Showing posts with label مقال. Show all posts
Showing posts with label مقال. Show all posts

Thursday, January 31, 2013

المعمودية وثلاثة مشاهد

المعمودية وثلاثة مشاهد

بقلم: قداسة البابا تواضروس الثاني - بابا اﻹسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية وسائر أفريقيا وبلاد المهجر - وهو البابا رقم 118 في عداد باباوات الاسكندرية - بابا الكنيسة القبطية الأرثوذكسية

عيد الغطاس المجيد، هو العيد الذي يتوسط أعياد التجسد اﻹلهي السبعة، وهي بالترتيب الموضوعي

البشارة .. 29 برمهات
الميلاد .. 29 كيهك
الختان .. 6 طوبة
الغطاس .. 11طوبة
دخول الهيكل .. 8 أمشير
دخول مصر .. 24 بشنس
عرس قانا الجليل .. 13 طوبة

وعيد الغطاس مع عيدي الميلاد والقيامة أكبر ثلاثة أعياد في كنيستنا القبطية، وتأتي أهميته حيث كشف السيد المسيح عن لاهوته عندما رأينا الروح القدس نازلاً عليه في شكل حمامة وسمعنا الآب يشهد له من السماء، وبذلك رأينا الله في أقانيمه الثلاثة في هذا المنظر اﻹلهي الجميل عند نهر الأردن

وهناك ثلاثة عبارات متشابهة قيلت عن السيد المسيح قبل المعمودية وأثنائها وبعدها تكشف لنا عمله اﻹلهي من أجلنا

قبل المعمودية: يقول يوحنا المعمدان: هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ! يوحنا 1: 29. وهو بذلك يشير إلى (مسيحنا المخلص) في خلاص البشر المعلن في اﻹنجيل المقدس (البشارة)، والذي تحقق بالصليب والقيامة

أثناء المعمودية: نسمع ذلك الصوت السمائي: هذَا هُوَ ابْني الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ. متى 3: 17. إشارة إلى (مسيحنا المفرح) وهذا هو فرح اﻹنجيل (البشارة) المدعو له كل إنسان حيث ملأ الكل فرحا بصليبه.. قطع صلاة الساعة السادسة من كتاب الصلوات (الأجبية) اليومية السبعة الليلية والنهارية

بعد المعمودية: ووقت التجلي المجيد نسمع ذلك الصوت السمائي القائل هذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ. لَهُ اسْمَعُوا. لوقا 9: 35. وهو إشارة إلى (مسيحنا المعلم) حيث الدعوة لطاعة الوصية اﻹنجيلية في حياتنا كل يوم

هذا هو مسيحنا القدوس
مخلص لحياة كل إنسان
ومفرح قلب كل إنسان
ومعلم فكر كل إنسان

وﻹلهنا كل المجد واﻹكرام الآن وكل آوان وإلى انقضاء الدهر آمين.. وكل عيد غطاس وجميعكم بخير

عيد الغطاس لسنة 2013


مجلة الكرازة

Ϯⲙⲉⲧⲣⲉϥϩⲓⲱⲓϣ

مجلة الكرازة السنة الحادية والأربعون. الجمعة 11 يناير 2013م (للميلاد). 3 طوبه 1729 ش (للشهداء). العدد 1 و 2 - أسسها مثلث الرحمات قداسة البابا شنودة الثالث البابا رقم 117 من باباوات اﻹسكندرية. ويواصل مسيرتها قداسة البابا الأنبا تواضروس الثاني بابا اﻹسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية وسائر أفريقيا وبلاد المهجر. الصفحة الثانية


أعياد التجسد اﻹلهي سبعة: البشارة - الميلاد - الختان - الغطاس - عرس قانا الجليل - دخول الهيكل - دخول مصر. وكلها ثابتة التاريخ

@PopeTawadros
https://twitter.com/PopeTawadros


 
Share

Monday, December 3, 2012

كلمة الله ولد بالجسد


كلمة الله وُلد بالجسد
من القديسة العذراء مريم

للقديس كيرلس الكبير
من تعاليم آباء الكنيسة

 لابد أن نتبع هذا الكلام والتعاليم (الواردة في قانون إيمان مجمع نيقية عن التجسُّد) محتفظين في أذهاننا عن ما الذي يعنيه القول بأن (كلمة الله) صار جسداً، وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا. يوحنا 1: 14، ولكي يتضح أنَّ الكلمة الذي من الله صار إنساناً

فنحن لا نقول إنَّ طبيعة الكلمة قد تغيَّرت حينما صار جسداً

كما لا نقول بأنَّ الكلمة قد تبدَّل إلى إنسان كامل من نفس وجسد

بل نقول إن الكلمة حينما صار إنساناً اتَّحد أقنومياً بالجسد ذي النفس الحيَّة العاقلة، بطريقة لا يمكن تفسيرها ولا إدراكها

وهكذا سُمِّيَ ابن الإنسان، ليس فقط عن مشيئته وحدها، ولا عن نيَّته وحدها، ولا عن مشيئة شخصه فقط

ولكننا نقول إنه رغماً عن اختلاف الطبيعتين اللتين أتيتا معاً إلى اتحـاد حقيقي، فإنـه يوجـد مسيح واحد وابن واحد، من كليهما. فالاختلاف بـين الطبيعتين لم يتلاشَ بـالاتحاد، ولكن اللاهوت والناسوت، من خلال الاتحاد غير المُدرَك ولا المنطوق به، أنشآ لنا ربّاً واحداً وابناً واحداً يسوع المسيح


عن الرسالة الثانية إلى نسطور - وهي الرسالة الرابعة من مجموعة رسائله


مجلة مرقس – رسالة الفكر المسيحي للشباب والخُدَّام – يصدرها دير القديس أنبا مقار – ببرية شيهيت – السنة 56 – العدد 538 – نوفمبر 2012م للميلاد – بابة / هاتور 1729ش للشهداء




 
http://stmacariusmonastery.org/
http://stmacariusmonastery.org/st_mark/txt1112.htm

Share

Tuesday, October 2, 2012

النبي الهارب والشعب التائب


النبي الهارب والشعب التائب - للقديس كيرلس الكبير

لماذا أُرسِلَ يونان إلى شعب وثني

وصار قول الرب إلى يونان... قُمْ اذهب إلى نينوى المدينة العظيمة ونادِ فيها، لأنه قد صعد صراخ شرِّهم إليَّ. يون 1: 1 - 2 سبعينية. وَصَارَ قَوْلُ الرَّبِّ إِلَى يُونَانَ بْنِ أَمِتَّايَ قَائِلاً: قُمِ اذْهَبْ إِلَى نِينَوَى الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ وَنَادِ عَلَيْهَا، لأَنَّهُ قَدْ صَعِدَ شَرُّهُمْ أَمَامِي. يونان 1: 1 - 2 ينبغي أن تُلاحظوا من خدمة ورسالة نبوَّة يونان مبدءاً هاماً بأسلوب الطوباوي بولس الذي قال: أَمِ اللهُ لِلْيَهُودِ فَقَطْ؟ أَلَيْسَ لِلأُمَمِ أَيْضًا؟ بَلَى، لِلأُمَمِ أَيْضًا لأَنَّ اللهَ وَاحِدٌ، هُوَ الَّذِي سَيُبَرِّرُ الْخِتَانَ بِالإِيمَانِ وَالْغُرْلَةَ بِالإِيمَانِ. رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 3: 29 - 30. وإذ نتعلَّم ذلك بالاختبار فإنَّ الرسول بطرس أيضاً يُعلن ذلك بقوله: بِالْحَقِّ أَنَا أَجِدُ أَنَّ اللهَ لاَ يَقْبَلُ الْوُجُوهَ. بَلْ فِي كُلِّ أُمَّةٍ، الَّذِي يَتَّقِيهِ وَيَصْنَعُ الْبِرَّ مَقْبُولٌ عِنْدَهُ. أعمال الرسل 10: 34 - 35. فإنَّ الله هو الذي خلق الإنسان في البدء على صورته ليكون مُكرَّساً للفضيلة، لكي يعيش حياة قداسة مُباركة جديرة بالثناء، ولكي يتمتَّع بنصيبٍ وافرٍ من عطايا الله

ولكن البشر ضلُّوا في الخطية، إذ أغوتهم خداعات الشيطان، وبالتالي فقد أصبحوا ملعونين وخاضعين للفساد. وكان المسيح قد دبَّر - إذ عَلِمَ بذلك قبل تأسيس العالم - أن يُصحِّح كل شيء. لقد سُرَّ الله الآب أن يَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ، مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ. رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس 1: 10

أَمَرَ الله يونان أن يذهب إلى نينوى التي كانت مدينة فارسية، وكانت كما قال إرميا النبي: أَرْضُ مَنْحُوتَاتٍ هِيَ. إرميا 50: 38. وكانت على حدود بلاد اليهود وقد استسلمت لعبادة الأصنام. فلماذا ترك الله المدن القريبة وأرسل يونان إلى تلك المدينة الوثنية التي كانت كما قال ناحوم النبي: الزَّانِيَةِ الْحَسَنَةِ الْجَمَالِ صَاحِبَةِ السِّحْرِ الْبَائِعَةِ أُمَمًا بِزِنَاهَا. ناحوم 3: 4! أرى أنَّ الله كان له قصد نافع في أن يُبرهن حتى للمتغرِّبين عنه أنه يمكنهم أن يُجتذَبوا، في الوقت المناسب، إلى معرفة الحق حتى ولو كانوا غارقين في عنادهم


قوة تأثير كلمة الله

وكما ترون، فإنَّ كلمة الله قادرة على حثِّ الناس أن يتعلَّموا ما يجعلهم حكماء. وكما قال الرب لإرميا النبي: هأَنَذَا جَاعِلٌ كَلاَمِي فِي فَمِكَ نَارًا، وَهذَا الشَّعْبَ حَطَبًا، فَتَأْكُلُهُمْ. إرميا 5: 14، وأيضاً: أَلَيْسَتْ هكَذَا كَلِمَتِي كَنَارٍ، يَقُولُ الرَّبُّ، وَكَمِطْرَقَةٍ تُحَطِّمُ الصَّخْرَ؟ إرميا 23: 29. وهكذا فلم يكن بدون هدف أن يُرسَل يونان إلى أهل نينوى، بل إنَّ ذلك حدث لكي يكون كبشير لرأفة الله المتأصِّلة فيه، والتي يمكن أن تُمنَح حتى للشعب الذي ضلَّ بجهالته

وفي نفس الوقت، فقد كانت في هذا القول من فم إرميا النبي إدانة لشعب إسرائيل، لأنهم كانوا مُدانين بكونهم متمردين غير مستجيبين لناموس الله وغير مُبالين به. ومع ذلك فإنَّ أهل نينوى رجعوا فوراً إلى الشعور بالالتزام بالتوبة بإنذارٍ واحدٍ للنبي، رغم أنَّ هذا الشعب كان يعيش في خداع الوثنية؛ في حين أنَّ شعب إسرائيل استخفَّ بموسى والأنبياء، ثم قاوم المسيح مخلِّصنا، رغم أنه أيَّد تعاليمه بالمعجزات، حيث كان يجب أن يقتنعوا بسهولة أنه هو الله الذي صار إنساناً ليُخلِّص الجميع وهم قَبْل الجميع. ولذلك قال عنهم الرب: رِجَالُ نِينَوَى سَيَقُومُونَ فِي الدِّينِ مَعَ هذَا الْجِيلِ وَيَدِينُونَهُ، لأَنَّهُمْ تَابُوا بِمُنَادَاةِ يُونَانَ، وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ يُونَانَ ههُنَا! متى 12: 41. وما هو الأمر الأعظم في المسيح من يونان؟ ففي حين أنَّ الرب هدَّد أهل نينوى بأن تنقلب مدينتهم، فإنَّ الرب يسوع أدهش اليهود بعجائبه التي تفوق الوصف، والمعجزة التي ترافق الرسالة هي دائماً وسيلة لتوصيل الناس إلى الإيمان


لماذا هرب يونان؟ ولماذا إلى ترشيش؟

هرب يونان إلى ترشيش من وجه الرب. (وترشيش هي التي تُدعَى في أيام القديس كيرلس تارسي في كيليكية. كما يُرجِّح البعض أنها هي طرسوس موطن شاول الطرسوسي - بولس الرسول). ولكن لماذا هرب إلى ترشيش؟ ربما لأنه كانت لديه فكرة أنَّ قوة الله كانت قاصرة على أرض إسرائيل، ولذلك فقد غادر اليهودية إلى إحدى المدن اليونانية

ويمكننا أن نتعرَّف على نفور يونان من تلك الإرسالية وعدم تحمُّسه لها من خوفه من عدم تحقيق الله لإنذاره بمعاقبة أهل نينوى، وذلك من كلامه هو إذ قال: آهِ يَا رَبُّ، أَلَيْسَ هذَا كَلاَمِي إِذْ كُنْتُ بَعْدُ فِي أَرْضِي؟ لِذلِكَ بَادَرْتُ إِلَى الْهَرَبِ إِلَى تَرْشِيشَ، لأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّكَ إِلهٌ رَؤُوفٌ وَرَحِيمٌ بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَنَادِمٌ عَلَى الشَّرِّ. فَالآنَ يَا رَبُّ، خُذْ نَفْسِي مِنِّي، لأَنَّ مَوْتِي خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِي. يونان 4: 2 - 3

ولكن الرب أرسل ريحاً شديدة على البحر حتى صارت السفينة في خطر، وارتعب الملاَّحون وصرخوا كل واحد إلى إلهه، وطرحوا الأمتعة في البحر لتخفَّ الحمولة عن السفينة. أمَّا يونان فقد نزل إلى جوف السفينة ونام نوماً ثقيلاً. فَجَاءَ إِلَيْهِ رَئِيسُ النُّوتِيَّةِ وَقَالَ لَهُ: مَا لَكَ نَائِمًا؟ قُمِ اصْرُخْ إِلَى إِلهِكَ عَسَى أَنْ يَفْتَكِرَ الإِلهُ فِينَا فَلاَ نَهْلِكَ. يونان 1: 6. وإن كان يبدو أنه نام هكذا قبل هبوب العاصفة، إلاَّ أنَّ ذلك دلَّ على عدم مبالاته بإرساليته، وأنَّ اهتمامه انحصر في ذاته، ولكنه لم يتجاهل واجبه


اعتراف يونان بخطيئته

ولما ألقى الملاَّحون قرعتهم لمعرفة بسبب مَن هذه البلية... وقعت القرعة على يونان، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هَلُمَّ نُلْقِي قُرَعًا لِنَعْرِفَ بِسَبَبِ مَنْ هذِهِ الْبَلِيَّةُ. فَأَلْقَوا قُرَعًا، فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى يُونَانَ. يونان 1: 7. وكان ذلك جزءاً من خطة الله، إذ اكتشفوا الشخص الذي ظنَّ أنه يمكنه أن يهرب من حضرة الله. ولما سألوه عن أمره، اعترف أنه هاربٌ من وجه الرب. فسألوه عمَّا يفعلونه به ليسكن البحر الذي كان يزداد اضطراباً، فاعترف بخطيئته فَقَالَ لَهُمْ: خُذُونِي وَاطْرَحُونِي فِي الْبَحْرِ فَيَسْكُنَ الْبَحْرُ عَنْكُمْ، لأَنَّنِي عَالِمٌ أَنَّهُ بِسَبَبِي هذَا النَّوْءُ الْعَظِيمُ عَلَيْكُمْ. يونان 1: 12. ولكنهم جَذَفُوا لِيُرَجِّعُوا السَّفِينَةَ إِلَى الْبَرِّ. يونان 1: 13، لأنهم أرادوا أن ينقذوا خادم الله ويأتوا به سالماً إلى الشاطئ، ولكنهم لَمْ يَسْتَطِيعُوا، لأَنَّ الْبَحْرَ كَانَ يَزْدَادُ اضْطِرَابًا عَلَيْهِمْ. يونان 1: 13. ثم «صرخوا إلى الرب وقالوا: آهِ يَا رَبُّ، لاَ نَهْلِكْ مِنْ أَجْلِ نَفْسِ هذَا الرَّجُلِ، وَلاَ تَجْعَلْ عَلَيْنَا دَمًا بَرِيئًا، لأَنَّكَ يَا رَبُّ فَعَلْتَ كَمَا شِئْتَ. ثُمَّ أَخَذُوا يُونَانَ وَطَرَحُوهُ فِي الْبَحْرِ، فَوَقَفَ الْبَحْرُ عَنْ هَيَجَانِهِ. يونان 1: 14 - 15

ولماذا سألوه عن موطنه الأصلي؟ لأنهم أرادوا، حسب رأيي، أن يعرفوا مَن هو الإله الذي أغضبه. فلما قال لهم إنه عبراني وإنه خائفٌ من إله السماء، تحقَّقوا من أنه هرب من وجه الله، لماذا؟ ذلك لأنَّ اليهود غير مسموح لهم أن يتركوا بلادهم المُخصَّصة لهم ويدخلوا مدناً وثنية... ولما هدأ البحر بمجرد أن طرحوا يونان فيه، يقول الكتاب: فَخَافَ الرِّجَالُ مِنَ الرَّبِّ خَوْفًا عَظِيمًا، وَذَبَحُوا ذَبِيحَةً لِلرَّبِّ وَنَذَرُوا نُذُورًا. يونان 1: 16. وهكذا انتفعوا من هذا الحدث بكونهم آمنوا أنه يوجد في الكون إله واحد وقدَّموا له ذبيحتهم


كيف عاش يونان

في جوف الحوت ثلاثة أيام؟

وَأَمَّا الرَّبُّ فَأَعَدَّ حُوتًا عَظِيمًا لِيَبْتَلِعَ يُونَانَ. يونان 1: 17. ونحن لا ندَّعي أنَّ الله يأمر الحيوانات كما يفعل معنا أو مع الملائكة. فإذا قيل إنه يأمر الحيوانات أو العناصر، فهذا يُشير إلى مشيئته كقانون وأمر، فنحن نرى أنَّ كل شيء يخضع لإرادته. وبالتالي فإنَّ إرادته الصالحة التي جعلت الحوت يبتلع يونان لم تُسبِّب ضرراً للنبي، حيث إنه ظلَّ فِي جَوْفِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال. يونان 1: 17

هذه الحقيقة ربما بَدَت غير مُقنعة للبعض حتى أنهم لا يُصدِّقون أنه مكث حيّاً ثلاثة أيام في جوف الحوت، وكيف أن جسده لم يتحطَّم عند ابتلاعه؟ وكيف أمكنه أن يتحمل حرارة جسم الحوت ورطوبة أحشائه الشديدة؟ وكيف أنَّ الحوت لم يهضمه كبقية الأطعمة؟ ونجيب على ذلك بأنَّ القوة الإلهية يمكنها أن تُغيِّر طبيعة الكائنات الحية بسهولة إلى أيَّة حالة يختارها الله. ونحن نعلم أن الجنين في رَحِم أُمِّه يكون غاطساً في رطوبة طبيعية وكأنه مدفون في أحشاء أُمِّه، ولا يمكنه أن يتنفس، ولكنه يظل حيّاً ويتغذَّى بطريقة دبَّرها الله. إن تدابير الله لا يمكن أن يُدركها أحد بسهولة

وإذا اتخذنا يونان النبي كنموذج للخدمة التي تُدرَك في المسيح، فيمكن القول إنَّ العالم كله، منذ آدم، كان مُعرَّضاً للخطر، وإنَّ الجنس البشري كان متأثِّراً بعواصف وأمواج الخطية الهائجة، والمسرَّات الكئيبة التي لا تُطاق كانت تغمر البشر؛ إذ كان الجنس البشري مُهدَّداً بالفساد وتضربه رياح عنيفة، أي الشيطان وقُوَى الشر الخاضعة له والتي تعمل معه. فأشفق علينا الخالق وأرسل ابنه لكي يُهدِّئ العاصفة، وهكذا خلَّصنا بموت المسيح. وإذ هدأت العاصفة واستقرَّت الأمواج ساد السلام وتمتَّعنا بجوٍّ روحي صافٍ منذ أن تألَّم المسيح من أجلنا. وذلك كما أنَّ رُسل المسيح عندما صدمتهم الرياح العاتية والأمواج، أيقظوا الرب يسوع لكي ينقذهم؛ فقام وانتهر البحر وأنقذهم. وهكذا حدث مع الجنس البشري، فإننا بالمسيح قد تحرَّرنا من الموت والفساد والخطية والأهواء البشرية، وامتلأت حياتنا بالسلام


