Friday, March 27, 2009

طول البال

هذه الفضيلة يسمونها أيضا طول الأناة‏،‏ وطول الروح‏،‏ وسعة الصدر‏،‏ والحليم‏،‏ وفي ذلك قيل عن موسي النبي وكان الرجل موسي حليما جدا أكثر من جميع الناس الذين علي وجه الأرض‏.‏ إلهنا الصالح ـ تبارك اسمه ـ طويل الأناة‏،‏ وينبع ذلك من عمق رحمته‏،‏ ولولا طول أناته علينا ـ مع كثرة اخطائنا ـ لهلكنا جميعا‏،‏ إنها طول أناة الله تقتاد الناس إلي التوبة‏.‏ وبطول أناته صبر علي عبدة الأصنام زمانا طويلا‏،‏ حتي رجعوا أخيرا إلي الإيمان وعبدوه‏،‏ كما صبر علي الشيوعيين الذين وقعوا في الإلحاد‏،‏ وبعد سبعين سنة عادوا إلي الإيمان‏،‏ كما أطال الله أناته علي أوغسطينوس في خطاياه‏،‏ حتي تاب أخيرا وصار قديسا‏...‏ وبالمثل أطال الرب أناته علي فلاسفة الوثنية حتي آمن البعض منهم‏.‏
طول أناة الله تقود إلي التوبة أو إلي الدينونة أي العقاب‏،‏ فلا تظن يا أخي القارئ العزيز‏،‏ إذا أطال الرب أناته عليك في كل أخطائك وخطاياك المتكررة أنك بعيد عن العدل الإلهي‏،‏ انما هي فرصة تمنح لك لكي تغير مسلكك‏،‏ وإلا‏...‏

كذلك اذا احاطت بك التجارب والضيقات‏، ولم يسرع الله إلي معونتك‏،‏ لا تظن أنه قد تخلي عنك‏،‏ كلا‏،‏ بل هو بطول أناته يعد الوقت المناسب الذي يبعد فيه كل ضيقة عنك‏،‏ تأمل مثلا قصة يوسف الصديق‏،‏ وكيف طال به الزمن في عديد من الضيقات‏،‏ وأخيرا دبر الله الفرصة المناسبة التي جعله فيها الرجل الثاني في مصر‏،‏ ورفع من شأنه جدا‏.‏

إن قصة يوسف الصديق هي درس لنا‏،‏ لذلك أطل أنت أناتك في كل ضيقاتك‏،‏ وثق أن معونة الله لابد ستأتيك في الوقت الذي يراه مناسبا‏،‏ كما أن الله ـ بطول أناته ـ إنما يعطينا نحن أيضا درسا في الصبر وفي التعامل مع الناس‏...‏ قد يتضايق البعض من معاملات الناس له‏،‏ ومن أسلوبهم الذي لا يحتمله‏،‏ ويطلب إليهم أن يغيروا أسلوبهم فلا يغيرونه‏،‏ وربما تطلب الزوجة هذا الطلب من زوجها فيظل كما هو‏..‏ ولكن علينا أن نعرف أن طباع الناس تحتاج إلي وقت لكي يمكنهم أن يغيروها‏،‏ وليس من السهل عليهم أن يغيروا أسلوبهم بسرعة‏،‏ والأمر يحتاج منا إلي طول بال‏،‏ وبخاصة لو كان أسلوب الناس قد تحول إلي طباع فيهم‏،‏ فالبعض منهم لا يشعر أنه علي خطأ‏،‏ ولا يريد أن يتغير‏،‏ والبعض يريد ولا يستطيع‏.‏ كذلك فإن طول البال يحررنا من الغضب علي الناس‏،‏ ويعطي العقل فرصة أن يتدبر الأمر‏،‏ وعموما فالإنسان الطويل البال‏،‏ هو إنسان بطئ الغضب‏.‏

نفس الوضع بالنسبة إلي التعليم والارشاد‏،‏ يحتاج ذلك ايضا الي طول بال مع التلميذ حتي يقبل الدرس‏،‏ وحتي يتفهمه ويهضمه‏،‏ ثم يغرسه في ذاكرته‏،‏ ثم لا ينساه‏،‏ إن المدرس الضيق الصدر لا يمكنه ان يفيد تلاميذه‏،‏ فبعضهم لا يفهم بسرعة‏، ويحتاج مدرسه إلي ان يطيل أناته عليه حتي يفهم‏،‏ وحتي يحفظ‏،‏ ولامدارس تطيل اناتها علي الراسبين ايضا‏،‏ فالذي لا ينجح من الدور الاول يعطونه فرصة في الدور الثاني لكي ينجح ويعوض ما قد فشل فيه من قبل‏.‏

أتذكر انني منذ ستين عاما اخذت درسا روحيا في طول البال من احد تلاميذي‏،‏ كان طالبا في احدي المدارس الاجنبية التي كنت مدرسا فيها‏،‏ وقد طلب مني ان اعطيه درسا خاصا في مادة هو ضعيف في استذكارها‏،‏ فأعطيته الدرس الأول ومعه واجب كانت نتيجة اجابته صفرا‏،‏ ثم اخذ الدرس الثاني ومعه ايضا واجب ليحله‏،‏ وبالمثل كانت نتيجته صفرا كسابقه‏،‏ فتضايقت وقلت له انت بهذا الشكل لا يمكن ان تنفع‏،‏ فعاتبني هذا التلميذ وقال لي لماذا تثبط همتي‏،‏ وانا بذلت كل جهدي وتحسنت؟‏!.‏ فتعجبت من كلامه وسألته أي تحسن هذا ـ وقد اخذت صفرين متتاليين؟‏!‏ فقال لي في الواجب الأول كانت لي‏18‏ غلطة فأخذت صفرا‏،‏ وفي الواجب الثاني كانت لي‏12‏ غلطة فقط فأخذت صفرا‏،‏ انه بلا شك تحسن ولو انه تحت الصفر‏، اذ قلت الاخطاء‏،‏ فبشيء من التشجيع يمكن ان اتحسن اكثر‏،‏ واصعد من تحت الصفر وآخذ درجة‏.‏ ومن ذلك الحين‏،‏ وحتي الآن‏،‏ مازالت في ذهني عبارة التحسن تحت الصفر‏،‏ فأطلت بالي علي ذلك التلميذ الذي صار فيما بعد مهندسا كبيرا‏.‏

إننا نحتاج ايضا ان نطيل بالنا علي الاطفال حتي ينمو تفكيرهم‏،‏ وينضج ادراكهم‏،‏ فيتحولون من مرحلة اللهو الي الجدية‏، ولاشك لابد ان يأخذ ذلك زمنا‏،‏ وهكذا تخطئ الام التي تضجر من تصرفات طفلها‏،‏ فتنهره او تضربه علي اخطاء هو لا يعرف انها اخطاء‏،‏ ومن المفروض ان تتصف بطول البال حتي يمكنها ان تتعامل مع الطفل بما يناسب عقليته ونفسيته في تلك السن‏.‏

بالمثل في الارشاد الروحي‏،‏ قد يبذل المرشد وقتا وجهدا في قيادة شخص الي التوبة‏،‏ ثم يلاحظ انه لم يتب بعد‏،‏ فيدركه اليأس منه‏،‏ وهذا خطأ‏،‏ لأن التوبة لا تأتي هكذا بسرعة‏، إذ توجد معوقات كثيرة من التعود السابق علي الخطية‏،‏ ومن شهوات القلب‏،‏ ومن المحاربات الخارجية‏،‏ والامر يحتاج الي طول بال من المرشد‏،‏ ومداومة التشجيع‏.‏

ان يئس المرشد من امكانية توبة الخاطئ‏،‏ فسوف يتركه الي الضياع والهلاك وهكذا اذا يئس الطبيب من علاج مريضه فسيتركه الي الموت لا محالة‏،‏ الامر في الحالين يحتاج الي طول بال‏.‏ وكثير من الامراض تحتاج الي صبر من المريض والطبيب حتي يتم الشفاء منها‏،‏ او علي الاقل حتي تتحسن الحالة ويمكن احتمالها‏..‏

