة‏،‏ ثم تصادف أو زوجها قال لها انه سيسافر في مهمة لبضعة أشهر‏، حينئذ يحاربها الشك وتقول له‏:‏ لن تسافر وحدك رجلي علي رجلك في سفري معك أكون حصنا لك يحميك من أية امرأة تحاول اجتذابك إليها‏.‏

هناك شك آخر يمكن ان يوقعه الشيطان في بعض الفضائل أو القيم‏،‏ كأن يشكك انسانا في التسامح فيقول عنه انه لون من ضعف الشخصية‏،‏ أو أثناء الصوم يحاربه بالأكل اذا جاع ويقول له‏:‏ مالزوم الصوم؟‏!‏ وهل الفضيلة الجسدية لها قيمة؟‏!‏ إن الله يهمه الروح قبل كل شئ ليكن قلبك مع الله‏،‏ وكل ماتشاء‏!!‏ وقد يشكك الانسان فيما هو الحرام؟ وما هو الحلال؟ ويحاول ان يطبق هذه الحيلة علي السينما والتليفزيون وكل أنواع اللهو والموسيقي‏،‏ ثم يتدرج الي كل مال يصل اليه‏،‏ وهل فيه حرام أو شبه حرام‏،‏ كفوائد البنوك مثلا‏،‏ ثم في حق الله من ماله‏،‏ وعلي أية جهة من العطاء يجوز أو لايجوز‏،‏ وهكذا يحيا في شك وفي حيرة‏..‏

الشك أيضا ما أكثر ما يتعب الإنسان في المراحل المصيرية‏،‏ ففي فترة الخطوبة‏:‏ من تفضل الفتاة‏:‏ هل الشاب الجذاب الذي تحبه؟ أم الغني الذي يكفل لها كل وسائل الراحة؟ أم صاحب المنصب الكبير؟ أم الذكي جدا الممتاز في دراسته؟ أم الشاب الذي يحبها ويهواها؟ وتبقي في حالة شك وفي كل ذلك‏،‏ هل تقبل مايفضله أبوها‏، أم ما يفضله قلبها؟ أم ما يفضله عقلها؟‏..‏

وفي المراحل المصيرية عموما‏،‏ يحتاج الإنسان الي ثبات في هدف سليم‏،‏ وفي وسيلة تحققه مع معرفة للنفس وقدراتها‏..‏ ومن النواحي الخطيرة في الشك‏،‏ شك الانسان في نفسه‏،‏ اذ لا تكون له ثقة في نفسه وفي قدرته كالطالب الذي يشكك في قدرته علي النجاح‏،‏ أو في كفاية الوقت الباقي له علي الامتحان لكي يدرس فيه المقرر عليه‏،‏ ومثال آخر شك انسان يريد اقامة مشروع معين‏، ‏وهل ينجح فيه أم يفشل؟ أو شك إنسان في نفسه‏:‏ هل هو محبوب من الناس أم لا؟ وهل تصرفاته مقبولة أم غير مقبولة؟ ان الفاقدين الثقة في نفوسهم يحتاجون الي تشجيع‏، وكما ان الأطفال يحتاجون الي كلمات مديح أو تشجيع ليثبتوا في الطريق السليم‏،‏ كذلك الكبار أيضا يحتاجون الي كلمة طيبة‏،‏ والي رفع روحهم المعنوية وبخاصة ان كانوا في حالة مرض‏،‏ أو في مشكلة أو ضيقة‏.‏ حتي لايدركهم اليأس‏،‏ أو ان يقول الواحد منهم‏:‏ لافائذة‏..‏ قد ضعت‏!!.‏

ومن جهة موضوع الشك‏:‏ أشك انه انتهي عند هذا الحد‏!‏

مقال قداسة الانبا شنوده الثالث – بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – في جريدة الأهرام – السنة 133 – العدد 44645 – يوم الأحد الموافق 1 مارس (آذار) 2009 ميلادية، 22 أمشير 1725 شهداء (قبطية)، 4 ربيع الاول 1430 هجرية (للهجرة) – الصفحة العاشرة (10)، قضايا وآراء،
http://www.ahram.org.eg


