Showing posts with label جريدة الأهرام. Show all posts
Showing posts with label جريدة الأهرام. Show all posts

Sunday, June 10, 2012

صفات الإنسان الوديع


مقالات البابا شنودة الثالث المنشورة في جريدة الأهرام - مقال يوم الأحد 25-4-2010

الإنسان الوديع هو شخص هادئ لا حدة في صوته ولا صياح. وقد قيل عن السيد المسيح الوديع أنه: لا يخاصم ولا يصيح، ولا يسمع أحد في الشوارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة مدخنة لا يطفئ

الوديع لا يصرخ في الناس منتهرًا، ولا يثور. أنه إنسان دمث الخلق، هادئ، يريد دائمًا أن يكسب محبة الناس سواء على الأرض أو في السماء

هنا وأحب أن أفرق بين هدوء الطبع، وبرودة الطبع... فالإنسان الوديع الهادئ لا يثور على الناس، ولا يثيرهم. بينما البارد في طبعه، قد لا يثور، ولكن ما أسهل أن يثير ببروده! وذلك بأن يرد عليهم بردود باردة قد تتعب أعصابهم أو تحطمها. أمَّا الوديع فهو إنسان هادئ يشيع الهدوء في النفس وهو أيضًا طيب القلب، يحب أن يرضي الناس. يحب أن يكون في علاقة طيبة مع الجميع. فلا يغضب من أحد مهما حدث... ولا يستريح إن ترك أحدًا غاضبًا عليه. بل يهمه أن الكل يدعون له بالخير

والإنسان الوديع يكون هادئًا من الداخل كما من الخارج. إنه ليس مثل بعض الناس الذين يظهرون هادئين من الخارج، بينما في داخلهم ثورة وغليان. وهم يكتمون غضبهم لسبب روحي أو غير روحي، أو لسياسة ما، أو احترامًا لِمَن هو أكبر منهم أو خوفًا من نتائج الغضب... أمَّا الوديع فهو هادئ تمامًا. فمِن الداخل مشاعره وعواطفه وإحساساته في هدوء وسلام قلبي... ومن الخارج له ابتسامة لطيفة بشوشة، يقابل بها أحاديث الناس ومعاملاتهم. ولا يحدث أن يراه الناس وقد اكفهرت ملامحه، أو احمرَّت عيناه. أمَّا الإنسان الذي يبدو هادئًا من الخارج، بينما يغلي في داخله، ليس هو وديعًا في الحقيقة. أقصى ما نقوله عنه إنه يحاول أن يتدرَّب لكي يصير وديعًا

والإنسان الوديع لا ينتقم لنفسه. بل في كثير من الأحيان لا يُدافع عن نفسه، بل يترك اللَّه ليُدافع عنه. أنه كثيرًا ما يتنازل عن حقوقه، بدون أن يحزن. فهو لا يشاء مُطلقًا أن يخسر أحدًا من الناس بسبب هذه الحقوق. فسلامه مع الناس هو عنده أهم من التَّمسُّك بحقوقه. وهو يفعل ذلك تلقائيًا، دون أن يناقش الأمر في داخله. وهو لا يحب أن أحدًا يصيبه أذى بسببه، أو من أجله

والإنسان الوديع يكون دائمًا سهل التفهم، لا يتعب أحد في التعامل معه. إنه يحب باستمرار أن يكسب غيره، لا أن يكسب من غيره. وإذا ما تناقشت أو تحدثت مع إنسان وديع، تجده لا يُقاطعك في الكلام، ولا يحاول أن ينتصر عليك في المناقشة. بل يعطيك كل الفرصة أن تتكلَّم كما تشاء، وتقول ما تشاء، مادام الموضوع لا يمس عقيدة أو إيمانًا. وفي الأمور الإيمانية يقول الرأي القوي بهدوء وبساطة، دون أن يجرح مَن يناقشه. ويترك قوة الرأي تتكلَّم، دون أن يقسو، ودون أن يفتخر. أمَّا في الأمور العادية، فلا يهمه أن ينتصر في نقاش. فليقل القائلون ما يريدون أن يقولون، إن كانت المسائل لا تعنيه

وأحيانًا يجلس في بعض المجالس صامتًا. ومادام ليس مكلَّفًا فيه بمسئولية، فلا داع له أن يظهر! وإن طلبوا إليه أن يتكلَّم رُبَّما يقول: أنا أحب أن أسمع وأستفيد، أو يقول: البركة في فلان... وإن تكلَّم، قد يمتدح مَن سبقوه في الحديث، ولا مانع من أن يقول في كلامه: على رأي فلان... وفلان... إنه إنسان لطيف، يحب الناس صمته وهدوءه إن صمت. كما يحبون كلامه وأسلوبه في الحديث، إن تكلَّم

إن الإنسان الوديع ناجح في تعامله مع الناس: يحبهم ويحبونه. وإن سكت أحيانًا، يكون ذلك بدافع من التواضع والحب، وليس عن انطواء. فهو يُعطي فرصة لغيره لكي يتكلم، ويقدم غيره على نفسه في الكرامة. كما أنه يصمت أحيانًا لكي يستفيد من حديث غيره، ويضيف معلومات جديدة إلى معلوماته. وهو أيضًا لا يميل إلى الدخول مع الناس في صراعات الجدل، مفضلًا السلام... وهو يرضي الذين يحبون الكلام

والإنسان الوديع لا يضغط على أحد، ولا يستعمل العنف. ولا يلح على أحد إلحاحًا شديدًا، لكي يأخذ موافقته على أمر من الأمور، بغير إرادته، بأسلوب الإلحاح والضغط! فهو لا يبحث عن راحته، وإنما عن راحة الناس. لذلك فإن الذين يعاشرونه، يشعرون براحة في عشرته. ويقول كل من يعامله إنه يشعر براحة في التعامل معه. والوديع لا يصر على أن ينتصر لفكرته أو رأيه في الأمور العادية. أمَّا من جهة المبادئ السليمة فهو لا يتنازل. ولكن لا يتشاجر مع الغير بسبب ذلك. ولعل هذا الأمر يحتاج إلى حكمة تمتزج بالوداعة. ومن أجمل ما قيل في ذلك: مَن هو حكيم وعالم بينكم، فليرِ أعماله الحسنة في وداعة الحكمة. لأن هناك حكماء قد يكونون في شرح حكمتهم عُنفاء، يصرون على رأيهم في غيرة وتحزُّب. وقد يسببون بذلك إنقسامًا وتشويشًا!! فحكمة هؤلاء ليست روحية لأنها خالية من الوداعة. أمَّا الحكمة الوديعة فهى مسالمة مترفقة مملوءة أخبارًا صالحة. وليست حكمة حقيقية، تلك التي تفقد أصحابها حياة الوداعة والهدوء، وتجعلهم عنفاء في الدفاع عن آرائهم! يجرحون كل من يهاجمهم، ويخدشون مشاعره

إن العُنف قد يكون إسلوبًا سهلاً وقصيرًا، يوصل بسرعة! ولكن الوديع لا يمكن أن يستخدمه. فإن أعطاه الرب حكمة، فإنه يوصلها إلى الناس بأسلوب هادئ، في طيبة في رقة في لُطف. ولا يغضب ولا يثور إن خالفوه في وقت، أو كانوا بطيئين أو متباطئين في التنفيذ... فإنه يصبر عليهم، ويطيل أناته، إلى أن يتمكنوا من التنفيذ. إنه يعطي فرصة لسامعه، ولِمَن يتتلمذ عليه، لكي يصل حسبما تسعفه إمكانياته. فإن لم يصل اليوم فقد يصل غدًا أو بعد غد، دون التحكم في عامل الزمن، الذي تتحكم فيه أسباب عديدة

من صفات الوديع أيضًا أنه متسامح: إن أخطأت في حقه، لا يخطأ في حقك. إن له طباعًا لا يستطيع أن يتجاوزها، وله مبادئ لا يمكنه أن يكسرها. فهو لا يستطيع أن يخطئ

والإنسان الوديع لا يتحدث من فوق، من موقع السُّلطة، مهما كان في مركز عالٍ أو رئاسة. والناس يدافعون عن الوديع دون أن يُدافع هو عن نفسه
 



Share

Monday, March 15, 2010

المحبة الضارة

المحبة الضارة
بقلم: البابا شنودة الثالث

علي الرغم من أن المحبة فضيلة كبري‏،‏ إلا أنه توجد محبة ضارة‏.‏ ولعل من أسباب المحبة الضارة‏،‏ أن تكون بغير حكمة‏،‏ أو بعيدة عن الروحيات‏، او تتصف بالذاتية‏،‏ أو تتعارض مع وصايا الله‏‏

وسنتكلم في هذا المقال عن أنواع من هذه المحبة الضارة‏.‏ لايستطيع احد منا ان ينكر محبة الأم‏،‏ حتي انه يضرب بها المثل في الحنان وفي عمق المحبة‏.‏ ومع ذلك يمكن ان أما تحب ابنها بطريقة ضارة‏.‏ ومن أمثلة ذلك تدخلها في زواج ابنها وبعد زواجه‏.‏ هذا مع الابن ومع الابنة‏:‏ إما في الاسراع بالتزويج قبل النضوج او قبل التوافق‏..‏ او اختيار زوج تظن فيه الام انه صالح لابنتها‏،‏ فتدفعها الي الزواج به دفعا‏،‏ ويكون في ذلك ضرر لها طول الحياة‏..‏ ومن المحبة الضارة ان تتدخل الام في الحياة الزوجية لابنها‏.‏ وهي تظن انها تفعل ذلك إشفاقا عليه‏،‏ بينما تحطم حياته الزوجية‏

ومن أساليب المحبة الضارة‏،‏ المديح الضار‏،‏ الذي يقود احيانا الي الغرور‏،‏ وإلي حسد الآخرين ومتاعبهم‏.‏ وإعلان ذلك المديح يكون بغير حكمة‏

ويماثل المديح الخاطئ في ضرره‏،‏ الدفاع عن الأخطاء بدافع من الحب الخاطئ‏

هذا الدفاع يجعل المخطئ يثبت في أخطائه‏،‏ وقد يؤدي ذلك الي هلاكه‏.‏ ولاشك ان مبرئ المذنب هو مثل مذنب البريء‏،‏ في ان كليهما ضد الحق‏

وقد يحدث الدفاع عن الاخطاء في جو الاسرة والأصدقاء‏،‏ او في تملق الملوك والزعماء‏،‏ او في مجال المخطئين دينيا‏.‏ إنها محبة خاطئة‏،‏ بل محبة ضارة‏.‏ سواء كانت عن ثقة واقتناع‏،‏ او عن تملق رخيص‏

ومن ألوان المحبة الخاطئة تسهيل الشر‏.‏ مثال ذلك طالب يقوم بتغشيش زميله في الامتحان بدافع من الشفقة والمحبة‏!‏ أو طبيب يكتب شهادة مرضية وهمية‏....!‏ أو صديق يشهد شهادة زور تأييدا لصديقه‏.‏ أو محاسب يساعد ممولا علي اختلاس حقوق الدولة في الضرائب‏.‏ أو استاذ باسم الرحمة او المحبة يخفض المقرر لتلاميذه‏،‏ ويقدم لهم في الامتحان أسئلة تافهة لكي ينجحوا ولم ينالوا من العلم شيئا‏

وينضم الي هذا البند ايضا النصح الخاطئ‏

ومن أمثلة المحبة الضارة‏،‏ أن ابا يحب ابنا له اكثر من بقية ابنائه‏.‏ فيثير فيهم عن عوامل الحسد ضد أخيه‏.‏ ومن أمثلته ايضا الذي يتزوج امرأتين‏،‏ ولا يكون عادلا بينهما في المحبة‏

ومن ألوان المحبة الضارة الاستحواذ‏..‏ اي المحبة التي تحبس محبوبها في حيزها الخاص‏.‏ كالأم التي تمنع ابنها من سفر بعيد يفيده جدا‏،‏ لأنها تريده الي جوارها وبهذا تضره وتضيع مستقبله بسبب محبتها الضارة‏.‏ وكثيرا ماتحدث أمثال هذه المشاكل في محيط الحياة الزوجية او الحياة العائلية بصفة عامة‏.‏ مثل الزوج الذي تدعوه أنانيته في محبته الي التضييق علي زوجته في الدخول والخروج‏،‏ وفي الكلام وفي الابتسام‏،‏ وفي الزيارات وفي اللقاءات‏.‏ كمن يحبس عصفورا في قفص‏، ويمنعه من الطيران‏،‏ ليصير له وحده‏،‏ ويغني العصفور له وحده‏!‏ ولاتهمه حرية العصفور في شيء‏.‏ وفي تضييق الرجل علي امرأته بسبب محبته الانانية لها‏،‏ يجمع الرجل بين نقيضين‏:‏ الحب والقسوة‏!!‏

ونفس الوضع بالنسبة الي الزوجة التي تضر رجلها بمحبتها‏،‏ فتضيق عليه الخناق ايضا‏

وتكثر من أسئلتها وتحقيقاتها حول مواعيده ومقابلاته وعلاقاته‏،‏ بطريقة تصيبه بالضجر والضيق النفسي‏.‏ وتصيبها هي بالشك والقلق والخوف‏..‏ وكل ذلك باسم الحب‏!!‏ ومحبة الاستحواز قد توجد ايضا في محيط الاصدقاء‏.‏ فباسم المحبة يريد الشخص من صديقه ان يتحيز له‏،‏ فيصادق من يصادقه ويعادي من يعاديه‏.‏ وهكذا يضره من جهة علاقاته ومن جهة روحياته‏...‏ وأحيانا يضيع وقت هذا الذي يحبه‏.‏ وباسم المحبة اذ يشغل وقته‏،‏ كثيرا مايؤثر ذلك علي دراسته او عمله فيضره‏!‏

ومن المحبة الضارة‏، أنها تتركز احيانا في الجسد‏،‏ وتتحول الي شهوة‏.‏ وللأسف قد يسميها البعض حبا بينما هي شهوة‏،‏ تضر نفسها‏،‏ وتضر من تحبه ايضا‏.‏ سواء الضرر الروحي‏،‏ أو ما يصاحبه من أضرار اخري‏.‏ ومن المحبة الضارة المحبة التي تشفق علي الجسد وتضر الروح‏.‏ كأم تشفق علي ابنها‏،‏ وتمنعه من الصوم حرصا علي صحة جسده‏.‏ ومن مظاهر المحبة الخاطئة التدليل‏.‏ وفيه الشفقة الزائدة والانفاق الزائد علي الحاجة وتقديم انواع المتع العديدة‏.‏ وعدم فرض عقوبة مهما كان الذنب‏.‏ او تكون العقوبة نوعا من التوبيخ الهادئ جدا الذي لايمكن ان يروع احدا فيستمر الخطأ‏