في مجال العمل ايضا‏:‏ اذا قام شخص بمشروع‏،‏ ليس له ان ينتظر نجاح مشروعه من اول خطوة‏،‏ بل عليه ان يطيل أناته حتي يعرف مشروعه وينتشر‏،‏ وتنفتح امامه الاسواق‏،‏ وتنتصر علي المنافسات‏،‏ ويدخل في تجربة الربح والخسارة‏، ويستقر اخيرا‏.‏ ان طول البال يلزم في كل المجالات في العلاقات السياسية والاجتماعية‏،‏ وفي السياسة والاقتصاد‏،‏ وفي الحصول علي عمل‏،‏ بل وفي الوصول الي كمال الديمقراطية‏،‏ وكقاعدة عامة لا يمكن الوصول الي الكمال من اول خطوة‏،‏ انما بالتدرج والصبر‏.‏ والانسان الذي ليس له طول بال‏، ما اسهل ان يقع في القلق والضجر والانزعاج‏،‏ وتتعب نفسيته ويفقد سلامه الداخلي‏،‏ وقد يصاب بالاندفاع والتسرع مما تكون له نتائج سيئة‏،‏ وربما في تسرعه يأخذ قرارات او مواقف ارتجالية او عشوائية‏،‏ وبعض الناس ليس لهم طول بال في حل مشاكلهم‏،‏ فيلجأون الي السحرة والمشعوذين لعلهم يجدون عندهم حلا‏.‏

مقال قداسة الانبا شنوده الثالث – بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – في جريدة الأهرام – السنة 133 – العدد 44659 – يوم الأحد الموافق 15 مارس (آذار) 2009 ميلادية، 6 برمهات 1725 شهداء (قبطية)، 18 ربيع الاول 1430 هجرية (للهجرة) – الصفحة العاشرة (10)، قضايا وآراء،

http://www.ahram.org.eg


Share/Save/Bookmark

Wednesday, March 25, 2009

أسباب الشك

أحيانا يرجع سبب الشك إلي طبيعة الشخص نفسه‏،‏ إذ تكون شخصيته مهزوزة غير ثابتة‏،‏ أو يكون موسوسا‏،‏ وطريقته في التفكير وفي الحكم علي الأمور تجلب له الشك‏.‏ وقد يكون بسيطا يصدق كل مايقال له‏،‏ فيصبح ألعوبة في يد من يلهو به‏.‏ إن حكي له أحد عن صديق يتقول عليه‏،‏ ما أسهل ان تتغير معاملته لهذا الصديق‏،‏ ويشك في إخلاصه بل إنه قد يتعرض إلي الشك في أمور عقائدية أو إيمانية‏،‏ إذا ماشككه شخص أكثر منه فهما‏،‏ ونفس الوضع من جهة الفكر السياسي‏،‏ فإن البعض الذين لهم اتجاه سياسي معين‏،‏ يجدون لهم مجالا في أمثال هؤلاء البسطاء والقليلي المعرفة لكي يضموهم إليهم‏.‏ ومثل هؤلاء البسطاء ـ ربما بالشك ـ يتحولون من اتجاه الي عكسه‏،‏ ويكونون كما قال الشاعر‏:‏ كريشة في مهب الريح طائرة‏..‏ لاتستقر علي حال من القلق وعلي عكس هذا فإن الشك قد يحارب أشخاصا لهم عقول عميقة التفكير‏،‏ فبينما الإنسان العميق التفكير يستطيع أن يكتشف زيف الشكوك فلا يقع فيها‏،‏ نراه من الناحية المضادة‏.‏ إذا ما بحث أمورا أعلي من مستوي عقله خاصة بالله والسماء والأبدية وطبيعة الخليقة ـ ربما يقع في الشك ويرتبك عقله‏.‏ وهذا هو الذي حدث مع الفلاسفة الملحدين‏..‏ كانوا فلاسفة علي مستوي عقلي عميق‏.‏

ولكنهم ألحدوا‏،‏ لأنهم حاولوا أن يبحثوا أمورا فوق مستوي عقلهم‏!!‏ ففشل العقل في الوصول‏،‏ وضلوا‏..‏

حقا‏،‏ إن العقل هو نعمة كبيرة من عند الله ولكن له حدودا لايجوز له أن يتجاوزها‏.‏ هذه الأمور أعلنها الله بطريق الوحي والأنبياء‏،‏ ولايمكن الوصول إليها بالعقل وحده وإذا حاول بالعقل بعيدا عن الإيمان أن يصل إليها قد يقع في الشك‏.‏ مثال ذلك خلق الإنسان من تراب‏..!!‏ وأيضا المعجزات‏.‏ ولهذا فإن المعجزات قد تحدث مع البسطاء الذين يقبلونها بالإيمان‏..‏ بينما بعض العقلاء الذين لايقبلون شيئا إلا بعد تفكير وفحص‏..‏ هؤلاء لاتحدث لهم معجزة‏،‏ ولايؤمنون بها‏..‏

من مصادر الشك أيضا‏،‏ بل من أهمها الشيطان فهو ماهر جدا في ايجاد الشكوك وفي تصديرها‏.‏ وله خبرة طويلة في غرس الشكوك في عقول الناس‏.‏ ويجد لذة في ذلك‏.‏ ويعتبر قبول البشر لشكوكه انتصارا له‏،‏ والشيطان يعرف جميع الشكوك التي مرت علي العالم من آلاف السنين‏، ويمكنه أن يحارب بها‏.‏ وقد يلقي الشكوك في الإيمان‏،‏ وفي العلاقة مع الآخرين‏،‏ وفي القيم والمبادئ‏،‏ وفي كل شيء‏..‏ لكي يجعل الإنسان في حيرة من أمره‏،‏ وفي دوامة من الشك‏..‏ وربما يأتي الشك إلي الإنسان من غيره من الناس‏،‏ إذا ماترك أذنيه فريسة لأقوالهم‏..‏ وهكذا قد تأتي الشكوك من معاشرة الشكاكين‏.‏ فاحترس إذن من كلام هؤلاء ولاتصدقه‏.‏ لأنه كما أن معاشرة المؤمنين الثابتين في إيمانهم تنقل إليك الإيمان والثقة‏،‏ فإن معاشرة الشكاكين تنقل إليك الشك إذا قبلت مايقولونه لك‏.‏ ومثال ذلك أن شخصا قال لي‏:‏ حينما أقرأ بعض الجرائد في الصباح‏,‏ يخيل إلي أن البلد قد ضاعت‏، وأن الخطر قريب‏،‏ فهم يشككوننا في الحال وفي المستقبل وفي الأشخاص‏..‏

ولذلك فمن أشهر مصادر الشك‏،‏ الشائعات‏.‏ وكثيرا ماتكون خاطئة أو مغرضة‏،‏ وفي ذلك قال أحد الأدباء‏:‏ إذا أردت أن تشعل حريقا في بلد ما أطلق فيها شائعات مهمة فإن الشائعات يمكن أن تثير جوا من القلق والاضطراب وربما الخوف أيضا‏..‏ ويشك الناس قائلين‏:‏ تري ماالذي حدث؟‏!‏ من أسباب الشك أيضا‏:‏ الانحصار في سبب واحد‏..‏ وقد يكون هذا السبب هو أسوأ افتراض ممكن‏.‏ مثال ذلك‏:‏ أم قد تأخرت ابنتها في العودة إلي البيت مساء فتشك في إصابتها بسوء‏،‏ كأن حدث لها حادث‏،‏ أو أن أحدا قد خطفها‏،‏ وتظل في قلق بسبب هذا الشك حتي تعود‏..‏ وربما تشك في أنها ستعود‏!!‏ بينما يكون السبب في تأخرها هو زحمة المواصلات أو زميلة لها قد عطلتها‏،‏ أو احتاجت أن تشتري شيئا من مكان بعيد‏،‏ أو‏..‏ ولكن حصر التفكير في سبب واحد‏، وهو إصابتها بسوء هذا مايجلب الشك‏.‏

ومشكلة الانحصار في سبب واحد‏،‏ كثيرا مايجلب الشك بين الأزواج‏..‏ وهذا السبب هو سوء الظن في شريك الحياة‏.‏ فإن حدث أن الزوج قد ألزمته الضرورة في الاهتمام بوالدته أو والده في ضيقة معينة‏،‏ ربما تشك الزوجة قائلة‏:‏ إنه يحب عائلته اكثر مني‏،‏ وبسببهم يتأخر عن بيته‏،‏ أو ينفق عليهم اكثر مما ينفق علي أولاده وأسرته‏!!.‏ وإذا أعجب الزوج بدعابة قالتها امرأة أخري‏،‏ أو برأي ذكي عرضته تبدأ الزوجة في أن تشك وتظن ان هذا الاعجاب ربما وراءه علاقة ما‏،‏ أو أنه سيقود الي انحراف‏،‏ وتتعب‏!!‏ إن الانحصار في سبب واحد هو ضيق في التفكير بينما الفكر المتسع يضع أمامه افتراضات كثيرة‏،‏ فلايشك ولايتعب‏.‏