دَعَوْتُ مِنْ ضِيقِي الرَّبَّ، فَاسْتَجَابَنِي. يونان 2: 2

عاش يونان في جوف الحوت كمنزل له، ودون أن يشعر بأيِّ نوع من المؤثِّرات الرديئة على الجسد أو الذهن، شعر بمعونة إلهية إذ عَلِمَ أن الله خيِّر. ومن الناحية الأخرى، فإذ لم يكن على دراية بأن ما حدث كان نتيجةً لنفوره من خدمته؛ فقد اتجه إلى الصلاة ناطقاً بمشاعر الشكر معترفاً بمجد الله مخلِّصه. وقوله إنَّ الرب استجاب له فقد تحقَّق من ذلك مُسْبقاً، في رأيي، بروحٍ نبوية. وقوله: صَرَخْتُ مِنْ جَوْفِ الْهَاوِيَةِ. يونان 2: 2 الذي كان يقصد به معدة الحوت، فقد قارَن هذا الوحش بالجحيم والموت، إذ عرف كيف يقتل ضحيته ويلتهمها بوحشية

طَرَحْتَنِي فِي الْعُمْقِ فِي قَلْبِ الْبِحَارِ، فَأَحَاطَ بِي نَهْرٌ. جَازَتْ فَوْقِي جَمِيعُ تَيَّارَاتِكَ وَلُجَجِكَ. فَقُلْتُ: قَدْ طُرِدْتُ مِنْ أَمَامِ عَيْنَيْكَ. يونان 2: 3 - 4. إنه يُرجِع هذا الحدث إلى نعمةٍ من فوق، وينسب إلى الأحكام الإلهية إمكانية الإنقاذ بسهولة من كل ضيقة. ويقول إنه كان في عمق البحر وفي صخب المياه التي تجيش وتُغرقه كأمواج غامرة، وقد أدرك في تلك المحنة أنه كان يُعاني من الغضب الإلهي، وأنه قد صار يائساً من إنقاذه، وهذا شعورٌ مُرعب. ثم قال: هل حقّاً لن أعود وأنظر إلى هيكل قدسك؟ يون 2: 4 سبعينية... وَلكِنَّنِي أَعُودُ أَنْظُرُ إِلَى هَيْكَلِ قُدْسِكَ. يونان 2: 4. لقد كان على درايةٍ أنه قد حُفظ بقوة الله الذي أعانه على الحياة في جوف الوحش مما يفوق التصديق. وربما كان يشكُّ إن كان الوحش سيقذف به إلى ضوء النهار مرة أخرى. ومن الناحية الأخرى، فقد اعتبر أنَّ رجوعه إلى هيكل الله لكي يُمجِّد ذاك الذي أنقذه أمراً شهياً ويحتاج إلى صلاة لكي يحصل على تلك النعمة

قَدِ اكْتَنَفَتْنِي مِيَاهٌ إِلَى النَّفْسِ. أَحَاطَ بِي غَمْرٌ. الْتَفَّ عُشْبُ الْبَحْرِ (أو الحلفاء) بِرَأْسِي. نَزَلْتُ إِلَى أَسَافِلِ الْجِبَالِ (هبطت رأسي إلى شقوق الجبال - سبعينية). مَغَالِيقُ الأَرْضِ عَلَيَّ إِلَى الأَبَدِ (هبطتُ إلى عمق الأرض التي قضبانها هي المغاليق الأبدية - سبعينية). ثُمَّ أَصْعَدْتَ مِنَ الْوَهْدَةِ حَيَاتِي أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهِي (لكنك أيها الرب إلهي سترفع حياتي من الهاوية - حسب الترجمة العربية المشتركة؛ أو دَع حياتي المُحطَّمة تتجدَّد - سبعينية). يونان 2: 5 - 6

إذ شعر يونان أنَّ الرب أنقذه حتى الآن، فكان ينوي أن يُقدِّم له أروع أناشيد الشكر. وحسب رأيي، فإنَّ كلمة المغاليق أو القضبان تعني أنها غير قابلة للكسر فلا يتغلَّب عليها أحد. وكونه لم يَمُت ولم يتألم من أيِّ شيء يتعلَّق بالموت أو الفساد، فقد ترجَّى، بشعوره النبوي، أن يُنقذه الله بإخراجه من جوف الحوت كما من الهاوية. ثم قال: حِينَ أَعْيَتْ فِيَّ نَفْسِي ذَكَرْتُ الرَّبَّ، فَجَاءَتْ إِلَيْكَ صَلاَتِي إِلَى هَيْكَلِ قُدْسِكَ (أو لعل صلاتي تأتي إليك إلى هيكلك المقدس - سبعينية). يونان 2: 7

إنَّ الضيقات ليست بلا منفعة للذين يُجرَّبون بها، ولذلك قال بولس الرسول: الضِّيقَ يُنْشِئُ صَبْرًا، وَالصَّبْرُ تَزْكِيَةً، وَالتَّزْكِيَةُ رَجَاءً، وَالرَّجَاءُ لاَ يُخْزِي. رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 5: 3 - 5. فلما تعرَّضت حياة يونان للخطر وبلغت ضيقته إلى أقصاها، التجأ إلى شيء نافع له وليس مثل الذين يُفسِحون المجال لليأس؛ بل ذَكَر ذاك الذي يُنقذ. فصرخ إليه عالياً، إذ كان على درايةٍ بقدرته

اَلَّذِينَ يُرَاعُونَ أَبَاطِيلَ كَاذِبَةً يَتْرُكُونَ نِعْمَتَهُمْ. أَمَّا أَنَا فَبِصَوْتِ الْحَمْدِ (والاعتراف) أَذْبَحُ لَكَ، وَأُوفِي بِمَا نَذَرْتُهُ. لِلرَّبِّ الْخَلاَصُ (أوفي بما نذرته لك أيها الرب خلاصي - سبعينية). يونان 2: 8 - 9. أي أنَّ الذين يُقدِّمون ولاءهم للآلهة الكاذبة ينبذون الرحمة التي كان ينبغي أن يطلبوها من الرب. أما أنا فأعلم أنك طيِّبٌ ورؤوف، ولذلك فإنني أعترف لك وأُقدِّم لك تسابيح مثل بخور عَطِر، أي ذبائح شُكر روحية. وأوفي لك نذور خلاصي بكل غيرة، أي تلك التي سبَّبت إنقاذي وكانت نافعة لحياتي. وهذا كان استجابةً للخدمة النبوية التي يريدها الله حيث زال كل نفور وجُبن. ولعل ذلك كان رمزاً للمسيح الذي في ضيقه قال للآب: يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ. متى 26: 39. وهنا نتذكَّر قول الرسول بطرس مُستشهِداً بما قاله داود النبي: لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ وَلاَ تَدَعَ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسَادًا. أعمال الرسل 2: 27. وهكذا فإنَّ جسد يونان أيضاً لم يَرَ فساداً، وبعد ثلاثة أيام رجع إلى الحياة؛ تماماً كما أنه كان يستحيل أن يخضع الرب، الذي هو الحياة بطبيعته، لقيود الموت

وَأَمَرَ الرَّبُّ الْحُوتَ فَقَذَفَ يُونَانَ إِلَى الْبَرِّ. يونان 2: 10. وهكذا تلقَّى الحوت الأمر مرةً أخرى بقوة إلهية لا توصف لتنفيذ إرادة الله، فحرَّر من أحشائه النبي الذي انتفع من المحنة، أو بالحري تشجَّع بتلك الخبرة واكتسب معرفةً صافيةً بأنه من المخاطرة أن يُقاوِم الأحكام الإلهية



مناداة يونان في نينوى

ثم صار قول الرب إلى يونان ثانيةً قائلاً: قُمْ اذهب إلى نينوى المدينة العظيمة وعِظْها بالرسالة التي أخبرتُك عنها من قبل. يون 3: 1 - 2 سبعينية. ثُمَّ صَارَ قَوْلُ الرَّبِّ إِلَى يُونَانَ ثَانِيَةً قَائِلاً: قُمِ اذْهَبْ إِلَى نِينَوَى الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ، وَنَادِ لَهَا الْمُنَادَاةَ الَّتِي أَنَا مُكَلِّمُكَ بِهَا. يونان 3: 1 - 2

انتهز الله فرصة حماس يونان وأَمَرَه أن يذهب إلى نينوى مرةً أخرى بنفس الرسالة. وقد شابه يونان المسيح الذي مكث في باطن الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ، إذ ذهب إلى أعماق قلب البحر، وكأنه نزل إلى أسافل الجبال، وهبط إلى مغاليق الأرض التي أغلقت عليه قضبانها بإحكام

ولكن المسيح سَلَبَ الجحيم وبشَّر الأرواح الموجودة هناك، وفَتَحَ الأبواب الموصدة، وعاد إلى الحياة مرةً أخرى إذ تحررت حياته من الفساد، وظهر بحالته هذه لأولئك النسوة اللائي كُنَّ يبحثن عنه ثم للرسل

ثم إنَّ رسالة الرب وصلت أخيراً أيضاً إلى الأمميين بواسطة الرسل المباركين. ومع أنه كان قد قال للرسل: إِلَى طَرِيقِ أُمَمٍ لاَ تَمْضُوا، وَإِلَى مَدِينَةٍ لِلسَّامِرِيِّينَ لاَ تَدْخُلُوا. بَلِ اذْهَبُوا بِالْحَرِيِّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ. متى 10: 5 - 6؛ إلاَّ أنه جعلهم يبشِّرون أخيراً برسالته التي جاء من أجلها للجميع. وكانت وصايا إنجيله واحدة لكلٍّ من إسرائيل والأُمم الذين نحن منهم والذين دُعينا إلى القداسة بواسطة الإيمان

فَقَامَ يُونَانُ وَذَهَبَ إِلَى نِينَوَى بِحَسَبِ قَوْلِ الرَّبِّ. أَمَّا نِينَوَى فَكَانَتْ مَدِينَةً عَظِيمَةً للهِ مَسِيرَةَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ. فَابْتَدَأَ يُونَانُ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَنَادَى وَقَالَ: بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا تَنْقَلِبُ نِينَوَى. يونان 3: 3 - 4 ونادَى وقال: بعد ثلاثة أيام تنقلب نينوى (يون 3: 3 ، 4 سبعينية). لقد مُنح النبي غيرةً لا تُقاوَم، وانطلق إلى مهمته بنشاط ودخل تلك المدينة الأجنبية لكي يوفي الأحكام الإلهية

ورغم أنها كانت مدينة كبيرة ممتدة حتى أنها تتطلَّب مسيرة ثلاثة أيام؛ ولكنه عَبَرَها في يوم واحد، بقوة إلهية طبعاً، وأعلن الرسالة الإلهية. لقد أثار دهشتهم إذ أنه رجل عبراني آتٍ من بلاد أجنبية غير معروفة لأحد هناك، وقد سار وسط المدينة وهو يصيح بصوتٍ عالٍ: بعد ثلاثة أيام تنقلب نينوى (يون 3: 3 ، 4 سبعينية). يونان 3: 3 - 4

وقد تكلَّم النبي ليس من ذاته بل من فم الرب. والأنبياء غالباً لا يذكرون كل ما قاله الله لهم ولا كل الكلام الذي قالوه هم لله. ونحن نستنتج ذلك من قوله لله: آهِ يَا رَبُّ، أَلَيْسَ هذَا كَلاَمِي إِذْ كُنْتُ بَعْدُ فِي أَرْضِي؟ لِذلِكَ بَادَرْتُ إِلَى الْهَرَبِ إِلَى تَرْشِيشَ، لأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّكَ إِلهٌ رَؤُوفٌ وَرَحِيمٌ بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَنَادِمٌ عَلَى الشَّرِّ. فَالآنَ يَا رَبُّ، خُذْ نَفْسِي مِنِّي، لأَنَّ مَوْتِي خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِي. يونان 4: 2 - 3


استجابة أهل نينوى بالإيمان والتوبة

فَآمَنَ أَهْلُ نِينَوَى بِاللهِ وَنَادَوْا بِصَوْمٍ وَلَبِسُوا مُسُوحًا مِنْ كَبِيرِهِمْ إِلَى صَغِيرِهِمْ. يونان 3: 5. آمن هذا الشعب بالله، هذا الذي كان مُداناً بسبب كل خطاياه المتأصِّلة فيه وأصنامه التي بلا عدد، وممارساته الشعبية المُخجلة. ومع ذلك فقد آمنوا بالله من كبيرهم إلى صغيرهم، الشهير والحقير، الغَني والفقير، الجميع شعروا بنفس الغيرة في قبول كلام النبي، وقد استجابوا لدعوته بدون تردُّد لإصلاح أنفسهم، وخضعوا للإنذار الإلهي الذي دعاهم للتوبة رغم أنه جاء من أجنبي وحيد لا يعرفونه. في حين أنَّ إسرائيل بغبائه لم يُطِع الناموس وسخر من الوصايا الموسوية ولم يستوعب كلام الأنبياء؛ بل إنهم صاروا قاتلين للرب، ولم يؤمنوا بالمُخلِّص

وهذا هو ما قاله الله لحزقيال النبي: اذْهَبِ امْضِ إِلَى بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَكَلِّمْهُمْ بِكَلاَمِي. لأَنَّكَ غَيْرُ مُرْسَل إِلَى شَعْبٍ غَامِضِ اللُّغَةِ وَثَقِيلِ اللِّسَانِ، بَلْ إِلَى بَيْتِ إِسْرَائِيلَ. لاَ إِلَى شُعُوبٍ كَثِيرَةٍ غَامِضَةِ اللُّغَةِ وَثَقِيلَةِ اللِّسَانِ لَسْتَ تَفْهَمُ كَلاَمَهُمْ. فَلَوْ أَرْسَلْتُكَ إِلَى هؤُلاَءِ لَسَمِعُوا لَكَ. لكِنَّ بَيْتَ إِسْرَائِيلَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَسْمَعَ لَكَ، لأَنَّهُمْ لاَ يَشَاؤُونَ أَنْ يَسْمَعُوا لِي. لأَنَّ كُلَّ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ صِلاَبُ الْجِبَاهِ وَقُسَاةُ الْقُلُوبِ. حزقيال 3: 4 - 7

وَبَلَغَ الأَمْرُ مَلِكَ نِينَوَى، فَقَامَ عَنْ كُرْسِيِّهِ وَخَلَعَ رِدَاءَهُ عَنْهُ، وَتَغَطَّى بِمِسْحٍ وَجَلَسَ عَلَى الرَّمَادِ. وَنُودِيَ وَقِيلَ فِي نِينَوَى عَنْ أَمْرِ الْمَلِكِ وَعُظَمَائِهِ قَائِلاً: لاَ تَذُقِ النَّاسُ وَلاَ الْبَهَائِمُ وَلاَ الْبَقَرُ وَلاَ الْغَنَمُ شَيْئًا. لاَ تَرْعَ وَلاَ تَشْرَبْ مَاءً. وَلْيَتَغَطَّ بِمُسُوحٍ النَّاسُ وَالْبَهَائِمُ، وَيَصْرُخُوا إِلَى اللهِ بِشِدَّةٍ، وَيَرْجِعُوا كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ طَرِيقِهِ الرَّدِيئَةِ وَعَنِ الظُّلْمِ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ، لَعَلَّ اللهَ يَعُودُ وَيَنْدَمُ وَيَرْجعُ عَنْ حُمُوِّ غَضَبِهِ فَلاَ نَهْلِكَ. يونان 3: 6 - 9. لقد أظهر مديحه لاستجابتهم بتفاصيل كاملة، وأُعجب جداً باستعدادهم للتوبة. وحتى ملكهم ترك عرشه ورداءه الملكي وتغطَّى بالمسوح رداء النوح. وإذ جلس على الرماد، أعطى مثالاً لغيره لكي يُمسِكوا عن الطعام ويُصلُّوا بلا انقطاع متوسِّلين إلى الله لأجل الرحمة

لقد كان أهل نينوى حكماء، إذ كرَّسوا أنفسهم للإقلاع عن الفساد بواسطة الصوم الذي هو العمل الأصيل الوحيد للتوبة. أمَّا شعب إسرائيل فلم يهتموا بذلك بل أنهم أحياناً كانوا يُقدِّمون صوماً يُعتبر دنساً كما قال إشعياء النبي: هَا إِنَّكُمْ فِي يَوْمِ صَوْمِكُمْ تُوجِدُونَ مَسَرَّةً، وَبِكُلِّ أَشْغَالِكُمْ تُسَخِّرُونَ. هَا إِنَّكُمْ لِلْخُصُومَةِ وَالنِّزَاعِ تَصُومُونَ، وَلِتَضْرِبُوا بِلَكْمَةِ الشَّرِّ. لَسْتُمْ تَصُومُونَ كَمَا الْيَوْمَ لِتَسْمِيعِ صَوْتِكُمْ فِي الْعَلاَءِ. أَمِثْلُ هذَا يَكُونُ صَوْمٌ أَخْتَارُهُ؟ يَوْمًا يُذَلِّلُ الإِنْسَانُ فِيهِ نَفْسَهُ. إشعياء 58: 3 - 5

أما أهل نينوى، فقد آمنوا بالله وقدَّموا صوماً نقياً بلا لوم، إذ اعتقدوا أنه لَعَلَّ اللهَ يَعُودُ وَيَنْدَمُ وَيَرْجعُ عَنْ حُمُوِّ غَضَبِهِ. يونان 3: 9 بسبب صلاحه وطيبة قلبه. ومن الناحية الأخرى فهو يُعاقب الخطاة والذين يتورطون في القساوة بعناد، إذ يفرض غضبه كنوع من اللجام لكي يُعنِّفهم ويأتي بهم إلى الإذعان. أمَّا بخصوص صوم البهائم، فقد كان نوعاً من المغالاة، وليس من الضروري أن يكون قد حدث ذلك، ولكن الكتاب ذكر ذلك لكي يُوضِّح درجة توبتهم غير العادية! إنه ينسب المعاناة أيضاً للحيوانات


رجوع الله عن غضبه

فَلَمَّا رَأَى اللهُ أَعْمَالَهُمْ أَنَّهُمْ رَجَعُوا عَنْ طَرِيقِهِمِ الرَّدِيئَةِ، نَدِمَ اللهُ عَلَى الشَّرِّ الَّذِي تَكَلَّمَ أَنْ يَصْنَعَهُ بِهِمْ، فَلَمْ يَصْنَعْهُ. يونان 3: 10. هكذا يُسرع الرب في إظهار رحمته وخلاصه للتائبين. وهو يُريحهم في الحال من جرائمهم السابقة إذا كفُّوا عن خطاياهم، وهو يرفع غضبه ويُبدِّله بمعاملة طيِّبة. وهو ما قاله الرب لحزقيال النبي: لِمَاذَا تَمُوتُونَ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ؟ لأَنِّي لاَ أُسَرُّ بِمَوْتِ مَنْ يَمُوتُ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، فَارْجِعُوا وَاحْيَوْا. حزقيال 18: 31 - 32

فَغَمَّ ذلِكَ يُونَانَ غَمًّا شَدِيدًا، فَاغْتَاظَ. وَصَلَّى إِلَى الرَّبِّ وَقَالَ: آهِ يَا رَبُّ، أَلَيْسَ هذَا كَلاَمِي إِذْ كُنْتُ بَعْدُ فِي أَرْضِي؟ لِذلِكَ بَادَرْتُ إِلَى الْهَرَبِ إِلَى تَرْشِيشَ، لأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّكَ إِلهٌ رَؤُوفٌ وَرَحِيمٌ بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَنَادِمٌ عَلَى الشَّرِّ. فَالآنَ يَا رَبُّ، خُذْ نَفْسِي مِنِّي، لأَنَّ مَوْتِي خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِي. يونان 4: 1 - 3

فطالما أنَّ الله رؤوف على الذين يتفادون غضبه بالتوبة، وحتى لو مضى الوقت على إتمام ما كان مُقدَّراً لهم، وما تنبَّأ به عليهم النبي كان قد جاء وقت حدوثه؛ ومع ذلك فإنه لم يحدث، لذلك شعر يونان بغمٍّ شديد، وذلك ليس لأن انقلاب المدينة لم يحدث، ولكن لأنهم أخذوا عنه انطباعاً بأنه كاذبٌ مهذار. لقد أراد أن يتجنَّب ذلك فأقرَّ بأنه هرب إلى ترشيش، حتى لا يكون موقفه مهزوزاً لأنه اعترض على الله الذي يعلم كل شيء ويمكنه أن يُغيِّر فكر الإنسان، فهو شافي الأرواح الـذي يمكنه أن يُهدِّئ ضـراوة شهواتـنا بالمصاعب أحياناً وبأعمال رحمته أحياناً أخرى