ومن ألوان المحبة الضارة‏،‏ محبة المريض لما يزيد مرضه كمريض بالسكر يحب الحلويات‏،‏ او مريض بالكوليسترول يحب الدهنيات‏.‏ أو شخص يحب المخدرات ولايقدر علي الامتناع عنها وكل هذا يضره‏.‏ وكل من هؤلاء يضر نفسه دون ان يضره غيره‏..‏

وبالمثل شخص لمحبته الخاطئة لنفسه يكثر من الافتخار ومديح نفسه بطريقة تنفر الناس منه‏..‏ او انسان بخيل يحب المال ويكنزه وينمي رصيده‏،‏ بأسلوب يبخل به علي نفسه وعلي المحيطين به‏،‏ فيضر نفسه ويضرهم‏

وهناك محبة اخري للمرضي تضرهم‏.‏ كأن يزورهم شخص يحبهم‏،‏ فيبقي الي جوارهم مدة طويلة يتحدث إليهم‏.‏ وهم صحيا في حاجة الي الراحة‏.‏ وبكلامه معهم لايعطيهم فرصة للاتصال بالله أثناء مرضهم‏.‏ أو من المحبة للمريض‏، خداعه في نوع مرضه‏.‏ فلا يهتم بأبديته ومايلزمه من التوبة‏.‏ او بتقديم متع للمريض أثناء مرضه يمكن أن تضره‏

وربما إنسان يحب شخصا فيضيع سمعته‏


مقال قداسة الانبا شنوده الثالث – بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – في جريدة الأهرام – السنة 134 – العدد 45023 – يوم الأحد الموافق 14 مارس (آذار) 2010 ميلادية، 5 برمهات 1726 شهداء (قبطية)، 28 ربيع أول 1431 هجرية (للهجرة) – الصفحة العاشرة (10)، قضايا وآراء
http://www.ahram.org.eg


‏‏‏‏‏‏‏‏‏



Share/Bookmark

Friday, February 26, 2010

إجلس إلي نفسك وحاسبها

إجلس إلي نفسك وحاسبها
بقلم: البابا شنودة الثالث

إذا أردت أن تتوب‏,‏ أو تكون أمينا في علاقتك مع الله‏,‏ فعليك بين الحين والحين ان تجلس إلي نفسك فلماذا؟

فأنت إما أنك لاتشعر بما أنت فيه من خطر‏.‏ لاتعرف حالتك بالضبط‏,‏ ولاتدرك أخطاءك ولاعمقها وبشاعتها‏..‏ لأن دوامة المشغوليات والاهتمامات تجذبك إليها باستمرار‏، وأنت غارق فيها تماما‏..‏ ليس لديك وقت أن تفكر في نفسك وفي روحياتك‏.‏ وربما لايخطر هذا الموضوع علي فكرك‏!‏ إذن فأنت محتاج أن تجلس إلي نفسك وتفحصها وتراقبها‏,‏ لكي تدرك مستوي ما أنت فيه من الروحيات أو مستوي بعدك عنه‏.‏

أو ربما إنك تعرف أخطاءك‏,‏ أو تعرف البارز منها‏,‏ ولكن ليس لديك وقت ولافرصة لكي تفكر كيف تترك تلك الأفكار‏,‏ وكيف تعالجها‏.‏ وقبل أن يدور بذهنك أن تعالج خطأ معينا تكون قد وقعت في غيره أو فيما أشد منه‏..‏ والأخطاء والخطايا تحيط بك من كل ناحية‏,‏ وليست هناك فرصة للتخلص منها‏,‏ إذن فأنت محتاج أيضا أن تجلس إلي نفسك لكي تعالج ما يحتاج فيها إلي معالجة‏.‏

وكما يحتاج المريض إلي كشف أشعة إلي وأجهزة تحاليل لكي يعرف مايدور في داخله بالضبط ونوعية ومدي خطورة أمراضه‏,‏ وهو يحتاج أيضا أن يعرف العلاج وممارسته لكي يشفي وأن يتابع هذا العلاج مع طبيب حكيم خبير بالأمراض وعلاجها‏..‏ وهذا لايتأتي بالمريض إلا إذا انتزع نفسه من مشغولياته وذهب للكشف‏..‏ هكذا الجلسة مع النفس‏.‏

هذه الجلسة الروحية مع النفس هدفها تنقيتها‏,‏ وذلك بأن يكتشف الشخص خطاياه وضعفاته‏,‏ ويلوم نفسه عليها ثم يعرف أيضا أسباب سقوطه‏,‏ سواء أكانت أسبابا خارجية تضغط عليه‏,‏ أو أسبابا داخلية يسعي فيها هو نفسه إلي الخطية‏,‏ أو هي طباع وعادات أو تأثرات بآخرين‏..‏ ويحاول في كل هذا أن يتحاشي مايبعده عن حياة التوبة والنقاوة ويعزم عزما قلبيا أكيدا علي أن يترك أخطاءه بكل رضا واقتناع داخلي‏.‏

والإنسان الروحي لايقصر جلسته مع نفسه علي بحث الماضي والندم عليه وتبكيت النفس علي أخطائها‏..‏ إنما عليه أيضا أن يفكر في مستقبله الروحي‏,‏ ويضع كذلك خطة حكيمة من واقع حالته واختباراته‏..‏ ويصمم في أعماقه علي أن يسلك في ذلك بتدقيق شديد وبجدية والتزام‏..‏ وفي كل ذلك يطلب من الله نعمة وقوة لكي يسلك حسنا فيما بعد‏.‏

وإني انصح بهذه المناسبة‏,‏ وأن الشخص الذي ينوي ان يحيا حياة بارة في المستقبل‏,‏ لا ينفعه ان ينتهز هذا الشعور فيقدم الله تعهدات ونذور أنه سيفعل كذا وكذا‏!‏ كما لو كان له ثقة أو غرور بقدرته الشخصية الذاتية‏,‏ حتي إن البعض يقول في جلسته هذه افعل بي يارب ماتشاء من الويلات إن رجعت إلي هذه الخطية مرة أخري‏!‏ فما أكثر من وعد الله وعودا‏,‏ ولم ينفذ‏,‏ ثم عاد يقول في حزن‏:‏
كما وعدت الله وعدا حانثا
ليتني من خوف ضعفي لم أعد
إنما الأمر لايعد ان يكون مجرد رغبات مقدسة‏,‏ تعرض فيها إرادتك وعزمك علي اللهو ليعطيك قوة علي التنفيذ‏,‏ لأنك بدون معونته لاتستطيع أن تفعل شيئا‏.‏ وهكذا تندمج جلستك مع نفسك لتكون جلسة صلاة تطلب فيها القوة‏.‏

ولاشك أن الشيطان يقاوم بكل قوته جلوسك مع نفسك‏,‏ لأنه يخشي أن تفلت من سيطرته عن طريقه‏.‏ أما أنه يخشي في جلوسك مع نفسك‏,‏ أن تدرك سوء حالتك الروحية فتفكر جديا في التوبة‏,‏ وبهذا تفلت من يده‏..‏ وإما أنه يخشي في جلوسك مع نفسك‏,‏ أن تطلب معونة من الله‏,‏ وأن تنال منه قوة روحية لايقوي الشيطان علي مقاومتها‏..‏ والشيطان جرب كيف أن كثيرين جلسوا إلي أنفسهم فتابوا‏..‏ مثال ذلك القديس أوغسطينوس الذي لم يستطع أن يتوب وهو في دوامة المشغوليات‏,‏ ودوامة الاصحاب‏,‏ ودوامة الفلسفة والفكر‏..‏ لكنه لما جلس إلي نفسه تلك الجلسة الروحية العميقة‏,‏ استطاع أن يصل إلي الإيمان وإلي التوبة وأن يرجع الي الله ويفلت الي الأبد من قبضة الشيطان ولم تكن مجرد جلسة عادية إنما هي جلسة مصيرية‏.‏

لذلك فالشيطان يقاوم جلوس الإنسان مع نفسه وذلك بأمرين‏:‏ أما أن يمنع جلوس الإنسان مع نفسه‏,‏ بأن يقدم له عشرات من المشغوليات ومئات من الأفكار‏,‏ ويذكره بأمور تبدو أمامه مهمة جدا‏,‏ ويجب ان يتفرغ لها‏,‏ وكل ذلك لكي يعود إلي دوامته مرة أخري مثال ذلك إذا انتهزت فرصة بداية عام جديد من حياتك لتجلس مع نفسك يمكن للشيطان أن يعمل علي شغل هذه المناسبة بالحفلات والمجاملات حتي تنشغل بذلك ولاتخلو للتفكير بنفسك‏.‏

ولكنك إذا أصررت علي الجلوس إلي نفسك وفحص تصرفاتك وحياتك‏,‏ ووجدت فرصة لذلك وابتعدت عن المشغوليات ولو إلي حين‏,‏ حينئذ تكون خطة الشيطان أن يجلس معك أثناء جلوسك مع نفسك فهو لاييأس أبدا‏,‏ وفي اشتراكه معك في جلستك الروحية‏,‏ يقدم لك أفكارا وأحاسيس من عنده بأن يمنعك من تبكيت نفسك علي أخطائها‏..‏ ويخفف من مشاعر ندمك‏,‏ فإن تذكرت أية خطية فبدلا من أن ينسحق قلبك بسببها وتوبخ ذاتك يقدم لك الشيطان عنها اعذارا وتبريرات‏,‏ بمحاولة لتدليل النفس ومجاملاتها‏,‏ أو تخفيف المسئولية عنها بالقائها مثلا علي الوسط الخارجي أو الآخرين‏..‏ وكل ذلك لاينفعك روحيا‏,‏ ولا يقودك إلي التوبة‏,‏ إن لومك لغيرك لا يبررك حتي لو كان ذلك الغير ملوما فعلا‏.‏ لهذا يجب ان تركز علي مافعلته أنت لأنك مطالب به‏.‏ وأنت لاتنال المغفرة بالتبريرات وإنما بالتوبة وإدانة النفس‏.‏

ولعل من حيل الشيطان أيضا ان يقلل لك من خطورة خطاياك‏,‏ ولايجعلها تبدو علي حقيقتها في بشاعتها‏,‏ كما لو كانت شيئا بسيطا لاتستحق أن تحزن بسببه وتندم وما أسهل أن يسمي لك الخطايا بغير أسمائها‏.‏ أو يفلسف الخطية ويحاول أن يخفيها وراء سلامة القصد وحسن النية‏!‏ وفي كل هذا يقودك إلي الاستهانة واللامبالاة ولايساعدك علي التوبة بل ربما يدفعك الي الاستمرار فيما أنت فيه‏.‏ أما أنت فحينما تجلس مع نفسك حاسبها بكل حزم‏,‏ وافحصها بدقة‏,‏ واطمئن باستمرار علي نقاوتها‏.


مقال قداسة الانبا شنوده الثالث – بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – في جريدة الأهرام – السنة 134 – العدد 45002 – يوم الأحد الموافق 21 فبراير (شباط) 2010 ميلادية، 14 أمشير 1726 شهداء (قبطية)، 7 ربيع أول 1431 هجرية (للهجرة) – الصفحة العاشرة (10)، قضايا وآراء
http://www.ahram.org.eg

‏‏‏‏‏‏‏‏




Share/Bookmark

Friday, May 15, 2009

خطورة خطايا اللسان

خطورة خطايا اللسان
بقلم: البابا شنودة الثالث

أخطاء اللسان كثيرة نذكر عينات منها‏:‏ خطايا الكذب‏،‏ مثل الكذب الصريح‏،‏ انصاف الحقائق‏،‏ كلمات الغش والخداع‏،‏ والتضليل والتلفيق‏،‏ وشهادة الزور‏،‏ والمبالغة والمكر‏.‏ من المبالغة احيانا كأن نقول‏:‏ كل سكان البلدة الفلانية بخلاء‏!‏ وقطعا ليس الكل كذلك‏،‏ او ان تقول‏:‏ جميع الشعب غاضبون‏!‏ بينما انت لاتعرف مشاعر الجميع‏،‏ عموما كلمة كل أو جميع لاتخلو أحيانا من الخطأ‏

ومن اخطاء اللسان ايضا كلمات الإساءة إلي الآخرين‏:‏ مثل كلام الشتيمة والنرفزة‏،‏ والسب واللعن‏،‏ وتحقير الآخرين‏،‏ والتهكم عليهم‏،‏ ومسك سيرتهم‏،‏ والغيبة والنميمة والدسيسة‏.‏ وكذلك الفاظ التهديد والتعيير والتشهير بالآخرين‏،‏ وافشاء اسرار الناس‏،‏ وإلقاء المسئولية عليهم ونشر الشائعات المسيئة‏.‏ ومن أخطاء اللسان ايضا مايتنافي مع العفة‏:‏ مثل القصص البطالة‏،‏ والفكاهات الماجنة‏،‏ والاغاني العالمية‏،‏ وكل كلام الإغراء الجنسي‏، والاسلوب غير المهذب‏،‏ والعبارات الوقحة‏.‏ وكل ماتستحيي الاذن الطاهرة من سماعه‏

ومن الاخطاء ايضا كلام القسوة‏،‏ مثل الكلام الجارح الموجع الذي لايبالي قائله بمشاعر من يتحدث اليه‏،‏ وكذلك ألفاظ التخويف ومااليه‏‏

ومن اخطاء اللسان مايمس العقيدة والإيمان‏:‏ مثل كلام التجديف‏،‏ ونشر الشكوك في المعتقدات والمسلمات‏،‏ ونشر البدع وتشويه أفكار البسطاء بالخرافات والأساطير‏،‏ وغير المعقول ولامقبول واستخدام اسم الله باطلا فيما لايجوز‏

ومن اخطاء اللسان مايتعلق بتعظيم النفس‏:‏ كعبارات الكبرياء والخيلاء‏،‏ والافتخار الباطل بالنفس‏،‏ ومحاولة تبرير الذات في اخطائها‏،‏ ومقاطعة الآخرين اثناء كلامهم‏،‏ والكلام بغطرسة‏،‏ وان يرفع الصغير صوته علي من هو اكبر منه‏،‏ وكذلك كلام العناد والمقاوحة‏‏