Share/Save/Bookmark

Saturday, March 7, 2009

حيل أخري للشيطان

الإغراءات‏:‏ منذ البدء والشيطان يقدم ألوانا من الاغراءات ليسقط بها ضحاياه من البشر‏،‏ إنه يجس نبض الإنسان‏،‏ لكي يكتشف هل يضعف أمام إغراء معين أم لا؟ فإن وجده لا يهتم بهذا الاغراء ولا يتأثر‏،‏ يجرب معه إغراء آخر‏...‏ وبخبرة الشيطان مع الناس‏،‏ يحرص أن ينتقي لكل منهم ما يناسبه‏.‏ وإغراءات الشيطان لاتسقط إلا قلبا يميل إليها‏،‏ أو يمكن أن يميل إذا استمر الوقت‏،‏ أما القلب القوي فإنه يرفض تلك الاغراءات ولا يعبأ بها‏.‏ الشيطان يعرض ولكنه لايرغم وتتوقف النتيجة علي القلب‏:‏ هل يستجيب للاغراء أم لا يستجيب؟‏.‏

وهو يغري الجسد بالشهوة أو المتعة أو اللذة‏،‏ كما يغري النفس بالسلطة أو الشهرة‏،‏ أو التفوق علي الآخرين‏، أو العظمة بجميع أنواعها‏،‏ أو اشباع الذات حسبما تري‏.‏ يغري الرجال بالنساء ويغري المرأة بنوع معين من الرجال‏..‏ ويغري الضعيف بالقوة ويغري القوي بالتشامخ والفخر ولايترك احدا بدون اغراء‏.‏

والشيطان يحاول أن يقدم اغراءاته مؤثرة وقوية فإن وجد شخصا قد عزم علي التوبة بكل إصرار وحزم يقدم له خطية كان يشتهيها منذ زمن‏،‏ ويبحث عنها فلا يجدها فيضعها أمامه فجأة وهي تسعي اليه‏!‏ ويغريه بها فيسقط‏،‏ إذ يقول له‏:‏ إنها فرصة أمامك لاتعوض فلا تترك هذه الفرصة تمر ويمكن ان تتوب بعدها‏!‏ التوبة امامك في أي وقت‏.‏ ولكن مثل هذه الخطية ليست متاحة في كل وقت‏!‏ وهكذا يجد المسكين نفسه أضعف من الإغراء فيسقط ان الشيطان يعرف بخبرته أين يوجد الجرح الذي يضغط عليه فيؤلم‏.‏

الانقياد للتيار‏:‏
يقول لك‏:‏ الكل هنا يفعل هكذا فهل تشذ أنت ويكون لك اسلوب خاص يغايرهم؟‏!‏ تقول إنك تتبع الحق ولو كان ضد تصرف الكل‏،‏ ولكن هذا سيجعل الكل ضدك لانك بهذا تكشفهم وتحرجهم فهل تستطيع ان تسبح عكس التيار؟‏!‏ ستقول كما قال الشاعر‏:‏

سأطيع الله حتي‏..‏ لو أطعت الله وحدي
لكن الجميع لايستطيعون مثل هذا الصمود‏،‏ فشيطان الانقياد للتيار السائد يدفع إلي هذا التيار بطرق شتي‏:‏ احيانا يجعل البعض يسيرون في نفس التيار من باب المجاملة أو بدافع الخجل أو الخوف من مواجهة الآخرين أو تفاديا لتهكم الناس وتعييرهم أو نتيجة لضغط الظروف الخارجة والالحاح الواقع عليهم أو خضوعا لسلطة أقوي أو يقول له الشيطان‏:‏ دع هذه المرة تمر ولن تتكرر ثم تتكرر طبعا أو يبكته الشيطان قائلا‏:‏ ما هذه الكبرياء؟‏!‏ هل من المعقول ان يكون كل الناس مخطئين وأنت الوحيد الذي علي حق؟‏!‏ أو يقول له الشيطان في خبث‏:‏ كبر عقلك ومشي امورك ماذا تنتفع ان خسرت الكل؟‏!‏