اكتئاب يونان وتشجيع الله له

فَقَالَ الرَّبُّ: هَلِ اغْتَظْتَ بِالصَّوَابِ (أو بالحقِّ)؟. وَخَرَجَ يُونَانُ مِنَ الْمَدِينَةِ وَجَلَسَ شَرْقِيَّ الْمَدِينَةِ، وَصَنَعَ لِنَفْسِهِ هُنَاكَ مَظَلَّةً وَجَلَسَ تَحْتَهَا فِي الظِّلِّ، حَتَّى يَرَى مَاذَا يَحْدُثُ فِي الْمَدِينَةِ؟. يونان 4: 4 - 5. فلكي لا يجعل الله النبي فريسةً للاكتئاب، زوَّده بالحيوية في ضعفه، مؤنِّباً إيَّاه برقَّةٍ على هذا الاكتئاب وعلى فشله في إدراك الغرض من الأحكام الإلهية، إذ مـرت الأيام ولم يُنفِّذ الله تهديده لهم

لقد اعتقد أن الكارثة تأجَّلت بسبب أنهم قرَّروا أن يتوبوا، ولكن الغضب الإلهي سوف تظهر نتائجه إنْ لم يصنعوا أعمالاً تليق بالتوبة وتتناسب مع خطاياهم. ولذلك ترك النبي المدينة لكي ينتظر ما سيحدث لهم، وتوقَّع أن المدينة ربما تحترق مثل سدوم، ولكن خيمته في الواقع هي التي تحطَّمت

فَأَعَدَّ الرَّبُّ الإِلهُ يَقْطِينَةً (شجرة خروع) فَارْتَفَعَتْ فَوْقَ يُونَانَ لِتَكُونَ ظِلاُ عَلَى رَأْسِهِ، لِكَيْ يُخَلِّصَهُ مِنْ غَمِّهِ. فَفَرِحَ يُونَانُ مِنْ أَجْلِ الْيَقْطِينَةِ فَرَحًا عَظِيمًا. يونان 4: 6. هكذا أعدَّ الرب اليقطينة لفائدة النبي، كما أعدَّ الحوت لكي يبتلعه. فكبرت اليقطينة سريعاً، ليس فقط لتُظلِّله من الحرِّ، بل الأهم هو لِكَيْ يُخَلِّصَهُ مِنْ غَمِّهِ. يونان 4: 6 فشعر يونان بالسعادة والميل إلى الاحتفاظ ببساطة الذهـن مثل الأطفال الذيـن تشغلهم الأشياء المُفرحـة عمَّا يُحزنهم

ثُمَّ أَعَدَّ اللهُ دُودَةً عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ في الْغَدِ، فَضَرَبَتِ الْيَقْطِينَةَ فَيَبِسَتْ. وَحَدَثَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَنَّ اللهَ أَعَدَّ رِيحًا شَرْقِيَّةً حَارَّةً، فَضَرَبَتِ الشَّمْسُ عَلَى رَأْسِ يُونَانَ فَذَبُلَ. فَطَلَبَ لِنَفْسِهِ الْمَوْتَ، وَقَالَ: مَوْتِي خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِي. يونان 4: 7 - 8

والمقصود من الدودة عند الفجر هو الجراد لأنه يتخذ وجوده من ندى الصباح. وضَرَبَ الجراد اليقطينة بقسوة، فلما يبست وهبَّت الريح الحارة حُرِمَ النبي من الظل فتفاقم سُخطه حتى اشتهى الموت


الله يوضِّح الهدف من القصة كلها

فَقَالَ اللهُ لِيُونَانَ: هَلِ اغْتَظْتَ بِالصَّوَابِ (أو بالحقِّ) مِنْ أَجْلِ الْيَقْطِينَةِ؟ فَقَالَ: اغْتَظْتُ بِالصَّوَابِ حَتَّى الْمَوْتِ. يونان 4: 9. لاحِظ مرةً أخرى إله الجميع في معاملته الرقيقة وحبه للنفوس البريئة، وأنه لا يُقصِّر بأيِّ حال عن إبداء عاطفة الأُبوَّة. فلم يَعُد يونان يلوم رِقَّة الحب الإلهي عندما قرَّر أن يُشفق على أهل نينوى؛ بل اعترف بغيظه مِمَّا جعل الله يشرح له سبب تدبيره لتلك القصة كلها

فَقَالَ الرَّبُّ: أَنْتَ شَفِقْتَ عَلَى الْيَقْطِينَةِ الَّتِي لَمْ تَتْعَبْ فِيهَا وَلاَ رَبَّيْتَهَا، الَّتِي بِنْتَ لَيْلَةٍ كَانَتْ وَبِنْتَ لَيْلَةٍ هَلَكَتْ. أَفَلاَ أَشْفَقُ أَنَا عَلَى نِينَوَى الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا أَكْثَرُ مِنِ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ رِبْوَةً مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ يَمِينَهُمْ مِنْ شِمَالِهِمْ، وَبَهَائِمُ كَثِيرَةٌ؟. يونان 4: 10 - 11

كيف يمكننا أن نفتح أفواهنا لنُقدِّم تسابيح الشكر لذاك المملوء بالرأفة والصلاح؟ إنَّ الرب يُبعد عنا معاصينا، فهو مثل أب يُبدي الرأفة على أبنائه، هكذا هو يتراءف على الذين يخافونه لأنه يعرف جبلتنا (انظر مز 103: 12 - 14). كَبُعْدِ الْمَشْرِقِ مِنَ الْمَغْرِبِ أَبْعَدَ عَنَّا مَعَاصِيَنَا. كَمَا يَتَرَأَفُ الأَبُ عَلَى الْبَنِينَ يَتَرَأَفُ الرَّبُّ عَلَى خَائِفِيهِ. لأَنَّهُ يَعْرِفُ جِبْلَتَنَا. يَذْكُرُ أَنَّنَا تُرَابٌ نَحْنُ. المزامير 103: 12 - 14

لاحِظ كيف يُظهِر الرب اكتئاب يونان في وقت غير مناسب رغم كونه ملتزماً أن يمدح الرب على صلاحه كنبي قديس. فإذا كان هو قد بلغ إلى اكتئابٍ فائق الحدِّ بسبب ذبول اليقطينة، أفلا يُشفق الرب على كل هذا الشعب الذي لا يعرف يمينه من شماله؟ كما أنه يُشير إلى شفقته على البهائم، لأنه إن كان الصِّدِّيق يُشفق على نفس بهيمته (أم 12: 10 سبعينية).. الصِّدِّيقُ يُرَاعِي نَفْسَ بَهِيمَتِهِ، أَمَّا مَرَاحِمُ الأَشْرَارِ فَقَاسِيَةٌ. الأمثال 12: 10، وهذا يُضاف إلى فضله، فلا غرابة أن يُشفق الرب على البهائم أيضاً

وهذه هي الطريقة التي خلَّص بها المسيح كل أحد، إذ بذل نفسه لأجل الصغير والكبير، الحكيم والجاهل، الغني والفقير، اليهودي واليوناني، والذي قيل عنه: النَّاسَ وَالْبَهَائِمَ تُخَلِّصُ يَا رَبُّ. مَا أَكْرَمَ رَحْمَتَكَ يَا اَللهُ! فَبَنُو الْبَشَرِ فِي ظِلِّ جَنَاحَيْكَ يَحْتَمُونَ. المزمور 36: 6 - 7، الذي له المجد والقوة مع الآب والروح القدس الصالح والمُحيي إلى الأبد، آمين


مجلة مرقس – رسالة الفكر المسيحي للشباب والخُدَّام – يصدرها دير القديس أنبا مقار – ببرية شيهيت – السنة 56 – العدد 531 – فبراير 2012م – طوبة / أمشير 1728ش
مجلة مرقس – رسالة الفكر المسيحي للشباب والخُدَّام – يصدرها دير القديس أنبا مقار – ببرية شيهيت – السنة 56 – العدد 532 – مارس 2012م – أمشير / برمهات 1728ش


http://www.stmacariusmonastery.org/
http://www.stmacariusmonastery.org/st_mark/sm021204.htm
http://www.stmacariusmonastery.org/st_mark/sm031204.htm

 

Share

Tuesday, September 25, 2012

لأحمل صليبي بفرح

لاحظت الأرملة الجميلة أولادها الصغار يهربون من أمام وجهها عندما تعود من عملها مرهقة للغاية. تساءلت في نفسها: لماذا أحمل هذا الصليب الثقيل؟؟ لقد مات زوجي الحبيب وأنا في ريعان شبابي تاركا لي 3 أطفال... وها أنا أكد وأشقي كل يوم، ولا تفارق العبوسة وجهي. كرهني الجميع... حتى أطفالي... يهربون من وجهي إني لا أحتملهم وهم يلعبون ويلهون... ولكن ما ذنبي؟؟ صليبي أثقل من أن يحتمل

ركعت الأرملة في احدي الليالي تطلب من الله أن يأخذ نفسها منها!! فان صليبها لا يحتمل!! وإذ نامت رأت في حلم أنها في غرفة مملوءة صلبانا، بعضها كبير والآخر صغير، بعضها أبيض والآخر أسود، وقد وقف بجوارها السيد المسيح الذي تطلع إليها في حنو وقال لها: لماذا تتذمرين؟؟ أعطني صليبك الذي هو ثقيل عليك جدا، واختاري لنفسك صليبا من هذه الصلبان التي أمامك، لكي يسندك حتى تجتازي هذه الحياة

إذ سمعت الأرملة هذه الكلمات ... قدمت صليبها بين يدي المسيح... صليب حزنها المر... ومدت يدها لتحمل صليبا صغيرا يبدو أنه خفيف. لكن ما أن رفعته حتى وجدته ثقيلا للغاية. سألت عن هذا الصليب، فأجابها السيد المسيح: هذا صليب شابة أصيبت بالفالج في سن مبكرة وستظل كسيحة كل أيامها، لا تري الطبيعة بكل جمالها. ويندر أن يلتقي بها صديق يعينها أو يواسيها

تعجبت المرأة لما سمعته، وسألت السيد المسيح: ولماذا يبدو الصليب صغيرا وخفيفا للغاية؟؟ أجابها السيد المسيح: لأن صاحبته تقبلته بشكر، وتحملته من أجلي فتجده صغيرا وخفيفا للغاية

تحركت الأرملة نحو صليب آخر يبدو أيضا صغيرا وخفيفا، لكنها ما أن أمسكت به حتى شعرت كأنها قطعة حديد ملتهبة نارا. صرخت المرأة من شدة الحرق، وسقط الصليب من يدها. صرخت الأرملة: صليب من هذا يا سيدي؟؟ أجابها السيد المسيح: انه صليب سيدة زوجها رجل شرير للغاية، عنيف جدا معها ومع أولادها... لكنها تحتمله بفرح وتصلي لأجل خلاص نفسه

انطلقت نحو صليب ثالث يبدو أيضا كأنه صغير وخفيف، لكن ما أن لمسته وجدته كقطعة جليد. صرخت: صليب من هذا يا سيدي؟ أجابها: هذا صليب أم فقدت أولادها الستة... ومع كل ولد ينتقل ترفع قلبها إلى تطلب التعزية. وها هي تنتظر خروجها من العالم بفرح لتلتقي معهم في فردوس النعيم! انطرحت الأرملة أمام مخلصها وهي تقول: سأحمل صليبي الذي سمحت لي به... لكن... لتحمله أنت معي أيها المصلوب... أنت تحول آلامي إلى عذوبة... أنت تحول مرارتي إلى حلاوة


لأحمل معك صليبك بشكر... ولتحمل أنت معي صليبي يا مخلص نفسي


مجلة مرقس – رسالة الفكر المسيحي للشباب والخُدَّام – يصدرها دير القديس أنبا مقار – ببرية شيهيت – السنة 56 – العدد 532 – مارس 2012م – أمشير / برمهات 1728ش

http://www.stmacariusmonastery.org/
http://www.stmacariusmonastery.org/st_mark/sm031211.htm

Share

Saturday, August 20, 2011

مريم‏ ‏فائقة‏ ‏القداسة


مريم‏ ‏فائقة‏ ‏القداسة
للمتنيح: الأنبا غريغوريوس - أسقف عام الدراسات العليا اللاهوتية والثقافة القبطية والبحث العلمي


إن‏ ‏العذراء‏ ‏مريم‏ ‏ليست‏ ‏فقط‏ ‏صديقة‏ ‏وقديسة‏، ‏لكنها‏ ‏فائقة‏ ‏القداسة‏، ‏وقد‏ ‏وصفها‏ ‏الملاك‏ ‏جبرائيل‏ ‏عندما‏ ‏بشرها‏ ‏بالحبل‏ ‏الإلهي‏ ‏منها‏ ‏أنها‏ (‏الممتلئة‏ ‏نعمة‏) (‏لوقا‏ 1: 28)، ‏ومعني‏ ‏أنها‏ (‏ممتلئة‏ ‏نعمة‏) ‏أنها‏ ‏كانت‏ ‏قبل‏ ‏اختيارها‏ ‏لشرف‏ ‏ولادة‏ ‏الله‏ ‏الكلمة‏ ‏منها‏، ‏نقية‏ ‏وطاهرة‏ ‏وعفيفة‏ ‏ومفعمة‏ ‏بالفضيلة‏ ‏إي‏ ‏درجة‏ ‏الامتلاء‏ ‏الكامل‏، ‏وهي‏ ‏قامة‏ ‏روحية‏ ‏عظيمة‏ ‏نادرة‏ ‏في‏ ‏فتاة‏ ‏في‏ ‏مثل‏ ‏سن‏ ‏العذراء‏ ‏مريم‏، ‏ولم‏ ‏تكن‏ ‏قد‏ ‏بلغت‏ ‏الثالثة‏ ‏عشرة‏ ‏من‏ ‏عمرها‏: (‏بنات‏ ‏كثيرات‏ ‏عملن‏ ‏فضلا‏. ‏أما‏ ‏أنت‏ ‏ففقت‏ ‏عليهن‏ ‏جميعا‏) (‏أمثال‏ 31: 29).

‏وإذا‏ ‏كانت‏ ‏تلك‏ ‏هي‏ ‏قامتها‏ ‏الروحية‏ ‏وهي‏ ‏صبية‏ ‏صغيرة‏، ‏فلابد‏ ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏القامة‏ ‏امتدت‏ ‏طولا‏ ‏وعرضا‏ ‏وعمقا‏ ‏بتأملها‏ ‏في‏ ‏سر‏ ‏التجسد‏، ‏وبملازمتها‏ ‏للمسيح‏ ‏له‏ ‏المجد‏، ‏وانفعالها‏ ‏المستمر‏ ‏بالمكاشفات‏ ‏الروحية‏ ‏والتجليات‏ ‏العالية‏ ‏التي‏ ‏عاشتها‏ ‏وعايشتها‏، ‏واستغرقت‏ ‏روحها‏ ‏ونفسها‏ ‏وذهنها‏ ‏وكل‏ ‏كيانها‏ ‏ووجدانها‏. ‏قال‏ ‏عنها‏ ‏الإنجيل‏ (‏وأما‏ ‏مريم‏ ‏كانت‏ ‏تحفظ‏ ‏جميع‏ ‏هذا‏ ‏الكلام‏ ‏متفكرة‏ ‏به‏ ‏في‏ ‏قلبها‏... ‏وكانت‏ ‏أمه‏ ‏تحفظ‏ ‏جميع‏ ‏هذه‏ ‏الأمر‏ ‏في‏ ‏قلبها‏) (‏لوقا‏ 2: 19، 51). ‏إن‏ ‏مريم‏ ‏تحولت‏ ‏بفضل‏ ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏الجو‏ ‏الروحاني‏ ‏الذي‏ ‏غمرها‏، ‏وغرقت‏ ‏هي‏ ‏في‏ ‏أعماقه‏ ‏وغاصت‏ ‏في‏ ‏بحوره‏، ‏ومتابعتها‏ ‏المستمرة‏ ‏المتأنية‏ ‏لكل‏ ‏كلمة‏ ‏من‏ ‏ابنها‏ ‏وسيدها‏ ‏وربها‏ ‏الذي‏ ‏وقفت‏ ‏وأوقفت‏ ‏كل‏ ‏حياتها‏ ‏علي‏ ‏خدمته‏، ‏ومتابعتها‏ ‏المستمرة‏ ‏المتأنية‏ ‏لكل‏ ‏تصرفاته‏ ‏وكل‏ ‏تحركاته‏، ‏وما‏ ‏صاحب‏ ‏حياته‏ ‏من‏ ‏أحداث‏ ‏إلهية‏ ‏مبهرة‏ ‏ومعجزات‏ ‏وآيات‏ ‏وقدرات‏ ‏سحقت‏ ‏روح‏ ‏مريم‏ ‏بمزيد‏ ‏من‏ ‏الاتضاع‏، ‏والاستغراق‏ ‏الروحاني‏، ‏حتي‏ ‏صارت‏ ‏تحيا‏ (‏في‏ ‏الروح‏) (‏الرؤيا‏ 1: 10) ‏وكأنها‏ ‏ليست‏ ‏في‏ ‏الجسد‏، ‏ولعلها‏ ‏من‏ ‏عمق‏ ‏استغراقها‏ ‏في‏ ‏الروحيات‏ ‏لم‏ ‏تكن‏ ‏تدري‏ (‏هل‏ ‏هي‏ ‏في‏ ‏الجسد‏ ‏أم‏ ‏خارج‏ ‏الجسد‏) (2‏ كورنثوس‏ 12: 2، 3).‏

إن‏ ‏إنسانة‏ ‏روحانية‏ ‏بهذه‏ ‏الدرجة‏، ‏بدأت‏ ‏خدمتها‏ ‏في‏ ‏سن‏ ‏الصبوة‏ ‏وهي‏ (‏ممتلئة‏ ‏نعمة‏) ‏وامتدت‏ ‏بعد‏ ‏ذلك‏ ‏قامتها‏ ‏الروحية‏ ‏طولا‏ ‏وعرضا‏ ‏وعمقا‏، ‏كيف‏ ‏لا‏ ‏تكون‏ ‏لها‏ ‏عند‏ ‏الله‏ ‏شفاعة‏ ‏ودالة؟‏ ‏وكيف‏ ‏لا‏ ‏يكون‏ ‏لصلواتها‏ ‏وزن‏ ‏ثقيل؟‏.