ومن الناحية الاخري الكلام الخاص بصغر النفس‏:‏ مثل كلام التملق والمديح الزائد الزائف‏، والسلوك بلسانين‏،‏ وكلام النفاق والرياء وكثرة الشكوي والتذمر وعبارات اليأس‏

ومن خطورة أخطاء اللسان‏:‏

‏إن الكلمة التي تخرج من فمك لاتستطيع ان تسترجعها ابدا‏،‏ وربما تندم عليها‏،‏ او تحاول تبريرها او الاعتذار عنها‏،‏ ومع كل ذلك فكل ماتقوله قد سمعه غيرك بكل مايحمل السماع من تأثرات‏،‏ وهنا تختلف خطايا اللسان عن خطايا الفكر والقلب التي هي في داخلك المقصورة عليك وحدك ولم تنكشف للآخرين‏

خطورة اخري من خطايا اللسان هي تأثيرها علي السامعين‏،‏ ولنفرض مثلا ان مشاعرك ساءت من جهة انسان‏،‏ ومازال الأمر داخل قلبك لم يصل بعد الي من فكرت بالسوء من نحوه‏،‏ فإلي هنا لاتسوء العلاقة بينك وبينه‏،‏ أما إن كشفت مشاعرك بألفاظ اساءت اليه‏،‏ فمن الصعب ان تعالج الامر‏.‏ لم يعد الامر حينئذ مقصورا علي خطية داخلك‏،‏ انما تطور الي علاقة خارجية‏،‏ وربما تحاول ان تصلح هذه العلاقة فلاتستطيع‏،‏ أو أن تصالح من سمع إساءتك اليه فيرفض ذلك‏،‏ لان ردود الفعل التي حدثت نتيجة كلماتك‏،‏ مازال تأثيرها يعمل داخل قلبك‏،‏ وقد لايعرض الامر بسلام‏،‏ لان كلامك قد سمعه آخرون‏.‏ وهنا تتسع الدائرة ويتحمس له الذين سمعوا‏،‏ او قدتتغير قلوبهم من نحوك‏،‏ او قد يرد عليك بالمثل‏..‏ وفي كل ذلك ربما تؤخذ عليك فكرة لاتعجبك ولاتستطيع ان تغيرها‏


وبقدر مايكون كلامك جارحا‏،‏ فعلي هذا القدر يكون تأثيره اعمق‏،‏ وقد يزداد التأثير إن كانت لهجة صوتك تماثل قسوة الفاظك وقد يدخل ذلك لذاكرة الناس ربما لاتنسي‏

خطورة اخري لأخطاء اللسان‏:‏ وهي انك قد تخطيء وتندم وتتوب‏،‏ ولكن اخطاءك تسبب ردود فعل وخطايا لغيرك قد لايتوب عنها‏.‏ وقد تسبب لغيرك عقدا نفسية من جهتك او من جهة أمثالك‏،‏ ويغرس كلامك في قلوب البعض شكوكا بمن قد شهرت بهم‏.‏ وتكون انت المسئول عما سببته لغيرك من أخطاء علي الرغم من توبتك‏

وإن كان ما أخطأت به بلسانك ليس إساءات للناس‏،‏ انما حكايات ماجنة وكلمات بذيئة‏،‏ صار يرددها من سمعها منك علي الرغم من توبتك‏،‏ وتكون انت علي الرغم من التوبة مسئولا عن خطايا لسانك بالنسبة لغيرك‏

واحيانا يكون خطأ لسانك مثالا خاطئا قدمته لمن هو اصغر منك وصار يتبعه‏،‏ وربما تغير انت تعليمك الخاطيء‏،‏ بينما يستمر بعض السامعين في ترديده‏،‏ وتكون مسئولا عنه‏،‏ فماذا يكون موقف ضميرك حينئذ؟

ان خطايا اللسان ليست عقيمة‏،‏ فما اكثر اولادها‏..‏ ولاشك ان الكلمة مسئولية‏،‏ سواء ان سمعت او كتبت‏،‏ وسعيد من يشعر بهذه المسئولية‏،‏ ويقدرها حق قدرها‏

من خطورة خطية اللسان انها ليست مقصورة علي اللسان‏،‏ بل هي اولا خطية قلب عبرت علي العقل ثم عبر عنها اللسان‏،‏ فالذي يتكلم مثلا بألفاظ قاسية‏،‏ واضح ان القسوة في قلبه‏،‏ وكل الفاظه الخاطئة تدل علي وجود نفس الخطأ داخل القلب‏،‏ إذن فخطية اللسان هي خطية مركبة‏:‏ خطية لسان وخطية قلب وخطية فكر‏،‏ لذلك الذي يريد ان يصلح اخطاء لسانه ويتخلص منها عليه ان يصلح أولا جذورها في قلبه‏

خطية اللسان اذن في الترتيب الزمني هي الخطية الثانية او الثالثة‏،‏ اما الاولي ففي القلب‏.‏ واحيانا تكون خطية اللسان ابنة لخطية أم‏.‏ فمثلا الذي يكذب بلسانه‏،‏ قديكون ذلك لكي يغطي علي خطية اخري قد ارتكبها‏،‏ او خطية يريد ان يرتكبها‏،‏ وفي حالة هذه التغطية باللسان تكون في قلبه إما مشاعر الخوف مما ارتكبه‏،‏ او مشاعر الشهوة مما يريد ان يرتكبه‏

وخطية النرفزة مثلا ترتبط بخطية اخري هي عدم الاحتمال‏،‏ وخطية الالفاظ القاسية ترتبط بعدم المحبة او بعدم احترام الذي يسمع‏

إن أدركت خطورة خطايا اللسان وخطورة نتائجها‏،‏ فاحرص دائما علي انك لاتخطيء بلسانك مهما كانت الاسباب‏،‏ تدرب علي ان تترك الالفاظ غير اللائقة التي تعودت عليها‏،‏ وتدرب علي ان تحترم سامعك قبل ان تسيء إليه


مقال قداسة الانبا شنوده الثالث – بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – في جريدة الأهرام – السنة 133 – العدد 44715 – يوم الأحد الموافق 10 مايو (أيار) 2009 ميلادية، 2 بشنس 1725 شهداء (قبطية)، 15 جمادى الأولى 1430 هجرية (للهجرة) – الصفحة العاشرة (10)، قضايا وآراء
http://www.ahram.org.eg




Share/Save/Bookmark

Thursday, May 14, 2009

آداب الحديث والمناقشة

آداب الحديث والمناقشة
بقلم: البابا شنودة الثالث

هناك اداب كثيرة للحديث والمناقشة سنذكر في هذا المقال بعضا منها‏:‏ اذا جلست تتحدث مع مجموعة من الناس فلا تأخذ الجلسة كلها لحسابك الخاص‏،‏ لا تحاول ان تكون المتكلم الوحيد‏،‏ او المسيطر علي دفة النقاش‏..‏ اعط فرصة لغيرك لكي يتحدث هو ايضا ويعبر عن رأيه ولا تشعر احدا انه غريب في مجلسك‏،‏ بل شجعه وقل له في مودة‏: (‏ يسرنا ان نسمع رأيك‏).‏ حبذا لو كنت في الحوار آخر المتكلمين وليكن لتأخرك في الحديث هدفان‏:‏ هما الادب والحكمة‏

اما الحكمة فهي لكي تكون لك فرصة في ان تدرس موضوع الحديث جيدا قبل ان تتكلم فيه مع الحاضرين‏،‏ وان تستعرض في ذهنك كل وجهات النظر وبراهينها واسانيدها حتي اذا ما تحدثت يكون ذلك عن دراية ومعرفة وتكون قد أعطيت غيرك فرصة للتعبير واعطيت نفسك فرصة للاستيعاب والتفكير‏.‏ اما الادب فهو ان تفضل غيرك علي نفسك‏..‏ تقدمه عليك في الحديث احتراما لرأيه او لسنه‏،‏ او لرتبته في ابداء الرأي‏،‏ او لخبرته‏

وفي هذا الادب لا تحاول ان تجيب بنفسك عن كل سؤال وبخاصة الموجه الي غيرك وانتظر الي ان يتكلم الآخرون وان كان هناك ما يحتاج الي اضافة‏،‏ اذكره في اتضاع مع احترامك لكل ما قيل من قبل‏

في حديثك راع الدقة والدماثة بهذا تكسب محبة السامعين واحترامهم اذا تستأسرهم برقة اسلوبك وهذه الرقة في الحديث تتماشي مع فضيلة الوداعة والانسان الوديع يتناقش بطريقة طيبة‏،‏ ولا تصدر منه كلمة قاسية او جارحة‏،‏ وفي هذه الرقة اوالوداعة لاتحتد علي احد ولا تتفاخر برأي حسن قد أبديته‏

وان سئلت عن موضوع لم تدرسه‏،‏ فلا تدع معرفتك بكل شئ ويمكن ان تقول‏: (‏آسف انني لم ادرس هذا الموضوع جيدا‏)‏ وعلي رأي المثل‏: (‏من قال لا اعرف فقد افتي‏)‏ ولا تظن ان قولك هذا يقلل من كرامتك‏،‏ بل علي العكس يزيد الناس ثقة بما تقوله‏

وطبعا يقتفي الاتضاع الادب انك لا تقاطع غيرك اثناء حديثه لا تسكته لكي تتكلم انت‏،‏ فإن هذا يدل علي عدم احترامك لمحدثك‏،‏ ويحدث احيانا اذا ما قاطعت غيرك في الحديث‏،‏ انه لا يقبل ذلك منك ويقاطعك هو الآخر‏،‏ ولا يكون مستعدا لسماعك‏،‏ وتتبادلان المقاطعة انتما معا بدون فائدة وتختلط كلماتكما بطريقة مشوشة‏،‏ واسلوب معثر للآخرين ويبدو للسامعين انكما لستما في حوار وإنما في شجار‏

وان كنت في حوار وأخطأ من تحاوره‏،‏ فلا تكشفه بطريقة تحرجه او تخجله‏،‏ ولا تتهكم عليه ولا تتعرض لأخطائه في قسوة‏،‏ اظهر الرأي السليم في ايجابية ووقار دون ان تحطم غيرك‏،‏ خذ الخير الذي في كلام محدثك واترك الباقي وامتدح للنقاط البيضاء السليمة التي في حديث من أخطأ قبل ان تتعرض للرد علي اخطائه وليكن كلامك كله في موضوعية وايجابية‏

ان كنت تعرف ما سيقوله محدثك‏،‏ سواء كان ذلك في قصة او فكاهة او في اقتباس ما فلا تخجله وتسكته بل استمع الي كلامه في هدوء‏،‏ كما لو كنت تسمعه لأول مرة‏،‏ واظهر اعجابك بما يستحق الاعجاب فيما تسمعه ولا تسبقه بالكلام او تكمل له ما يريد ان يقوله فيضطر ان يقطع حديثه ويصمت في خجل‏

لا يكن هدفك من النقاش ان تغلب الناس وتهزمهم بل الافيد ان تريحهم وان تقنعهم لا ان تضرهم بكسب المناقشة‏،‏ ان بعض الناس يظنون ان الانتصار يكون في تحطيم مناقشيهم او في اضحاك الناس عليهم‏،‏ لكن الانسان الناجح هو الذي يريح من يناقشه وبهذا يربح المناقشة‏

إن القديس ديديموس الضرير استطاع ان يهدي الي الايمان كثيرا من الفلاسفة الوثنيين‏،‏ وذلك باسلوبه المهذب في الحوار معهم‏

كن دقيقا في كلامك وفي اختيار الالفاظ وهناك كلمات كثيرة يمكنك ان تستبدل بها غيرها ويكون ذلك افضل واصوب واكثر دقة وايضا يكون اخف وقعا علي آذان الناس وعلي قلوبهم‏،‏ ويؤدي نفس المعني دون ان تخطئ‏

فكن حكيما في اختيار الالفاظ وقل كل كلمة بميزان دقيق ولا تبالغ‏،‏ فالمبالغة تتنافي مع الحق وتكون مكشوفة وغير مقبولة‏.‏ ليكن كلامك بقدر‏،‏ وحافظ علي وقت محدثك فلا يصح أن تطيل الكلام في موضوع لا يستحق الاطالة فيه او في موضوع لا يهم محدثك في قليل أو كثير‏،‏ ولا تطل الحديث مع انسان يكون مشغولا‏،‏ والوقت غير مناسب‏،‏ أو هو يريد ان ينهي الحديث‏،‏ سواء كان صريحا في ذلك او يمنعه خجله‏،‏ لذلك من الخير أن تبادر أنت بإنهاء الحديث في لباقة‏،‏ ولا تنتظر ان يمل هو‏،‏ أو يقلق بسبب مشغولياته الأخري‏.‏ لا تكن كثير الشروخات او طويل المقدمات‏،‏ خاصة ان كنت تتحدث مع انسان ذكي يفهم بسرعة‏،‏ او مع انسان قد ادرك تماما ما تريد ان تقوله‏،‏ وليس في حاجة الي توضيح اكثر‏،‏ والا تصبح شروحاتك واطالتك ضغطا علي اعصابه‏.‏ في حديثك مع الناس‏،‏ لا تضغط عليهم في معرفة اسرارهم‏،‏ او اسرار غيرهم‏،‏ ولا تكن لحوحا في ذلك‏،‏ واحترس جدا من الاسئلة التي تمس حياة الناس الخاصة‏،‏ ولا تحاول ان تعرف ما ليس من حقك ان تعرفه‏،‏ ولا ما يحرص غيرك علي كتمانه‏،‏ سواء كان ذلك فيما يتعلق به‏،‏ او بأقاربه او بأصدقائه أو بمعارفه‏

ينبغي ان تحترم خصوصيات الناس‏،‏ ولا تصر علي كشف ما يريد غيرك ان يستره او يغطيه‏،‏ فليس هذا نافعا لك ولا لهم‏،‏ وان وجدته غير مستعد لما تريده منه‏،‏ فلا تصر علي طلبك‏،‏ متجاهلا اعصابه ونفسيته‏،‏ ان كان عازفا عن الاجابة‏،‏ فلابد ان هناك سببا يدعوه الي ذلك فلا تضغط عليه‏