وقد يخضع الإنسان للتيار السائد نتيجة لضعف شخصيته إما أنه لايقدر علي المقاومة أو أنه يقاوم قليلا‏،‏ ولايثبت‏،‏ أو أن صديقا له تأثير عليه يقول له ليس من الحكمة أن نبدأ بمقاومة التيار‏.‏ والأفضل أن نجاريهم فترة ثم بعد ذلك نقاوم‏!‏ علي أننا لاندري إلي أي مدي تمتد هذه الفترة‏.‏

إن الانقياد للتيار لايجرف الا الضعفاء‏،‏ أما الشجعان أو أصحاب المباديء والقيم فإنهم يثبتون علي مبادئهم مهما احتملوا في سبيل ذلك‏،‏ وبثباتهم يقدمون قدوة صالحة لغيرهم‏،‏ وربما يصيرون أمثلة يذكرها التاريخ‏.‏ انهم يرفضون الخطأ حتي إن رأوا كبارا يسيرون فيه أو وقعت فيه الغالبية‏!‏ فكل ذلك لايمكن ان يجعل الخطأ صوابا‏.‏

العنف‏:‏
والمعروف ان العنف هو ضد الوداعة والهدوء‏، وضد الاتضاع أيضا‏،‏ وهو لون أيضا من قساوة القلب ومن الكبرياء‏.‏ والشيطان لايغري الخطاة فقط بالعنف إنما يغري كذلك المتدينين والروحيين‏،‏ ولذلك ما أكثر ما نري المتدين عنيفا يواجه بالعنف كل ما يراه خطأ‏،‏ وبينما نري الله ـ تبارك اسمه ـ يصبر علي الخاطئين ويدربهم في حكمة وهدوء علي الطريق السليم فإن المتدين العنيف لايسلك هكذا‏.‏

والبر لا يأتي بطريق العنف ولابإرغام الغير علي السلوك فيه إنما يأتي باقتناع العقل ورضي القلب فيصير الإنسان بارا بقلب نقي يعمل الخير حبا في الخير لامرغما عليه‏،‏ ومن الواضح ان ضغط المتدينين العنفاء لايوجد حقيقيا بل قد يؤدي الي مظهرية دينية لاعلاقة لها بنقاوة القلب من الداخل وحتي هذه المظهرية قد لاتستمر بل تزول بزوال الضغط‏.‏

عجيب ان شيطان العنف‏،‏ يدخل في مجال التدين‏،‏ كما يدخل في مجالات الخطية لانه بمكره لايجعله تدينا حقيقيا‏،‏ أما أنت يا أخي إن اردت أن تجذب الناس الي التدين اجعلهم يحبون البر والفضيلة‏، ويجدون فيها متعة دون ان يكونوا مكرهين علي ذلك باسلوب العنف‏.‏

اليأس‏:
والشيطان يلجأ الي محاربة الإنسان باليأس بعد مقدمات طويلة تمهيدية يشعره بها أنه لم يعد له خلاص من الخطية وانه قد تشبع بها تماما بالإثم بحيث لايمكن ان يتوب فيري أنه ليس فقط لاقدرة له علي التوبة بل بالأكثر لا رغبة له في التوبة‏.‏ حدث هذا احيانا بعد سقطة كبيرة يظن فيها الخاطيء أنه لا مغفرة‏!‏ وأنه لا حل للقيام من سقطته‏!‏

وقد لاتكون السقطة بهذه الدرجة ولكن الشيطان من عادته ان يضخم في الاخطاء ليوقع صاحبها في اليأس‏.‏

انه ماكر جدا فهو قبل اسقاط الإنسان يسهل في موضوع الخطية جدا حتي تبدو شيئا عاديا ويضع لها مبررات‏..‏ أما بعد السقوط فإما أن يستمر في سياسة التهوين لكي يتكرر السقوط وإما أن يلجأ الي التهويل فيقول للخاطيء‏:‏ هل من المعقول أن يغفر لك الرب كل هذا الذي فعلته وكل هذا المستوي الذي هبطت اليه؟‏!‏ وعبثا يمكنك ان تتوب‏!‏