إذا‏ ‏كان‏ ‏الله‏ ‏تعالي‏ ‏يقرر‏ ‏أنه‏ ‏إن‏ ‏وجد‏ ‏في‏ ‏مدينة‏ ‏خمسين‏ ‏أو‏ ‏أربعين‏ ‏أو‏ ‏ثلاثين‏ ‏أو‏ ‏عشرين‏ ‏أو‏ ‏عشرة‏ ‏أبرار‏، ‏فإنه‏ ‏يصفح‏ ‏عن‏ ‏المكان‏ ‏كله‏ ‏من‏ ‏أجل‏ ‏الأبرار‏ ‏الذين‏ ‏فيه‏، ‏ويطيل‏ ‏أناته‏ ‏علي‏ ‏الخطاة‏ ‏الذين‏ ‏في‏ ‏المكان‏ ‏ولا‏ ‏يهلكهم‏ ‏من‏ ‏أجل‏ ‏الأبرار‏ ‏الذين‏ ‏في‏ ‏وسطهم‏ (‏التكوين‏ 18: 23 - 32)، ‏فكيف‏ ‏لا‏ ‏يكون‏ ‏لمريم‏ ‏العذراء‏ ‏وهي‏ (‏الممتلئة‏ ‏نعمة‏) ‏والفائقة‏ ‏القداسة‏، ‏شفاعة‏ ‏ودالة‏ ‏عند‏ ‏الله‏ ‏بحيث‏ ‏أنه‏ ‏بصلواتها‏ ‏وطلباتها‏ ‏يرحم‏ ‏الرب‏ ‏بشرا‏ ‏آخرين‏ ‏تشفع‏ ‏هي‏ ‏فيهم‏، ‏فتشملهم‏ ‏مراحم‏ ‏الرب‏ ‏ويطيل‏ ‏أناته‏ ‏عليهم؟


الملكة‏ ‏أم‏ ‏الملك
لكن‏ ‏مريم‏ ‏العذراء‏ ‏بفضل‏ ‏روحانيتها‏ ‏وقداستها‏، ‏قد‏ ‏اصطفاها‏ ‏الرب‏ ‏دون‏ ‏نساء‏ ‏العالمين‏ (‏لوقا‏ 1: 28، 42) ‏لتكون‏ ‏هي‏ (‏المختارة‏) (2 ‏يوحنا 1‏: 1) ‏التي‏ ‏يحل‏ ‏الله‏ ‏الكلمة‏ ‏فيها‏، ‏ومن‏ ‏دمها‏ ‏ولحمها‏ ‏تكون‏ ‏الجسد‏ ‏الذي‏ ‏اتحد‏ ‏به‏ ‏اللاهوت‏، ‏وظهر‏ ‏منها‏ (‏الله‏ ‏متجسدا‏) (1 ‏تيموثيئوس‏ 3: 16)، ‏إنه‏ ‏شرف‏، ‏ياله‏ ‏من‏ ‏شرف‏، ‏أن‏ ‏تصبح‏ ‏امرأة‏ ‏من‏ ‏جنسنا‏ (‏سماء‏ ‏ثانية‏) ‏حل‏ ‏فيها‏ ‏الله‏ ‏جسديا‏، ‏وأن‏ ‏تصير‏ ‏من‏ ‏ثم‏ (‏والدة‏ ‏الإله‏)، (‏إشعياء‏ 7: 14) ‏وأن‏ ‏يجلس‏ ‏الله‏ ‏الكلمة‏ ‏علي‏ ‏ركبتيها‏ ‏وهو‏ (‏الجالس‏ ‏فوق‏ ‏الكاروبيم‏) (1 ‏صموئيل‏ 4: 4)، (2 ‏صموئيل‏ 6: 2)، (‏مزمور‏ 79 أو 80: 1)... ‏هي‏ ‏إذن‏ ‏الملكة‏ ‏أم‏ ‏الملك‏ (‏مزمور‏ 44 أو 45: 9). ‏فبهذه‏ ‏المكانة‏ ‏السامية‏ ‏وهذه‏ ‏الصفة‏ ‏والحيثية‏ ‏هي‏ ‏ذات‏ ‏دالة‏ ‏وشفاعة‏، ‏ولابد‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏لصلواتها‏ ‏مكانة‏ ‏أمام‏ ‏الله‏، ‏مكانة‏ ‏لا‏ ‏تعلوها‏ ‏مكانة‏ ‏لأحد‏ ‏آخر‏ ‏من‏ ‏القديسين‏ ‏والقديسات‏.‏
ألم‏ ‏يقل‏ ‏لها‏ ‏الملاك‏ ‏المبشر‏: (‏إنك‏ ‏قد‏ ‏نلت‏ ‏نعمة‏ ‏عند‏ ‏الله‏) (‏لوقا‏ 1: 30) ‏ولا‏ ‏ينال‏ ‏هذه‏ ‏النعمة‏ ‏والحظوة‏ ‏إلا‏ ‏من‏ ‏أرضي‏ ‏الرب‏ ‏بسيرته‏ ‏العطرة‏.‏


مريم‏ ‏مع‏ ‏المسيح‏ ‏في‏ ‏آلامه
علي‏ ‏أن‏ ‏شفاعة‏ ‏مريم‏ ‏وفعاليات‏ ‏صلواتها‏ ‏ودالتها‏ ‏أمام‏ ‏الله‏ ‏ليست‏ ‏فقط‏ ‏من‏ ‏حيث‏ ‏مكانتها‏ ‏باعتبارها‏ ‏الملكة‏ ‏أم‏ ‏الملك‏، ‏وليست‏ ‏فحسب‏ ‏من‏ ‏أجل‏ ‏روحانية‏ ‏حياتها‏ ‏وقداسة‏ ‏سيرتها‏ ‏وهي‏ (‏الممتلئة‏ ‏نعمة‏) ‏والفائقة‏ ‏القداسة‏ ‏ولذلك‏ (‏نالت‏ ‏نعمة‏ ‏عند‏ ‏الله‏)، ‏ولكنها‏ ‏بالإضافة‏ ‏إلي‏ ‏هذا‏ ‏وذاك‏، ‏لأنها‏ ‏تعبت‏ ‏مع‏ ‏المسيح‏ ‏ومن‏ ‏أجله‏ ‏كثيرا‏... ‏وإذا‏ ‏كان‏ ‏المسيح‏ ‏له‏ ‏المجد‏ ‏يقول‏ ‏عن‏ ‏المرأة‏ ‏الخاطئة‏ ‏التي‏ ‏تابت‏ ‏باكية‏ ‏عند‏ ‏قدميه‏ (‏إن‏ ‏خطاياها‏ ‏الكثيرة‏ ‏مغفورة‏ ‏لها‏، ‏لأنها‏ ‏أحبت‏ ‏كثيرا‏)، ‏ولم‏ ‏تكن‏ ‏محبتها‏ ‏مجرد‏ ‏عاطفة‏ ‏روحية‏ ‏جياشة‏، ‏وليست‏ ‏مجرد‏ ‏تبتل‏ ‏وانقطاع‏ ‏تام‏ ‏وتفرغ‏ ‏كامل‏ ‏للرياضات‏ ‏الروحانية‏ ‏العالية‏، ‏ولكن‏ ‏مريم‏ ‏قد‏ ‏تعبت‏ ‏من‏ ‏أجل‏ ‏الرب‏ ‏يسوع‏ ‏كثيرا‏، ‏كما‏ ‏لم‏ ‏يتعب‏ ‏من‏ ‏أجله‏ ‏أحد‏ ‏آخر‏ ‏مثل‏ ‏تعبها‏، ‏فهي‏ ‏التي‏ ‏حملته‏ ‏جسديا‏ ‏كأم‏ ‏في‏ ‏أحشائها‏، ‏وأرضعته‏ ‏جسديا‏، ‏وربته‏ ‏وهو‏ ‏ينمو‏ ‏في‏ ‏جسده‏ ‏نموا‏ ‏تدريجيا‏ ‏إلي‏ ‏قامة‏ ‏الإنسان‏ ‏الكامل‏ (‏لوقا‏ 2: 52)، ‏واحتملت‏ ‏من‏ ‏أجله‏ ‏التعيير‏ ‏والشكوك‏ ‏في‏ ‏طهارتها‏، ‏حتي‏ ‏يوسف‏ ‏خطيبها‏ ‏البار‏ ‏شك‏ ‏فيها‏، ‏ولكنه‏ (‏إذ‏ ‏كان‏ ‏يوسف‏ ‏رجلها‏ ‏بارا‏، ‏ولم‏ ‏يشأ‏ ‏أن‏ ‏يشهر‏ ‏أمرها‏، ‏أراد‏ ‏أن‏ ‏يخلي‏ ‏سبيلها‏ ‏سرا‏، ‏ولكنه‏ ‏فيما‏ ‏كان‏ ‏يفكر‏ ‏في‏ ‏ذلك‏، ‏إذا‏ ‏ملاك‏ ‏الرب‏ ‏قد‏ ‏ظهر‏ ‏له‏ ‏في‏ ‏حلم‏ ‏قائلا‏: ‏يا‏ ‏يوسف‏ ‏بن‏ ‏داود‏، ‏لا‏ ‏تخف‏ ‏أن‏ ‏تستبقي‏ ‏امرأتك‏، ‏لأن‏ ‏الذي‏ ‏سيولد‏ ‏منها‏ ‏إنما‏ ‏هو‏ ‏من‏ ‏روح‏ ‏القدس‏) (‏متي‏ 1: 19، 20) ‏ولقد‏ ‏عانت‏ ‏معه‏ ‏في‏ ‏رحلتها‏ ‏الطويلة‏ ‏في‏ ‏كل‏ ‏أرض‏ ‏مصر‏، ‏من‏ ‏شمالها‏ ‏إلي‏ ‏جنوبها‏، ‏وهم‏ ‏يطاردونها‏ ‏معه‏ ‏من‏ ‏مكان‏ ‏إلي‏ ‏مكان‏، ‏وبعد‏ ‏أن‏ ‏عادت‏ ‏إلي‏ ‏أرض‏ ‏فلسطين‏ ‏عاشت‏ ‏معه‏ ‏نفس‏ ‏المصير‏ ‏الذي‏ ‏عاناه‏ ‏من‏ ‏مضايقات‏ ‏اليهود‏ ‏واضطهادهم‏ ‏له‏ (‏يوحنا‏ 15: 20) ‏ويمكننا‏ ‏أن‏ ‏نتصور‏ ‏معاناة‏ ‏العذراء‏ ‏مريم‏ ‏خصوصا‏ ‏في‏ ‏أسبوع‏ ‏آلام‏ ‏سيدها‏ ‏وابنها‏، ‏وكيف‏ ‏عاشت‏ ‏معه‏ ‏تلك‏ ‏الأيام‏ ‏القاتمة‏ ‏الحزينة‏ ‏والمحاكمات‏ ‏الدينية‏ ‏والمدنية‏ ‏التي‏ ‏حاكموه‏ ‏بها‏، ‏والقضاء‏ ‏عليه‏ ‏بالجلد‏ ‏والضرب‏ ‏والصلب‏، ‏وكيف‏ ‏كانت‏ ‏تراه‏ ‏وتتابعه‏ ‏في‏ ‏مراحل‏ ‏الصلب‏ ‏مرحلة‏ ‏مرحلة‏، ‏وكيف‏ ‏كان‏ ‏شعورها‏ ‏كأم‏ ‏وهي‏ ‏تراه‏ ‏واقعا‏ ‏تحت‏ ‏حمل‏ ‏الصليب‏ ‏الثقيل‏ ‏ثلاث‏ ‏مرات‏، ‏وقائد‏ ‏الجند‏ ‏القاسي‏ ‏القلب‏ ‏يلهب‏ ‏بالسياط‏ ‏ظهره‏ ‏المثخن‏ ‏بالجراح‏ ‏يستحثه‏ ‏علي‏ ‏النهوض‏ ‏وهو‏ ‏منهك‏، ‏والعرق‏ ‏يتصبب‏ ‏من‏ ‏جبينه‏ ‏مختلطا‏ ‏بالدم‏ ‏ثم‏ ‏يمتزج‏ ‏بتراب‏ ‏الأرض‏، ‏فيصير‏ ‏وجهه‏ ‏ملطخا‏ ‏كله‏ ‏بالطين‏...

كيف‏ ‏كان‏ ‏شعورها‏ ‏كأم‏ ‏وهي‏ ‏تري‏ ‏الذي‏ ‏هو‏ (‏أبرع‏ ‏جمالا‏ ‏من‏ ‏بني‏ ‏البشر‏) (‏مزمور‏ 44 أو 45: 2) ‏قد‏ ‏صار‏ (‏لا‏ ‏صورة‏ ‏له‏ ‏ولا‏ ‏جمال‏) (‏إشعياء‏ 53: 2)... ‏ثم‏ ‏تراه‏ ‏والمسامير‏ ‏تدق‏ ‏في‏ ‏يديه‏ ‏ورجليه‏ ‏في‏ ‏قسوة‏ ‏بالغة‏، ‏وتراه‏ ‏وهو‏ ‏علي‏ ‏الصليب‏ ‏يقول‏ (‏أنا‏ ‏عطشان‏) (‏يوحنا‏ 19: 28) ‏فلا‏ ‏يقدمون‏ ‏له‏ ‏ماء‏ ‏وإنما‏ ‏يقدمون‏ ‏له‏ ‏خلا‏ ‏في‏ ‏أسفنجة‏ (‏يوحنا‏ 19: 29) ‏ثم‏ ‏تري‏ ‏رئيس‏ ‏الجند‏ ‏يطعنه‏ ‏بالحربة‏ ‏في‏ ‏جنبه‏، ‏فيجري‏ ‏من‏ ‏جنبه‏ ‏دم‏ ‏وماء‏ (‏يوحنا ‏19: 34)، ‏وحقا‏ ‏ما‏ ‏قاله‏ ‏سمعان‏ ‏الشيخ‏ ‏عندما‏ ‏رأي‏ ‏المسيح‏ ‏علي‏ ‏يدي‏ ‏العذراء‏ ‏مريم‏ ‏تحمله‏ ‏عند‏ ‏تمام‏ ‏الأربعين‏ ‏يوما‏ ‏من‏ ‏ولادته‏، ‏متنبئا‏ ‏عن‏ ‏آلامها‏ ‏ومعاناتها‏ ‏مع‏ ‏المسيح‏ ‏ربها‏، ‏وفاديها‏ ‏وابنها‏ (‏إن‏ ‏هذا‏ ‏قد‏ ‏جعل‏ ‏لسقوط‏ ‏وقيام‏ ‏كثيرين‏ ‏في‏ ‏إسرائيل‏، ‏وسيكون‏ ‏هدفا‏ ‏للمقاومة‏، ‏وأنت‏ ‏أيضا‏ ‏سينفذ‏ ‏في‏ ‏نفسك‏ ‏سيف‏، ‏حتي‏ ‏تنكشف‏ ‏نوايا‏ ‏قلوب‏ ‏كثيرة‏) (‏لوقا‏ 2: 34، 35).‏

وإذا‏ ‏كان‏ ‏الكتاب‏ ‏المقدس‏ ‏يقرر‏ ‏من‏ ‏حيث‏ ‏المبدأ‏ ‏أن‏ ‏الله‏ ‏عادل‏، ‏وأنه‏ ‏لعدله‏ (‏يجازي‏ ‏كل‏ ‏إنسان‏ ‏علي‏ ‏حسب‏ ‏أعماله‏) (‏متي‏ 16: 27)، (‏رومية‏2: 6) ‏وأن‏ (‏كل‏ ‏واحد‏ ‏ينال‏ ‏أجرته‏ ‏علي‏ ‏مقدار‏ ‏تعبه‏) (1 ‏كورنثوس ‏3: 8)، ‏والتعب‏ ‏هو‏ ‏برهان‏ ‏المحبة‏، (‏وما‏ ‏من‏ ‏حب‏ ‏أعظم‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏يبذل‏ ‏أحد‏ ‏نفسه‏ ‏عن‏ ‏أحبائه‏) (‏يوحنا‏ 15: 13) ‏فإن‏ ‏العذراء‏ ‏مريم‏ ‏قد‏ ‏أحبت‏ ‏الرب‏ ‏حبا‏ ‏لايدانيه‏ ‏حب‏، ‏أولا‏- ‏كقديسة‏ ‏جزيلة‏ ‏القداسة‏. ‏وثانيا‏- ‏كأم‏، ‏وليس‏ ‏كمحبة‏ ‏الأم‏ ‏محبة‏ ‏أخري‏ ‏تدانيها‏، ‏وثالثا‏- ‏كإنسانة‏ ‏عاشت‏ ‏مع‏ ‏المسيح‏ ‏وعايشته‏ ‏وارتبط‏ ‏مصيرها‏ ‏بمصيره‏ ‏واحتملت‏ ‏من‏ ‏أجله‏ ‏مالم‏ ‏يحتمله‏ ‏أحد‏ ‏آخر‏، ‏وعانت‏ ‏من‏ ‏أجله‏ ‏مالم‏ ‏يجرؤ‏ ‏أحد‏ ‏أن‏ ‏يدعيه‏، ‏فهي‏ ‏معه‏ ‏أكثر‏ ‏من‏ ‏شهيدة‏، ‏تعذبت‏ ‏معه‏ ‏منذ‏ ‏بدء‏ ‏تجسده‏، ‏وقبل‏ ‏تجسده‏، ‏وتعذبت‏ ‏معه‏ ‏آلامه‏ ‏وموته‏، ‏وبعد‏ ‏قيامته‏ ‏وبعد‏ ‏صعوده‏ ‏إلي‏ ‏السماء‏، ‏ومازال‏ ‏اليهود‏ ‏إلي‏ ‏اليوم‏ ‏يسبونها‏ ‏ويعادونها‏ ‏وييبغضونها‏.‏

هناك‏ ‏آلام‏ ‏ليست‏ ‏نتيجة‏ ‏خطايانا‏، ‏هذه‏ ‏لو‏ ‏أصابتنا‏ ‏فهي‏ ‏لفائدتنا‏ ‏ولتمحيصنا‏، ‏ولتظهر‏ ‏فضيلتنا‏، ‏لأنه‏ ‏كيف‏ ‏تظهر‏ ‏فضيلة‏ ‏الاحتمال‏ ‏مالم‏ ‏يكن‏ ‏هناك‏ ‏ألم‏ ‏وإهانة‏ ‏أو‏ ‏موقف‏ ‏يقتضي‏ ‏أو‏ ‏يستخدم‏ ‏الإنسان‏ ‏أن‏ ‏يوظف‏ ‏هذه‏ ‏الفضيلة‏، ‏أين‏ ‏تظهر‏ ‏فضيلة‏ ‏الاحتمال‏ ‏وفضيلة‏ ‏الصبر‏، ‏ويصبر‏ ‏الإنسان‏ ‏ويقبل‏ ‏الأحداث‏ ‏بشكر‏، ‏متي‏ ‏تظهر‏ ‏هذه‏ ‏الأشياء‏ ‏إن‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏هناك‏ ‏مواقف‏ ‏من‏ ‏هذا‏ ‏القبيل‏. ‏يجب‏ ‏أن‏ ‏نتعلم‏ ‏من‏ ‏العذراء‏ ‏كيف‏ ‏أن‏ ‏هذه‏ ‏الآلام‏ ‏لفائدتنا‏ ‏ولنمونا‏ ‏وأيضا‏ ‏لتزود‏ ‏الأكليل‏، ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏جعل‏ ‏كرامة‏ ‏العذراء‏ ‏أمام‏ ‏الله‏ ‏لها‏ ‏الدالة‏ ‏والشفاعة‏ ‏لأنها‏ ‏من‏ ‏أجله‏ ‏عاشت‏ ‏ومن‏ ‏أجله‏ ‏احتملت‏.

تلك‏ ‏الاعتبارات‏ ‏الثلاثة‏، ‏علي‏ ‏الأقل‏، ‏من‏ ‏أجلها‏ ‏تكون‏ ‏للعذراء‏ ‏عند‏ ‏المسيح‏ ‏الرب‏ ‏شفاعة‏ ‏ودالة‏ ‏فوق‏ ‏كل‏ ‏شفاعة‏ ‏ودالة‏ ‏لأي‏ ‏إنسان‏ ‏آخر‏... ‏ويكفي‏ ‏العذراء‏ ‏مريم‏ ‏فخرا‏ ‏أن‏ ‏أول‏ ‏معجزة‏ ‏صنعها‏ ‏المسيح‏ ‏له‏ ‏المجد‏ ‏في‏ ‏خدمته‏ ‏الجهرية‏، ‏كانت‏ ‏استجابة‏ ‏لرغبة‏ ‏العذراء‏ ‏مريم‏. ‏فعلي‏ ‏الرغم‏ ‏من‏ ‏أنه‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏يشاء‏ ‏أن‏ ‏يصنع‏ ‏معجزة‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏الوقت‏، ‏لكنه‏ ‏صنع‏ ‏المعجزة‏ ‏الأولي‏ ‏التي‏ ‏افتتح‏ ‏بها‏ ‏خدمته‏ ‏الجهارية‏ ‏من‏ ‏أجل‏ ‏العذراء‏ ‏مريم‏، ‏فحول‏ ‏الماء‏ ‏إلي‏ ‏خمر‏، ‏في‏ ‏عرس‏ ‏قانا‏ ‏الجليل‏ (‏يوحنا‏2: 1 - 11).‏

وإذا‏ ‏كان‏ ‏المسيح‏ ‏له‏ ‏المجد‏ ‏لم‏ ‏ينس‏ ‏لمريم‏ ‏أخت‏ ‏لعازر‏ ‏التي‏ ‏سكبت‏ ‏الطيب‏ ‏علي‏ ‏رأسه‏، ‏ودافع‏ ‏عنها‏، ‏وقال‏ ‏للمعترضين‏ ‏عليها‏ (‏إنها‏ ‏قد‏ ‏صنعت‏ ‏بي‏ ‏صنيعا‏ ‏حسنا‏، ‏لقد‏ ‏فعلت‏ ‏ما‏ ‏في‏ ‏وسعها‏... ‏الحق‏ ‏أقول‏ ‏لكم‏ ‏إنه‏ ‏حيثما‏ ‏يبشر‏ ‏بهذا‏ ‏الإنجيل‏ ‏في‏ ‏العالم‏ ‏كله‏ ‏يحدث‏ ‏أيضا‏ ‏بما‏ ‏فعلته‏ ‏هذه‏ ‏المرأة‏، ‏إحياء‏ ‏لذكرها‏) (‏مرقس‏14: 8، 9)، (‏متي‏ 26: 10-13)، ‏فإنه‏ ‏بالأحري‏ ‏لا‏ ‏ينسي‏ ‏لمريم‏ ‏العذراء‏ ‏أتعابها‏ ‏في‏ ‏سبيله‏، ‏فقد‏ ‏سكبت‏ ‏علي‏ ‏جسده‏، ‏ليس‏ ‏طيبا‏ ‏من‏ ‏قارورة‏، ‏بل‏ ‏لقد‏ ‏سكبت‏ ‏دمها‏ ‏وأعصابها‏، ‏بل‏ ‏أهلكت‏ ‏حياتها‏ ‏من‏ ‏أجله‏. ‏فكيف‏ ‏لا‏ ‏يكون‏ ‏لها‏ ‏حسن‏ ‏القبول‏ ‏أمامه؟‏، ‏وكيف‏ ‏لا‏ ‏تكون‏ ‏لصلواتها‏ ‏الفاعلية‏ ‏العظمي‏ ‏عنده؟‏.