في المناقشة ان وجدت الحق في الجانب الآخر فلا تغالط فإن المغالطة تفقدك احترام الناس ومن الخير لك ان تقول لمناقشك انت علي حق في هذه النقطة‏،‏ وبهذا تكسب تقديره لك‏،‏ اما اذا كنت صاحب الرأي الصواب وتنازل محدثك عن رأيه‏،‏ تتركه ينسحب دون اذلال‏،‏ ولا تحاول ان تريق ماء وجهه في انسحابه‏.‏ وهناك امور من الافضل ان تناقش فيها غيرك علي انفراد وربما يعترف بخطئه امامك ولا يستطيع ذلك امام الناس‏


مقال قداسة الانبا شنوده الثالث – بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – في جريدة الأهرام – السنة 133 – العدد 44708 – يوم الأحد الموافق 3 مايو (أيار) 2009 ميلادية، 25 برموده 1725 شهداء (قبطية)، 8 جمادى الأولى 1430 هجرية (للهجرة) – الصفحة العاشرة (10)، قضايا وآراء
http://www.ahram.org.eg


Share/Save/Bookmark

Thursday, April 30, 2009

ما بين الصمت والكلام

ما بين الصمت والكلام
بقلم: البابا شنودة الثالث


يقف أمامنا سؤال مهم‏:‏ أيهما أفضل الصمت أم الكلام؟

لكل شيء تحت السموات وقت‏،‏ فلا يجوز الصمت حين ينبغي الكلام‏،‏ ولايجوز الكلام حين يجب الصمت‏،‏ وقد قال الآباء‏:‏ الصمت من أجل الله جيد‏،‏ والكلام من أجل الله جيد‏،‏ ولقد خلق الله الانسان كائنا عاقلا ناطقا‏،‏ لكي ينطق ولكن بعقل‏، كما ان الله خلق للانسان اذنين ولسانا واحدا‏،‏ لكي يسمع اكثر مما يتكلم‏،‏ كما جعل الاذنين مفتوحتين باستمرار‏،‏ اما اللسان فجعله في فم مغلق بشفتين وحول اللسان أسوار من الاسنان‏،‏ كل ذلك لكي يستمع أكثر مما يتكلم‏،‏ وقد جعل الله الاذنين كلا منهما في اتجاه‏،‏ واحدة منهما في اليمين والأخري في اليسار‏،‏ لكي من الناحية الرمزية يستمع الانسان إلي الرأي وإلي الآخر وبين الأذنين يوجد الرأس يرمز إلي العقل والفكر‏،‏ للحكم بين الرأي والرأي الآخر‏.‏ والكلام علي انواع‏:‏ فقد يكون وصفا أو شرحا‏،‏ وقد يكون فخرا وذما في الآخرين‏،‏ وقد يكون عبادة أو مجونا‏،‏ وقد يكون سؤالا أو حكما علي الآخرين‏،‏ وقد يكون وعظا أو تعليقا علي الواعظ قد يكون نقدا أو إعجابا‏..‏ وفي كل ذلك وغيره ينبغي ان تكون الحكمة مشرفة علي ذلك كله‏.‏ من جهة المشيرين‏:‏ يحدث أن أبا في ساعة وفاته يترك وصية لابنائه‏،‏ كما يحدث ان يتلقوا مشورات من آخرين‏:‏ من قادة دينيين‏،‏ ومن مدرسين ومعلمين‏،‏ ومن بعض ذوي الخبرة‏،‏ ومن آخرين‏،‏ وقديما كان اشخاص يأتون من اقاصي الأرض ليسمعوا كلمة منفعة من أحد المتوحدين في البراري‏..‏ كل ذلك تتلقاه الأذنان‏،‏ ويصل إلي العقل‏،‏ وإلي الضمير‏،‏ ويكون الانسان مستمعا لامتكلما‏..‏ واحيانا بالضرورة يلجأ إلي الحوار فيما يسمع‏،‏ إما لكي يفهم‏،‏ أو لكي يتأكد‏..‏ أما المتكلمون في أذنيه فيشعرون ان هذا واجب عليهم‏.‏ ومع كل ذلك لقد قدم لنا التاريخ امثلة من الصامتين‏،‏ كان النساك المتوحدون يرون ان الصمت افضل‏، لانهم بذلك يتفرغون للحديث مع الله وليس مع الناس‏،‏ أما الصمت بالنسبة للناس العاديين فانه يعطيهم مزيدا من التفكير‏،‏ عن أخطاء اللسان‏،‏ وبالتالي حكمة في التدبير‏،‏ والانسان الحكيم اذا سئل سؤالا‏،‏ احيانا يصمت قليلا ثم يجيب‏،‏ لكي يعطي مجالا ليقدم احسن اجابة‏،‏ وذلك لان التعمق فيما ينبغي ان يقال هو افضل من التسرع في الاجابة عن شيء قبل فهمه جيدا واستيعابه بعمق‏

إن كان حكماء كثيرون قد فضلوا الصمت علي الكلام‏،‏ ففي الواقع ليس كل صمت فضيلة‏،‏ وليس كل كلام خطيئة أو نقصا‏،‏ فكما اننا في بعض الاحيان ندان علي كلام خاطيء أو متسرع‏،‏ فإننا في أحيانا اخري ندان علي صمتنا‏،‏ فالمسألة تحتاج إلي حكمة وتمييز لنعرف متي نتكلم وبأي اسلوب؟ ومتي نصمت؟ وإلي متي ؟ لاشك ان هناك كلاما نافعا ومفيدا حين نتكلم بالصالحات‏، والصمت حالة سلبية‏،‏ بينما الكلام حالة إيجابية‏.‏ وإنما يدرب الناس أنفسهم علي الصمت كحالة وقائية من اخطاء اللسان‏،‏ إلي ان يتدربوا علي الكلام النافع‏

وسوف نقدم هنا امثلة للكلام النافع‏،‏ وهو كل كلمة تفيد السامع لبنيان عقله وروحه‏،‏ ولثقافته وهدايته‏:‏ من ذلك كلمة النصح والارشاد لمن يحتاج إليها‏،‏ حتي لايضل الطريق‏،‏ وكلمة الحكمة التي يجعلها السامع نبراسا له في طريق الحياة‏،‏ وكلمة التشجيع لانسان علي حافة اليأس أو في حالة انهيار‏،‏ لكي تبعث فيه الرجاء من جديد‏،‏ وكلمة العزاء لشخص حزين‏.‏ كذلك كلام التعليم علي شرط ان يكون تعليما سليما‏،‏ يضاف إلي ذلك كلمة البركة من اب لابنه‏،‏ أو من استاذ لتلميذه‏

كذلك كلمة التوبيخ المخلصة التي تصدر من صديق أو مرشد أو أب‏، لكي تحذر شخصيا يسير في طريق خاطيء‏،‏ حتي يصحح سلوكه أو يمتنع عن خطأ سيفعله‏،‏ كل ذلك يدخل في نطاق كلام المنفعة‏،‏ لان من يسمعه ينتفع به‏

ما أكثر كلام المنفعة في الحياة العملية‏،‏ من أجله تنعقد مؤتمرات التوعية في شتي المجالات‏:‏ منها مؤتمرات الأسرة ليتكلم فيها متخصصون عن كيف يتعامل الخطيبان معا‏،‏ أو كيف يسلك المتزوجون حديثا في حياة جديدة عليهم‏،‏ أوكيف تحل المشكلات الزوجية دون ان تتسع أو تصل إلي المحاكم‏، ودون ان تدخل فيها الحموات فتعقدها‏،‏ بل ربما يعقد مؤتمر أسري عن مثالية سلوك الحموات الفضليات‏..‏ كل ذلك كلام منفعة‏.‏ تعقد مؤتمرات للشباب يسمعون فيها ممن هم أكبر منهم سنا‏،‏ وأكثر منهم معرفة‏،‏ يحدثونهم عن طاقة الشباب في تلك السن وكيف تستخدم‏،‏ وعن المفهوم السليم لكلمة الحرية‏،‏ والمفهوم السليم للقوة وعن النجاح في الحياة وكيف يكون؟ وعن العلاقة المثلي في محيط الأسرة‏،‏ وبين الاصدقاء وفي المجتمع‏..‏وكل ذلك كلام نافع‏

مثل آخر هو المؤتمرات العلمية التي تعقد لكي يستمع فيها رجال العلم إلي آخر ماوصل إليه العلم في نقاط معينة‏

كل ذلك كلام نافع يسعي إليه الناس للاستفادة‏،‏ يضاف إليه كلام الحكماء والادباء والمتخصصين في نطاقهم‏،‏ وايضا كلام المسئولين إلي من هم تحت ادارتهم‏..‏ ويعتبر كل ذلك في حدود الواجب يلام من يقصر فيه‏

لايستطيع الاب ان يقول الصمت فضيلة ويقصر في تربية أولاده‏،‏ بينما يقول الشاعر‏:‏ وينشأ ناشيء الفتيان منا‏..‏ علي ما كان عوده ابوه‏

وكذلك الأم في تربيتها لاطفالها من بدء سنهم‏.‏ هناك كلام يدخل في حدود الواجب‏، وهو لازم وملزم‏،‏ فلايجوز التقصير في واجب التعليم والتهذيب والتربية‏.‏ كذلك ان صمتنا عن الشهادة للحق ندان علي صمتنا وان أعطي صمتنا مجالا للباطل ان ينتشر وان ينتصر‏،‏ كذلك ندان علي صمتنا وان قصرنا في إنذار البعض وأضر ذلك بنفسه أو بغيره ندان ايضا‏..‏ وهكذا إن رأيت شخصا يوشك ان يسقط في حفرة‏،‏ ولم تحذره‏،‏ فان سقط ومات يطالبك الله بدمه ويزعجك ضميرك‏..‏ بهذا يكون الواجب علي الرعاة والقادة ان يتكلموا‏،‏ ويجب الكلام ايضا علي من كلفهم الله ان يقولوا كلمة الحق ويشهدوا لوصاياه‏

وحينئذ تكون الفضيلة ان نتكلم حين يجب الكلام‏

أما عن الصمت لكي نتقي اخطاء الكلام‏،‏ وكذلك الحديث عن أخطاء الكلام وأداب الحديث فله منا بمشيئة الله مقال آخر‏


مقال قداسة الانبا شنوده الثالث – بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – في جريدة الأهرام – السنة 133 – العدد 44701 – يوم الأحد الموافق 26 ابريل (نيسان) 2009 ميلادية، 18 برموده 1725 شهداء (قبطية)، 30 ربيع الاخر 1430 هجرية (للهجرة) – الصفحة العاشرة (10)، قضايا وآراء،
http://www.ahram.org.eg


Share/Save/Bookmark

Saturday, April 25, 2009

لقاءات عجيبة في القيامة

بقلم : البابا شنودة الثالث
أهنئكم يا أخوتي وأبنائي بعيد القيامة‏،‏ راجيا فيه لبلادنا العزيزة سلاما وأمنا‏،‏ وراجيا للعالم كله قياما من سقطته المالية‏،‏ وكل آثارها المؤلمة في جميع الأقطار‏..‏

وبعد‏.‏ نحن قد تعودنا في كل عام أن نتحدث عن القيامة العامة‏،‏ وما تحوي من معان وأفكار وتأملات‏،‏ عارفين الأهمية العظمي لقيامة الأموات‏،‏ التي لولاها لتشابه البشر مع الحيوانات والحشرات والهوام‏،‏ تلك التي تنتهي حياتها بالموت وبعده الفناء‏....‏ أما البشر فيمتازون بأن لهم حياة أخري بعد الموت بدايتها القيامة التي يدخلون بها إلي الحياة الأبدية التي لا تنتهي‏.‏

ومن نعم القيامة أنها تفتح الباب للقاءات كثيرة وعجيبة ومجيدة‏،‏ ما كان ممكنا أن تحدث إطلاقا بدون القيامة‏..‏

أول هذه اللقاءات‏:‏ لقاء اثنين كانا متلازمين ومتزاملين طول العمر كله‏،‏ لا يفترقان لحظة واحدة‏،‏ بل إنهما كانا في وحدة عجيبة واندماج فوق الوصف‏....‏ وأعني بهذين الاثنين‏:‏ الروح والجسد في كل إنسان‏،‏ وفي الوحدة التي عاشاها‏، كانت مشاعرهما تندمج‏،‏ فإن فرحت الروح‏،‏ يبتسم الجسد أو يضحك ويتهلل‏،‏ وإن حزنت الروح‏،‏ فإن الجسد يكتئب أو يبكي‏،‏ وإن دخلت الروح في مجال الصلاة‏،‏ فإن الجسد يركع أو يسجد أو يقف في خشوع‏،‏ وما إلي ذلك من نواحي المشاركة في كل المشاعر والانفعالات التي يسمونها في عالم الطب سيكو سوماتيك حقا كل منهما للآخر شريك العمر‏.‏

هذان الصديقان المتلازمان افترقا بالموت‏،‏ فصعدت الروح إلي فوق‏،‏ ونزل الجسد إلي أسفل ودفن‏،‏ وبقيت الروح حية لم تمت‏،‏ أما الجسد فتحلل وتحول إلي تراب‏..‏ ومرت مئات أو آلاف السنين علي الافتراق الكامل بين الروح والجسد‏.‏

وأخيرا بالقيامة قام الجسد‏،‏ وارسل الله الروح لتتحد بالجسد وبلا شك أنها وجدته يختلف في بعض الأحوال عما كان من قبل‏،‏ لأن الله لا يقيم جسدا بعيوب كانت له‏،‏ فالأعمي لا يقوم أعمي‏،‏ بل يقوم ببصر جيد‏،‏ والأعرج والكسيح لا يقومان‏،‏ كما هما‏،‏ بل بأرجل سليمة‏،‏ وهكذا باقي المعاقين لا يقومون بأية إعاقة‏،‏ وأيضا المشوه والذي يمنحه الرب في القيامة جمالا‏.‏

والذين بترت اعضاء من جسهم في حوادث أو جراحات‏...‏ وركبت لهم أعضاء تعويضية‏، كل أولئك يقومون بأعضاء طبيعية سليمة‏..‏

هنا‏، يقف أمامنا سؤال هو‏:‏ كيف ستتعرف الروح علي جسدها لكيما تتحد به‏،‏ بعد تلك الغربة الطويلة والتغيرات الكثيرة؟ لاشك أن ذلك معجزة أخري‏!‏ هل هي ترجع إلي ذاكرة عجيبة للروح؟ أم أنها نعمة معرفة موهوبة لها؟‏!‏