وقد يلقي الإنسان في اليأس ـ لا من جهة خطايا قد وقع فيها ـ إنما من جهة مشاكل تبدو معقدة جدا أمامه وليس لها من حل‏..‏ بينما الله قادر أن يحل كل المشاكل بحنانه الذي لايحد واشفاقه علي من يلجأ اليه‏.‏

إن الإنسان القوي القلب والعميق في ايمانه لايمكن ان يعرف اليأس اليه طريقا بل مهما كان الجو مظلما جدا فإن الرجاء يفتح أمامه طاقات من نور‏.‏


مقال قداسة الانبا شنوده الثالث – بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – في جريدة الأهرام – السنة 133 – العدد 44638 – يوم الأحد الموافق 22 فبراير (شباط) 2009 ميلادية، 15 أمشير 1725 شهداء (قبطية)، 27 صفر 1430 هجرية (للهجرة) – الصفحة العاشرة (10)، قضايا وآراء،
http://www.ahram.org.eg


Share/Save/Bookmark

تخصصات في العمل الشيطاني

كما أنه توجد في العلم تخصصات‏، هكذا أيضا في أعمال الشياطين تخصصات متعددة يتقدمها إخصائيون من الشياطين‏،‏ لهم بها معرفة وخبرة‏..‏ نذكر من بينها‏:‏

(1)‏ شيطان متخصص في التخدير‏:‏ ذلك أنه حينما يكون الانسان متيقظا ومتنبها لخلاص نفسه‏،‏ صاحيا عقلا وروحا‏،‏ فإنه من الصعب أن يسقط‏.‏ وهكذا قال أحد الآباء إن الخطية يسبقها إما الشهوة أو الغفلة أو النسيان‏.‏ فهذه الحالة الأخيرة‏،‏ حالة الغفلة والنسيان‏، هي تخدير من الشيطان للانسان‏.‏ بالتخدير ينساق الشخص إلي الخطية‏،‏ كأنه ليس في وعيه‏،‏ يخدره الشيطان بحيث ينسي كل شيء ما عدا الخطية‏،‏ فتكون كل حواسه وأفكاره ومشاعره مركزة في الخطية وحدها‏.‏ وأما كل ما عداها فلا يحس به الانسان إطلاقا‏،‏ كأنه قد نسيه تماما‏!‏

نسي علاقته بالله‏.‏ وينسي كل وصايا الله‏،‏ وينسي مبادئه واحتراسه‏.‏ وينسي وعوده لله وتعهداته‏،‏ وينسي نقاوة قلبه‏.‏ وينسي أيضا نتائج الخطية عليه وعلي غيره‏،‏ وينسي عقوبات الله وإنذاراته‏.‏ ويكون كأنه مخدر تماما‏،‏ لا يعرف إلا الخطية‏.‏ ولا يفيق إلا بعد السقوط‏، حينما يكون كل شيء قد انتهي‏!!‏

وقد يفيق الانسان بعد الخطية مباشرة‏،‏ وربما بعد مدة طويلة‏.‏ فيهوذا مثلا لم يفق إلا بعد فوات الفرصة‏..‏

وهناك من يفيق من تخديره فيتوب‏.‏ وهناك من يفيق‏،‏ فيصاب بصغر نفس أو قد ييأس‏..‏ لذلك هناك نصيحتان أقدمهما لك‏،‏ إذا خدرك الشيطان‏:‏

الأولي‏:‏ أن تفيق بسرعة‏،‏ وهذا لا يتوافر إلا إذا كان قلبك من الأصل محبا للفضيلة‏.‏ واحذر من أن تستمر مخدرا بالخطية إلي أن تصبح عادة‏!‏ أو أن تصحو من تخديرك بعد أن تكون قد وصلت إلي نتائج سيئة جدا‏..‏

والنصيحة الثانية‏:‏ هي أنك حينما تفيق‏،‏ إنما تفيق إلي توبة حقيقية وسريعة‏، وليس إلي يأس أو صغر نفس‏.‏ واستخدم الندم وإنسحاق القلب لنفعك الروحي‏.‏

(2)‏ شيطان الخجل‏:‏ إن الخجل يكون فضيلة إذا أحسن الانسان استخدامه‏.‏ ولكن الشيطان كثيرا ما يستخدمه بطريقة تساعد علي السقوط‏.‏