مقال للمتنيح‏ ‏الأنبا‏ ‏غريغوريوس – أسقف عام الدراسات العليا اللاهوتية والثقافة القبطية والبحث العلمي – في جريدة وطنى - ﺇصدار أول: السنة 53 العدد 2590 - ﺇصدار ثان: السنة 11 العدد 556 – يوم الأحد الموافق 14 أغسطس (آب) 2011 ميلادية، 8 مسرى 1727 شهداء (قبطية)، 14 رمضان 1432 هجرية (للهجرة) – الصفحة الثانية (2)، مقالات دينية
http://www.watani.com.eg




Share

Sunday, August 14, 2011

التأمل‏ ‏في‏ ‏حياة‏ ‏السيدة‏ ‏العذراء


التأمل‏ ‏في‏ ‏حياة‏ ‏السيدة‏ ‏العذراء
لنيافة‏ ‏الأنبا‏ ‏موسي أسقف‏ ‏الشباب

كانت‏ ‏السيدة‏ ‏العذراء‏ ‏رمز‏ ‏ونموذج‏ ‏لحياة‏ ‏التأمل‏ ‏والعبادة‏ ‏والصلاة‏.. ‏فمنذ‏ ‏طفولتها‏ ‏المباركة‏ ‏كانت‏ ‏في‏ ‏الهيكل‏ ‏تتأمل‏ ‏وتتعبد‏ ‏وتصلي‏، ‏وحتي‏ ‏بعدما‏ ‏كبرت‏ ‏في‏ ‏السن‏ ‏وخرجت‏ ‏إلي‏ ‏الهيكل‏، ‏وذهبت‏ ‏إلي‏ ‏بيت‏ ‏يوسف‏ ‏النجار‏ ‏كانت‏ ‏مصرة‏ ‏علي‏ ‏حياة‏ ‏البتولية‏ ‏التي‏ ‏تساندها‏ ‏بالتأمل‏ ‏والعبادة‏ ‏والشركة‏ ‏الحية‏ ‏مع‏ ‏الله‏ ‏وحتى ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏حبلت‏ ‏بالرب‏ ‏يسوع‏ ‏وبعد‏ ‏أن‏ ‏ولدت‏ ‏الطفل‏ ‏الإلهي‏.. ‏يقول‏ ‏الكتاب‏ ‏عنها‏. ‏أما‏ ‏مريم‏ ‏فكانت‏ ‏تحفظ‏ ‏جميع‏ ‏هذا‏ ‏الكلام‏ ‏متفكرة‏ ‏به‏ ‏في‏ ‏قلبها‏. ‏ولكن‏ ‏السؤال‏ ‏هو‏.. ‏العذراء‏ ‏كانت‏ ‏تتأمل‏ ‏كيف؟‏ ‏وفيما‏ ‏نتأمل‏ ‏نحن؟‏.‏

هناك‏ ‏عدة‏ ‏مدارس‏ ‏في‏ ‏التأمل‏.. ‏المدرسة‏ ‏الأولى‏ ‏هي‏ ‏نصوص‏ ‏الكتاب‏ ‏المقدس‏، ‏الثانية‏ ‏شخصيات‏ ‏الكتاب‏ ‏المقدس‏، ‏الثالثة‏ ‏سير‏ ‏القديسين‏، ‏الرابعة‏ ‏هي‏ ‏أحداث‏ ‏الحياة‏.‏

أولا‏ ‏نصوص‏ ‏الكتاب‏ ‏المقدس‏:‏
الإنسان‏ ‏المسيحي‏ ‏يلهج‏ ‏في‏ ‏الكلام‏ ‏الرب‏ ‏نهارا‏ ‏وليلا‏، ‏لأن‏ ‏كلمات‏ ‏الإنجيل‏ ‏هي‏ ‏روح‏ ‏الحياة‏، ‏أي‏ ‏بمثابة‏ ‏الأكسجين‏ ‏الروحي‏ ‏والنسمة‏ ‏الروحية‏ ‏لأنه‏ ‏كما‏ ‏أن‏ ‏نسمة‏ ‏الهواء‏ ‏تحي‏ ‏جسده‏، ‏فإن‏ ‏كلمة‏ ‏الروح‏ ‏تحي‏ ‏روحه‏.‏
لذلك‏ ‏الإنسان‏ ‏يجب‏ ‏ألا‏ ‏يكف‏ ‏عن‏ ‏قراءة‏ ‏الكتاب‏ ‏المقدس‏ ‏أبدا‏، ‏بل‏ ‏ويقرأه‏ ‏بانتظام‏ ‏فهذه‏ ‏الكلمات‏ ‏هي‏ ‏رسالة‏ ‏الله‏ ‏في‏ ‏حياته‏ ‏وكلمة‏ ‏الله‏ ‏إلي‏ ‏قلبه‏. ‏نحن‏ ‏في‏ ‏احتياج‏ ‏دائم‏ ‏لقراءة‏ ‏الكتاب‏ ‏المقدس‏ ‏بتأمل‏, ‏نقرأ‏ ‏الأصحاح‏ ‏ونحن‏ ‏مفتوحي‏ ‏الذهن‏ ‏والقلب‏.‏

أليست‏ ‏كلمتي‏ ‏كنار‏ ‏يقول‏ ‏الرب‏ ‏وكمطرقة‏ ‏تحطم‏ ‏الصخر‏ ‏فالإنسان‏ ‏الذي‏ ‏يقرأ‏ ‏الكتاب‏ ‏المقدس‏ ‏نار‏ ‏الروح‏ ‏القدس‏ ‏تحرق‏ ‏شوائب‏ ‏الخطية‏ ‏التي‏ ‏فيه‏، ‏ومطرقة‏ ‏الروح‏ ‏القدس‏ ‏تحرق‏ ‏شوائب‏ ‏الخطية‏ ‏التي‏ ‏فيه‏، ‏ومطرقة‏ ‏الروح‏ ‏القدس‏ ‏بك‏ ‏تحطم‏ ‏الصخر‏ ‏الذي‏ ‏يعترض‏ ‏حياته‏.. ‏كلمة‏ ‏الله‏ ‏نار‏.. ‏مطرقة‏.. ‏خبز‏ ‏يشبع‏ ‏ويحيي‏ ‏كلمة‏ ‏ربنا‏ ‏سيف‏ ‏بتار‏ - ‏كلمة‏ ‏الله‏ ‏حية‏ ‏وفعالة‏ ‏وأقوي‏ ‏من‏ ‏كل‏ ‏سيف‏ ‏ذي‏ ‏حدين‏.‏

إذن‏ ‏فعند‏ ‏سماعي‏ ‏تعليم‏ ‏غريب‏ ‏كلمة‏ ‏الله‏ ‏سيف‏ ‏بتار‏ ‏تحكم‏ ‏عليه‏ ‏وتقول‏ ‏هذا‏ ‏خطا‏ ‏وتقطعه‏.. ‏عادة‏ ‏رديئة‏ ‏لدي‏ ‏الناس‏ ‏كلمة‏ ‏الله‏ ‏تقطعها‏.‏ كلمة‏ ‏ربنا‏ ‏أيضا‏ ‏نور‏ ‏وسراج‏ - ‏سراج‏ ‏لرجلي‏ ‏كلامك‏ ‏ونور‏ ‏لسبيلي‏ ‏فالوصية‏ ‏مصباح‏ ‏والشريعة‏ ‏نور‏.‏

ليتك‏ ‏تسأل‏ ‏نفسك‏: ‏هل‏ ‏استطعت‏ ‏أن‏ ‏تقرأ‏ ‏الكتاب‏ ‏المقدس‏ ‏كاملا‏ ‏بتأمل‏ ‏وبانتظام؟‏ ‏ليتك‏ ‏تأخذ‏ ‏تعهدا‏ ‏على ‏نفسك‏ ‏الآن‏ ‏بقراءة‏ ‏الكتاب‏ ‏المقدس‏ ‏يوميا‏.. ‏وبروح‏ ‏التأمل‏!!‏

ثانيا‏ ‏شخصيات‏ ‏الكتاب‏ ‏المقدس‏:‏ الإنسان‏ ‏الذي‏ ‏يقرأ‏ ‏الكتاب‏ ‏لن‏ ‏يجد‏ ‏فقط‏ ‏كلام‏ ‏الله‏ ‏ولكن‏ ‏أيضا‏ ‏شخصيات‏ ‏نتعلم‏ ‏منها‏.. ‏آدم‏ ‏وحواء‏ ‏نتعلم‏ ‏منهما‏ ‏عدم‏ ‏الحوار‏ ‏مع‏ ‏الشيطان‏.. ‏قايين‏ ‏وهابيل‏ ‏نتعلم‏ ‏الذبيحة‏ ‏المقبولة‏ ‏ومحبة‏ ‏الإخوة‏ - ‏نوح‏.. ‏سأسير‏ ‏مع‏ ‏الله‏ ‏حتى ‏ولو‏ ‏كنت‏ ‏كمازح‏ ‏في‏ ‏عيون‏ ‏العالم‏.. ‏إبراهيم‏.. ‏نترك‏ ‏كل‏ ‏شيء‏ ‏من‏ ‏أجل‏ ‏أن‏ ‏نتبع‏ ‏الله‏ ‏وإسحق‏ ‏نتعلم‏ ‏منه‏ ‏كيف‏ ‏نتمسك‏ ‏بالمواعيد‏ ‏الإلهية‏.. ‏أنظروا‏ ‏هذا‏ ‏في‏ ‏سفر‏ ‏واحد‏ ‏فقط‏ ‏جزء‏ ‏بسيط‏ ‏منه‏ ‏سفر‏ ‏التكوين‏ ‏ماذا‏ ‏عن‏ ‏باقي‏ ‏الأسفار‏!!‏

ثالثا‏ ‏سير‏ ‏القديسين‏:‏ من‏ ‏يريد‏ ‏التأمل‏ ‏يذهب‏ ‏ويقرأ‏ ‏في‏ ‏سير‏ ‏القديسين‏، ‏قد‏ ‏يقول‏ ‏البعض‏ ‏إنهم‏ ‏من‏ ‏القرن‏ ‏الرابع‏ - ‏أقول‏ ‏لا‏ ‏صحيح‏ ‏أنهم‏ ‏من‏ ‏القرن‏ ‏الرابع‏ ‏وما‏ ‏قبله‏ ‏وما‏ ‏بعده‏ ‏ولكنك‏ ‏أنت‏ ‏كابن‏ ‏لله‏ ‏تقرأ‏ ‏سيرة‏ ‏القديس‏ ‏فتعلق‏ ‏وتحب‏ ‏فضيلة‏ ‏معينة‏ ‏فيه‏. ‏هذه‏ ‏الفضيلة‏ ‏تمتصها‏ ‏دون‏ ‏أن‏ ‏تشعر‏.. ‏إذا‏ ‏أعجبت‏ ‏بفضيلة‏ ‏في‏ ‏العذراء‏ ‏كالتسليم‏ ‏تأخذ‏ ‏قبسا‏ ‏منها‏.. ‏هوذا‏ ‏أنا‏ ‏أمة‏ ‏الرب‏ ‏ليكن‏ ‏لي‏ ‏كقولك‏، ‏لتكن‏ ‏مشيئتك‏.. ‏مهما‏ ‏حدث‏ ‏ومهما‏ ‏ظن‏ ‏الناس‏ ‏بي‏.. ‏حتي‏ ‏لو‏ ‏أن‏ ‏ظهر‏ ‏الحمل‏ ‏سترجمين‏.. ‏لكن‏ ‏لتكن‏ ‏مشيئتك‏، ‏وها‏ ‏هي‏ ‏عند‏ ‏الصليب‏ ‏في‏ ‏تسليم‏ ‏عجيب‏.. ‏أما‏ ‏العالم‏ ‏فيفرح‏ ‏لقبوله‏ ‏الخلاص‏ ‏وأما‏ ‏قلبي‏ ‏فيلتهب‏ ‏عند‏ ‏النظر‏ ‏إلى ‏صلبوتك‏.‏

رابعا‏ ‏أحداث‏ ‏الحياة‏:‏ لو‏ ‏حدث‏ ‏في‏ ‏حياتك‏ ‏بركة‏ ‏أو‏ ‏تجربة‏ ‏تأمل‏ ‏فيها‏ ‏وتعمق‏ ‏فيها‏.. ‏لو‏ ‏حدث‏ ‏في‏ ‏حياتك‏ ‏نجاح‏ ‏أو‏ ‏فشل‏ ‏تأمل‏ ‏فيه‏ ‏لأن‏ ‏الله‏ ‏يكلمك‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏هذا‏ ‏الحدث‏.. ‏أعرف‏ ‏طبيبا‏ ‏كان‏ ‏مستهترا‏ ‏جدا‏ ‏ومن‏ ‏شدة‏ ‏استهتار‏ه ‏كان‏ ‏يعلم‏ ‏ابن‏ ‏أخته‏ ‏كل‏ ‏الخطايا‏ ‏وفي‏ ‏إحدى‏ ‏المرات‏ ‏وهما‏ ‏عائدين‏ ‏من‏ ‏الإسكندرية‏ ‏مشبعين‏ ‏بالرذائل‏ ‏تحدث‏ ‏حادثة‏ ‏لهما‏ ‏وينتقل‏ ‏الشاب‏ ‏الصغير‏ ‏إلى‏ ‏العالم‏ ‏الآخر‏.. ‏بدأ‏ ‏يشعر‏ ‏أنه‏ ‏نجى‏ ‏من‏ ‏الحادثة‏ ‏وأنه‏ ‏سبب‏ ‏هلاك‏ ‏هذا‏ ‏الشخص‏، ‏وبدأ‏ ‏يبكي‏ ‏بالدموع‏ ‏أمام‏ ‏الله‏ ‏ليقدم‏ ‏توبة‏ ‏الله‏ ‏يقسمها‏ ‏بينه‏ ‏وبين‏ ‏هذا‏ ‏الشاب‏ ‏يتوب‏ ‏ويصلي‏ ‏إلى‏ ‏الله‏، ‏أن‏ ‏يغفر‏ ‏لهما‏ ‏وتحول‏ ‏اتجاه‏ ‏هذا‏ ‏الإنسان‏ ‏نحو‏ ‏الله‏.‏

نحن‏ ‏نحتاج‏ ‏أيها‏ ‏الأحباء‏ ‏أن‏ ‏نتعامل‏ ‏مع‏ ‏الله‏ ‏من‏ ‏خلال‏ ‏الحياة‏ ‏اليومية‏ ‏أن‏ ‏كان‏ ‏نجاح‏ ‏أشكرك‏ ‏يارب‏، ‏وإن‏ ‏كان‏ ‏فشل‏ ‏ماذا‏ ‏تريد‏ ‏أن‏ ‏تقول‏ ‏يارب‏، ‏وأن‏ ‏كانت‏ ‏تجربة‏ ‏أسمع‏ ‏صوت‏ ‏ربنا‏ - ‏الرب‏ ا‏فتح‏ ‏لي‏ ‏أذنا‏ ‏لأسمع‏ ‏كالمتعلمين‏.‏

أحبائي‏:‏ تعالوا‏ ‏نعيش‏ ‏حياة‏ ‏التأمل‏ ‏التي‏ ‏عاشتها‏ ‏السيدة‏ ‏العذراء‏ ‏مريم‏.‏
الله‏ ‏يعطينا‏ ‏ألا‏ ‏نصوم‏ ‏وألا‏ ‏نحتفل‏ ‏بأعياد‏ ‏القديسين‏ ‏في‏ ‏روح‏ ‏جسدية‏, ‏ولكن‏ ‏في‏ ‏فرحة‏ ‏روحية‏ ‏مقدسة‏ ‏حتي‏ ‏نسير‏ ‏وراءهم‏ ‏علي‏ ‏نفس‏ ‏الدرب‏ ‏ونصل‏ ‏معهم‏ ‏إلي‏ ‏أورشليم‏ ‏السمائية‏ ‏ونحيا‏ ‏معهم‏ ‏مع‏ ‏الرب‏.. ‏آمين‏

مقال لنيافة‏ ‏الأنبا‏ ‏موسي - أسقف‏ ‏الشباب – في جريدة وطنى - ﺇصدار أول: السنة 53 العدد 2589 - ﺇصدار ثان: السنة 11 العدد 555 – يوم الأحد الموافق 7 أغسطس (آب) 2011 ميلادية، 1 مسرى 1727 شهداء (قبطية)، 7 رمضان 1432 هجرية (للهجرة) – الصفحة الثالثة (3)، مقالات دينية
http://www.watani.com.eg



Share

Monday, October 4, 2010

فتركت المرأة جرَّتها

هذه المرأة التي كانت منذ يومين أو ثلاثة زوجةً لكثيرين، تُظهِر نفسها الآن فائقة ومترفِّعة عن احتياجات الجسد؛ والتي كانت كثيراً ما تُسبى بالملذَّات الباطلة، تحتقر الآن احتياجات الجسد الضرورية، ولا تُبالي بالعطش أو الشرب على حدٍّ سواء؛ بل تُخلَق من جديد لسيرة أخرى بالإيمان، وللوقت تنطلق بسرعة إلى المدينة، بدافع المحبة التي هي أسمى الفضائل مع المودة، لتُبشِّر الآخرين بالخير الذي استُعلِنَ لها... غير عابئة بالماء الذي جاءت لتستقيه من أعماق البئر، ولا مُستعيدة إلى بيتها جرَّتها المصنوعة من تراب الأرض؛ بل بالحري مالئةً مخازن ذهنها بالنعمة الإلهية السماوية، وبتعاليم المخلِّص الفائقة الحكمة. من ذلك ينبغي أن نتعلَّم كما بمثال أننا إذا ما تسامينا عن الأمور الصغيرة والمادية، فإننا ننال بطريقة مُضاعفة جداً أموراً أفضل آتية من عند الله. فماذا يكون الماء الأرضي إزاء الوعي الذي من فوق؟!

شرح إنجيل يوحنا 4: 28

للقديس كيرلس الكبير

مجلة مرقس – رسالة الفكر المسيحي للشباب والخُدَّام – يصدرها دير القديس أنبا مقار – ببرية شيهيت – السنة 54 – العدد 515 – يونية 2010م – بشنس / بؤونة 1726ش

http://www.stmacariusmonastery.org/



Share

Sunday, October 3, 2010

غروب حياتي من العالم لتشرق عند الله

غروب حياتي من العالم، لتشرق عند الله
يخاطب أهل رومية الذين كانوا يحاولون ﺇعاقته عن الاستشهاد

كم أخاف من محبتكم لي لئلا تؤذيني

لأنه ما أسهل عليكم أن تفعلوا ما تريدون، أما أنا فصعب علىﱠ البلوغ الى عند الله، ﺇلاﱠ ﺇذا لم تحاولوا ﺇنقاذي (تحت ادعاء محبتكم الجسدية لي)

لأني لا أرغب أن أكون بالنسبة لكم كمن يرضي الناس، بل مرضيا لله، كما أنتم ترضونه أيضا

لأنه لن تسنح لي فرصة أخرى كهذه: أن أصل الى الله، ولا أنتم أيضا

فان حافظتم على الهدوء من جهتي، فسوف يحسب لكم هذا شرفا على هذا العمل النبيل. فاذا هدأتم من جهتي وتركتموني لمصيري، فهذا سيجعلني ملك الله

أما ﺇذا أحببتم وجودي الجسدي، فسوف أستأنف الركض في السباق مرة أخرى

أرجوكم، ﺇذن، ألا تحاولوا أن يكون فضلكم علىﱠ ﺇلا بأن تتركوني أقدم حياتي ذبيحة لله، طالما المذبح ما زال معدا

وحينذاك تجتمعون معا بالمحبة كجوقة لترتلوا للآب بيسوع المسيح، ﺇذ جعلني الله، أنا أسقف سوريا، مستحقاً أن أستدعى من الشرق ﺇلى الغرب

ما أمجد أن تغرب شمس حياتي عن هذا العالم نحو الله، لتشرق من جديد عنده

الرسالة ﺇلى رومية 1 – 3


للقديس ﺇغناطيوس الأنطاكي


مجلة مرقس – رسالة الفكر المسيحي للشباب والخُدَّام – يصدرها دير القديس أنبا مقار – ببرية شيهيت – السنة 54 – العدد 516 – سبتمبر 2010م – نسئ 1726 / توت 1727ش





Share


Saturday, August 28, 2010

كأس‏ ‏الألم‏ ‏في‏ ‏حياة‏ ‏العذراء



كأس‏ ‏الألم‏ ‏في‏ ‏حياة‏ ‏العذراء
للمتنيح: الأنبا غريغوريوس - أسقف عام الدراسات العليا اللاهوتية والثقافة القبطية والبحث العلمي