المهم أن كل روح تتحد بجسدها ثم يقفان معا امام الله العادل في يوم الحساب الرهيب أو يوم الدينونة العامة‏،‏ لكي يقدما حسابا عن كل ما فعلاه خلال عمرهما الأرضي‏،‏ خيرا كان أم شرا مما اشتركا فيه معا‏،‏ وبعد صدور حكم الله عليهما‏،‏ يذهبان معا إلي مصيرهما الأبدي‏..‏

هذا هو اللقاء الأول في القيامة‏..‏ وماذا عن اللقاء الثاني؟ إنه لقاء الأحباء معا‏،‏ والأقارب والمعارف والأصدقاء‏...‏ منه لقاء الأسرة التي فقد لها حبيب بالموت‏،‏ ومرت علي ذلك سنوات لهم في الحزن والبكاء عليه‏،‏ ثم يكون اللقاء معه في القيامة العامة‏...‏ إنه لقاء الأرامل بالأزواج‏،‏ أو لقاء اليتامي بالآباء والأمهات‏...‏

وهنا أضع مثالا نادرا‏،‏ وهو رجل مات وقد ترك زوجته حبلي‏،‏ فولدت ابنا بعد موت ابيه‏،‏ لم ير أباه قط‏،‏ ولا يعرف شكله‏، هذا كيف سيتعرف علي أبيه في وقت القيامة؟‏!‏

مثال آخر وهو التعرف علي سلسلة الأنساب‏:‏ أي تعرف شخص علي جده وأبي جده‏،‏ وجد جده وجد جد جده‏،‏ إلي آخر السلسلة؟‏!‏ من سيقوم بتعريف الأسرة علي أصولها‏...‏؟‏!‏ ثم إذا كانت الأجساد ستقوم روحية غير مادية‏،‏ كما نعتقد ــ فكيف ستكون عملية التعرف أو التعريف؟

ثالث لقاء هو لقاء الناس عموما‏،‏ بعضهم بالبعض؟ علما بأن اللقاء في النعيم الأبدي سيكون فقط للأبرار مع الأبرار‏،‏ أما الخطاة فإنهم سيطرحون خارجا في الظلمة‏،‏ بعيدا عن نور الله ونور ملائكته وقديسيه‏...‏

وهنا تخطر لي بعض اسئلة منها‏:‏
أم بارة كان لها ابنان‏:‏ أحدهما بار ذهب إلي السماء‏،‏ ورأته معها‏،‏ والابن الآخر لم يستحق أن يدخل السماء‏،‏ فلم تره أمه‏،‏ ولن تراه‏...‏ ماذا يكون شعورها وعاطفتها نحوه‏، مع معرفتنا بأن مكان النعيم الأبدي قد هرب منه الحزن والكآبة والتنهد‏،‏ إنه مكان للفرح الكامل الدائم‏،‏ فهل تلك الأم التي فقدت أحد ابنيها في الأبدية‏،‏ سينعم الله عليها بنسيانه تماما‏،‏ وكأنه لم يولد؟ أم أن مشاعرها ستكون كلها مركزة في الله وفي البر والأبرار‏،‏ بحيث لا يخطر لها علي بال ذلك الابن؟‏!‏

مثال آخر‏:‏ إنسان بار مات قتيلا‏.‏ وكان قاتله قد ندم من كل قلبه علي القتل‏،‏ وتاب توبة حقيقية‏،‏ وقبل الله توبته وذهب إلي السماء‏،‏ والتقي القاتل والقتيل معا في دار النعيم‏،‏ كيف يكون شعورهما‏،‏ وفي الأبدية لا توجد مشاعر خاطئة إطلاقا‏،‏ يقينيا سيلتقيان بكل مودة وحب وفرح‏،‏ ولكن من أي نوع ستكون تلك المودة وذلك الفرح؟

النوع الرابع من اللقاء في العالم الآخر‏،‏ سيكون لقاء شعوب وأمم وأجناس‏،‏ من الأبرار من كل مكان‏،‏ من الجنس الآري إلي الجنس الزنجي‏،‏ وما بينهما من أجناس حسب تقسيم علم الأنثروبولوجي‏:‏ شعوب بيضاء وسوداء وصفراء بدرجاتها وأنواعها‏...‏ حشد كبير لا يحصي‏.‏

لا أدري كيف سيتعرفون علي بعضهم البعض؟ أم أن الله ــ تبارك اسمه ــ سوف يصنفهم صفوفا صفوفا‏،‏ وفرقا فرقا حسب درجات إيمانهم ودرجات روحانيتهم ودرجات معرفتهم‏،‏ والكل أبرار ومقبولون‏...‏ ولكن هل يمكن لقاء الكل بالكل؟ أم هذا غير ممكن؟ هنا يقف عقلي محتارا‏،‏ لا يعرف كيف يجيب‏،‏ وعلي رأي الشاعر ذو الحجي من قال إني لست أدري‏.‏

وهنا تحضرني قصة أخ أرسل إلي قديس شيخ متوحد‏،‏ في أيامه الأخيرة يقول له‏:‏ اسمح لي يا أبي أن أزورك الآن وأراك قبل أن تنطلق إلي مستواك العالي في الأبدية حيث لا يستطيع ضعيف مثلي أن يقترب‏،‏ فهل يعني هذا أن درجات الأبرار تكون في مستويات كل منها أعلي من الآخر‏،‏ وليست الخلطة متاحة للكل‏!‏ بل يرون من بعيد دون أن يندمجوا معهم ويعطلوا ما هم فيه من متعة روحية في الأبدية‏!‏

إن كان الأمر هكذا فكيف يتاح للأبرار اللقاء الخامس الذي هو اللقاء مع الملائكة‏،‏ وما هم فيه من درجات يعلو بعضها بعضا؟‏!‏ أم أن في الحياة الأخري عشرة مع الملائكة‏،‏ دون أن يعني هذا اندماجا شاملا؟ أم هناك اندماج لأن عدد الملائكة لا يحصي‏،‏ فيمكن لأعدادهم الوافرة أن تندمج بالبشر الأبرار‏،‏ وبدء ذلك الشهداء منهم والأنبياء والرسل وسائر القديسين الذين سيكون لقاء الأبرار بهم نوعا من اللقاءات في الأبدية‏...‏

أخيرا يخيل إلي انني تناولت موضوعات أعلي من مستوي فهمي البشري‏،‏ ويكفي أن نقول إنه ستكون لنا في الأبدية لقاءات عديدة تحدثنا عن أنواعها‏،‏ أما كنه تلك اللقاءات ونوعيتها‏،‏ فإنه من الأمور التي لم تعلن لنا‏،‏ ولا يسوغ لنا الخوض في أعماقها‏...‏

ختاما أرجو لكم كل خير‏،‏ وكل عام وأنتم في بركة ونعمة‏،‏ مصلين من أجل رئيس دولتنا المحبوب محمد حسني مبارك أن يمنحه الرب قوة خاصة تسنده في جهاده من أجل حفظ السلام في بلادنا وما يحيط بها‏.‏


مقال قداسة الانبا شنوده الثالث – بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – في جريدة الأهرام – السنة 133 – العدد 44694 – يوم الأحد الموافق 19 ابريل (نيسان) 2009 ميلادية، 11 برموده 1725 شهداء (قبطية)، 23 ربيع الاخر 1430 هجرية (للهجرة) – الصفحة العاشرة (10)، قضايا وآراء،
http://www.ahram.org.eg


‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏


Share/Save/Bookmark

Friday, April 17, 2009

توتر الأعصاب

ماهي الأسباب التي تؤدي إلي توتر الأعصاب؟ وكيف يتصرف الإنسان إذا وجد أن أعصابه متوترة؟ وما هو علاج توتر الأعصاب بصفة عامة؟ إن أسباب توتر الأعصاب‏:‏ بعضها جسدية‏،‏ والبعض نفسية أو روحية‏.‏ فمن الأسباب الجسدية التعب والإرهاق‏:‏ إن الأعصاب تتعب ضمن الجسد المتعب‏.‏ وتكون في حالة لاتحتمل فيها شيئا‏.‏ وأي ضغط عليها أو أية إثارة‏،‏ تسبب لها توترا‏،‏ يظهر في انفلات الإنسان وتصرفاته‏:‏ إن العمل المتواصل يعرض الأعصاب ـ كما يعرض الجسد كله ـ إلي الإرهاق‏.‏ لذلك يحتاج الإنسان إلي الراحة والاسترخاء خلال فترات العمل‏.‏ كما يحدث مع تلاميذ المدارس‏:‏ يعطونهم فسحة بين الحصص‏،‏ يسمونها في الإنجليزية ‏break ، لأنها تكسر حدة العمل المتواصل‏،‏ وتريح الذهن‏،‏ كما تريح الجسد‏،‏ وبالتالي تريح الأعصاب‏.‏ ونلاحظ أن الله ـ تبارك اسمه ـ قد منحنا يوم راحة في الأسبوع‏.‏ لأنه وهو الخالق لطبيعتنا‏،‏ يعرف أن طبيعتنا تحتاج إلي هذه الراحة‏،‏ كما يعرف أن العمل المتواصل بدون راحة‏،‏ يسبب للإنسان مشاكل كثيرة‏.‏ لذلك احترس من أن تدخل في لقاء أو حوار ساخن‏،‏ وأنت مرهق جسديا‏،‏ لأن أعصابك أيضا تكون مرهقة‏،‏ ولاتحتمل سخونة الحوار‏..‏ بينما إذا تم ذلك اللقاء ـ وأنت مستريح جسديا وعصبيا ـ فانه يمر بطريقة سهلة ويأتي بنتيجة أفضل‏.‏ إذن لاتعتبر فترات الراحة والاسترخاء لونا من الترفه‏،‏ بل هي من لوازم النجاح‏.‏ وكما لاتدخل في نقاش حاد وأنت مرهق‏، كذلك لاتدخل في مثل هذا النقاش مع شخص تعرف أنه مرهق‏،‏ لأن حالته الصحية لاتساعده علي التفكير العميق‏،‏ ولاعلي مجابهة رأي معارض‏.‏

أيضا قد يكون من أسباب التوتر‏،‏ مرض الأعصاب‏:‏

فالأعصاب المريضة لاتحتمل كثيرا‏،‏ بل تتوتر بسرعة‏.‏ وهي تحتاج إلي علاج عند أطباء متخصصين‏،‏ وبعض أمراض الأعصاب لاعلاقة لها بالنفسية والأخلاق‏.‏ مثال ذلك‏:‏ شخص مريض بالعمود الفقري‏،‏ وإحدي الفقرات تضغط علي عصب معين فتتعبه أو تلهبه‏.‏ ويكون هذا المريض ـ في ألمه ـ غير محتمل لحوار أو نقاش‏.‏ بل المرضي عموما‏،‏ الذين يشتد عليهم المرض والألم‏،‏ قد يكونون في حالة من التعب لاتحتمل أي لون من الجدل‏.‏ وقد يكون سبب التوتر‏،‏ أن الشخص عصبي بطبعه‏،‏ يثور بسرعة لأدني سبب‏.‏ ويحتد ويرتفع صوته‏،‏ وتتغير لهجته‏،‏ وتتجهم ملامحه‏،‏ ومثل هذا الشخص يحتاج إلي علاج نفسي‏،‏ وإلي تداريب روحية علي الهدوء وضبط النفس وحسن معاملة الآخرين‏.‏ والمعروف أن كلمة نرفزة مأخوذة من كلمة ‏nerves‏ أي أعصاب‏..‏ فابعد عن الاحتكاك بمثل هؤلاء‏،‏ لئلا تسمع منهم ما لايرضيك‏.‏ وقد يكون سبب توتر الأعصاب‏،‏ هو طبع العنف أو التزمت‏:‏
فالإنسان الذي يتخذ العنف منهجا في حياته‏،‏ تكون طبيعة تصرفاته مصحوبة بالتوتر‏.‏ ولايقبل نقاشا ولامخالفة له في الرأي‏.‏ ويحاول أن يصل إلي هدفه بسرعة ومن أقصر الطرق‏،‏ وبشدة‏.‏ فلو قوبل عنفه بعنف‏،‏ يزداد الأمر توترا من الجانبين‏.‏ كذلك الإنسان المتزمت لايكون واسع الصدر‏،‏ ولاواسعا في تفكيره‏.‏ وتزمته يجعله يضيق علي نفسه‏،‏ وعلي غيره أيضا‏، ويكون التعامل معه مشحونا بالتوتر‏.‏ وكما نجد الأشخاص المتزمتين ملامحهم عابسة‏،‏ بجدية متحفزة وعيون ملتهبة‏،‏ وأعصاب مستعدة للهجوم‏،‏ مع تعليقات متشددة قاسية‏:'‏ هذا خطأ‏،‏ وهذا حرام‏،‏ وهذا لايليق‏'.‏ والمتزمت قد يقيم نفسه رقيبا علي جميع الناس‏،‏ ومصلحا للمجتمع كله‏،‏ محاولا أن يصلح الكبار كما يصلح الصغار‏،‏ والذين يعرفهم والذين لايعرفهم‏،‏ إنه يثور علي كل شيء‏، في كل مكان‏،‏ في كل مناسبة ولامناسبة‏..‏ كل ذلك بأعصاب متوترة‏.‏ لذلك‏، نصيحتي إليك ـ لكي تهدأ أعصابك وتبعد عن التوتر ـ أنك لاتقم نفسك رقيبا علي غيرك‏.‏ ولاتتدخل فيما لايعنيك‏،‏ ولا تحاسب أحدا إلا ما هو في حدود مسئوليتك الخاصة‏.‏ أما ما هو خارج ذلك‏،‏ فلا تحشر نفسك فيه‏،‏ وقل لنفسك‏:'‏ من أقامني قاضيا أو محاسبا‏'.‏ بهذا تستريح أعصابك وتهدأ‏.‏ وقد يكون سبب التوتر حالة نفسية‏:‏ مثل الاضطراب أو القلق‏،‏ أو الخوف أو الخجل أو التردد‏.‏ ففي هذه الحالات تتوتر الأعصاب‏،‏ وبخاصة لو لم تجد حلا‏،‏ ولم تجد وسيلة للتعبير عما تريد‏..‏ ويحتاج الإنسان في هذه الحالة‏،‏ أن يهدئ نفسه من الداخل‏.‏ كذلك قد تتعب الأعصاب‏،‏ بسبب الأفكار السوداء‏:‏ إذ يفكرون بطريقة تشد أعصابهم وتتعبهم‏.‏ مثال ذلك الذي لايتوقع إلا شرا‏،‏ ولا يتخيل إلا أسوأ النتائج‏.‏ ومثله الإنسان الشكاك‏،‏ والمعقد‏،‏ والذي يتمادي بسرعة في تفكيره‏،‏ بغير حدود‏، فتتعب أعصابه‏.‏ ومن أسباب توتر الأعصاب‏،‏ الضغوط الخارجية‏:‏ مع خطأ التعامل معها‏.‏ كالمشاكل والضيقات المتتابعة‏،‏ والتي تبدو صعبة الحل‏.‏ وأيضا أخطاء الآخرين ونتائجها‏،‏ أو قسوتهم وسوء معاملتهم‏.‏ علي أن كل الضغوط الخارجية لاتؤثر إلا من جهة نفسية الشخص‏.‏ فالبعض قد يقابلها باحتمال أو بحكمة‏،‏ والبعض يقابلها بلا مبالاة أو يجعلها خارج نفسه‏.‏ والبعض يقابلها بانفعال‏،‏ وتتوتر أعصابه بسببها‏.‏ ومن أسباب التوتر سماع أو قراءة الأخبار المتعبة‏:‏ فهي إما أن تكون متعبة في نوعيتها‏، أو في تكرارها‏.‏ فالأخبار المزعجة والمقلقة والمثيرة‏،‏ أو التي تحوي ظلما أو تسبب شرا‏،‏ والأخبار المغرضة‏، والأخبار الكاذبة‏..‏ كل هذه كلها تثير الأعصاب وتسبب توترا‏،‏ لذلك فالبعد عن هذه الأخبار يريح النفس‏،‏ وأيضا مقابلتها بلا مبالاة‏..‏