كإنسان كان جالسا وسط أناس‏،‏ وبدأوا يتكلمون كلاما رديئا من الناحية الأخلاقية‏،‏ أو يتحدثون بالسوء في سيرة شخص ما‏، له مكانته ويشهرون به‏،‏ أو يسردون قصصا غير لائقة‏..‏ وهذا الانسان الجالس بينهم لم يكن يتوقع كل هذا‏.‏ فيفكر أن يتركهم وينسحب‏.‏ ولكن شيطان الخجل يمنعه ويستمر في البقاء‏.‏ أو أنه يفكر أن يقول لهم‏:‏ هذا الحديث لا يليق‏.‏ ولكن شيطان الخجل يمنعه‏.‏ فيستمر جالسا يستمع‏.‏ ويمتليء عقله بأفكار ما كان يجب أن تجول بذهنه‏.‏

وأحيانا أخري يدفعه شيطان الخجل إلي أن يوقع علي تزكية لا يوافق عليها ضميره‏.‏ وذلك خجلا من الشخص المزكي‏!‏

أو يوقع علي بيان أو قرار‏،‏ هو في أعماقه غير راض عنه‏!‏ أو يشترك في مدح إنسان لايستحق ذلك‏..‏ وإن حاول أن يمتنع عن كل ذلك‏،‏ يدفعه شيطان الخجل‏!‏

وقد يجعل الشيطان فتاة تخجل من ملابسها المحتشمة‏،‏ بحجة أن التيار العام ضد ذلك‏!‏ وبالمثل قد يجعل شابا متدينا يرفض سيجارة يقدمها إليه زميل أو أستاذ له‏،‏ بحجة عدم جرح شعوره‏!‏

وكم من خطايا يقع فيها الانسان بسبب شيطان الخجل‏..!‏

والمفروض أن يرفض المتدينون هذا الخجل‏،‏ أو يجدوا سببا يبعدون به عن الاحراج بلباقة‏.‏ أو أن يكون الشاب المتدين قوي الشخصية يستطيع أن يدافع عن موقفه الروحي بإقناع الآخرين‏.‏ أو علي الأقل يبعد تماما عن الصحبة أو المناسبات التي تعرضه لشيطان الخجل‏.‏

والعجيب أن الروحيين يخجلون أحيانا من تدينهم‏، بينما تكون للخاطئين جرأة وجسارة في التباهي بأخطائهم‏.‏

(3)‏ شيطان الوقت الضائع‏:‏ الذي يضيع وقته في تفاهات‏،‏ بلا أدني فائدة روحية أو عقلية أو صحية‏، وبلا فائدة للآخرين‏.‏

لايهم الشيطان أن ترتكب خطية في هذا الوقت‏،‏ بل يكفيه أن هذا الوقت يضيع بينما هو جزء من عمرك‏!‏

والأمثلة كثيرة لهذا الوقت الضائع‏،‏ ومنها‏:‏ أحاديث قد تطول بالساعات في موضوعات لا فائدة لك منها‏،‏ وتكون بلاحجة‏.‏ ومجادلات ومناقشات لاجدوي منها سوي تعب الأعصاب وضياع الوقت‏.‏ وزيارات وسهرات وترفيهات زائدة علي الحد‏.‏ ومسليات تأخذ كل الوقت‏،‏ وتعطل إيجابيات مهمة في حياتك مثل جلوس البعض في المقاهي‏،‏ والكلام وقتل الوقت‏..‏ وطبيعي أن الذي يقبل ضياع وقته‏،‏ تكون حياته رخيصة في عينيه‏..‏

(4)‏ شيطان التأجيل‏:‏ إن الشيطان يريد بكل جهده ان يمنعك من كل أعمال البر‏.‏ فإن وجدك مقدما علي عمل فضيلة معينة‏، لايمنعك عنها صراحة لئلا يكشف نفسه‏،‏ وإنما يدعوك إلي التأجيل‏.‏