العذراء‏ ‏اختيرت‏ ‏لتكون‏ ‏الخادمة‏ ‏الأولي‏ ‏لسر‏ ‏التجسد‏، ‏ولكي‏ ‏تكون‏ ‏السماء‏ ‏الثانية‏ ‏الملكة‏ ‏أم‏ ‏الملك‏، ‏هل‏ ‏كان‏ ‏هذا‏ ‏الاختيار‏ ‏اعتباطا‏ ‏أو‏ ‏نوعا‏ ‏من‏ ‏المنحة‏ ‏التي‏ ‏لا‏ ‏أساس‏ ‏لها‏ ‏غير‏ ‏أن‏ ‏الله‏ ‏أمر‏ ‏فصار؟‏...‏ لا‏...‏ليست‏ ‏هذه‏ ‏سياسة‏ ‏الله‏ ‏أبدا‏، ‏أبدا‏، ‏إذا‏ ‏كان‏ ‏المخرج‏ ‏لرواية‏ ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏يسند‏ ‏الدور‏ ‏لهذا‏ ‏الإنسان‏ ‏أو‏ ‏ذلك‏ ‏ليقوم‏ ‏به‏، ‏لابد‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏أولا‏ ‏مطمئنا‏ ‏إلي‏ ‏كفاءة‏ ‏هذا‏ ‏الإنسان‏، ‏بالدور‏ ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏يسند‏ ‏إليه‏ ‏الدور‏. ‏فكيف‏ ‏يسند‏ ‏الرب‏ ‏هذا‏ ‏الدور‏ ‏لمريم‏ ‏إلا‏ ‏وهو‏ ‏يعلم‏ ‏أن‏ ‏مريم‏ ‏يمكنها‏ ‏أن‏ ‏تقوم‏ ‏بهذا‏ ‏الدور‏، ‏فليس‏ ‏الموضوع‏ ‏اعتباطا‏ ‏ولا‏ ‏هو‏ ‏من‏ ‏قبيل‏ ‏الأمر‏، ‏ولا‏ ‏لأن‏ ‏مريم‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏تقوم‏ ‏بدور‏ ‏كان‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏تقوم‏ ‏به‏ ‏أي‏ ‏امرأة‏ ‏أخري‏، ‏لا‏...‏لو‏ ‏لم‏ ‏تكن‏ ‏مريم‏ ‏مستحقة‏ ‏لهذا‏ ‏الشرف‏ ‏لما‏ ‏أسند‏ ‏الرب‏ ‏إليها‏ ‏هذا‏، ‏خصوصا‏ ‏وأن‏ ‏دور‏ ‏مريم‏ ‏ليس‏ ‏مجرد‏ ‏امرأة‏ ‏حملت‏ ‏وولدت‏، ‏إنما‏ ‏امرأة‏ ‏من‏ ‏شبابها‏ ‏اصطبغت‏ ‏بالألم‏ ‏وشربت‏ ‏من‏ ‏الكأس‏ ‏التي‏ ‏شربها‏ ‏المسيح‏، ‏شربت‏ ‏الألم‏، ‏ليس‏ ‏فقط‏ ‏في‏ ‏طفولتها‏ ‏اليتيمة‏ ‏وما‏ ‏عانته‏، ‏وما‏ ‏لم‏ ‏تره‏ ‏ربما‏ ‏طفلة‏ ‏أخري‏، ‏انفردت‏ ‏مريم‏ ‏منذ‏ ‏طفولتها‏ ‏بألم‏ ‏اليتم‏، ‏ولكن‏ ‏ليس‏ ‏اليتم‏ ‏وحده‏، ‏إنما‏ ‏عندما‏ ‏اختيرت‏ ‏وظهر‏ ‏لها‏ ‏الملاك‏ ‏وبشرها‏ ‏بالحمل‏ ‏الإلهي‏، ‏منذ‏ ‏هذه‏ ‏اللحظة‏ ‏أيضا‏ ‏بدأت‏ ‏مريم‏ ‏تعاني‏، ‏عانت‏ ‏الشكوك‏ ‏في‏ ‏طهارتها‏ ‏وعفتها‏، ‏حتي‏ ‏يوسف‏ ‏الذي‏ ‏يعرف‏ ‏طهارتها‏ ‏اضطر‏ ‏أن‏ ‏يشك‏ ‏فيها‏، ‏لأنها‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏ظهر‏ ‏لها‏ ‏الملاك‏ ‏وبشرها‏، ‏وبعد‏ ‏أن‏ ‏حملت‏ ‏ذهبت‏ ‏إلي‏ ‏بيت‏ ‏أليصابات‏ ‏وقضت‏ ‏هناك‏ ‏ثلاثة‏ ‏شهور‏، ‏وحضرت‏ ‏ميلاد‏ ‏يوحنا‏، ‏لأنه‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏الوقت‏ ‏كان‏ ‏الشهر‏ ‏السادس‏ ‏لأليصابات‏، ‏وعندما‏ ‏رجعت‏ ‏إلي‏ ‏بيتها‏ ‏في‏ ‏الناصرة‏ ‏ورأي‏ ‏يوسف‏ ‏علامات‏ ‏الحمل‏، ‏كرجل‏ ‏وكإنسان‏ ‏شك‏ ‏فيها‏ ‏من‏ ‏أين‏ ‏هذا‏ ‏الحمل؟‏ ‏فهو‏ ‏يعرف‏ ‏جيدا‏ ‏أن‏ ‏هذا‏ ‏الحمل‏ ‏ليس‏ ‏منه‏، ‏ولولا‏ ‏كما‏ ‏يقول‏ ‏الإنجيل‏ ‏أن‏ ‏الرجل‏ ‏كان‏ ‏بارا‏ ‏لما‏ ‏قرر‏ ‏في‏ ‏نفسه‏ ‏أن‏ ‏يطلق‏ ‏سراحها‏ ‏سرا‏ ‏حتي‏ ‏لا‏ ‏يفضح‏ ‏أمرها‏، ‏لأن‏ ‏الشريعة‏ ‏كانت‏ ‏تبيح‏ ‏له‏ ‏في‏ ‏هذه‏ ‏الحالة‏، ‏أن‏ ‏يجمع‏ ‏عليها‏ ‏شيوخ‏ ‏المدينة‏ ‏وأن‏ ‏يقضي‏ ‏عليها‏ ‏بالرجم‏، ‏لأنها‏ ‏وقعت‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏الخطر‏ ‏المحظور‏، ‏لكنه‏ ‏لأنه‏ ‏كان‏ ‏بارا‏ ‏لم‏ ‏يرد‏ ‏أن‏ ‏يفضحها‏ ‏فأراد‏ ‏أن‏ ‏يخلي‏ ‏سبيلها‏ ‏سرا‏، ‏هذا‏ ‏يعتبر‏ ‏فضيلة‏ ‏فيه‏، ‏لكن‏ ‏بالنسبة‏ ‏لمريم‏ ‏هذه‏ ‏الإنسانة‏ ‏الطاهرةالنقية‏ ‏التي‏ ‏يعلم‏ ‏الله‏ ‏طهارتها‏، ‏كيف‏ ‏كان‏ ‏وضعها‏ ‏من‏ ‏الداخل‏ ‏وهي‏ ‏تحس‏ ‏أنها‏ ‏متهمة‏ ‏ومتهمة‏ ‏من‏ ‏أقرب‏ ‏الناس‏ ‏إليها‏، ‏هنا‏ ‏بدأت‏ ‏حلقة‏ ‏جديدة‏ ‏من‏ ‏حلقات‏ ‏الآلام‏ ‏في‏ ‏حياة‏ ‏مريم‏، ‏الاتهامات‏ ‏والظنون‏ ‏والشكوك‏، ‏وليس‏ ‏هناك‏ ‏أمر‏ ‏عند‏ ‏بنت‏ ‏عفيفة‏ ‏طاهرة‏ ‏بكر‏ ‏من‏ ‏أن‏ ‏تتهم‏ ‏في‏ ‏طهارتها‏، ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏سلاحها‏، ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏رأسمالها‏، ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏مجدها‏، ‏ليس‏ ‏هناك‏ ‏أبدا‏ ‏شئ‏ ‏يجرحها‏ ‏أكثر‏ ‏مما‏ ‏يجرحها‏ ‏شرفها‏ ‏الذي‏ ‏مس‏، ‏والذي‏ ‏حدث‏ ‏يجعل‏ ‏كل‏ ‏إنسان‏ ‏له‏ ‏عقل‏ ‏يكون‏ ‏معذورا‏ ‏أن‏ ‏يتهمها‏

وظلت‏ ‏مريم‏ ‏في‏ ‏وضع‏ ‏الاتهام‏ ‏كل‏ ‏أيام‏ ‏حياتها‏، ‏وربما‏ ‏إلي‏ ‏اليوم‏ ‏يصب‏ ‏عليها‏ ‏اليهود‏ ‏الاتهامات‏ ‏يتهمونها‏ ‏في‏ ‏طهارتها‏، ‏وأقل‏ ‏ما‏ ‏فيها‏ ‏ما‏ ‏كان‏ ‏يقوله‏ ‏بعض‏ ‏اليهود‏ ‏عن‏ ‏المسيح‏، ‏ها‏ ‏نحن‏ ‏عارفون‏ ‏بأبيه‏ ‏وأمه‏ ‏وكأن‏ ‏يوسف‏ ‏هو‏ ‏أبو‏ ‏المسيح‏، ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏أقل‏ ‏ما‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏من‏ ‏اتهام‏ ‏يصيبها‏ ‏بالألم‏. ‏أن‏ ‏يعتبر‏ ‏ميلاد‏ ‏المسيح‏ ‏من‏ ‏يوسف‏ ‏وأنها‏ ‏تزوجت‏، ‏وهي‏ ‏لم‏ ‏تتزوج‏ ‏ولكن‏ ‏هذا‏ ‏أقل‏ ‏ما‏ ‏في‏ ‏القضية‏ ‏من‏ ‏اتهام‏. ‏إنما‏ ‏مريم‏ ‏عاشت‏ ‏كل‏ ‏أيام‏ ‏حياتها‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏الاتهام‏. ‏من‏ ‏الذي‏ ‏يصدق؟‏ ‏وبعد‏ ‏ذلك‏ ‏عاشت‏ ‏مريم‏ ‏تعاني‏ ‏مع‏ ‏المسيح‏، ‏حينما‏ ‏جاء‏ ‏ميعادها‏ ‏لتلد‏، ‏كان‏ ‏أوغسطس‏ ‏قيصر‏ ‏أصدر‏ ‏أمرا‏ ‏أن‏ ‏يكتتب‏ ‏كل‏ ‏المسكونة‏، ‏كل‏ ‏واحد‏ ‏يذهب‏ ‏إلي‏ ‏مدينته‏ ‏التي‏ ‏ولد‏ ‏فيها‏ ‏لكي‏ ‏يكتتب‏، ‏لكي‏ ‏يسجل‏ ‏اسمه‏ ‏في‏ ‏البلد‏ ‏التي‏ ‏هي‏ ‏مسقط‏ ‏رأسه‏، ‏ومريم‏ ‏كانت‏ ‏من‏ ‏بيت‏ ‏لحم‏ ‏ومن‏ ‏بيت‏ ‏داود‏، ‏ويحدث‏ ‏أن‏ ‏مريم‏ ‏في‏ ‏الوقت‏ ‏الذي‏ ‏فيه‏ ‏ستلد‏ ‏المسيح‏، ‏تضطر‏ ‏علي‏ ‏الرغم‏ ‏منها‏ ‏أن‏ ‏تركب‏ ‏حمارا‏، ‏وأن‏ ‏تسير‏ ‏من‏ ‏الناصرة‏ ‏إلي‏ ‏بيت‏ ‏لحم‏، ‏وياليتها‏ ‏وجدت‏ ‏هناك‏ ‏مكانا‏، ‏وهي‏ ‏في‏ ‏هذه‏ ‏اللحظات‏ ‏الصعبة‏ ‏الحرجة‏ ‏لم‏ ‏تجد‏ ‏مكانا‏ ‏في‏ ‏الخان‏، ‏لم‏ ‏يجدوا‏ ‏في‏ ‏الخان‏ ‏مكانا‏ ‏فاستضافها‏ ‏الحيوان‏ ‏وولد‏ ‏المسيح‏ ‏في‏ ‏مذود‏ ‏البقر‏، ‏لماذا‏ ‏هذا‏ ‏كله؟‏ ‏لماذا‏ ‏لم‏ ‏يتأخر‏ ‏أوغسطس‏ ‏قيصر‏ ‏في‏ ‏الميعاد؟‏ ‏لو‏ ‏كان‏ ‏أحد‏ ‏فينا‏ ‏لتذمر‏، ‏لماذا‏ ‏لا‏ ‏يأتي‏ ‏الاكتتاب‏ ‏إلا‏ ‏في‏ ‏الوقت‏ ‏الذي‏ ‏فيه‏ ‏مريم‏ ‏كمل‏ ‏زمانها‏ ‏لتلد؟‏ ‏ألكي‏ ‏تتعذب‏ ‏أكثر‏ ‏وتتألم‏ ‏أكثر؟‏ ‏لماذا‏ ‏لم‏ ‏يتدخل‏ ‏الله‏ ‏ليسهل‏ ‏مهمتها؟‏!!‏هذه‏ ‏مهمته‏ ‏هو‏، ‏لكن‏ ‏لكي‏ ‏تعرفوا‏ ‏أن‏ ‏الله‏ ‏لا‏ ‏يحابي‏ ‏كما‏ ‏نحن‏ ‏نتصور‏، ‏ليس‏ ‏لأن‏ ‏الشخص‏ ‏مع‏ ‏الله‏ ‏ودائما‏ ‏يتعبد‏ ‏ويصوم‏ ‏تكون‏ ‏كل‏ ‏حياته‏ ‏سهلة‏، ‏الله‏ ‏يعطينا‏ ‏مثلا‏ ‏ونموذجا‏، ‏لايوجد‏ ‏إنسانة‏ ‏ممكن‏ ‏أن‏ ‏تكون‏ ‏في‏ ‏وضع‏ ‏مريم‏، ‏ومع‏ ‏ذلك‏ ‏سمح‏ ‏الله‏ ‏بأن‏ ‏تعاني‏ ‏مريم‏ ‏هذه‏ ‏المعاناة‏ ‏وهذا‏ ‏أيضا‏ ‏لخيرها‏ ‏الأبدي‏، ‏لكي‏ ‏تصطبغ‏ ‏بصبغة‏ ‏الألم‏ ‏وتشرب‏ ‏من‏ ‏الكأس‏، ‏وتعاني‏ ‏مع‏ ‏المسيح‏ ‏فتكون‏ ‏مشاركة‏ ‏له‏، ‏مشاركة‏ ‏مع‏ ‏المسيح‏ ‏في‏ ‏آلامه‏، ‏ولدت‏ ‏مريم‏ ‏وظهر‏ ‏النجم‏ ‏للمجوس‏ ‏وقادهم‏ ‏إلي‏ ‏أورشليم‏ ‏ثم‏ ‏اختفي‏ ‏ليذهبوا‏ ‏ويوقظوا‏ ‏اليهود‏ ‏الذين‏ ‏لا‏ ‏يدرون‏ ‏بولادة‏ ‏المسيح‏ ‏وكأن‏ ‏اختفاء‏ ‏النجم‏ ‏مقصودا‏ ‏ليعرف‏ ‏الملك‏ ‏وكل‏ ‏الشعب‏ ‏وترتبك‏ ‏المدينة‏ ‏كلها‏ ‏من‏ ‏سؤال‏ ‏المجوس‏، ‏أين‏ ‏هو‏ ‏المولود‏ ‏ملك‏ ‏اليهود‏ ‏أننا‏ ‏أتينا‏ ‏لنسجد‏ ‏له؟‏ ‏هيرودس‏ ‏الرجل‏ ‏السفاح‏ ‏الذي‏ ‏قتل‏ ‏أمه‏ ‏وأخته‏، ‏هل‏ ‏يقبل‏ ‏أن‏ ‏يولد‏ ‏من‏ ‏يأخذ‏ ‏منه‏ ‏الملك؟ جمع‏ ‏هيرودس‏ ‏رؤساء‏ ‏الكهنة‏ ‏وسألهم‏ ‏أين‏ ‏ولد‏ ‏المسيح‏، ‏قالوا‏ ‏له‏ ‏في‏ ‏بيت‏ ‏لحم‏، ‏الإجابة‏ ‏كانت‏ ‏جاهزة‏، ‏بحسب‏ ‏تعاليم‏ ‏الكتاب‏ ‏المقدس‏ ‏لأنه‏ ‏هكذا‏ ‏مكتوب أما‏ ‏أنت‏ ‏يا‏ ‏بيت‏ ‏لحم‏ ‏إفراته‏ ‏وأنت‏ ‏صغيرة‏ ‏أن‏ ‏تكوني‏ ‏بين‏ ‏ألوف‏ ‏يهوذا‏ ‏فمنك‏ ‏يخرج‏ ‏لي‏ ‏الذي‏ ‏يكون‏ ‏متسلطا‏ ‏علي‏ ‏إسرائيل ‏(‏ميخا‏ 5 : 2) ‏فقال‏ ‏هيرودس‏ ‏للمجوس‏، ‏اذهبوا‏ ‏ابحثوا‏ ‏عنه‏ ‏بالتدقيق‏ ‏في‏ ‏بيت‏ ‏لحم‏، ‏ومتي‏ ‏رأيتموه‏ ‏تعالوا‏ ‏وقولوا‏ ‏لي‏ ‏لكي‏ ‏أنا‏ ‏أيضا‏ ‏أذهب‏ ‏وأسجد‏ ‏له‏، ‏قال‏ ‏هذا‏ ‏عن‏ ‏خبث‏، ‏فخرج‏ ‏المجوس‏ ‏من‏ ‏أورشليم‏ ‏فظهر‏ ‏النجم‏، ‏ففرحوا‏ ‏فرحا‏ ‏عظيما‏، ‏وسار‏ ‏النجم‏ ‏حتي‏ ‏وصلوا‏ ‏حيث‏ ‏كان‏ ‏الصبي‏، ‏وبعد‏ ‏أن‏ ‏قدم‏ ‏المجوس‏ ‏هداياهم‏ ‏أوحي‏ ‏إليهم‏ ‏في‏ ‏حلم‏، ‏أن‏ ‏لا‏ ‏يرجعوا‏ ‏إلي‏ ‏هيرودس‏.‏ بل‏ ‏يذهبوا‏ ‏إلي‏ ‏بلادهم‏ ‏من‏ ‏طريق‏ ‏آخر‏. ‏وفعلا‏ ‏أطاعوا‏ ‏ما‏ ‏أوحي‏ ‏به‏ ‏إليهم‏ ‏ورجعوا‏ ‏إلي‏ ‏بلادهم‏. ‏وهذا‏ ‏يدل‏ ‏علي‏ ‏أن‏ ‏الناس‏ ‏غير‏ ‏المسيحيين‏ ‏وغير‏ ‏المتدينين‏ ‏بديانة‏ ‏إلهية‏ ‏ممكن‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏لهم‏ ‏نوع‏ ‏من‏ ‏الوحي‏، ‏وهيرودس‏ ‏استمر‏ ‏ينتظر‏ ‏وعندما‏ ‏لم‏ ‏يعد‏ ‏المجوس‏ ‏استشاط‏ ‏غضبا‏. ‏وأمر‏ ‏بأن‏ ‏يقتل‏ ‏الأطفال‏ ‏من‏ ‏ابن‏ ‏سنتين‏ ‏فأقل‏. ‏يارب‏ ‏ما‏ ‏هو‏ ‏ذنب‏ ‏الأطفال‏ ‏الأبرياء‏ 144 ‏ألفا‏ ‏يقتلوا‏ ‏بسبب‏ ‏المسيح؟‏. ‏لماذا‏ ‏لم‏ ‏يقود‏ ‏النجم‏ ‏المجوس‏ ‏علي‏ ‏بيت‏ ‏لحم‏ ‏مباشرة‏ ‏حيث‏ ‏المسيح؟‏... ‏ثم‏ ‏يظهر‏ ‏الملاك‏ ‏ليوسف‏ ‏ويقول‏ ‏له‏ ‏خذ‏ ‏الصبي‏ ‏وأمه‏ ‏واهرب‏ ‏إلي‏ ‏أرض‏ ‏مصر‏ ‏وكن‏ ‏هناك‏ ‏حتي‏ ‏أقول‏ ‏لك‏، ‏وخرجت‏ ‏الصبية‏ ‏مريم‏ ‏ولم‏ ‏تكن‏ ‏وصلت‏ ‏إلي‏ ‏سن‏ 14‏سنة‏، ‏خرجت‏ ‏في‏ ‏جنح‏ ‏الظلام‏ ‏هي‏ ‏ويوسف‏ ‏هربا‏ ‏من‏ ‏هيرودس‏، ‏وتصور‏ ‏شعور‏ ‏الإنسان‏ ‏وحالته‏ ‏النفسية‏ ‏من‏ ‏الداخل‏ ‏عندما‏ ‏يكون‏ ‏في‏ ‏حالة‏ ‏هرب‏