من أسباب توتر الأعصاب أيضا الإلحاح المستمر‏، والإطالة والتكرار‏:‏ ويكون ذلك الإلحاح ضغطا علي أعصابك‏،‏ وبخاصة إذا قلت للمتكلم قد فهمت ماتقصد‏،‏ ومع ذلك يزيد ويعيد نفس المفهوم‏،‏ أو إذا وعدته بأنك ستنفذ طلبه‏،‏ ومع ذلك يلح ويلح‏،‏ غير مهتم بوقتك أو بأعصابك‏.‏ أو من يشرح لك شيئا‏،‏ وتقول له‏:'‏ قد عرفت‏'‏ ومع ذلك يطيل الشرح ويكرر الكلام‏.‏ كل ذلك يسبب توتر الأعصاب‏.‏ مما يريح أعصابك‏، أن تتعود البشاشة وأن يدخل في حياتك روح المرح‏،‏ ففي ذلك تنبسط الأعصاب بدلا من التوتر‏.‏ وبعكس ذلك يحكم المتزمتون علي المرح والضحك بأنه حرام‏!‏ وتوتر الأعصاب يعالج أيضا بالحياة الروحية السليمة‏.‏ فالإنسان الروحي بعيد عن التوتر‏،‏ يؤمن أن الله يتدخل في المشاكل لكي يحلها‏،‏ ويؤمن أن كل باب مغلق‏،‏ له مفتاح يرسله الله‏،‏ أو عدة مفاتيح‏.‏ وهو إن قرأ عن أخبار متعبة‏،‏ يضيفها إلي معلوماته وليس إلي أعصابه‏.‏ ويؤمن أن الله سيحولها إلي خير‏.‏

مقال قداسة الانبا شنوده الثالث – بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – في جريدة الأهرام – السنة 133 – العدد 44673 – يوم الأحد الموافق 29 مارس (آذار) 2009 ميلادية، 20 برمهات 1725 شهداء (قبطية)، 2 ربيع الاخر 1430 هجرية (للهجرة) – الصفحة العاشرة (10)، قضايا وآراء،
http://www.ahram.org.eg



Share/Save/Bookmark

Wednesday, April 15, 2009

البشاشة

البشاشة فضيلة اجتماعية مميزة‏.‏ فالإنسان البشوش يسعد الناس ببشاشته‏،‏ يشركهم معه في فرحه أو في سلامه وهم يستبشرون به‏،‏ إذ ينقلهم إلي نفس مشاعر البهجة التي له‏.‏

إنه يشيع السلام حوله‏.‏ ويبعث الطمأنينة في قلوب الآخرين‏.‏ وبشاشته تشع من نظرات عينيه‏،‏ ومن ابتسامته‏،‏ ومن ملامح وجهه‏، ومن أسلوب حديثه‏.‏ إنه نفس مستريحة من الداخل‏،‏ وقادرة علي إراحة الغير‏.‏ تشعر من حولها بأنه لايوجد ما يدعو إلي الكآبة‏،‏ بل هناك فرح علي الرغم من كل شيء‏.‏

الإنسان البشوش لا يسمح للمشاكل بأن تحصره داخلها‏.‏ و إنما يكسر دائراتها‏،‏ ويفتح له بابا ليخرج منها‏.‏

إنه لايعتمد علي عقله وحده‏،‏ وإنما علي الإيمان بالأكثر‏.‏ أي الإيمان بالله الذي يحب البشر‏،‏ ودائما يعمل معهم خيرا‏.‏ فإن كنا لانري هذا الخير‏،‏ فذلك قصور منا لا يمنع من وجود الخير أو من انتظار مجيئه‏.‏

الإنسان البشوش‏،‏ حتي إن حاربته الأحزان من كل جانب‏،‏ يقول لنفسه‏:‏ وما ذنب الناس في أن يروني عابس الوجه فيحزنوا؟‏!‏ لذلك فهو في نبل نفسه ‏-‏ إن أدركه الحزن ‏-‏ يحتفظ به لذاته وحده‏.‏ ويقدم بشاشته للآخرين‏.‏ فهو لا يشركهم في الحزن بل في الفرح‏..‏

الإنسان البشوش ينتصر علي المتاعب‏،‏ ولاتنتصر المتاعب عليه‏..‏ إنه لا يقع في الحصر النفسي‏، ولاتكون نفسه عدوة له في داخله‏.‏ وهنا يكون عقله صديقا له‏،‏ ودائما يريحه‏.‏ أما الكئيب‏،‏ فعقله يكون ألد أعدائه‏،‏ لأنه يصور له متاعب‏،‏ ربما لا وجود لها‏.‏ ودائما يضخم له ما يمكن أن تنتظره من مشاكل‏.‏ ويغلق أمامه أبواب الحلول‏..!‏ وإن إراد أن يخرج من بيته‏،‏ يقول له‏:‏ لاتنس المتاعب التي ستقابلك‏!‏

الإنسان البشوش حقا هو الذي يتمتع بالبشاشة الداخلية‏.‏ فهو ليس فقط بشوشا في مظهره‏،‏ من الخارج‏.‏ بل البشاشة تملك أعماق قلبه وفكره‏،‏ وتنبع من ذاخله‏.‏ فلا يحمل هما‏...‏ إذا أخطأ‏:‏ فبدلا من أن يفقد بشاشته‏، يعمل علي إصلاح الخطأ‏.‏ وحينئذ يعيش في سلام داخلي وفي سلام مع الله‏.‏ كثيرون إذا وقعوا في خطأ أو في مشكلة‏،‏ يكون الرد الطبيعي عندهم هو الكآبة‏.‏

ولكن الكآبة ليست حلا عمليا للمشاكل‏.‏ أما الشخص البشوش‏،‏ فإنه يبحث عن الحل العملي الذي يتخلص به من المشكلة وينقذه من الكآبة‏.‏ فإن وجد الحل‏، تزول المشكلة ويملكه الفرح‏.‏

أما الكئيب‏:‏ فإن المشكلة تستولي علي كيانه كله‏.‏ وبالأكثر عقله ومشاعره‏.‏ فيظل يفكر في المشكلة وأعماقها وأبعادها‏،‏ وكيف حدثت‏،‏ وما يتوقعه من نتائج سوداء لها‏..‏ فيزداد كآبة‏،‏ ولايفكر مطلقا في حل المشكلة وإن فكر في حل‏،‏ فإنه يستصعبه ويضع أمامه العقبات‏..‏ أو يتخيل أنه لا حل‏..!‏ وهنا تشمل الكآبة كل تفكيره‏.‏ فلا يبصر الحل وهو موجود‏!‏ وهكذا يستمر في كآبته‏،‏ بل تزداد تلك الكآبة‏.‏ ولايستطيع أن يكون بشوشا‏.‏

الإنسان البشوش إن لم يجد حلا لمشاكله‏،‏ يتركها إلي الله‏،‏ وينساها في يديه الإلهيتين‏.‏

أما الكئيب‏،‏ فلا يستطيع أن ينسي مشاكله‏.‏ إنها قائمة دائما أمام عينيه‏،‏ تتعبه وتزعجه‏.‏

وكلما فكر فيها‏،‏ ترهق أعصابه‏.‏ وربما يحتاج إلي طبيب نفسي‏،‏ يعطيه منوما أو مهدئا‏،‏ لكي تستريح أعصابه‏.‏ علي أن تلك المهدئات‏،‏ هي مجرد علاج من الخارج‏،‏ بينما الداخل في تعب‏...‏

البشوش لا يعطي للمتاعب وزنا فوق وزنها الطبيعي‏.‏ وكثير من الأمور يأخذها ببساطة‏،‏ فلا تتعقد أمامه‏.‏ وبطبيعة نفسه لايتضايق إلا من الأمور التي هي فوق الاحتمال‏..‏ وهو في العادة له قلب واسع لايتضايق لأي سبب‏، ولايفقد بشاشته‏.‏

إن الإنسان عموما قد يفقد بشاشته بسبب عدم الاكتفاء‏.‏ أي أنه لايكتفي بما عنده‏،‏ بل يتطلع باستمرار إلي طموحات عالية ربما لا تكون سهلة المنال‏.‏ فإن لم ينلها يكتئب‏.‏ ولهذا فالإنسان القنوع الراضي بما قسم الله له‏،‏ يكون دائما بشوشا شاكرا‏، إن الطامع في منصب كبير أو في مستوي عال‏،‏ إن لم تتحقق آماله‏،‏ فإنه يكتئب ويفقد بشاشته‏.‏ ومن العجيب أن كبار الأغنياء قد يفقدون بشاشتهم أيضا‏،‏ إن أرادوا نموا لثرواتهم ولم يتحقق ذلك‏.‏ وقد يتحقق لهم ما يريدون‏،‏ ومع ذلك يفقدون البشاشة إذ يجدون أمامهم ضرائب ومستحقات للدولة لا يحبون دفعها كلها‏.‏ وإن لجأوا إلي التهرب الضريبي تصدمهم قضايا وأحكام تفقدهم البشاشة أيضا‏!!‏

الإنسان البشوش يحب أن يكون جميع الناس بشوشين مثله‏.‏ فلذلك هو يحاول دائما أن ينسيهم أحزانهم‏،‏ ويشع فيهم الاطمئنان‏،‏ ويبحث عن حلول لمشاكلهم‏،‏ ويعطيهم تعليلا مريحا لكل الضيقات‏،‏ يجلب البهجة لهم مهما حدث‏..‏

إنه يخفف من قدر المتاعب‏،‏ ولايحسب لها ثقلا‏.‏ وفي كل مشكلة تحل لغيره‏،‏ يريحه بأن الرب الحنون المحب يقول‏:‏ تعالوا إلي يا جميع التعابي والثقيلي الأحمال‏،‏ وأنا أريحكم‏.‏

الإنسان البشوش لا يعيش في التعب الحاضر‏،‏ وإنما بالرجاء يعيش في الفرح المقبل يعيش سعيدا ولو في الخيال‏.‏ وله إيمان أن الله لابد سينقذه من تعبه‏.‏ إنه مؤمن بالمعونة الإلهية التي لايشك مطلقا في وصولها إليه‏.‏ إن لم يكن اليوم‏،‏ فغدا‏.‏

هناك مشكلة في موضوع البشاشة وهي أن البعض يخلط بين الجدية والعبوسة‏،‏ وبين الضحك والخطيئة‏.‏ وكأن الذي لا يكون عابسا‏،‏ فهو بالضرورة يكون عابثا‏!!‏ أو علي الأقل يكون ساهيا عن نفسه‏، أو غافلا عن الاهتمام بأبديته وناسيا لخطاياه‏.‏ ومن هنا نري أن بعض المتدينين أو رجال الدين يحرصون دائما أن يتصفوا بالجدية أو بالتزمت‏.‏ وهذا يقودهم إلي أن يكون كل منهم عابسا‏.‏ ويعتبرون المرح أو البشاشة حراما‏..!‏

وهذا التزمت له خطورته‏،‏ لأنهم يخيفون الناس من التدين‏.‏ أو هم يقدمون للناس صورة عن التدين غير سليمة‏.‏ ونقول‏:‏ لماذا لايكون الإنسان متدينا‏،‏ ومرحا وبشوشا في نفس الوقت؟

وهل معني التدين أن ينفصل الإنسان عن الحياة الاجتماعية وما فيها من مرح وبهجة؟

وهل إذا ضحك المتدين يبكته ضميره ؟ وماذا عن الحفلات التي تتميز بالمرح‏،‏ هل مستواها هابط؟ وماذا عن الطفل الذي يحب أن يضحك‏، ويحب من يضحكه؟ هل نعلمه التزمت؟‏!‏

مقال قداسة الانبا شنوده الثالث – بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – في جريدة الأهرام – السنة 133 – العدد 44666 – يوم الأحد الموافق 22 مارس (آذار) 2009 ميلادية، 13 برمهات 1725 شهداء (قبطية)، 25 ربيع الاول 1430 هجرية (للهجرة) – الصفحة العاشرة (10)، قضايا وآراء،
http://www.ahram.org.eg