قد يحدث الشك ايضا بسبب الوهم‏.‏ فقد يتوهم البعض أن رقم‏13‏ مثلا وراءه شر ما فيدخلهم الشك في كل يوم يكون تاريخه‏13‏ أو مضاعفاته‏!‏ وهكذا في بعض البلاد نري أن المصعد‏(‏ الأسانسير‏)‏ ينتقل من رقم‏12‏ إلي‏14‏ مباشرة‏،‏ ويلغي رقم‏13‏ ونفس الوضع في أدوار المساكن‏..‏ وكل ذلك عبارة عن وهم‏..‏ وقد يحدث الشك بسبب الضيقات وبخاصة إذا ما طالت مدتها‏،‏ واقترب الإنسان من اليأس‏.‏ حينئذ قد يحاربه الشك في رحمة الله‏،‏ وفي جدوي الصلاة التي لم تكن لها نتيجة‏.‏ أو أن فتاة طال بها الوقت ولم تتزوج‏،‏ أو كلما يأتي إليها عريس يذهب ولايعود‏..‏ حينئذ قد يدخلها الشك في أن‏(‏ عملا‏)‏ قد عمل لها وبسببه يحدث كل هذا‏!!‏ وتبدأ في الذهاب إلي المشعوذين لكي يفكوا لها ذلك العمل‏!‏ وكل ذلك خرافات‏.‏

ومن أسباب الشك أيضا عدم الثقة بالنفس‏،‏ ومثال ذلك كثير من ألوان الشك بين الأزواج‏،‏ فالزوجة التي تشك في خيانة زوجها‏.‏ وراء هذا الشك يوجد شك منها في نفسها‏،‏ وفي مدي كفايتها للزوج‏،‏ أما الزوجة الواثقة بنفسها فهي لاتشك بل تقول في نفسها‏:‏ لا توجد امرأة أفضل مني في الجمال أو الجاذبية يمكن أن ينجذب إليها زوجي أنا واثقة أنه في قبضة يدي‏،‏ لايمكنه الخروج منها‏!‏

وبنفس المنطق يمكن أن يتحدث الزوج الواثق تماما بقوته وتأثيره علي زوجته وبمدي محبتها له‏.‏ أما إذا فقد الثقة بنفسه‏،‏ فحينئذ يمكن ان يشك في زوجته‏،‏ وفي إمكانية أن تتجه إلي رجل آخر وتتعلق به‏.‏

مقال قداسة الانبا شنوده الثالث – بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – في جريدة الأهرام – السنة 133 – العدد 44652 – يوم الأحد الموافق 8 مارس (آذار) 2009 ميلادية، 29 أمشير 1725 شهداء (قبطية)، 11 ربيع الاول 1430 هجرية (للهجرة) – الصفحة العاشرة (10)، قضايا وآراء،
http://www.ahram.org.eg


Share/Save/Bookmark

Thursday, March 12, 2009

الشاب الحافي

الشاب الحافي - قصة من واقع الحياة

اسمه ”بيل“، وهو طالب في الجامعة في العشرينيات من عمره، شعره كثيف منكوش، ويلبس تي شيرت مليء بالثقوب، وسروالاً من قماس الجين (جينس)، ولكنه حافي القدمين، إذ ليس لديه حذاء. ويبدو أنه كان يلبس هذه الملابس طيلة السنوات الأربع أثناء دراسته الجامعية. وهو طالب نابه مجتهد، ولكنه من الفئة التي لا يفهمها إلاَّ القليلون.
وفي الشارع الذي يؤدِّي إلى الجامعة كانت هناك كنيسة يحضرها عِلْية القوم المتدثِّرون بالملابس النظيفة الأنيقة. لكن هذا الشاب لم يدخل هذه الكنيسة قط.

وفي أحد أيام الآحاد قرر ”بيل“ أن يحضر الصلاة في الكنيسة. وسار حافي القدمين، وبالقميص وسروال الجينس وبشعره الأشعث المنكوش؛ ودخل الكنيسة، وكانت الصلاة قد بدأت.

ودار الشاب بعينيه في صحن الكنيسة باحثاً عن مقعد. ولكن الكنيسة كانت قد امتلأت عن آخرها بالمصلِّين، فلم يجد ولا مقعداً واحداً خالياً. ولكن في ذات الوقت، كان الحاضرون في الكنيسة غـير مستريحين لمنظر هذا الشاب، لكـن لم يفتح أيٌّ منهم فـاه.

وتقدَّم الشاب إلى الأمام نحو منبر الوعظ، ولما فَقَدَ الأمل في العثور على مكانٍ للجلوس، افترش بجانب المنبر وجلس على الأرض. فتزايد سخط الحاضرين، وتوتر الجو.

وشاهد واعظ الكنيسة من بعيد أن الشماس الواقف في آخر صحن الكنيسة قد تأهَّب آخذاً طريقه ببطء نحو هذا الشاب ”بيل“. وكان الشماس في الثمانينيات من عمره، وقد ابيضَّ شعره.

هذا الشماس كان رجلاً تقياً، أنيق الملبس، مُبجَّلاً، كيِّس التصرُّف. وكان يسير ببطء متوكِّئاً على عُكَّازه. وإذ كان متوجِّهاً ناحية هذا الشاب، كان كل واحد من المصلِّين يُفكِّر في نفسه أن هذا الشماس الشيخ لن يُلام على أي تصرُّف يتخذه تجاه هذا الشاب.

لكن، ماذا يتوقَّع أي شخص من رجل شيخ في مثل هذا العمر، وفي مثل هذه الحياة التقية، أن يفعل إزاء شاب مثل هذا يفترش الأرض بمثل هذا المنظر؟

وقد مرَّ وقتٌ طويل على هذا الشماس العجوز حتى يصل إلى الشاب. وكان الصمت يُخيِّم على الكنيسة إلاَّ من قرعات عُكَّاز هذا الشيخ وهو يدقُّ على الأرض.

وتركَّزت كل الأعين عليه، لترى ماذا سيفعل؟ حتى أن الجميع كانوا وكأنهم حبسوا أنفاسهم من رهبة الانتظار والتوقُّع.

ولم يستطع الواعظ حتى أن يبدأ عظته ليرى ماذا سيفعل ذلك الشماس!

والآن، رأى الجميع الرجل العجوز يصل إلى حيث الشاب الجالس على الأرض، فإذا به يُلقي عُكَّازه على الأرض، وبصعوبة شديدة ينحني ويجلس بجوار الشاب ”بيل“ على الأرض، ويبدأ في الصلاة معه، حتى لا يبدو ”بيل“ أمام المُصلِّين وكأنه وحيدٌ في تصرُّفه!

وصُدم الجميع من تصرُّف ومشاعر هذا الشماس العجوز!

وحينما التقط الواعظ أنفاسه، تكلَّم وقال:

- ”لقد كنتُ أعزم أن أعظ لكم اليوم، ولكن ما كان يمكنكم أن تتذكَّروا عظتي بعد انصرافكم. ولكن ما قد رأيتموه الآن، فهذا لن تنسوه أبداً“!

”فتعلَّموا كيف تعيشون المحبة مِمَّا رأيتموه، لعلَّكم تصيرون، كل واحد فيكم، إنجيلاً حيّاً مقروءاً من جميع الناس!“

مجلة مرقس - مجلة شهرية - رسالة الفكر المسيحي للشباب والخدام - يصدرها دير القديس أنبا مقار - برية شيهيت - السنة 53 - فبراير 2009م - العدد 501 - طوبة / أمشير 1725 شهداء - قصة من واقع الحياة - صفحة 41، 42 - رئيس التحرير: الأب يوحنا المقاري - عنوان المراسلات: ص. ب 31 شبرا - القاهرة
St. Mark Magazine, Monthly Review - Published by: The Monastery of St. Macarius the Great, Wadi El-Natrun.
http://www.stmacariusmonastery.org




Share/Save/Bookmark

Tuesday, March 10, 2009

مزمور طوبى لمن يتعطف على المسكين

مزمور طوبى لمن يتعطف على المسكين
اَلْمَزْمُورُُ الْحَادِي والأَرْبَعُونَ
لإِمَامِ الْمُغَنِّينَ. مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ

1طُوبَى لِلَّذِي يَنْظُرُ إِلَى الْمَِسْكِينِ. فِي يَوْمِ الشَّرِّ يُنَجِّيهِ الرَّبُّ. 2الرَّبُّ يَحْفَظُهُ وَيُحْيِيهِ. يَغْتَبِطُ فِي الأَرْضِ، وَلاَ يُسَلِّمُهُ إِلَى مَرَامِ أَعْدَائِهِ. 3الرَّبُّ يَعْضُدُهُ وَهُوَ عَلَى فِرَاشِ الضُّعْفِ. مَهَّدْتَ مَضْجَعَهُ كُلَّهُ فِي مَرَضِهِ.
4أَنَا قُلْتُ: «يَا رَبُّ ارْحَمْنِي. اشْفِ نَفْسِي لأَنِّي قَدْ أَخْطَأْتُ إِلَيْكَ». 5أَعْدَائِي يَتَقَاوَلُونَ عَلَيَّ بِشَرّ: «مَتَى يَمُوتُ وَيَبِيدُ اسْمُهُ؟ » 6وَإِنْ دَخَلَ لِيَرَانِي يَتَكَلَّمُ بِالْكَذِبِ. قَلْبُهُ يَجْمَعُ لِنَفْسِهِ إِثْمًا. يَخْرُجُ. فِي الْخَارِجِ يَتَكَلَّمُ. 7كُلُّ مُبْغِضِيَّ يَتَنَاجَوْنَ مَعًا عَلَيَّ. عَلَيَّ تَفَكَّرُوا بِأَذِيَّتِي. 8يَقُولُونَ: «أَمْرٌ رَدِيءٌ قَدِ انْسَكَبَ عَلَيْهِ. حَيْثُ اضْطَجَعَ لاَ يَعُودُ يَقُومُ». 9أَيْضًا رَجُلُ سَلاَمَتِي، الَّذِي وَثِقْتُ بِهِ، آكِلُ خُبْزِي، رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ!
10أَمَّا أَنْتَ يَا رَبُّ فَارْحَمْنِي وَأَقِمْنِي، فَأُجَازِيَهُمْ. 11بِهذَا عَلِمْتُ أَنَّكَ سُرِرْتَ بِي، أَنَّهُ لَمْ يَهْتِفْ عَلَيَّ عَدُوِّي. 12أَمَّا أَنَا فَبِكَمَالِي دَعَمْتَنِي، وَأَقَمْتَنِي قُدَّامَكَ إِلَى الأَبَدِ. 13مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ، مِنَ الأَزَلِ وَإِلَى الأَبَدِ. آمِينَ فَآمِينَ.


المقصود بكلمة "المسكين" هنا بصفة عامة الفقير المحتاج أو المتألم. والمزمور يطوب من يتعطف على المسكين ويعطيه مواعيد كثيرة في حفظ الرب له، وفي ﺇقامته في اليوم الأخير من الأموات، وفي حمايته من حروب الشياطين، وفي ﺇعانته على سكرات الموت وما قبل الموت وما بعد الموت. ولكن المزمور بصفة أعمق يتكلم عن السيد المسيح في آلامه من أجل خلاص البشرية ويدعوه بهذا اللقب. لأن السيد المسيح قد احتمل الظلم والجراحات والسخرية التي نستحقها نحن من أجل خطايانا.

فعبارة "طوبى لمن يتعطف على المسكين" تعني أيضا تطويب من يحن قلبه لسبب آلام السيد المسيح ويود أن يخفف هذه الآلام.


ألم يعاتب السيد المسيح تلاميذه بطرس ويعقوب ويوحنا في بستان جثيماني؛ قائلا "أَهكَذَا مَا قَدَرْتُمْ أَنْ تَسْهَرُوا مَعِي سَاعَةً وَاحِدَةً؟" مَتَّى (26 : 40). وكذلك ورد عن السيد المسيح في المزمور "انْتَظَرْتُ رِقَّةً فَلَمْ تَكُنْ، وَمُعَزِّينَ فَلَمْ أَجِدْ." (مزمور 69 : 20).


ﺇلى هذه الدرجة تواضع السيد المسيح، حتى أنه يطلب – من خلال الوحى اﻹلهي عنه في تجسده العجيب – أن يتعطف عليه البشر، مقدرين جراحاته وآلامه لأجلهم!! وأين ذلك من قساوة قلب اليهود والرومان الذين عاملوه بمنتهى القسوة حتى أن الوالي بيلاطس قد طلب أن يتم جلد السيد المسيح بالجلد الروماني المعروف بعقوبة نصف الموت، لكي يحنن قلوب اليهود عليه. وبعد أن تهرأ لحمه من جلد السياط لم تتحنن قلوبهم؛ بل ﺇزدادوا صياحا: "ﺇصلبه.. ﺇصلبه"!! فأين القلب الرحيم الذي يتعطف على المسكين الجريح الذي حمل خطايا العالم؟!


ليتنا نحن نتعطف عليه فلا نجرحه بخطايانا المريرة والمؤلمة: ألم يقل معلمنا بطرس الرسول "الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ." (رِسَالَةُ بُطْرُسَ الرَّسُولِ الأُولَى 2 : 24)؛ فأين التحنن والعطف عليه ﺇذا أخطأنا في حق محبته؟!


أيها القدوس البار مخلصنا يسوع المسيح: لماذا أنت جريح؟! ولماذا لطمت على خديك؟! ولماذا أهانوك وعيروك؟! ليتنا نعرف قيمة محبتك، وننذهل من هذا الحب الذي يسبينا، ويجتذبنا، ويحررنا من كل جاذبية الخطية ولذتها، ومن كل أهواء الأنا وكبريائها. دعنا ننحني في خشوع وانسحاق أمام هذا المشهد العجيب تحت أقدام الصليب!!



أضواء من اﻹنجيل – تأملات في حياة وخدمة السيد المسيح – المسيح في سفر المزامير لنيافة الأنبا بيشوى مطران دمياط وكفر الشيخ والبراري ودير القديسة دميانة وسكرتير المجمع المقدس – من مجلة الكرازة - الصفحة العاشرة – رئيس التحرير: صاحب القداسة البابا شنوده الثالث بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – السنة السابعة والثلاثون – الجمعة 6 مارس 2009 – 27 أمشير 1725 شهداء – العددان 5 ، 6 – مجلة الكرازة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية



Share/Save/Bookmark

Monday, March 9, 2009

الشكوك‏..‏ أنواعها وعلاجها

الشك حالة يكون فيها الإنسان مزعزعا قلقا‏،‏ لا يدري في أي طريق يسير‏،‏ هو في حالة من عدم وضوح الرؤيا يفقد فيها سلامه الداخلي‏،‏ ويكون مضطربا في نفسه وفكره‏،‏ فاقدا للثقة وهكذا يصير الشك جحيما للفكر والقلب معا‏.‏ أحيانا يكون دخول الشك سهلا‏،‏ ولكن خروجه يكون صعبا جدا وقد يترك أثرا مخفيا‏،‏ مايلبث أن يظهر بعد حين‏..‏ واذا استمر الشك‏،‏ ما أسهل ان يتحول الي مرض والي عقد لها نتائجها‏،‏ فيقال ان هذا الشخص شكاك‏، أي أن الشك صار طبعا له‏.‏ وهذا الشك ـ إذا استمر ـ فإنه يتلف الأعصاب‏،‏ ويدعو الي الحيرة وارتباك الفكر‏،‏ وفي عنف الشك‏،‏ يمنع النوم‏،‏ ومن نتائجه أيضا‏،‏ أنه يؤدي الي التردد وعدم القدرة علي البت في الأمور‏.‏ والشك علي أنواع كثيرة‏:‏ منها الشك في الله وفي العقيدة‏،‏ والشك في الناس وفي الأصدقاء والأقارب‏، وأحيانا الشك في بعض الفضائل والقيم‏،‏ بل الشك في النفس أيضا‏، وفي امكانية التوبة وفي قبول الله لها‏،‏ وما أكثر تفرعات الشك ومجالاته‏،‏ وسنحاول في هذا المقال ان نتعرض ولو بإيجاز لكل ذلك‏..‏

فمن جهة الشك في الله جل جلاله يكون ذلك علي نوعين‏:‏ إما في وجود الله‏،‏ وإما في مدي معونته لنا‏،‏ والشك في وجود الله‏،‏ أي الإلحاد‏،‏ فهو إما محاربة من الشيطان‏،‏ يحاول أن يزعج بها فكر المؤمن‏،‏ بينما القلب يرفضها بشدة‏،‏ فلا يجوز للإنسان ان يتعامل مع هذا الفكر ولا أن يضطرب بسببه‏،‏ والاثباتات علي وجود الله كثيرة‏.‏ وقد يكون السبب في هذا الشك قراءة كتب الملحدين أو معاشرتهم والاختلاط بأفكارهم‏،‏ أو يأتي ذلك من بحوث منحرفة في الفلسفة‏،‏ أو في العلاقة بين الدين والعلم‏،‏ وأصل الكون ونشأته‏،‏ بينما لا خلاف بين الدين والعلم‏،‏ فإن عرض البعض خلافا‏،‏ فإما ان يكون سببه خطأ فيما يسمونه علما‏، أو فهما خاطئا للدين‏.‏