يقول لك‏:‏ لماذا الاسراع؟ الأمر في يدنا نستطيع أن نعمله في أي وقت‏.‏ ربما التريث يعطينا فرصة لفحص الأمر بطريقة اعمق‏،‏ أو لاختيار أسهل السبل للوصول إليه‏،‏ أو يعطينا مزيدا من الاقتناع‏..‏ علي أية الحالات عندنا بعض أمور مهمة حاليا‏،‏ ما إن ننتهي منها‏،‏ حتي نقوم بعمل هذا البر‏..‏

والمقصود بالتأجيل هو إضاعة الحماس للعمل‏،‏ أو إضاعة الفرصة‏، أو ترك الموضوع‏،‏ فرصة لعلك تنساه‏،‏ أو يحدث ما يغطي عليه‏.‏ كأن تأتيك مشغولية كبيرة تأخذ كل اهتمامك ووقتك‏، أو يحدث حادث يعطلك‏،‏ أو تبدو عوائق معينة تعرقل التنفيذ‏،‏ أو يلقي الشيطان في طريقك بخطية تقترفها‏،‏ فتفتر حرارتك الروحية‏،‏ فلا تنفذ ما كنت تنوي عمله من أعمال البر‏.‏ يا أخي‏،‏ ربما هي إحدي زيارات النعمة تدعوك‏.‏ فإن أنت أجلت العمل‏،‏ ضاع تأثيرها‏.‏ إن الفرصة حاليا في يدك‏، فاعمل ما تريده من الخير‏،‏ ولا تؤجل‏.‏ لأن التأجيل قد يكون خطوة إلي الالغاء‏،‏ يعرضها الشيطان بلباقة منه‏.‏

إن كنت مقبلا علي عمل من أعمال الرحمة‏، فاستمع إذن إلي قول سليمان الحكيم‏:‏ لا تمنع الخير عن أهله حين يكون في طاقة يدك أن تفعله‏.‏ لا تقل لصاحبك‏:‏ ارجع فأعطيك غدا‏،‏ وموجود عندك‏.‏ كذلك إن دعاك صوت في داخلك أن تتوب‏،‏ فلا تؤجل التوبة‏،‏ لعلك لا تجد ما يدفعك إليها فيما بعد‏.

مقال قداسة الانبا شنوده الثالث – بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – في جريدة الأهرام – السنة 133 – العدد 44631 – يوم الأحد الموافق 15 فبراير (شباط) 2009 ميلادية، 8 أمشير 1725 شهداء (قبطية)، 20 صفر 1430 هجرية (للهجرة) – الصفحة العاشرة (10)، قضايا وآراء،
http://www.ahram.org.eg
‏‏‏‏


Share/Save/Bookmark

Saturday, February 28, 2009

من حيل الشياطين

ما أكثر حيل الشياطين‏:‏ إنها لاتنتهي إن لم تصلح حيلة منها‏،‏ يستبدلها بغيرها‏،‏ إلي أن يصل إلي غرضه‏.‏ وليست هناك خطة واحدة أمامه لتوصله‏.‏ بل يتخذ لكل حالة مايراه مناسبا لها‏،‏ دون أن يتقيد بشيء علي أنه من أشهر حيله الواضحة المتكررة بضعة أساليب صارت معروفة ومحفوظة‏،‏ نذكر منها‏.‏

‏1 ‏ ـ خطبة تلبس ثوب فضيلة‏.‏
ما أسهل أن يقدم لك الشيطان بعض الخطايا بأسماء غير أسمائها‏،‏ بأسلوب يسهل قبوله بحيث تلبس ثياب فضائل‏:‏

فالدهاء أو الخبث يطلق عليه اسم الذكاء ويقدم القسوة في معاملة الأبناء باسم الحرص علي تأديبهم بحيث إن لم يستخدم الأب القسوة‏،‏ ضميره يوبخه‏،‏ والتبرج‏،‏ والتزين غير اللائق‏،‏ يقدمها باسم الأناقة والنظافة‏،‏ والتهكم علي الناس والاستهزاء بهم يقدمه علي أنه لطف وظرف‏،‏ ومحبة ودالة‏،‏ وخفة روح‏،‏ ومحاولة للترفيه‏.‏