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏


Share/Save/Bookmark

Friday, March 27, 2009

طول البال

هذه الفضيلة يسمونها أيضا طول الأناة‏،‏ وطول الروح‏،‏ وسعة الصدر‏،‏ والحليم‏،‏ وفي ذلك قيل عن موسي النبي وكان الرجل موسي حليما جدا أكثر من جميع الناس الذين علي وجه الأرض‏.‏ إلهنا الصالح ـ تبارك اسمه ـ طويل الأناة‏،‏ وينبع ذلك من عمق رحمته‏،‏ ولولا طول أناته علينا ـ مع كثرة اخطائنا ـ لهلكنا جميعا‏،‏ إنها طول أناة الله تقتاد الناس إلي التوبة‏.‏ وبطول أناته صبر علي عبدة الأصنام زمانا طويلا‏،‏ حتي رجعوا أخيرا إلي الإيمان وعبدوه‏،‏ كما صبر علي الشيوعيين الذين وقعوا في الإلحاد‏،‏ وبعد سبعين سنة عادوا إلي الإيمان‏،‏ كما أطال الله أناته علي أوغسطينوس في خطاياه‏،‏ حتي تاب أخيرا وصار قديسا‏...‏ وبالمثل أطال الرب أناته علي فلاسفة الوثنية حتي آمن البعض منهم‏.‏
طول أناة الله تقود إلي التوبة أو إلي الدينونة أي العقاب‏،‏ فلا تظن يا أخي القارئ العزيز‏،‏ إذا أطال الرب أناته عليك في كل أخطائك وخطاياك المتكررة أنك بعيد عن العدل الإلهي‏،‏ انما هي فرصة تمنح لك لكي تغير مسلكك‏،‏ وإلا‏...‏

كذلك اذا احاطت بك التجارب والضيقات‏، ولم يسرع الله إلي معونتك‏،‏ لا تظن أنه قد تخلي عنك‏،‏ كلا‏،‏ بل هو بطول أناته يعد الوقت المناسب الذي يبعد فيه كل ضيقة عنك‏،‏ تأمل مثلا قصة يوسف الصديق‏،‏ وكيف طال به الزمن في عديد من الضيقات‏،‏ وأخيرا دبر الله الفرصة المناسبة التي جعله فيها الرجل الثاني في مصر‏،‏ ورفع من شأنه جدا‏.‏

إن قصة يوسف الصديق هي درس لنا‏،‏ لذلك أطل أنت أناتك في كل ضيقاتك‏،‏ وثق أن معونة الله لابد ستأتيك في الوقت الذي يراه مناسبا‏،‏ كما أن الله ـ بطول أناته ـ إنما يعطينا نحن أيضا درسا في الصبر وفي التعامل مع الناس‏...‏ قد يتضايق البعض من معاملات الناس له‏،‏ ومن أسلوبهم الذي لا يحتمله‏،‏ ويطلب إليهم أن يغيروا أسلوبهم فلا يغيرونه‏،‏ وربما تطلب الزوجة هذا الطلب من زوجها فيظل كما هو‏..‏ ولكن علينا أن نعرف أن طباع الناس تحتاج إلي وقت لكي يمكنهم أن يغيروها‏،‏ وليس من السهل عليهم أن يغيروا أسلوبهم بسرعة‏،‏ والأمر يحتاج منا إلي طول بال‏،‏ وبخاصة لو كان أسلوب الناس قد تحول إلي طباع فيهم‏،‏ فالبعض منهم لا يشعر أنه علي خطأ‏،‏ ولا يريد أن يتغير‏،‏ والبعض يريد ولا يستطيع‏.‏ كذلك فإن طول البال يحررنا من الغضب علي الناس‏،‏ ويعطي العقل فرصة أن يتدبر الأمر‏،‏ وعموما فالإنسان الطويل البال‏،‏ هو إنسان بطئ الغضب‏.‏

نفس الوضع بالنسبة إلي التعليم والارشاد‏،‏ يحتاج ذلك ايضا الي طول بال مع التلميذ حتي يقبل الدرس‏،‏ وحتي يتفهمه ويهضمه‏،‏ ثم يغرسه في ذاكرته‏،‏ ثم لا ينساه‏،‏ إن المدرس الضيق الصدر لا يمكنه ان يفيد تلاميذه‏،‏ فبعضهم لا يفهم بسرعة‏، ويحتاج مدرسه إلي ان يطيل أناته عليه حتي يفهم‏،‏ وحتي يحفظ‏،‏ ولامدارس تطيل اناتها علي الراسبين ايضا‏،‏ فالذي لا ينجح من الدور الاول يعطونه فرصة في الدور الثاني لكي ينجح ويعوض ما قد فشل فيه من قبل‏.‏

أتذكر انني منذ ستين عاما اخذت درسا روحيا في طول البال من احد تلاميذي‏،‏ كان طالبا في احدي المدارس الاجنبية التي كنت مدرسا فيها‏،‏ وقد طلب مني ان اعطيه درسا خاصا في مادة هو ضعيف في استذكارها‏،‏ فأعطيته الدرس الأول ومعه واجب كانت نتيجة اجابته صفرا‏،‏ ثم اخذ الدرس الثاني ومعه ايضا واجب ليحله‏،‏ وبالمثل كانت نتيجته صفرا كسابقه‏،‏ فتضايقت وقلت له انت بهذا الشكل لا يمكن ان تنفع‏،‏ فعاتبني هذا التلميذ وقال لي لماذا تثبط همتي‏،‏ وانا بذلت كل جهدي وتحسنت؟‏!.‏ فتعجبت من كلامه وسألته أي تحسن هذا ـ وقد اخذت صفرين متتاليين؟‏!‏ فقال لي في الواجب الأول كانت لي‏18‏ غلطة فأخذت صفرا‏،‏ وفي الواجب الثاني كانت لي‏12‏ غلطة فقط فأخذت صفرا‏،‏ انه بلا شك تحسن ولو انه تحت الصفر‏، اذ قلت الاخطاء‏،‏ فبشيء من التشجيع يمكن ان اتحسن اكثر‏،‏ واصعد من تحت الصفر وآخذ درجة‏.‏ ومن ذلك الحين‏،‏ وحتي الآن‏،‏ مازالت في ذهني عبارة التحسن تحت الصفر‏،‏ فأطلت بالي علي ذلك التلميذ الذي صار فيما بعد مهندسا كبيرا‏.‏

إننا نحتاج ايضا ان نطيل بالنا علي الاطفال حتي ينمو تفكيرهم‏،‏ وينضج ادراكهم‏،‏ فيتحولون من مرحلة اللهو الي الجدية‏، ولاشك لابد ان يأخذ ذلك زمنا‏،‏ وهكذا تخطئ الام التي تضجر من تصرفات طفلها‏،‏ فتنهره او تضربه علي اخطاء هو لا يعرف انها اخطاء‏،‏ ومن المفروض ان تتصف بطول البال حتي يمكنها ان تتعامل مع الطفل بما يناسب عقليته ونفسيته في تلك السن‏.‏

بالمثل في الارشاد الروحي‏،‏ قد يبذل المرشد وقتا وجهدا في قيادة شخص الي التوبة‏،‏ ثم يلاحظ انه لم يتب بعد‏،‏ فيدركه اليأس منه‏،‏ وهذا خطأ‏،‏ لأن التوبة لا تأتي هكذا بسرعة‏، إذ توجد معوقات كثيرة من التعود السابق علي الخطية‏،‏ ومن شهوات القلب‏،‏ ومن المحاربات الخارجية‏،‏ والامر يحتاج الي طول بال من المرشد‏،‏ ومداومة التشجيع‏.‏

ان يئس المرشد من امكانية توبة الخاطئ‏،‏ فسوف يتركه الي الضياع والهلاك وهكذا اذا يئس الطبيب من علاج مريضه فسيتركه الي الموت لا محالة‏،‏ الامر في الحالين يحتاج الي طول بال‏.‏ وكثير من الامراض تحتاج الي صبر من المريض والطبيب حتي يتم الشفاء منها‏،‏ او علي الاقل حتي تتحسن الحالة ويمكن احتمالها‏..‏

في مجال العمل ايضا‏:‏ اذا قام شخص بمشروع‏،‏ ليس له ان ينتظر نجاح مشروعه من اول خطوة‏،‏ بل عليه ان يطيل أناته حتي يعرف مشروعه وينتشر‏،‏ وتنفتح امامه الاسواق‏،‏ وتنتصر علي المنافسات‏،‏ ويدخل في تجربة الربح والخسارة‏، ويستقر اخيرا‏.‏ ان طول البال يلزم في كل المجالات في العلاقات السياسية والاجتماعية‏،‏ وفي السياسة والاقتصاد‏،‏ وفي الحصول علي عمل‏،‏ بل وفي الوصول الي كمال الديمقراطية‏،‏ وكقاعدة عامة لا يمكن الوصول الي الكمال من اول خطوة‏،‏ انما بالتدرج والصبر‏.‏ والانسان الذي ليس له طول بال‏، ما اسهل ان يقع في القلق والضجر والانزعاج‏،‏ وتتعب نفسيته ويفقد سلامه الداخلي‏،‏ وقد يصاب بالاندفاع والتسرع مما تكون له نتائج سيئة‏،‏ وربما في تسرعه يأخذ قرارات او مواقف ارتجالية او عشوائية‏،‏ وبعض الناس ليس لهم طول بال في حل مشاكلهم‏،‏ فيلجأون الي السحرة والمشعوذين لعلهم يجدون عندهم حلا‏.‏

مقال قداسة الانبا شنوده الثالث – بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – في جريدة الأهرام – السنة 133 – العدد 44659 – يوم الأحد الموافق 15 مارس (آذار) 2009 ميلادية، 6 برمهات 1725 شهداء (قبطية)، 18 ربيع الاول 1430 هجرية (للهجرة) – الصفحة العاشرة (10)، قضايا وآراء،

http://www.ahram.org.eg


Share/Save/Bookmark

Wednesday, March 25, 2009

أسباب الشك

أحيانا يرجع سبب الشك إلي طبيعة الشخص نفسه‏،‏ إذ تكون شخصيته مهزوزة غير ثابتة‏،‏ أو يكون موسوسا‏،‏ وطريقته في التفكير وفي الحكم علي الأمور تجلب له الشك‏.‏ وقد يكون بسيطا يصدق كل مايقال له‏،‏ فيصبح ألعوبة في يد من يلهو به‏.‏ إن حكي له أحد عن صديق يتقول عليه‏،‏ ما أسهل ان تتغير معاملته لهذا الصديق‏،‏ ويشك في إخلاصه بل إنه قد يتعرض إلي الشك في أمور عقائدية أو إيمانية‏،‏ إذا ماشككه شخص أكثر منه فهما‏،‏ ونفس الوضع من جهة الفكر السياسي‏،‏ فإن البعض الذين لهم اتجاه سياسي معين‏،‏ يجدون لهم مجالا في أمثال هؤلاء البسطاء والقليلي المعرفة لكي يضموهم إليهم‏.‏ ومثل هؤلاء البسطاء ـ ربما بالشك ـ يتحولون من اتجاه الي عكسه‏،‏ ويكونون كما قال الشاعر‏:‏ كريشة في مهب الريح طائرة‏..‏ لاتستقر علي حال من القلق وعلي عكس هذا فإن الشك قد يحارب أشخاصا لهم عقول عميقة التفكير‏،‏ فبينما الإنسان العميق التفكير يستطيع أن يكتشف زيف الشكوك فلا يقع فيها‏،‏ نراه من الناحية المضادة‏.‏ إذا ما بحث أمورا أعلي من مستوي عقله خاصة بالله والسماء والأبدية وطبيعة الخليقة ـ ربما يقع في الشك ويرتبك عقله‏.‏ وهذا هو الذي حدث مع الفلاسفة الملحدين‏..‏ كانوا فلاسفة علي مستوي عقلي عميق‏.‏

ولكنهم ألحدوا‏،‏ لأنهم حاولوا أن يبحثوا أمورا فوق مستوي عقلهم‏!!‏ ففشل العقل في الوصول‏،‏ وضلوا‏..‏

حقا‏،‏ إن العقل هو نعمة كبيرة من عند الله ولكن له حدودا لايجوز له أن يتجاوزها‏.‏ هذه الأمور أعلنها الله بطريق الوحي والأنبياء‏،‏ ولايمكن الوصول إليها بالعقل وحده وإذا حاول بالعقل بعيدا عن الإيمان أن يصل إليها قد يقع في الشك‏.‏ مثال ذلك خلق الإنسان من تراب‏..!!‏ وأيضا المعجزات‏.‏ ولهذا فإن المعجزات قد تحدث مع البسطاء الذين يقبلونها بالإيمان‏..‏ بينما بعض العقلاء الذين لايقبلون شيئا إلا بعد تفكير وفحص‏..‏ هؤلاء لاتحدث لهم معجزة‏،‏ ولايؤمنون بها‏..‏

من مصادر الشك أيضا‏،‏ بل من أهمها الشيطان فهو ماهر جدا في ايجاد الشكوك وفي تصديرها‏.‏ وله خبرة طويلة في غرس الشكوك في عقول الناس‏.‏ ويجد لذة في ذلك‏.‏ ويعتبر قبول البشر لشكوكه انتصارا له‏،‏ والشيطان يعرف جميع الشكوك التي مرت علي العالم من آلاف السنين‏، ويمكنه أن يحارب بها‏.‏ وقد يلقي الشكوك في الإيمان‏،‏ وفي العلاقة مع الآخرين‏،‏ وفي القيم والمبادئ‏،‏ وفي كل شيء‏..‏ لكي يجعل الإنسان في حيرة من أمره‏،‏ وفي دوامة من الشك‏..‏ وربما يأتي الشك إلي الإنسان من غيره من الناس‏،‏ إذا ماترك أذنيه فريسة لأقوالهم‏..‏ وهكذا قد تأتي الشكوك من معاشرة الشكاكين‏.‏ فاحترس إذن من كلام هؤلاء ولاتصدقه‏.‏ لأنه كما أن معاشرة المؤمنين الثابتين في إيمانهم تنقل إليك الإيمان والثقة‏،‏ فإن معاشرة الشكاكين تنقل إليك الشك إذا قبلت مايقولونه لك‏.‏ ومثال ذلك أن شخصا قال لي‏:‏ حينما أقرأ بعض الجرائد في الصباح‏,‏ يخيل إلي أن البلد قد ضاعت‏، وأن الخطر قريب‏،‏ فهم يشككوننا في الحال وفي المستقبل وفي الأشخاص‏..‏