وقد يكون الشك هو في مدي معونة الله وحفظه كأن يقول شخص‏:‏ لقد صليت من أجل أمر معين مرات عديدة بلا نتيجة‏،‏ فما قيمة الصلاة إذن وما نفعها؟‏!‏ ويبدأ ان يشك في جدوي الصلاة أو في مراحم الله‏،‏ بينما الله سيستجيب في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة‏.‏ ويعطي الإنسان ما ينفعه وليس مايطلبه‏،‏ والله بحكمته يعرف تماما ماينفعنا‏،‏ ويمنحنا إياه دون أن نطلب‏..‏ ان الشيطان يلقي بذاره من جهة الشك في الله‏،‏ لكي يجعلك تترك الله‏،‏ وتصبح فريسة في يديه هو‏،‏ فعليك ان تبعد عن كل مصدر يبعدك عن الله‏،‏ أما الكتب التي تشكك في وجود الله أو معونته‏،‏ فلا يصح أن يقرأها إلا الثابت في الإيمان‏،‏ القوي في عقيدته‏،‏ الذي يستطيع أن يرد علي ما فيها من انحراف فكري‏..‏

هناك نوع آخر من الشك هو الشك في بعض الأصدقاء والأحباء والأقارب هؤلاء إن كانت تربطم المحبة والثقة‏،‏ فلن يعرف الشك اليهم سبيلا ولكن ان نقصت المحبة‏،‏ حينئذ تنقص الثقة‏،‏ فيكون القلب مستعدا للشك‏،‏ والأذن مفتوحة لكلام الوشاة‏، وكما يقول أمير الشعراء أحمد شوقي‏:‏ قد صادفوا أذنا صغواء لينة‏..‏ فأسمعوها الذي لم يسمعوا أحدا‏.‏

وعلاج هذا الأمر هو المواجهة والصراحة علي أن يكون ذلك في محبة وفي غير اتهام أو قسوة مع عدم التأثر بالسماعات والوشايات‏،‏ وعدم تصديق كل ما يقال‏،‏ فكثير ما يكون الاتهام ظالما مهما كانت الدلالات واضحة‏،‏ ولايجوز الحكم علي أحد بدون الاستماع اليه‏.‏

وقد يحدث الشك أحيانا بين زوجين‏،‏ فيشك الزوج في أن زوجته تخونه‏،‏ أو تشكك الزوجة في أن زوجها يخونها‏،‏ وقد يكون سبب ذلك كلمة إعجاب بريئة أو ابتسامة‏.‏ وأحيانا يحدث الشك كرد فعل لوسائل الاعلام فإن رأت الزوجة فيلما فيه زوج خان زوجته‏،‏ وهو في سفر أو في غربة‏،‏ ثم تصادف أو زوجها قال لها انه سيسافر في مهمة لبضعة أشهر‏، حينئذ يحاربها الشك وتقول له‏:‏ لن تسافر وحدك رجلي علي رجلك في سفري معك أكون حصنا لك يحميك من أية امرأة تحاول اجتذابك إليها‏.‏

هناك شك آخر يمكن ان يوقعه الشيطان في بعض الفضائل أو القيم‏،‏ كأن يشكك انسانا في التسامح فيقول عنه انه لون من ضعف الشخصية‏،‏ أو أثناء الصوم يحاربه بالأكل اذا جاع ويقول له‏:‏ مالزوم الصوم؟‏!‏ وهل الفضيلة الجسدية لها قيمة؟‏!‏ إن الله يهمه الروح قبل كل شئ ليكن قلبك مع الله‏،‏ وكل ماتشاء‏!!‏ وقد يشكك الانسان فيما هو الحرام؟ وما هو الحلال؟ ويحاول ان يطبق هذه الحيلة علي السينما والتليفزيون وكل أنواع اللهو والموسيقي‏،‏ ثم يتدرج الي كل مال يصل اليه‏،‏ وهل فيه حرام أو شبه حرام‏،‏ كفوائد البنوك مثلا‏،‏ ثم في حق الله من ماله‏،‏ وعلي أية جهة من العطاء يجوز أو لايجوز‏،‏ وهكذا يحيا في شك وفي حيرة‏..‏

الشك أيضا ما أكثر ما يتعب الإنسان في المراحل المصيرية‏،‏ ففي فترة الخطوبة‏:‏ من تفضل الفتاة‏:‏ هل الشاب الجذاب الذي تحبه؟ أم الغني الذي يكفل لها كل وسائل الراحة؟ أم صاحب المنصب الكبير؟ أم الذكي جدا الممتاز في دراسته؟ أم الشاب الذي يحبها ويهواها؟ وتبقي في حالة شك وفي كل ذلك‏،‏ هل تقبل مايفضله أبوها‏، أم ما يفضله قلبها؟ أم ما يفضله عقلها؟‏..‏

وفي المراحل المصيرية عموما‏،‏ يحتاج الإنسان الي ثبات في هدف سليم‏،‏ وفي وسيلة تحققه مع معرفة للنفس وقدراتها‏..‏ ومن النواحي الخطيرة في الشك‏،‏ شك الانسان في نفسه‏،‏ اذ لا تكون له ثقة في نفسه وفي قدرته كالطالب الذي يشكك في قدرته علي النجاح‏،‏ أو في كفاية الوقت الباقي له علي الامتحان لكي يدرس فيه المقرر عليه‏،‏ ومثال آخر شك انسان يريد اقامة مشروع معين‏، ‏وهل ينجح فيه أم يفشل؟ أو شك إنسان في نفسه‏:‏ هل هو محبوب من الناس أم لا؟ وهل تصرفاته مقبولة أم غير مقبولة؟ ان الفاقدين الثقة في نفوسهم يحتاجون الي تشجيع‏، وكما ان الأطفال يحتاجون الي كلمات مديح أو تشجيع ليثبتوا في الطريق السليم‏،‏ كذلك الكبار أيضا يحتاجون الي كلمة طيبة‏،‏ والي رفع روحهم المعنوية وبخاصة ان كانوا في حالة مرض‏،‏ أو في مشكلة أو ضيقة‏.‏ حتي لايدركهم اليأس‏،‏ أو ان يقول الواحد منهم‏:‏ لافائذة‏..‏ قد ضعت‏!!.‏

ومن جهة موضوع الشك‏:‏ أشك انه انتهي عند هذا الحد‏!‏

مقال قداسة الانبا شنوده الثالث – بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – في جريدة الأهرام – السنة 133 – العدد 44645 – يوم الأحد الموافق 1 مارس (آذار) 2009 ميلادية، 22 أمشير 1725 شهداء (قبطية)، 4 ربيع الاول 1430 هجرية (للهجرة) – الصفحة العاشرة (10)، قضايا وآراء،
http://www.ahram.org.eg


Share/Save/Bookmark

Saturday, March 7, 2009

حيل أخري للشيطان

الإغراءات‏:‏ منذ البدء والشيطان يقدم ألوانا من الاغراءات ليسقط بها ضحاياه من البشر‏،‏ إنه يجس نبض الإنسان‏،‏ لكي يكتشف هل يضعف أمام إغراء معين أم لا؟ فإن وجده لا يهتم بهذا الاغراء ولا يتأثر‏،‏ يجرب معه إغراء آخر‏...‏ وبخبرة الشيطان مع الناس‏،‏ يحرص أن ينتقي لكل منهم ما يناسبه‏.‏ وإغراءات الشيطان لاتسقط إلا قلبا يميل إليها‏،‏ أو يمكن أن يميل إذا استمر الوقت‏،‏ أما القلب القوي فإنه يرفض تلك الاغراءات ولا يعبأ بها‏.‏ الشيطان يعرض ولكنه لايرغم وتتوقف النتيجة علي القلب‏:‏ هل يستجيب للاغراء أم لا يستجيب؟‏.‏

وهو يغري الجسد بالشهوة أو المتعة أو اللذة‏،‏ كما يغري النفس بالسلطة أو الشهرة‏،‏ أو التفوق علي الآخرين‏، أو العظمة بجميع أنواعها‏،‏ أو اشباع الذات حسبما تري‏.‏ يغري الرجال بالنساء ويغري المرأة بنوع معين من الرجال‏..‏ ويغري الضعيف بالقوة ويغري القوي بالتشامخ والفخر ولايترك احدا بدون اغراء‏.‏