المعاناة‏ ‏النفسية‏ ‏التي‏ ‏عانتها‏ ‏نتيجة‏ ‏المطاردة‏، ‏لأن‏ ‏هيروس‏ ‏أرسل‏ ‏عشرة‏ ‏جواسيس‏ ‏وراءهم‏ ‏ليمسك‏ ‏المسيح‏ ‏ويقبض‏ ‏عليه‏ ‏ويقتله‏. ‏وفي‏ ‏الطريق‏ ‏كانت‏ ‏العذراء‏ ‏معها‏ ‏الذهب‏ ‏الذي‏ ‏قدمه‏ ‏المجوس‏ ‏والمعاناة‏ ‏من‏ ‏قطاع‏ ‏الطرق‏ ‏واللصوص‏، ‏وقابلهم‏ ‏اثنان‏ ‏من‏ ‏اللصوص‏ ‏رأيا‏ ‏الذهب‏ ‏فسال‏ ‏لعابهما‏ ‏لكي‏ ‏يأخذاه‏، ‏وفعلا‏ ‏هجما‏ ‏علي‏ ‏مريم‏ ‏الصبية‏ ‏الصغيرة‏ ‏علي‏ ‏الحمار‏, ‏ومعها‏ ‏الطفل‏ ‏الإله‏ ‏يسوع‏، ‏ولحكمته‏ ‏لم‏ ‏يحمها‏ ‏المسيح‏ ‏ولم‏ ‏يدفع‏ ‏عنها‏ ‏شرا‏، ‏وأخذ‏ ‏اللصان‏ ‏الذهب‏ ‏وأيضا‏ ‏ما‏ ‏أمكن‏ ‏من‏ ‏هدايا‏ ‏المجوس‏ ‏للمسيح‏، ‏قال‏ ‏أحد‏ ‏اللصين‏ ‏إلي‏ ‏الآخر‏، ‏نحن‏ ‏بلغنا‏ ‏من‏ ‏القسوة‏ ‏ومن‏ ‏الجفاء‏ ‏وعدم‏ ‏الضمير‏، ‏أنه‏ ‏لم‏ ‏يكفنا‏ ‏ما‏ ‏صنعناه‏ ‏وسرقناه‏، ‏فنهجم‏ ‏علي‏ ‏هذه‏ ‏الصبية‏ ‏الصغيرة‏ ‏وعلي‏ ‏طفلها‏، ‏وكان‏ ‏يوسف‏ ‏رجلا‏ ‏عجوزا‏، ‏ليس‏ ‏في‏ ‏قدرته‏ ‏أن‏ ‏يدفع‏ ‏لصين‏ ‏أقوياء‏، ‏فطلب‏ ‏أحدهما‏ ‏من‏ ‏الآخر‏ ‏أن‏ ‏يرد‏ ‏الذهب‏ ‏للعذراء‏، ‏واختلفا‏ ‏الاثنان‏ ‏معا‏ ‏وتغلب‏ ‏واحد‏ ‏علي‏ ‏الآخر‏ ‏وردا‏ ‏الذهب‏ ‏للعذراء‏، ‏وسيدنا‏ ‏له‏ ‏المجد‏ ‏نظر‏ ‏للعذراء‏ ‏وأخبرها‏ ‏أن‏ ‏هذين‏ ‏اللصين‏ ‏سيصلبان‏ ‏واحد‏ ‏عن‏ ‏يمينه‏ ‏والآخر‏ ‏عن‏ ‏يساره‏، ‏وصاحب‏ ‏القلب‏ ‏الرحيم‏ ‏هو‏ ‏الذي‏ ‏سيعلن‏ ‏توبته‏ ‏علي‏ ‏الصليب‏، ‏ويقول‏: ‏اذكرني‏ ‏يارب‏ ‏متي‏ ‏جئت‏ ‏في‏ ‏ملكوتك‏. ‏فالعذراء‏ ‏لم‏ ‏يكن‏ ‏طريقها‏ ‏سهلا‏، ‏ثم‏ ‏دخلوا‏ ‏أرض‏ ‏مصر‏ ‏وكلما‏ ‏ذهبوا‏ ‏إلي‏ ‏منطقة‏ ‏تتحطم‏ ‏الأوثان‏ ‏كما‏ ‏قال‏ ‏إشعياء‏ ‏النبي‏ ‏فيقوم‏ ‏كهنة‏ ‏الأوثان‏ ‏والشعب‏ ‏يضربونهم‏ ‏ويطردونهم‏ ‏من‏ ‏المكان‏، ‏فيذهبوا‏ ‏إلي‏ ‏مكان‏ ‏آخر‏ ‏فيحدث‏ ‏ما‏ ‏حدث‏ ‏في‏ ‏الأول‏ ‏وتتحطم‏ ‏الأوثان‏ ‏ويطردوا‏ ‏منها‏ ‏وبهذا‏ ‏انتقل‏ ‏المسيح‏ ‏والعذراء‏ ‏مريم‏ ‏في‏ ‏كل‏ ‏أرض‏ ‏مصر‏ ‏في‏ ‏محطات‏ ‏مختلفة‏، ‏كل‏ ‏هذا‏ ‏نتيجة‏ ‏الطرد‏ ‏من‏ ‏مكان‏ ‏إلي‏ ‏آخر‏ ‏فكان‏ ‏هذا‏ ‏بركة‏ ‏لبلادنا‏، ‏اتخذ‏ ‏المسيح‏ ‏شر‏ ‏هيرودس‏ ‏تبريرا‏ ‏لأن‏ ‏يدخل‏ ‏بلادنا‏ ‏وأن‏ ‏يباركها‏، ‏واتخذ‏ ‏شر‏ ‏الكهنة‏ ‏الوثنيين‏ ‏الذين‏ ‏كانوا‏ ‏يطردونهم‏ ‏من‏ ‏مكان‏ ‏إلي‏ ‏مكان‏، ‏ويضربونهم‏ ‏تبريرا‏ ‏بأن‏ ‏ينتقل‏ ‏من‏ ‏محطة‏ ‏إلي‏ ‏محطة‏ ‏في‏ ‏كل‏ ‏أرض‏ ‏مصر‏، ‏العذراء‏ ‏كانت‏ ‏تهان‏ ‏وتطرد‏ ‏وتضرب‏ ‏والمسيح‏ ‏لا‏ ‏يدافع‏ ‏عنها‏، ‏ليس‏ ‏لأنها‏ ‏معه‏ ‏يعفيها‏ ‏من‏ ‏الآلام‏...‏ لا‏... ‏لأنه‏ ‏أيضا‏ ‏يريد‏ ‏أن‏ ‏يعطيها‏ ‏الأجر‏ ‏والأجر‏ ‏يعطي‏ ‏علي‏ ‏قدر‏ ‏التعب‏، ‏فتركها‏ ‏لتساهم‏ ‏معه‏، ‏وتحمله‏ ‏علي‏ ‏كتفيها‏ ‏وتسير‏ ‏به‏ ‏من‏ ‏مكان‏ ‏إلي‏ ‏آخر‏، ‏تصوروا‏ ‏شعور‏ ‏الإنسان‏ ‏المطرود‏ ‏والمضطهد‏ ‏والمذل‏، ‏تصوروا‏ ‏شعور‏ ‏بنت‏ ‏في‏ ‏سن ‏14‏سنة‏ ‏كم‏ ‏عانت‏ ‏حتي‏ ‏وصلت‏ ‏إلي‏ ‏جبل‏ ‏قسقام‏ ‏الذي‏ ‏قام‏ ‏عليه‏ ‏فيما‏ ‏بعد‏ ‏دير‏ ‏المحرق‏، ‏وأقاموا‏ ‏في‏ ‏غرفة‏ ‏هناك‏ ‏هي‏ ‏التي‏ ‏أصبحت‏ ‏هيكل‏ ‏الكنيسة‏ ‏الأثرية‏، ‏أطول‏ ‏مدة‏ ‏ممكنة‏ ‏وهي‏ ‏ستة‏ ‏شهور‏ ‏وعشرة‏ ‏أيام‏، ‏وهناك‏ ‏رأي‏ ‏يوسف‏ ‏حلما‏ ‏أن‏ ‏الملاك‏ ‏جبرائيل‏ ‏يخبره‏ ‏أن‏ ‏يرجع‏ ‏إلي‏ ‏أرض‏ ‏فلسطين‏ ‏لأنه‏ ‏قد‏ ‏مات‏ ‏الذين‏ ‏كانوا‏ ‏يبتغون‏ ‏قتل‏ ‏الصبي‏، ‏أربع‏ ‏سنين‏ ‏قضتها‏ ‏العائلة‏ ‏المقدسة‏ ‏في‏ ‏مصر‏، ‏لما‏ ‏لم‏ ‏يقض‏ ‏الله‏ ‏علي‏ ‏هيرودس‏ ‏من‏ ‏أول‏ ‏لحظة‏، ‏ومن‏ ‏قبل‏ ‏أن‏ ‏يقتل‏ ‏الأطفال‏، ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏تفكيرنا‏ ‏باستمرار‏، ‏فلان‏ ‏متعب‏، ‏سئ‏، ‏قاسي‏، ‏نطلب‏ ‏أن‏ ‏الله‏ ‏يميته‏، ‏هذه‏ ‏ليست‏ ‏سياسة‏ ‏الله‏، ‏لو‏ ‏كانت‏ ‏هذه‏ ‏سياسة‏ ‏الله‏، ‏كان‏ ‏من‏ ‏مثل‏ ‏هيرودس‏ ‏بلعته‏ ‏الأرض‏ ‏من‏ ‏زمن‏ ‏طويل‏، ‏وكان‏ ‏مات‏ ‏في‏ ‏اللحظة‏ ‏التي‏ ‏حاول‏ ‏فيها‏ ‏أن‏ ‏يمس‏ ‏المسيح‏ ‏بأذي‏، ‏بل‏ ‏الرب‏ ‏تركه‏، ‏ولم‏ ‏يتدخل‏ ‏الله‏ ‏ليقتله‏، ‏لأن‏ ‏الله‏ ‏أب‏ ‏يعطي‏ ‏فرصة‏ ‏للإنسان‏ ‏لعله‏ ‏يتوب‏، ‏الله‏ ‏لما‏ ‏حكم‏ ‏علي‏ ‏الفلسطينيين‏ ‏أن‏ ‏بني‏ ‏إسرائيل‏ ‏يخرجون‏، ‏من‏ ‏أرض‏ ‏مصر‏، ‏وكانوا‏ ‏يقدرون‏ ‏أن‏ ‏يصلوا‏ ‏لأرض‏ ‏الميعاد‏ ‏في‏ ‏يومين‏ ‏فقط‏، ‏وفعلا‏ ‏اثنين‏ ‏من‏ ‏أرض‏ ‏مصر‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏عبروا‏ ‏البحر‏ ‏الأحمر‏ ‏استطاعوا‏ ‏أن‏ ‏يصلوا‏ ‏الأرض‏ ‏التي‏ ‏وعدهم‏ ‏بها‏ ‏الله‏ ‏في‏ ‏يومين‏ ‏فقط‏، ‏ولكن‏ ‏بني‏ ‏إسرائيل‏ ‏استمروا‏ ‏أربعين‏ ‏سنة‏ ‏في‏ ‏سيناء‏، ‏لماذا؟‏ ‏يقول‏ ‏لأن‏ ‏ذنب‏ ‏الأموريين‏ ‏ليس‏ ‏إلي‏ ‏الآن‏ ‏كاملا‏، ‏يعطي‏ ‏فرصة‏ ‏للأموريين‏ ‏وهم‏ ‏الفلسطينيون‏ ‏أربعين‏ ‏سنة‏ ‏أخري‏، ‏لأنه‏ ‏إله‏ ‏وأب‏ ‏وخالق‏، ‏كلنا‏ ‏خليقته‏، ‏لا‏ ‏يريد‏ ‏أن‏ ‏يفني‏ ‏الفلسطينيون‏ ‏بل‏ ‏يعطيهم‏ ‏فرصة‏ ‏أربعين‏ ‏سنة‏ ‏لعلهم‏ ‏يتوبوا‏. ‏هذه‏ ‏سياسة‏ ‏الله‏، ‏وفي‏ ‏نفس‏ ‏الوقت‏ ‏يؤدب‏ ‏بني‏ ‏إسرائيل‏ ‏في‏ ‏أرض‏ ‏سيناء‏ ‏ويربيهم‏ ‏تربية‏ ‏معينة‏ ‏ويهذبهم‏ ‏لكي‏ ‏يصلحوا‏ ‏لأن‏ ‏يدخلوا‏ ‏أرض‏ ‏كنعان‏، ‏العذراء‏ ‏عانت‏ ‏كثيرا‏ ‏من‏ ‏منزل‏ ‏إلي‏ ‏منزل‏، ‏في‏ ‏منطقة‏ ‏المطرية‏ ‏تطرق‏ ‏الأبواب‏ ‏تطلب‏ ‏أن‏ ‏تأكل‏ ‏من‏ ‏أجل‏ ‏الطفل‏، ‏ولكن‏ ‏الشيطان‏ ‏يسبقها‏ ‏إلي‏ ‏هناك‏ ‏ويغلقوا‏ ‏الأبواب‏ ‏في‏ ‏وجهها‏، ‏ولا‏ ‏يوجد‏ ‏أي‏ ‏مصدر‏ ‏آخر‏ ‏للأكل‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏الذل‏ ‏الذي‏ ‏لاقته‏ ‏مريم‏. ‏لو‏ ‏أحد‏ ‏منا‏ ‏عاش‏ ‏هذا‏ ‏الذل‏ ‏لصرخ‏ ‏لماذا‏ ‏يارب‏ ‏كل‏ ‏ذلك؟‏ ‏أنت‏ ‏تستطيع‏ ‏أن‏ ‏تنهي‏ ‏هذا‏ ‏كله‏، ‏كان‏ ‏من‏ ‏الممكن‏ ‏أن‏ ‏لا‏ ‏تكون‏ ‏هذه‏ ‏الرحلة‏ ‏وتقضي‏ ‏علي‏ ‏هيرودس‏، ‏هذه‏ ‏ليست‏ ‏سياسة‏ ‏الله‏، ‏وفي‏ ‏مرة‏ ‏مريم‏ ‏طرقت‏ ‏الباب‏ ‏فأجابتها‏ ‏السيدة‏ ‏أنا‏ ‏عجنت‏ ‏العجين‏ ‏وسأخبز‏، ‏فقالت‏ ‏لها‏ ‏مريم‏ ‏هل‏ ‏تسمحي‏ ‏لي‏ ‏أن‏ ‏أساعدك‏ ‏حتي‏ ‏لا‏ ‏آكل‏ ‏خبز‏ ‏الكسل‏، ‏فوافقت‏ ‏السيدة‏ ‏وقد‏ ‏تكون‏ ‏سيدة‏ ‏عجوز‏، ‏فأخذت‏ ‏العذراء‏ ‏قماط‏ ‏السيد‏ ‏المسيح‏ ‏ولفته‏ ‏علي‏ ‏المجور‏ ‏وبدأت‏ ‏تقطع‏ ‏العجين‏ ‏الذي‏ ‏ملأ‏ ‏الدور‏ ‏الأرضي‏ ‏وابتدأت‏ ‏تملأ‏ ‏الدور‏ ‏الأعلي‏، ‏والعجين‏ ‏لايريد‏ ‏أن‏ ‏ينتهي‏، ‏صاحبة‏ ‏البيت‏ ‏قالت‏ ‏لها‏ ‏يا‏ ‏سيدتي‏ ‏هذا‏ ‏الخبز‏ ‏كله‏ ‏ماذا‏ ‏أعمل‏ ‏به؟ أنا‏ ‏أعيش‏ ‏هنا‏ ‏لوحدي‏، ‏يكفي‏ ‏هذا‏، ‏فرفعت‏ ‏العذراء‏ ‏القماط‏ ‏فجف‏ ‏المجور‏، ‏وأصبح‏ ‏هذا‏ ‏الشارع‏ ‏بسبب‏ ‏هذه‏ ‏السيدة‏ ‏التي‏ ‏فتحت‏ ‏الباب‏ ‏أمام‏ ‏العذراء‏ ‏يسمي‏ ‏شارع‏ ‏البركة‏ ‏في‏ ‏المطرية‏

أريد‏ ‏أن‏ ‏ترجع‏ ‏أفكاركم‏ ‏للخلف‏ ‏وتري‏ ‏ماذا‏ ‏حدث‏ ‏للعذراء‏ ‏من‏ ‏متاعب‏، ‏فتتحملوا‏ ‏المتاعب‏ ‏ولا‏ ‏يظن‏ ‏أحد‏ ‏أنه‏ ‏ما‏ ‏دام‏ ‏يصلي‏ ‏ويصوم‏ ‏لاتقف‏ ‏العقبات‏ ‏أمامه‏، ‏لأن‏ ‏هذه‏ ‏المعاناة‏ ‏سيكون‏ ‏لها‏ ‏أجر‏، ‏وسيكون‏ ‏عنها‏ ‏جزاء‏ ‏لأنه‏ ‏بقدر‏ ‏التعب‏ ‏يكون‏ ‏الجزاء‏

انظروا‏ ‏بعد‏ ‏ذلك‏ ‏حياة‏ ‏المسيح‏ ‏كلها‏، ‏يوسف‏ ‏كان‏ ‏رجلا‏ ‏عجوزا‏ ‏ومات‏، ‏مات‏ ‏عندما‏ ‏كان‏ ‏سيدنا‏ ‏سنه‏ 16‏سنة‏ ‏في‏ ‏الجسد‏، ‏وعاشت‏ ‏العذراء‏ ‏منفردة‏، ‏وبدأ‏ ‏المسيح‏ ‏له‏ ‏المجد‏ ‏يعمل‏ ‏نجارا‏، ‏خصوصا‏ ‏بعد‏ ‏أن‏ ‏مات‏ ‏يوسف‏ ‏حتي‏ ‏سن‏ ‏الثلاثين‏، ‏وكان‏ ‏عمله‏ ‏هذا‏ ‏شرفا‏ ‏للعمل‏ ‏ولو‏ ‏ننتقل‏ ‏بسرعة‏ ‏إلي‏ ‏الأسبوع‏ ‏الأخير‏، ‏إلي‏ ‏الآلام‏ ‏وإلي‏ ‏الصلب‏، ‏انظروا‏ ‏قلب‏ ‏الأم‏ ‏عندما‏ ‏المسيح‏ ‏يسلمه‏ ‏الخائن‏ ‏يهوذا‏ ‏وهو‏ ‏أحد‏ ‏تلاميذه‏، ‏وكل‏ ‏التلاميذ‏ ‏الآخرين‏ ‏أيضا‏ ‏يهربون‏، ‏إذا‏ ‏كانت‏ ‏امرأة‏ ‏بيلاطس‏ ‏عندما‏ ‏رأت‏ ‏حلما‏ ‏أرسلت‏ ‏إلي‏ ‏بيلاطس‏ ‏وهو‏ ‏في‏ ‏عمله‏ ‏وقالت‏ ‏له‏: ‏إياك‏ ‏وهذا‏ ‏البار‏ ‏فإني‏ ‏تعذبت‏ ‏كثيرا‏ ‏في‏ ‏حلم‏ ‏من‏ ‏أجله‏، ‏امرأة‏ ‏بيلاطس‏ ‏تعذبت‏ ‏كثيرا‏ ‏فماذا‏ ‏كان‏ ‏حال‏ ‏العذراء‏ ‏مريم؟‏! ‏وماذا‏ ‏كانت‏ ‏فيه‏ ‏من‏ ‏الألم‏ ‏والحزن‏ ‏الذي‏ ‏يقطع‏ ‏قلبها‏، ‏هي‏ ‏أم‏ ‏وليس‏ ‏لها‏ ‏غير‏ ‏المسيح‏ ‏من‏ ‏الناحية‏ ‏الجسدية‏ ‏أو‏ ‏من‏ ‏الناحية‏ ‏الروحية‏، ‏لا‏ ‏يوجد‏ ‏غيره‏، ‏ما‏ ‏هو‏ ‏شعورها؟‏ ‏ماهو‏ ‏حالها؟‏ ‏ومقدار‏ ‏ما‏ ‏عانته‏ ‏بعد‏ ‏الحكم‏ ‏عليه‏، ‏وما‏ ‏عانته‏ ‏في‏ ‏طريق‏ ‏الصليب‏ ‏حتي‏ ‏وقفت‏ ‏تحت‏ ‏الصليب؟‏ ‏ونظرت‏ ‏له‏ ‏ونظر‏ ‏إليها‏ ‏وسلمها‏ ‏إلي‏ ‏يوحنا‏ ‏وأخذها‏ ‏يوحنا‏ ‏إلي‏ ‏بيته‏