إن الشيطان لايقدم الخطية مكشوفة لئلا يرفضها الإنسان الحريص ـ بل يقدمها باسم مقبول‏،‏ وهي هي ولافرق‏.‏ يقول إنني سأدخل مع هذا الشخص في حرب مسميات‏،‏ وأسقطه كما أريد‏،‏ ربما دون أن يشعر‏،‏ أو قد يشعر‏،‏ وضميره لايبكته فلو أنني دعوته إلي الرياء ـ بهذا الاسم المنفر ـ فلن يقبله‏.‏ اذن ماذا أفعل؟ أسميه عدم إعثار الآخرين أو القدوة الحسنة‏.‏

قال السيد المسيح‏:‏ تأتي ساعة يظن فيها كل من يقتلكم أنه يقدم قربانا لله‏.‏ ويقينا إن الشيطان يقدم القتل إلي أولئك الناس‏، علي أنه غيرة مقدسة‏،‏ أو دفاع عن الدين‏،‏ أو تطهير للأرض من الخطاة‏.‏

والكذب يمكن أن يقدمه الشيطان تحت اسم الحكمة‏،‏ أو كنوع من حسن التصرف‏، أو انقاذ للموقف‏!‏ والطبيب قد يكذب علي المريض في تسمية نوع مرضه‏.‏ ويعتبر هذا أمام ضميره أنه حفظ لمعنويات المريض‏،‏ وحمايته من الانهيار لكي يشفي‏، والبعض يسمي بعض أنواع الكذب الأبيض‏!‏ وما أشهر مايسمونها‏(‏ كذبة‏)‏ أبريل كنوع من الدعابة أو الفكاهة‏!‏

وبهذا الشكل ما أسهل أن يسمي الشيطان الرقص المعثر باسم الفن‏.‏ وكذلك الصور العارية والماجنة هي أيضا فن‏،‏ وبالمثل التماثيل العارية أيضا‏،‏ وبعض التمثيليات التي يقولون عنها للرجال فقط‏!‏ وتحت اسم الفن يخفي الشيطان كثيرا من الخطايا والمعثرات التي لاتستحق اسم الفن‏.‏ فالفن الحقيقي له اسم جميل ومحترم‏.‏

إلباس الخطية ثوب الفضيلة هو حيلة ماكرة من الشيطان‏.‏ أتراه يدعو البخل بخلا؟‏!‏ ما كان أحد اذن يقبله‏،‏ ولكنه يسميه حسن تدبير المال أو حفظ المال لحاجة المستقبل أو يسميه عدم التبذير أو عدم الإسراف‏!!‏

وإذا أراد الشيطان أن يمنع غنيا من أن يدفع للفقراء‏،‏ يقول له‏:‏ ليس من الخير أن تعلمهم الشحاذة‏،‏ أو تعودهم علي التشرد والتواكل‏.‏ إن عدم إعطائهم هو حكمة وعين الحكمة‏.‏ لكي يبحثوا عن عمل‏،‏ ويأكلوا خبزهم بعرق جبينهم حسب الوصية؟‏!‏

إن إعطاء الخطية اسم فضيلة‏،‏ يشجع الناس علي الاستمرار فيها‏،‏ ولايبكتهم ضميرهم علي مايفعلون‏.‏ احترس اذن من المسميات الخاطئة‏،‏ ولاتسمح للشيطان أن يخدعك‏، فإن الخطية هي خطية مهما اختفت وراء اسم آخر‏.‏

‏2‏ ـ من حيل الشيطان أيضا‏:‏ الأمور الصغيرة‏:‏
إن الخطايا الكبيرة الواضحة الدنس‏،‏ يحترس منها الإنسان الحريص علي نقاوته‏،‏ ويفر منها‏:‏ لذلك فالشيطان يؤجل محاربته بها‏،‏ مادام هو منتبها لها‏.‏ أما الأمور الصغيرة‏،‏ فيحاربه بها‏،‏ لأنه لايحترس منها‏،‏ ولايهتم بها‏..‏ ويظن أن مثل هذه الأمور الصغيرة‏،‏ إنما تحارب المبتدئين والصغار‏..‏ ويقول‏:‏ أما نحن قد كبرنا عن أمثال هذه الأمور‏.‏ لهذا يحاربه الشيطان بها‏.‏