والشيطان يحاول أن يقدم اغراءاته مؤثرة وقوية فإن وجد شخصا قد عزم علي التوبة بكل إصرار وحزم يقدم له خطية كان يشتهيها منذ زمن‏،‏ ويبحث عنها فلا يجدها فيضعها أمامه فجأة وهي تسعي اليه‏!‏ ويغريه بها فيسقط‏،‏ إذ يقول له‏:‏ إنها فرصة أمامك لاتعوض فلا تترك هذه الفرصة تمر ويمكن ان تتوب بعدها‏!‏ التوبة امامك في أي وقت‏.‏ ولكن مثل هذه الخطية ليست متاحة في كل وقت‏!‏ وهكذا يجد المسكين نفسه أضعف من الإغراء فيسقط ان الشيطان يعرف بخبرته أين يوجد الجرح الذي يضغط عليه فيؤلم‏.‏

الانقياد للتيار‏:‏
يقول لك‏:‏ الكل هنا يفعل هكذا فهل تشذ أنت ويكون لك اسلوب خاص يغايرهم؟‏!‏ تقول إنك تتبع الحق ولو كان ضد تصرف الكل‏،‏ ولكن هذا سيجعل الكل ضدك لانك بهذا تكشفهم وتحرجهم فهل تستطيع ان تسبح عكس التيار؟‏!‏ ستقول كما قال الشاعر‏:‏

سأطيع الله حتي‏..‏ لو أطعت الله وحدي
لكن الجميع لايستطيعون مثل هذا الصمود‏،‏ فشيطان الانقياد للتيار السائد يدفع إلي هذا التيار بطرق شتي‏:‏ احيانا يجعل البعض يسيرون في نفس التيار من باب المجاملة أو بدافع الخجل أو الخوف من مواجهة الآخرين أو تفاديا لتهكم الناس وتعييرهم أو نتيجة لضغط الظروف الخارجة والالحاح الواقع عليهم أو خضوعا لسلطة أقوي أو يقول له الشيطان‏:‏ دع هذه المرة تمر ولن تتكرر ثم تتكرر طبعا أو يبكته الشيطان قائلا‏:‏ ما هذه الكبرياء؟‏!‏ هل من المعقول ان يكون كل الناس مخطئين وأنت الوحيد الذي علي حق؟‏!‏ أو يقول له الشيطان في خبث‏:‏ كبر عقلك ومشي امورك ماذا تنتفع ان خسرت الكل؟‏!‏

وقد يخضع الإنسان للتيار السائد نتيجة لضعف شخصيته إما أنه لايقدر علي المقاومة أو أنه يقاوم قليلا‏،‏ ولايثبت‏،‏ أو أن صديقا له تأثير عليه يقول له ليس من الحكمة أن نبدأ بمقاومة التيار‏.‏ والأفضل أن نجاريهم فترة ثم بعد ذلك نقاوم‏!‏ علي أننا لاندري إلي أي مدي تمتد هذه الفترة‏.‏

إن الانقياد للتيار لايجرف الا الضعفاء‏،‏ أما الشجعان أو أصحاب المباديء والقيم فإنهم يثبتون علي مبادئهم مهما احتملوا في سبيل ذلك‏،‏ وبثباتهم يقدمون قدوة صالحة لغيرهم‏،‏ وربما يصيرون أمثلة يذكرها التاريخ‏.‏ انهم يرفضون الخطأ حتي إن رأوا كبارا يسيرون فيه أو وقعت فيه الغالبية‏!‏ فكل ذلك لايمكن ان يجعل الخطأ صوابا‏.‏

العنف‏:‏
والمعروف ان العنف هو ضد الوداعة والهدوء‏، وضد الاتضاع أيضا‏،‏ وهو لون أيضا من قساوة القلب ومن الكبرياء‏.‏ والشيطان لايغري الخطاة فقط بالعنف إنما يغري كذلك المتدينين والروحيين‏،‏ ولذلك ما أكثر ما نري المتدين عنيفا يواجه بالعنف كل ما يراه خطأ‏،‏ وبينما نري الله ـ تبارك اسمه ـ يصبر علي الخاطئين ويدربهم في حكمة وهدوء علي الطريق السليم فإن المتدين العنيف لايسلك هكذا‏.‏

والبر لا يأتي بطريق العنف ولابإرغام الغير علي السلوك فيه إنما يأتي باقتناع العقل ورضي القلب فيصير الإنسان بارا بقلب نقي يعمل الخير حبا في الخير لامرغما عليه‏،‏ ومن الواضح ان ضغط المتدينين العنفاء لايوجد حقيقيا بل قد يؤدي الي مظهرية دينية لاعلاقة لها بنقاوة القلب من الداخل وحتي هذه المظهرية قد لاتستمر بل تزول بزوال الضغط‏.‏

عجيب ان شيطان العنف‏،‏ يدخل في مجال التدين‏،‏ كما يدخل في مجالات الخطية لانه بمكره لايجعله تدينا حقيقيا‏،‏ أما أنت يا أخي إن اردت أن تجذب الناس الي التدين اجعلهم يحبون البر والفضيلة‏، ويجدون فيها متعة دون ان يكونوا مكرهين علي ذلك باسلوب العنف‏.‏

اليأس‏:
والشيطان يلجأ الي محاربة الإنسان باليأس بعد مقدمات طويلة تمهيدية يشعره بها أنه لم يعد له خلاص من الخطية وانه قد تشبع بها تماما بالإثم بحيث لايمكن ان يتوب فيري أنه ليس فقط لاقدرة له علي التوبة بل بالأكثر لا رغبة له في التوبة‏.‏ حدث هذا احيانا بعد سقطة كبيرة يظن فيها الخاطيء أنه لا مغفرة‏!‏ وأنه لا حل للقيام من سقطته‏!‏

وقد لاتكون السقطة بهذه الدرجة ولكن الشيطان من عادته ان يضخم في الاخطاء ليوقع صاحبها في اليأس‏.‏

انه ماكر جدا فهو قبل اسقاط الإنسان يسهل في موضوع الخطية جدا حتي تبدو شيئا عاديا ويضع لها مبررات‏..‏ أما بعد السقوط فإما أن يستمر في سياسة التهوين لكي يتكرر السقوط وإما أن يلجأ الي التهويل فيقول للخاطيء‏:‏ هل من المعقول أن يغفر لك الرب كل هذا الذي فعلته وكل هذا المستوي الذي هبطت اليه؟‏!‏ وعبثا يمكنك ان تتوب‏!‏

وقد يلقي الإنسان في اليأس ـ لا من جهة خطايا قد وقع فيها ـ إنما من جهة مشاكل تبدو معقدة جدا أمامه وليس لها من حل‏..‏ بينما الله قادر أن يحل كل المشاكل بحنانه الذي لايحد واشفاقه علي من يلجأ اليه‏.‏

إن الإنسان القوي القلب والعميق في ايمانه لايمكن ان يعرف اليأس اليه طريقا بل مهما كان الجو مظلما جدا فإن الرجاء يفتح أمامه طاقات من نور‏.‏


مقال قداسة الانبا شنوده الثالث – بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – في جريدة الأهرام – السنة 133 – العدد 44638 – يوم الأحد الموافق 22 فبراير (شباط) 2009 ميلادية، 15 أمشير 1725 شهداء (قبطية)، 27 صفر 1430 هجرية (للهجرة) – الصفحة العاشرة (10)، قضايا وآراء،
http://www.ahram.org.eg


Share/Save/Bookmark

تخصصات في العمل الشيطاني

كما أنه توجد في العلم تخصصات‏، هكذا أيضا في أعمال الشياطين تخصصات متعددة يتقدمها إخصائيون من الشياطين‏،‏ لهم بها معرفة وخبرة‏..‏ نذكر من بينها‏:‏

(1)‏ شيطان متخصص في التخدير‏:‏ ذلك أنه حينما يكون الانسان متيقظا ومتنبها لخلاص نفسه‏،‏ صاحيا عقلا وروحا‏،‏ فإنه من الصعب أن يسقط‏.‏ وهكذا قال أحد الآباء إن الخطية يسبقها إما الشهوة أو الغفلة أو النسيان‏.‏ فهذه الحالة الأخيرة‏،‏ حالة الغفلة والنسيان‏، هي تخدير من الشيطان للانسان‏.‏ بالتخدير ينساق الشخص إلي الخطية‏،‏ كأنه ليس في وعيه‏،‏ يخدره الشيطان بحيث ينسي كل شيء ما عدا الخطية‏،‏ فتكون كل حواسه وأفكاره ومشاعره مركزة في الخطية وحدها‏.‏ وأما كل ما عداها فلا يحس به الانسان إطلاقا‏،‏ كأنه قد نسيه تماما‏!‏