ولذلك فمن أشهر مصادر الشك‏،‏ الشائعات‏.‏ وكثيرا ماتكون خاطئة أو مغرضة‏،‏ وفي ذلك قال أحد الأدباء‏:‏ إذا أردت أن تشعل حريقا في بلد ما أطلق فيها شائعات مهمة فإن الشائعات يمكن أن تثير جوا من القلق والاضطراب وربما الخوف أيضا‏..‏ ويشك الناس قائلين‏:‏ تري ماالذي حدث؟‏!‏ من أسباب الشك أيضا‏:‏ الانحصار في سبب واحد‏..‏ وقد يكون هذا السبب هو أسوأ افتراض ممكن‏.‏ مثال ذلك‏:‏ أم قد تأخرت ابنتها في العودة إلي البيت مساء فتشك في إصابتها بسوء‏،‏ كأن حدث لها حادث‏،‏ أو أن أحدا قد خطفها‏،‏ وتظل في قلق بسبب هذا الشك حتي تعود‏..‏ وربما تشك في أنها ستعود‏!!‏ بينما يكون السبب في تأخرها هو زحمة المواصلات أو زميلة لها قد عطلتها‏،‏ أو احتاجت أن تشتري شيئا من مكان بعيد‏،‏ أو‏..‏ ولكن حصر التفكير في سبب واحد‏، وهو إصابتها بسوء هذا مايجلب الشك‏.‏

ومشكلة الانحصار في سبب واحد‏،‏ كثيرا مايجلب الشك بين الأزواج‏..‏ وهذا السبب هو سوء الظن في شريك الحياة‏.‏ فإن حدث أن الزوج قد ألزمته الضرورة في الاهتمام بوالدته أو والده في ضيقة معينة‏،‏ ربما تشك الزوجة قائلة‏:‏ إنه يحب عائلته اكثر مني‏،‏ وبسببهم يتأخر عن بيته‏،‏ أو ينفق عليهم اكثر مما ينفق علي أولاده وأسرته‏!!.‏ وإذا أعجب الزوج بدعابة قالتها امرأة أخري‏،‏ أو برأي ذكي عرضته تبدأ الزوجة في أن تشك وتظن ان هذا الاعجاب ربما وراءه علاقة ما‏،‏ أو أنه سيقود الي انحراف‏،‏ وتتعب‏!!‏ إن الانحصار في سبب واحد هو ضيق في التفكير بينما الفكر المتسع يضع أمامه افتراضات كثيرة‏،‏ فلايشك ولايتعب‏.‏

قد يحدث الشك ايضا بسبب الوهم‏.‏ فقد يتوهم البعض أن رقم‏13‏ مثلا وراءه شر ما فيدخلهم الشك في كل يوم يكون تاريخه‏13‏ أو مضاعفاته‏!‏ وهكذا في بعض البلاد نري أن المصعد‏(‏ الأسانسير‏)‏ ينتقل من رقم‏12‏ إلي‏14‏ مباشرة‏،‏ ويلغي رقم‏13‏ ونفس الوضع في أدوار المساكن‏..‏ وكل ذلك عبارة عن وهم‏..‏ وقد يحدث الشك بسبب الضيقات وبخاصة إذا ما طالت مدتها‏،‏ واقترب الإنسان من اليأس‏.‏ حينئذ قد يحاربه الشك في رحمة الله‏،‏ وفي جدوي الصلاة التي لم تكن لها نتيجة‏.‏ أو أن فتاة طال بها الوقت ولم تتزوج‏،‏ أو كلما يأتي إليها عريس يذهب ولايعود‏..‏ حينئذ قد يدخلها الشك في أن‏(‏ عملا‏)‏ قد عمل لها وبسببه يحدث كل هذا‏!!‏ وتبدأ في الذهاب إلي المشعوذين لكي يفكوا لها ذلك العمل‏!‏ وكل ذلك خرافات‏.‏

ومن أسباب الشك أيضا عدم الثقة بالنفس‏،‏ ومثال ذلك كثير من ألوان الشك بين الأزواج‏،‏ فالزوجة التي تشك في خيانة زوجها‏.‏ وراء هذا الشك يوجد شك منها في نفسها‏،‏ وفي مدي كفايتها للزوج‏،‏ أما الزوجة الواثقة بنفسها فهي لاتشك بل تقول في نفسها‏:‏ لا توجد امرأة أفضل مني في الجمال أو الجاذبية يمكن أن ينجذب إليها زوجي أنا واثقة أنه في قبضة يدي‏،‏ لايمكنه الخروج منها‏!‏

وبنفس المنطق يمكن أن يتحدث الزوج الواثق تماما بقوته وتأثيره علي زوجته وبمدي محبتها له‏.‏ أما إذا فقد الثقة بنفسه‏،‏ فحينئذ يمكن ان يشك في زوجته‏،‏ وفي إمكانية أن تتجه إلي رجل آخر وتتعلق به‏.‏

مقال قداسة الانبا شنوده الثالث – بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – في جريدة الأهرام – السنة 133 – العدد 44652 – يوم الأحد الموافق 8 مارس (آذار) 2009 ميلادية، 29 أمشير 1725 شهداء (قبطية)، 11 ربيع الاول 1430 هجرية (للهجرة) – الصفحة العاشرة (10)، قضايا وآراء،
http://www.ahram.org.eg


Share/Save/Bookmark

Monday, March 9, 2009

الشكوك‏..‏ أنواعها وعلاجها

الشك حالة يكون فيها الإنسان مزعزعا قلقا‏،‏ لا يدري في أي طريق يسير‏،‏ هو في حالة من عدم وضوح الرؤيا يفقد فيها سلامه الداخلي‏،‏ ويكون مضطربا في نفسه وفكره‏،‏ فاقدا للثقة وهكذا يصير الشك جحيما للفكر والقلب معا‏.‏ أحيانا يكون دخول الشك سهلا‏،‏ ولكن خروجه يكون صعبا جدا وقد يترك أثرا مخفيا‏،‏ مايلبث أن يظهر بعد حين‏..‏ واذا استمر الشك‏،‏ ما أسهل ان يتحول الي مرض والي عقد لها نتائجها‏،‏ فيقال ان هذا الشخص شكاك‏، أي أن الشك صار طبعا له‏.‏ وهذا الشك ـ إذا استمر ـ فإنه يتلف الأعصاب‏،‏ ويدعو الي الحيرة وارتباك الفكر‏،‏ وفي عنف الشك‏،‏ يمنع النوم‏،‏ ومن نتائجه أيضا‏،‏ أنه يؤدي الي التردد وعدم القدرة علي البت في الأمور‏.‏ والشك علي أنواع كثيرة‏:‏ منها الشك في الله وفي العقيدة‏،‏ والشك في الناس وفي الأصدقاء والأقارب‏، وأحيانا الشك في بعض الفضائل والقيم‏،‏ بل الشك في النفس أيضا‏، وفي امكانية التوبة وفي قبول الله لها‏،‏ وما أكثر تفرعات الشك ومجالاته‏،‏ وسنحاول في هذا المقال ان نتعرض ولو بإيجاز لكل ذلك‏..‏

فمن جهة الشك في الله جل جلاله يكون ذلك علي نوعين‏:‏ إما في وجود الله‏،‏ وإما في مدي معونته لنا‏،‏ والشك في وجود الله‏،‏ أي الإلحاد‏،‏ فهو إما محاربة من الشيطان‏،‏ يحاول أن يزعج بها فكر المؤمن‏،‏ بينما القلب يرفضها بشدة‏،‏ فلا يجوز للإنسان ان يتعامل مع هذا الفكر ولا أن يضطرب بسببه‏،‏ والاثباتات علي وجود الله كثيرة‏.‏ وقد يكون السبب في هذا الشك قراءة كتب الملحدين أو معاشرتهم والاختلاط بأفكارهم‏،‏ أو يأتي ذلك من بحوث منحرفة في الفلسفة‏،‏ أو في العلاقة بين الدين والعلم‏،‏ وأصل الكون ونشأته‏،‏ بينما لا خلاف بين الدين والعلم‏،‏ فإن عرض البعض خلافا‏،‏ فإما ان يكون سببه خطأ فيما يسمونه علما‏، أو فهما خاطئا للدين‏.‏

وقد يكون الشك هو في مدي معونة الله وحفظه كأن يقول شخص‏:‏ لقد صليت من أجل أمر معين مرات عديدة بلا نتيجة‏،‏ فما قيمة الصلاة إذن وما نفعها؟‏!‏ ويبدأ ان يشك في جدوي الصلاة أو في مراحم الله‏،‏ بينما الله سيستجيب في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة‏.‏ ويعطي الإنسان ما ينفعه وليس مايطلبه‏،‏ والله بحكمته يعرف تماما ماينفعنا‏،‏ ويمنحنا إياه دون أن نطلب‏..‏ ان الشيطان يلقي بذاره من جهة الشك في الله‏،‏ لكي يجعلك تترك الله‏،‏ وتصبح فريسة في يديه هو‏،‏ فعليك ان تبعد عن كل مصدر يبعدك عن الله‏،‏ أما الكتب التي تشكك في وجود الله أو معونته‏،‏ فلا يصح أن يقرأها إلا الثابت في الإيمان‏،‏ القوي في عقيدته‏،‏ الذي يستطيع أن يرد علي ما فيها من انحراف فكري‏..‏

هناك نوع آخر من الشك هو الشك في بعض الأصدقاء والأحباء والأقارب هؤلاء إن كانت تربطم المحبة والثقة‏،‏ فلن يعرف الشك اليهم سبيلا ولكن ان نقصت المحبة‏،‏ حينئذ تنقص الثقة‏،‏ فيكون القلب مستعدا للشك‏،‏ والأذن مفتوحة لكلام الوشاة‏، وكما يقول أمير الشعراء أحمد شوقي‏:‏ قد صادفوا أذنا صغواء لينة‏..‏ فأسمعوها الذي لم يسمعوا أحدا‏.‏

وعلاج هذا الأمر هو المواجهة والصراحة علي أن يكون ذلك في محبة وفي غير اتهام أو قسوة مع عدم التأثر بالسماعات والوشايات‏،‏ وعدم تصديق كل ما يقال‏،‏ فكثير ما يكون الاتهام ظالما مهما كانت الدلالات واضحة‏،‏ ولايجوز الحكم علي أحد بدون الاستماع اليه‏.‏

وقد يحدث الشك أحيانا بين زوجين‏،‏ فيشك الزوج في أن زوجته تخونه‏،‏ أو تشكك الزوجة في أن زوجها يخونها‏،‏ وقد يكون سبب ذلك كلمة إعجاب بريئة أو ابتسامة‏.‏ وأحيانا يحدث الشك كرد فعل لوسائل الاعلام فإن رأت الزوجة فيلما فيه زوج خان زوجته‏،‏ وهو في سفر أو في غربة‏،‏ ثم تصادف أو زوجها قال لها انه سيسافر في مهمة لبضعة أشهر‏، حينئذ يحاربها الشك وتقول له‏:‏ لن تسافر وحدك رجلي علي رجلك في سفري معك أكون حصنا لك يحميك من أية امرأة تحاول اجتذابك إليها‏.‏

هناك شك آخر يمكن ان يوقعه الشيطان في بعض الفضائل أو القيم‏،‏ كأن يشكك انسانا في التسامح فيقول عنه انه لون من ضعف الشخصية‏،‏ أو أثناء الصوم يحاربه بالأكل اذا جاع ويقول له‏:‏ مالزوم الصوم؟‏!‏ وهل الفضيلة الجسدية لها قيمة؟‏!‏ إن الله يهمه الروح قبل كل شئ ليكن قلبك مع الله‏،‏ وكل ماتشاء‏!!‏ وقد يشكك الانسان فيما هو الحرام؟ وما هو الحلال؟ ويحاول ان يطبق هذه الحيلة علي السينما والتليفزيون وكل أنواع اللهو والموسيقي‏،‏ ثم يتدرج الي كل مال يصل اليه‏،‏ وهل فيه حرام أو شبه حرام‏،‏ كفوائد البنوك مثلا‏،‏ ثم في حق الله من ماله‏،‏ وعلي أية جهة من العطاء يجوز أو لايجوز‏،‏ وهكذا يحيا في شك وفي حيرة‏..‏

الشك أيضا ما أكثر ما يتعب الإنسان في المراحل المصيرية‏،‏ ففي فترة الخطوبة‏:‏ من تفضل الفتاة‏:‏ هل الشاب الجذاب الذي تحبه؟ أم الغني الذي يكفل لها كل وسائل الراحة؟ أم صاحب المنصب الكبير؟ أم الذكي جدا الممتاز في دراسته؟ أم الشاب الذي يحبها ويهواها؟ وتبقي في حالة شك وفي كل ذلك‏،‏ هل تقبل مايفضله أبوها‏، أم ما يفضله قلبها؟ أم ما يفضله عقلها؟‏..‏

وفي المراحل المصيرية عموما‏،‏ يحتاج الإنسان الي ثبات في هدف سليم‏،‏ وفي وسيلة تحققه مع معرفة للنفس وقدراتها‏..‏ ومن النواحي الخطيرة في الشك‏،‏ شك الانسان في نفسه‏،‏ اذ لا تكون له ثقة في نفسه وفي قدرته كالطالب الذي يشكك في قدرته علي النجاح‏،‏ أو في كفاية الوقت الباقي له علي الامتحان لكي يدرس فيه المقرر عليه‏،‏ ومثال آخر شك انسان يريد اقامة مشروع معين‏، ‏وهل ينجح فيه أم يفشل؟ أو شك إنسان في نفسه‏:‏ هل هو محبوب من الناس أم لا؟ وهل تصرفاته مقبولة أم غير مقبولة؟ ان الفاقدين الثقة في نفوسهم يحتاجون الي تشجيع‏، وكما ان الأطفال يحتاجون الي كلمات مديح أو تشجيع ليثبتوا في الطريق السليم‏،‏ كذلك الكبار أيضا يحتاجون الي كلمة طيبة‏،‏ والي رفع روحهم المعنوية وبخاصة ان كانوا في حالة مرض‏،‏ أو في مشكلة أو ضيقة‏.‏ حتي لايدركهم اليأس‏،‏ أو ان يقول الواحد منهم‏:‏ لافائذة‏..‏ قد ضعت‏!!.‏

ومن جهة موضوع الشك‏:‏ أشك انه انتهي عند هذا الحد‏!‏

مقال قداسة الانبا شنوده الثالث – بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – في جريدة الأهرام – السنة 133 – العدد 44645 – يوم الأحد الموافق 1 مارس (آذار) 2009 ميلادية، 22 أمشير 1725 شهداء (قبطية)، 4 ربيع الاول 1430 هجرية (للهجرة) – الصفحة العاشرة (10)، قضايا وآراء،
http://www.ahram.org.eg


Share/Save/Bookmark

Facebook Comments

Twitter

I Read

Word of the Day

Quote of the Day

Article of the Day

This Day in History

Today's Birthday

In the News