أنا‏ ‏رأيت‏ ‏صورة‏ ‏في‏ ‏فينيسيا‏ ‏لفنان‏ ‏من‏ ‏القرن‏ ‏الثالث‏ ‏عشر‏، ‏اعتقد‏ ‏أنها‏ ‏أجمل‏ ‏صورة‏ ‏رأيتها‏ ‏في‏ ‏حياتي‏، ‏صورة‏ ‏المسيح‏ ‏في‏ ‏القبر‏ ‏والعذراء‏ ‏واقفة‏، ‏وكيف‏ ‏نجح‏ ‏الفنان‏ ‏في‏ ‏أن‏ ‏يصور‏ ‏العذراء‏ ‏في‏ ‏أصعب‏ ‏حالات‏ ‏الألم‏ ‏وأصعب‏ ‏لحظة‏ ‏من‏ ‏لحظات‏ ‏الحياة‏، ‏ليس‏ ‏فقط‏ ‏لأنه‏ ‏ابنها‏، ‏بل‏ ‏وحيدها‏ ‏وعائلها‏، ‏ماهو‏ ‏مصيرها‏ ‏بعد‏ ‏صلب‏ ‏المسيح؟‏ ‏وماذا‏ ‏سوف‏ ‏تعاني‏ ‏من‏ ‏اضطهاد‏ ‏ومتاعب‏ ‏من‏ ‏اليهود‏ ‏الذين‏ ‏يصبون‏ ‏عليها‏ ‏جام‏ ‏الغضب‏ ‏والاضطهاد‏ ‏والآلام‏. ‏ضع‏ ‏أي‏ ‏واحد‏ ‏منا‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏الموقف‏، ‏فالفنان‏ ‏نجح‏ ‏نجاحا‏ ‏ممتازا‏ ‏بأن‏ ‏يصور‏ ‏العذراء‏ ‏والألم‏ ‏علي‏ ‏وجهها‏ ‏وعينيها‏ ‏تآكلت‏ ‏من‏ ‏البكاء‏، ‏ووضعها‏ ‏شئ‏ ‏صعب‏ ‏جدا‏، ‏أنا‏ ‏وقفت‏ ‏أمام‏ ‏الصورة‏ ‏حوالي‏ ‏ثلث‏ ‏ساعة‏ ‏وكان‏ ‏ممكن‏ ‏لولا‏ ‏الاستعجال‏ ‏أن‏ ‏استمر‏ ‏ساعة‏ ‏وساعتين‏ ‏أمام‏ ‏هذه‏ ‏الصورة‏‏

كيف‏ ‏نجح‏ ‏المصور‏ ‏والفنان‏ ‏في‏ ‏القرن‏ ‏الثالث‏ ‏عشر‏، ‏أن‏ ‏يصور‏ ‏العذراء‏ ‏في‏ ‏أصعب‏ ‏فترة‏ ‏في‏ ‏حياة‏ ‏الأم‏ ‏الوحيدة‏ ‏المنفردة‏ ‏التي‏ ‏يموت‏ ‏ابنها‏ ‏ووحيدها‏ ‏وعائلها؟ وماذا‏ ‏سيكون‏ ‏مصيرها‏ ‏من‏ ‏بعده‏ ‏وهي‏ ‏بنت‏ ‏يافعة؟‏. ‏لم‏ ‏تكن‏ ‏مريم‏ ‏في‏ ‏هذا‏ ‏الوقت‏ ‏أكثر‏ ‏من‏47 ‏سنة‏ ‏أو‏48 ‏سنة‏ ‏لذلك‏ ‏قال‏ ‏سمعان‏ ‏الشيخ وأنت‏ ‏أيضا‏ ‏يجوز‏ ‏في‏ ‏نفسك‏ ‏سيف‏، ‏أي‏ ‏سيف‏ ‏سوف‏ ‏يطعنك‏ ‏في‏ ‏قلبك‏ ‏من‏ ‏الداخل؟طبعا‏ ‏هنا‏ ‏يشير‏ ‏إلي‏ ‏سيف‏ ‏الألم‏

الخلاصة‏ ‏لماذا‏ ‏ترك‏ ‏المسيح‏ ‏العذراء‏ ‏ولم‏ ‏يتدخل‏ ‏ليخفف‏ ‏آلامها؟ ليس‏ ‏فقط‏ ‏ليعطيها‏ ‏الأجر‏ ‏الذي‏ ‏هي‏ ‏تستحقه‏، ‏ولكن‏ ‏ليقدم‏ ‏فيها‏ ‏نموذجا‏ ‏للفضيلة‏، ‏ونموذجا‏ ‏للإنسان‏ ‏الذي‏ ‏يتعب‏ ‏من‏ ‏أجل‏ ‏المسيح‏. ‏كما‏ ‏أمهل‏ ‏الله‏ ‏أيوب‏ ‏ليقدم‏ ‏في‏ ‏أيوب‏ ‏نموذجا‏ ‏للصبر‏. ‏كل‏ ‏الناس‏ ‏الآن‏ ‏يقولون‏ ‏صبر‏ ‏أيوب‏. ‏أيوب‏ ‏صار‏ ‏مثلا‏ ‏للصبر‏ ‏في‏ ‏العالم‏ ‏كله‏ ‏وفي‏ ‏التاريخ‏ ‏كله‏، ‏لأن‏ ‏أيوب‏ ‏كان‏ ‏فعلا‏ ‏مملوءا‏ ‏بالفضيلة‏ ‏ولكن‏ ‏كانت‏ ‏الفضيلة‏ ‏غير‏ ‏ظاهرة‏.‏ فهذه‏ ‏فرصة‏ ‏لإظهار‏ ‏فضيلة‏ ‏أيوب‏. ‏فضيلة‏ ‏استمساكه‏ ‏وإيمانه‏ ‏وتدينه‏ ‏وتعبده‏ ‏للإله‏ ‏واحتماله‏

فالمسيح‏ ‏ترك‏ ‏الظروف‏ ‏كلها‏ ‏تأتي‏ ‏ضد‏ ‏العذراء‏، ‏ولم‏ ‏يتدخل‏ ‏للتخفيف‏ ‏عنها‏، ‏لكي‏ ‏تعاني‏ ‏معه‏ ‏وهذا‏ ‏له‏ ‏جزاؤه‏، ‏ولكن‏ ‏أيضا‏ ‏لإظهار‏ ‏فضيلة‏ ‏مريم‏، ‏هل‏ ‏سمع‏ ‏أحد‏ ‏كلمة‏ ‏قالتها‏ ‏مريم‏ ‏في‏ ‏كل‏ ‏التاريخ‏ ‏لا‏ ‏في‏ ‏الإنجيل‏ ‏ولا‏ ‏غير‏ ‏الإنجيل‏، ‏لم‏ ‏ينسب‏ ‏إلي‏ ‏مريم‏ ‏في‏ ‏كل‏ ‏هذه‏ ‏الظروف‏ ‏خطأ‏، ‏أو‏ ‏أنها‏ ‏شتمت‏ ‏شتيمة‏ ‏أو‏ ‏تضايقت‏، ‏امرأة‏ ‏أيوب‏ ‏قالت‏ ‏له‏ ‏بارك‏ ‏ربك‏ ‏ومت‏، ‏فأجابها‏ ‏تتكلمين‏ ‏كلاما‏ ‏كإحدي‏ ‏الجاهلات‏، ‏الخير‏ ‏من‏ ‏الله‏ ‏نقبل‏ ‏والشر‏ ‏لا‏ ‏نقبل‏!! ‏مريم‏ ‏هل‏ ‏حدث‏ ‏منها‏ ‏شئ‏ ‏في‏ ‏كل‏ ‏هذا؟‏ ‏أبدا‏ ‏كانت‏ ‏صامتة‏ ‏متحملة‏ ‏لأنها‏ ‏جعلت‏ ‏نصيبها‏ ‏من‏ ‏نصيب‏ ‏الرب‏. ‏الكأس‏ ‏الذي‏ ‏أشربها‏ ‏أنا‏ ‏شربتها‏ ‏مريم‏ ‏معه‏ ‏والصبغة‏ ‏التي‏ ‏اصطبغ‏ ‏بها‏، ‏مريم‏ ‏اصطبغت‏ ‏بها‏ ‏معه‏، ‏لم‏ ‏تفترق‏ ‏عنه‏. ‏ولذلك‏ ‏يا‏ ‏أولادنا‏ ‏دائما‏ ‏العذراء‏ ‏مع‏ ‏المسيح‏، ‏في‏ ‏تقليد‏ ‏الكنيسة‏ ‏خصوصا‏ ‏كنيستنا‏ ‏القبطية‏ ‏والأرثوذكسية‏ ‏بصفة‏ ‏عامة‏، ‏لا‏ ‏يمكن‏ ‏أن‏ ‏نصور‏ ‏العذراء‏ ‏وحدها‏، ‏أقول‏ ‏هذا‏ ‏الكلام‏ ‏لأنه‏ ‏يوجد‏ ‏بعض‏ ‏الصور‏، ‏العذراء‏ ‏بمفرده‏، ‏في‏ ‏الفن‏ ‏القبطي‏ ‏لم‏ ‏يحدث‏ ‏أبدا‏ ‏أن‏ ‏العذراء‏ ‏تكون‏ ‏لوحدها‏ ‏أبدا‏ ‏العذراء‏ ‏لا‏ ‏تنفصل‏ ‏عن‏ ‏السيد‏ ‏المسيح‏، ‏مصيرها‏ ‏مصيرها‏ ‏فارتبطت‏ ‏به‏ ‏فلا‏ ‏انفصال‏ ‏باستمرار‏ ‏علي‏ ‏ذراعها‏ ‏الشمال‏ ‏لكي‏ ‏تكون‏ ‏هي‏ ‏علي‏ ‏اليمين‏، ‏لكن‏ ‏الوضع‏ ‏الأفضل‏ ‏أن‏ ‏يكون‏ ‏المسيح‏ ‏في‏ ‏حجرها أنت‏ ‏الذي‏ ‏في‏ ‏حجرك‏ ‏الملائكة‏ ‏لماذا؟‏ ‏لتكون‏ ‏هي‏ ‏بالنسبة‏ ‏له‏ ‏المركبة‏ ‏وهو‏ ‏جالس‏ ‏عليها‏. ‏أنت‏ ‏الجالس‏ ‏فوق‏ ‏الكاروبيم‏، ‏جلس‏ ‏علي‏ ‏مريم‏ ‏فكانت‏ ‏مريم‏ ‏هي‏ ‏المركبة‏ ‏الشاروبيمية‏ ‏هذا‏ ‏هو‏ ‏الوضع‏ ‏المفضل‏، ‏دائما‏ ‏في‏ ‏كنيستنا‏ ‏العذراء‏ ‏تضع‏ ‏المسيح‏ ‏علي‏ ‏حجرها‏ ‏لكي‏ ‏تكون‏ ‏هي‏ ‏بالنسبة‏ ‏له‏ ‏مركبة‏. ‏فلا‏ ‏انفصال‏ ‏أبدا‏ ‏بين‏ ‏العذراء‏ ‏والمسيح‏، ‏وارتبطت‏ ‏به‏ ‏وارتبط‏ ‏به‏ ‏مصيرها‏، ‏لذلك‏ ‏حتي‏ ‏جسدها‏ ‏أخذه‏ ‏وهذا‏ ‏ما‏ ‏نحتفل‏ ‏به‏ ‏في‏ ‏اليوم‏ ‏السادس‏ ‏عشر‏ ‏من‏ ‏مسري‏. ‏نعمة‏ ‏ربنا‏ ‏يسوع‏ ‏المسيح‏ ‏تكون‏ ‏معكم‏ ‏جميعا‏ ‏الآن‏ ‏وكل‏ ‏أوان‏ ‏وإلي‏ ‏دهر‏ ‏الدهور‏ ‏أمين


مقال للمتنيح‏ ‏الأنبا‏ ‏غريغوريوس – أسقف عام الدراسات العليا اللاهوتية والثقافة القبطية والبحث العلمي – في جريدة وطنى - ﺇصدار أول: السنة 52 العدد 2539 - ﺇصدار ثان: السنة 9 العدد 505 – يوم الأحد الموافق 22 أغسطس (آب) 2010 ميلادية، 16 مسرى 1726 شهداء (قبطية)، 12 رمضان 1431 هجرية (للهجرة) – الصفحة الثانية (2)، مقالات دينية
http://www.watani.com.eg
‏‏‏‏



Share


Monday, March 15, 2010

المحبة الضارة

المحبة الضارة
بقلم: البابا شنودة الثالث

علي الرغم من أن المحبة فضيلة كبري‏،‏ إلا أنه توجد محبة ضارة‏.‏ ولعل من أسباب المحبة الضارة‏،‏ أن تكون بغير حكمة‏،‏ أو بعيدة عن الروحيات‏، او تتصف بالذاتية‏،‏ أو تتعارض مع وصايا الله‏‏

وسنتكلم في هذا المقال عن أنواع من هذه المحبة الضارة‏.‏ لايستطيع احد منا ان ينكر محبة الأم‏،‏ حتي انه يضرب بها المثل في الحنان وفي عمق المحبة‏.‏ ومع ذلك يمكن ان أما تحب ابنها بطريقة ضارة‏.‏ ومن أمثلة ذلك تدخلها في زواج ابنها وبعد زواجه‏.‏ هذا مع الابن ومع الابنة‏:‏ إما في الاسراع بالتزويج قبل النضوج او قبل التوافق‏..‏ او اختيار زوج تظن فيه الام انه صالح لابنتها‏،‏ فتدفعها الي الزواج به دفعا‏،‏ ويكون في ذلك ضرر لها طول الحياة‏..‏ ومن المحبة الضارة ان تتدخل الام في الحياة الزوجية لابنها‏.‏ وهي تظن انها تفعل ذلك إشفاقا عليه‏،‏ بينما تحطم حياته الزوجية‏

ومن أساليب المحبة الضارة‏،‏ المديح الضار‏،‏ الذي يقود احيانا الي الغرور‏،‏ وإلي حسد الآخرين ومتاعبهم‏.‏ وإعلان ذلك المديح يكون بغير حكمة‏

ويماثل المديح الخاطئ في ضرره‏،‏ الدفاع عن الأخطاء بدافع من الحب الخاطئ‏

هذا الدفاع يجعل المخطئ يثبت في أخطائه‏،‏ وقد يؤدي ذلك الي هلاكه‏.‏ ولاشك ان مبرئ المذنب هو مثل مذنب البريء‏،‏ في ان كليهما ضد الحق‏

وقد يحدث الدفاع عن الاخطاء في جو الاسرة والأصدقاء‏،‏ او في تملق الملوك والزعماء‏،‏ او في مجال المخطئين دينيا‏.‏ إنها محبة خاطئة‏،‏ بل محبة ضارة‏.‏ سواء كانت عن ثقة واقتناع‏،‏ او عن تملق رخيص‏

ومن ألوان المحبة الخاطئة تسهيل الشر‏.‏ مثال ذلك طالب يقوم بتغشيش زميله في الامتحان بدافع من الشفقة والمحبة‏!‏ أو طبيب يكتب شهادة مرضية وهمية‏....!‏ أو صديق يشهد شهادة زور تأييدا لصديقه‏.‏ أو محاسب يساعد ممولا علي اختلاس حقوق الدولة في الضرائب‏.‏ أو استاذ باسم الرحمة او المحبة يخفض المقرر لتلاميذه‏،‏ ويقدم لهم في الامتحان أسئلة تافهة لكي ينجحوا ولم ينالوا من العلم شيئا‏

وينضم الي هذا البند ايضا النصح الخاطئ‏

ومن أمثلة المحبة الضارة‏،‏ أن ابا يحب ابنا له اكثر من بقية ابنائه‏.‏ فيثير فيهم عن عوامل الحسد ضد أخيه‏.‏ ومن أمثلته ايضا الذي يتزوج امرأتين‏،‏ ولا يكون عادلا بينهما في المحبة‏

ومن ألوان المحبة الضارة الاستحواذ‏..‏ اي المحبة التي تحبس محبوبها في حيزها الخاص‏.‏ كالأم التي تمنع ابنها من سفر بعيد يفيده جدا‏،‏ لأنها تريده الي جوارها وبهذا تضره وتضيع مستقبله بسبب محبتها الضارة‏.‏ وكثيرا ماتحدث أمثال هذه المشاكل في محيط الحياة الزوجية او الحياة العائلية بصفة عامة‏.‏ مثل الزوج الذي تدعوه أنانيته في محبته الي التضييق علي زوجته في الدخول والخروج‏،‏ وفي الكلام وفي الابتسام‏،‏ وفي الزيارات وفي اللقاءات‏.‏ كمن يحبس عصفورا في قفص‏، ويمنعه من الطيران‏،‏ ليصير له وحده‏،‏ ويغني العصفور له وحده‏!‏ ولاتهمه حرية العصفور في شيء‏.‏ وفي تضييق الرجل علي امرأته بسبب محبته الانانية لها‏،‏ يجمع الرجل بين نقيضين‏:‏ الحب والقسوة‏!!‏

ونفس الوضع بالنسبة الي الزوجة التي تضر رجلها بمحبتها‏،‏ فتضيق عليه الخناق ايضا‏

وتكثر من أسئلتها وتحقيقاتها حول مواعيده ومقابلاته وعلاقاته‏،‏ بطريقة تصيبه بالضجر والضيق النفسي‏.‏ وتصيبها هي بالشك والقلق والخوف‏..‏ وكل ذلك باسم الحب‏!!‏ ومحبة الاستحواز قد توجد ايضا في محيط الاصدقاء‏.‏ فباسم المحبة يريد الشخص من صديقه ان يتحيز له‏،‏ فيصادق من يصادقه ويعادي من يعاديه‏.‏ وهكذا يضره من جهة علاقاته ومن جهة روحياته‏...‏ وأحيانا يضيع وقت هذا الذي يحبه‏.‏ وباسم المحبة اذ يشغل وقته‏،‏ كثيرا مايؤثر ذلك علي دراسته او عمله فيضره‏!‏

ومن المحبة الضارة‏، أنها تتركز احيانا في الجسد‏،‏ وتتحول الي شهوة‏.‏ وللأسف قد يسميها البعض حبا بينما هي شهوة‏،‏ تضر نفسها‏،‏ وتضر من تحبه ايضا‏.‏ سواء الضرر الروحي‏،‏ أو ما يصاحبه من أضرار اخري‏.‏ ومن المحبة الضارة المحبة التي تشفق علي الجسد وتضر الروح‏.‏ كأم تشفق علي ابنها‏،‏ وتمنعه من الصوم حرصا علي صحة جسده‏.‏ ومن مظاهر المحبة الخاطئة التدليل‏.‏ وفيه الشفقة الزائدة والانفاق الزائد علي الحاجة وتقديم انواع المتع العديدة‏.‏ وعدم فرض عقوبة مهما كان الذنب‏.‏ او تكون العقوبة نوعا من التوبيخ الهادئ جدا الذي لايمكن ان يروع احدا فيستمر الخطأ‏

ومن ألوان المحبة الضارة‏،‏ محبة المريض لما يزيد مرضه كمريض بالسكر يحب الحلويات‏،‏ او مريض بالكوليسترول يحب الدهنيات‏.‏ أو شخص يحب المخدرات ولايقدر علي الامتناع عنها وكل هذا يضره‏.‏ وكل من هؤلاء يضر نفسه دون ان يضره غيره‏..‏

وبالمثل شخص لمحبته الخاطئة لنفسه يكثر من الافتخار ومديح نفسه بطريقة تنفر الناس منه‏..‏ او انسان بخيل يحب المال ويكنزه وينمي رصيده‏،‏ بأسلوب يبخل به علي نفسه وعلي المحيطين به‏،‏ فيضر نفسه ويضرهم‏

وهناك محبة اخري للمرضي تضرهم‏.‏ كأن يزورهم شخص يحبهم‏،‏ فيبقي الي جوارهم مدة طويلة يتحدث إليهم‏.‏ وهم صحيا في حاجة الي الراحة‏.‏ وبكلامه معهم لايعطيهم فرصة للاتصال بالله أثناء مرضهم‏.‏ أو من المحبة للمريض‏، خداعه في نوع مرضه‏.‏ فلا يهتم بأبديته ومايلزمه من التوبة‏.‏ او بتقديم متع للمريض أثناء مرضه يمكن أن تضره‏

وربما إنسان يحب شخصا فيضيع سمعته‏


مقال قداسة الانبا شنوده الثالث – بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – في جريدة الأهرام – السنة 134 – العدد 45023 – يوم الأحد الموافق 14 مارس (آذار) 2010 ميلادية، 5 برمهات 1726 شهداء (قبطية)، 28 ربيع أول 1431 هجرية (للهجرة) – الصفحة العاشرة (10)، قضايا وآراء
http://www.ahram.org.eg


‏‏‏‏‏‏‏‏‏



Share/Bookmark

Facebook Comments

Twitter

I Read

Word of the Day

Quote of the Day

Article of the Day

This Day in History

Today's Birthday

In the News