نسي علاقته بالله‏.‏ وينسي كل وصايا الله‏،‏ وينسي مبادئه واحتراسه‏.‏ وينسي وعوده لله وتعهداته‏،‏ وينسي نقاوة قلبه‏.‏ وينسي أيضا نتائج الخطية عليه وعلي غيره‏،‏ وينسي عقوبات الله وإنذاراته‏.‏ ويكون كأنه مخدر تماما‏،‏ لا يعرف إلا الخطية‏.‏ ولا يفيق إلا بعد السقوط‏، حينما يكون كل شيء قد انتهي‏!!‏

وقد يفيق الانسان بعد الخطية مباشرة‏،‏ وربما بعد مدة طويلة‏.‏ فيهوذا مثلا لم يفق إلا بعد فوات الفرصة‏..‏

وهناك من يفيق من تخديره فيتوب‏.‏ وهناك من يفيق‏،‏ فيصاب بصغر نفس أو قد ييأس‏..‏ لذلك هناك نصيحتان أقدمهما لك‏،‏ إذا خدرك الشيطان‏:‏

الأولي‏:‏ أن تفيق بسرعة‏،‏ وهذا لا يتوافر إلا إذا كان قلبك من الأصل محبا للفضيلة‏.‏ واحذر من أن تستمر مخدرا بالخطية إلي أن تصبح عادة‏!‏ أو أن تصحو من تخديرك بعد أن تكون قد وصلت إلي نتائج سيئة جدا‏..‏

والنصيحة الثانية‏:‏ هي أنك حينما تفيق‏،‏ إنما تفيق إلي توبة حقيقية وسريعة‏، وليس إلي يأس أو صغر نفس‏.‏ واستخدم الندم وإنسحاق القلب لنفعك الروحي‏.‏

(2)‏ شيطان الخجل‏:‏ إن الخجل يكون فضيلة إذا أحسن الانسان استخدامه‏.‏ ولكن الشيطان كثيرا ما يستخدمه بطريقة تساعد علي السقوط‏.‏

كإنسان كان جالسا وسط أناس‏،‏ وبدأوا يتكلمون كلاما رديئا من الناحية الأخلاقية‏،‏ أو يتحدثون بالسوء في سيرة شخص ما‏، له مكانته ويشهرون به‏،‏ أو يسردون قصصا غير لائقة‏..‏ وهذا الانسان الجالس بينهم لم يكن يتوقع كل هذا‏.‏ فيفكر أن يتركهم وينسحب‏.‏ ولكن شيطان الخجل يمنعه ويستمر في البقاء‏.‏ أو أنه يفكر أن يقول لهم‏:‏ هذا الحديث لا يليق‏.‏ ولكن شيطان الخجل يمنعه‏.‏ فيستمر جالسا يستمع‏.‏ ويمتليء عقله بأفكار ما كان يجب أن تجول بذهنه‏.‏

وأحيانا أخري يدفعه شيطان الخجل إلي أن يوقع علي تزكية لا يوافق عليها ضميره‏.‏ وذلك خجلا من الشخص المزكي‏!‏

أو يوقع علي بيان أو قرار‏،‏ هو في أعماقه غير راض عنه‏!‏ أو يشترك في مدح إنسان لايستحق ذلك‏..‏ وإن حاول أن يمتنع عن كل ذلك‏،‏ يدفعه شيطان الخجل‏!‏

وقد يجعل الشيطان فتاة تخجل من ملابسها المحتشمة‏،‏ بحجة أن التيار العام ضد ذلك‏!‏ وبالمثل قد يجعل شابا متدينا يرفض سيجارة يقدمها إليه زميل أو أستاذ له‏،‏ بحجة عدم جرح شعوره‏!‏

وكم من خطايا يقع فيها الانسان بسبب شيطان الخجل‏..!‏

والمفروض أن يرفض المتدينون هذا الخجل‏،‏ أو يجدوا سببا يبعدون به عن الاحراج بلباقة‏.‏ أو أن يكون الشاب المتدين قوي الشخصية يستطيع أن يدافع عن موقفه الروحي بإقناع الآخرين‏.‏ أو علي الأقل يبعد تماما عن الصحبة أو المناسبات التي تعرضه لشيطان الخجل‏.‏

والعجيب أن الروحيين يخجلون أحيانا من تدينهم‏، بينما تكون للخاطئين جرأة وجسارة في التباهي بأخطائهم‏.‏

(3)‏ شيطان الوقت الضائع‏:‏ الذي يضيع وقته في تفاهات‏،‏ بلا أدني فائدة روحية أو عقلية أو صحية‏، وبلا فائدة للآخرين‏.‏

لايهم الشيطان أن ترتكب خطية في هذا الوقت‏،‏ بل يكفيه أن هذا الوقت يضيع بينما هو جزء من عمرك‏!‏

والأمثلة كثيرة لهذا الوقت الضائع‏،‏ ومنها‏:‏ أحاديث قد تطول بالساعات في موضوعات لا فائدة لك منها‏،‏ وتكون بلاحجة‏.‏ ومجادلات ومناقشات لاجدوي منها سوي تعب الأعصاب وضياع الوقت‏.‏ وزيارات وسهرات وترفيهات زائدة علي الحد‏.‏ ومسليات تأخذ كل الوقت‏،‏ وتعطل إيجابيات مهمة في حياتك مثل جلوس البعض في المقاهي‏،‏ والكلام وقتل الوقت‏..‏ وطبيعي أن الذي يقبل ضياع وقته‏،‏ تكون حياته رخيصة في عينيه‏..‏

(4)‏ شيطان التأجيل‏:‏ إن الشيطان يريد بكل جهده ان يمنعك من كل أعمال البر‏.‏ فإن وجدك مقدما علي عمل فضيلة معينة‏، لايمنعك عنها صراحة لئلا يكشف نفسه‏،‏ وإنما يدعوك إلي التأجيل‏.‏

يقول لك‏:‏ لماذا الاسراع؟ الأمر في يدنا نستطيع أن نعمله في أي وقت‏.‏ ربما التريث يعطينا فرصة لفحص الأمر بطريقة اعمق‏،‏ أو لاختيار أسهل السبل للوصول إليه‏،‏ أو يعطينا مزيدا من الاقتناع‏..‏ علي أية الحالات عندنا بعض أمور مهمة حاليا‏،‏ ما إن ننتهي منها‏،‏ حتي نقوم بعمل هذا البر‏..‏

والمقصود بالتأجيل هو إضاعة الحماس للعمل‏،‏ أو إضاعة الفرصة‏، أو ترك الموضوع‏،‏ فرصة لعلك تنساه‏،‏ أو يحدث ما يغطي عليه‏.‏ كأن تأتيك مشغولية كبيرة تأخذ كل اهتمامك ووقتك‏، أو يحدث حادث يعطلك‏،‏ أو تبدو عوائق معينة تعرقل التنفيذ‏،‏ أو يلقي الشيطان في طريقك بخطية تقترفها‏،‏ فتفتر حرارتك الروحية‏،‏ فلا تنفذ ما كنت تنوي عمله من أعمال البر‏.‏ يا أخي‏،‏ ربما هي إحدي زيارات النعمة تدعوك‏.‏ فإن أنت أجلت العمل‏،‏ ضاع تأثيرها‏.‏ إن الفرصة حاليا في يدك‏، فاعمل ما تريده من الخير‏،‏ ولا تؤجل‏.‏ لأن التأجيل قد يكون خطوة إلي الالغاء‏،‏ يعرضها الشيطان بلباقة منه‏.‏

إن كنت مقبلا علي عمل من أعمال الرحمة‏، فاستمع إذن إلي قول سليمان الحكيم‏:‏ لا تمنع الخير عن أهله حين يكون في طاقة يدك أن تفعله‏.‏ لا تقل لصاحبك‏:‏ ارجع فأعطيك غدا‏،‏ وموجود عندك‏.‏ كذلك إن دعاك صوت في داخلك أن تتوب‏،‏ فلا تؤجل التوبة‏،‏ لعلك لا تجد ما يدفعك إليها فيما بعد‏.