فما هي هذه الأمور الصغيرة؟ وما أمثلتها؟

ربما تكون مثل تمسك الإنسان برأيه‏،‏ وقد يكون خاطئا‏!‏ ومع ذلك لايستشير أحدا‏، وقد يقول له الشيطان‏:‏ وماذا في ذلك؟ أي خطأ فيه؟‏!‏ وهل لابد أن تستشير؟ وهل عقلك لا يكفي؟ وما أعظم عقلك‏!..‏ وهكذا يسلك حسب هواه ويسقط‏..‏

وقد تكون الأمور الصغيرة مثل التساهل قليلا مع الحواس والقراءات والسماعات ظانا انها لاتأثير لها عليه‏!‏ بينما قد يضره ذلك‏.‏ وماتجلبه الحواس ينغرس في عقله الواعي وفي عقله الباطن‏،‏ وتكون له ثماره الخطيرة‏،‏ ولو بعد حين‏..‏ إن الأمور الصغيرة قد لاتكون صغيرة فعلا‏،‏ بل الشيطان يسميها هكذا‏،‏ وربما توصل إلي أخطر النتائج‏.‏ إن الإنسان ينظر إلي الزنا والسرقة والكذب‏،‏ وما أشبه علي انها من الكبائر‏،‏ ولكنه لا ينظر بنفس الاعتبار إلي خطايا الفكر أو خطايا اللسان‏،‏ ويعتبرها من الأمور الصغيرة‏،‏ وهي ليست كذلك ـ وربما يهلك نتيجة لعدم حرصه في الكلام‏،‏ وتؤخذ لفظة عليه مما يقوله‏،‏ وتكبر وتصير جريمة قذف‏..‏ كما أن فكره ـ الذي يستهين به ـ قد يتحول إلي شهوة تؤدي به إلي السقوط‏.‏

حقا إن شيطان الأمور الصغيرة يمكن أن يهلك الإنسان‏..‏ فيمكن أن تغرق سفينة كبيرة‏،‏ بسبب ثقب صغير في قاعها‏،‏ والإنسان لايكون موته فقط بواسطة وحش كبير يفترسه‏،‏ إنما يكفي لموته ميكروب صغير لايري بالعين المجردة‏..!‏

وأبشع العلاقات بين فتي وفتاة قد تبدأ بعلاقة بريئة جدا‏..‏ ولكنها ـ مع التساهل والدالة ـ تتطور إلي ماهو اسوأ وأخطر حتي تنتهي بخطية كبيرة‏.‏

وعوامل النصب والاحتيال‏،‏ قد تبدأ بأمور بسيطة مثل الثقة مع الطرف الآخر‏، وفي ظل هذه الثقة التوقيع علي أوراق بدون حرص أو شك في النوايا‏.‏ وينتهي الأمر أخيرا بكارثة اقتصادية سببها تلك الأمور التي تبدو صغيرة‏.‏

وقد تبدأ الكارثة الاقتصادية بأمور أخري صغيرة‏، أو تبدو أيضا صغيرة‏،‏ مثل ضمانك لإنسان صديق لك‏،‏ وتوقيعك علي ذلك‏.‏ ثم يسافر ذلك الصديق إلي الخارج ولايعود‏..‏ وتطالب أنت بكل ماعليه من ديون أو مستحقات مالية‏.‏ إن الخلاص من شيطان الأمور الصغيرة يحتاج بالضرورة إلي حياة التدقيق والحرص لئلا تتحول تلك الأمور إلي كبائر تهدد حياتك الروحية‏،‏ وحياتك العملية أيضا‏.‏

مقال قداسة الانبا شنوده الثالث – بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – في جريدة الأهرام – السنة 133 – العدد 44624 – يوم الأحد الموافق 8 فبراير (شباط) 2009 ميلادية، 1 أمشير 1725 شهداء (قبطية)، 13 صفر 1430 هجرية (للهجرة) – الصفحة العاشرة (10)، قضايا وآراء،
http://www.ahram.org.eg

‏‏


Share/Save/Bookmark

Facebook Comments

Twitter

I Read

Word of the Day

Quote of the Day

Article of the Day

This Day in History

Today's Birthday

In the News