مقال قداسة الانبا شنوده الثالث – بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – في جريدة الأهرام – السنة 133 – العدد 44631 – يوم الأحد الموافق 15 فبراير (شباط) 2009 ميلادية، 8 أمشير 1725 شهداء (قبطية)، 20 صفر 1430 هجرية (للهجرة) – الصفحة العاشرة (10)، قضايا وآراء،
http://www.ahram.org.eg
‏‏‏‏


Share/Save/Bookmark

Saturday, February 28, 2009

من حيل الشياطين

ما أكثر حيل الشياطين‏:‏ إنها لاتنتهي إن لم تصلح حيلة منها‏،‏ يستبدلها بغيرها‏،‏ إلي أن يصل إلي غرضه‏.‏ وليست هناك خطة واحدة أمامه لتوصله‏.‏ بل يتخذ لكل حالة مايراه مناسبا لها‏،‏ دون أن يتقيد بشيء علي أنه من أشهر حيله الواضحة المتكررة بضعة أساليب صارت معروفة ومحفوظة‏،‏ نذكر منها‏.‏

‏1 ‏ ـ خطبة تلبس ثوب فضيلة‏.‏
ما أسهل أن يقدم لك الشيطان بعض الخطايا بأسماء غير أسمائها‏،‏ بأسلوب يسهل قبوله بحيث تلبس ثياب فضائل‏:‏

فالدهاء أو الخبث يطلق عليه اسم الذكاء ويقدم القسوة في معاملة الأبناء باسم الحرص علي تأديبهم بحيث إن لم يستخدم الأب القسوة‏،‏ ضميره يوبخه‏،‏ والتبرج‏،‏ والتزين غير اللائق‏،‏ يقدمها باسم الأناقة والنظافة‏،‏ والتهكم علي الناس والاستهزاء بهم يقدمه علي أنه لطف وظرف‏،‏ ومحبة ودالة‏،‏ وخفة روح‏،‏ ومحاولة للترفيه‏.‏

إن الشيطان لايقدم الخطية مكشوفة لئلا يرفضها الإنسان الحريص ـ بل يقدمها باسم مقبول‏،‏ وهي هي ولافرق‏.‏ يقول إنني سأدخل مع هذا الشخص في حرب مسميات‏،‏ وأسقطه كما أريد‏،‏ ربما دون أن يشعر‏،‏ أو قد يشعر‏،‏ وضميره لايبكته فلو أنني دعوته إلي الرياء ـ بهذا الاسم المنفر ـ فلن يقبله‏.‏ اذن ماذا أفعل؟ أسميه عدم إعثار الآخرين أو القدوة الحسنة‏.‏

قال السيد المسيح‏:‏ تأتي ساعة يظن فيها كل من يقتلكم أنه يقدم قربانا لله‏.‏ ويقينا إن الشيطان يقدم القتل إلي أولئك الناس‏، علي أنه غيرة مقدسة‏،‏ أو دفاع عن الدين‏،‏ أو تطهير للأرض من الخطاة‏.‏

والكذب يمكن أن يقدمه الشيطان تحت اسم الحكمة‏،‏ أو كنوع من حسن التصرف‏، أو انقاذ للموقف‏!‏ والطبيب قد يكذب علي المريض في تسمية نوع مرضه‏.‏ ويعتبر هذا أمام ضميره أنه حفظ لمعنويات المريض‏،‏ وحمايته من الانهيار لكي يشفي‏، والبعض يسمي بعض أنواع الكذب الأبيض‏!‏ وما أشهر مايسمونها‏(‏ كذبة‏)‏ أبريل كنوع من الدعابة أو الفكاهة‏!‏

وبهذا الشكل ما أسهل أن يسمي الشيطان الرقص المعثر باسم الفن‏.‏ وكذلك الصور العارية والماجنة هي أيضا فن‏،‏ وبالمثل التماثيل العارية أيضا‏،‏ وبعض التمثيليات التي يقولون عنها للرجال فقط‏!‏ وتحت اسم الفن يخفي الشيطان كثيرا من الخطايا والمعثرات التي لاتستحق اسم الفن‏.‏ فالفن الحقيقي له اسم جميل ومحترم‏.‏

إلباس الخطية ثوب الفضيلة هو حيلة ماكرة من الشيطان‏.‏ أتراه يدعو البخل بخلا؟‏!‏ ما كان أحد اذن يقبله‏،‏ ولكنه يسميه حسن تدبير المال أو حفظ المال لحاجة المستقبل أو يسميه عدم التبذير أو عدم الإسراف‏!!‏

وإذا أراد الشيطان أن يمنع غنيا من أن يدفع للفقراء‏،‏ يقول له‏:‏ ليس من الخير أن تعلمهم الشحاذة‏،‏ أو تعودهم علي التشرد والتواكل‏.‏ إن عدم إعطائهم هو حكمة وعين الحكمة‏.‏ لكي يبحثوا عن عمل‏،‏ ويأكلوا خبزهم بعرق جبينهم حسب الوصية؟‏!‏

إن إعطاء الخطية اسم فضيلة‏،‏ يشجع الناس علي الاستمرار فيها‏،‏ ولايبكتهم ضميرهم علي مايفعلون‏.‏ احترس اذن من المسميات الخاطئة‏،‏ ولاتسمح للشيطان أن يخدعك‏، فإن الخطية هي خطية مهما اختفت وراء اسم آخر‏.‏

‏2‏ ـ من حيل الشيطان أيضا‏:‏ الأمور الصغيرة‏:‏
إن الخطايا الكبيرة الواضحة الدنس‏،‏ يحترس منها الإنسان الحريص علي نقاوته‏،‏ ويفر منها‏:‏ لذلك فالشيطان يؤجل محاربته بها‏،‏ مادام هو منتبها لها‏.‏ أما الأمور الصغيرة‏،‏ فيحاربه بها‏،‏ لأنه لايحترس منها‏،‏ ولايهتم بها‏..‏ ويظن أن مثل هذه الأمور الصغيرة‏،‏ إنما تحارب المبتدئين والصغار‏..‏ ويقول‏:‏ أما نحن قد كبرنا عن أمثال هذه الأمور‏.‏ لهذا يحاربه الشيطان بها‏.‏

فما هي هذه الأمور الصغيرة؟ وما أمثلتها؟

ربما تكون مثل تمسك الإنسان برأيه‏،‏ وقد يكون خاطئا‏!‏ ومع ذلك لايستشير أحدا‏، وقد يقول له الشيطان‏:‏ وماذا في ذلك؟ أي خطأ فيه؟‏!‏ وهل لابد أن تستشير؟ وهل عقلك لا يكفي؟ وما أعظم عقلك‏!..‏ وهكذا يسلك حسب هواه ويسقط‏..‏

وقد تكون الأمور الصغيرة مثل التساهل قليلا مع الحواس والقراءات والسماعات ظانا انها لاتأثير لها عليه‏!‏ بينما قد يضره ذلك‏.‏ وماتجلبه الحواس ينغرس في عقله الواعي وفي عقله الباطن‏،‏ وتكون له ثماره الخطيرة‏،‏ ولو بعد حين‏..‏ إن الأمور الصغيرة قد لاتكون صغيرة فعلا‏،‏ بل الشيطان يسميها هكذا‏،‏ وربما توصل إلي أخطر النتائج‏.‏ إن الإنسان ينظر إلي الزنا والسرقة والكذب‏،‏ وما أشبه علي انها من الكبائر‏،‏ ولكنه لا ينظر بنفس الاعتبار إلي خطايا الفكر أو خطايا اللسان‏،‏ ويعتبرها من الأمور الصغيرة‏،‏ وهي ليست كذلك ـ وربما يهلك نتيجة لعدم حرصه في الكلام‏،‏ وتؤخذ لفظة عليه مما يقوله‏،‏ وتكبر وتصير جريمة قذف‏..‏ كما أن فكره ـ الذي يستهين به ـ قد يتحول إلي شهوة تؤدي به إلي السقوط‏.‏

حقا إن شيطان الأمور الصغيرة يمكن أن يهلك الإنسان‏..‏ فيمكن أن تغرق سفينة كبيرة‏،‏ بسبب ثقب صغير في قاعها‏،‏ والإنسان لايكون موته فقط بواسطة وحش كبير يفترسه‏،‏ إنما يكفي لموته ميكروب صغير لايري بالعين المجردة‏..!‏

وأبشع العلاقات بين فتي وفتاة قد تبدأ بعلاقة بريئة جدا‏..‏ ولكنها ـ مع التساهل والدالة ـ تتطور إلي ماهو اسوأ وأخطر حتي تنتهي بخطية كبيرة‏.‏

وعوامل النصب والاحتيال‏،‏ قد تبدأ بأمور بسيطة مثل الثقة مع الطرف الآخر‏، وفي ظل هذه الثقة التوقيع علي أوراق بدون حرص أو شك في النوايا‏.‏ وينتهي الأمر أخيرا بكارثة اقتصادية سببها تلك الأمور التي تبدو صغيرة‏.‏

وقد تبدأ الكارثة الاقتصادية بأمور أخري صغيرة‏، أو تبدو أيضا صغيرة‏،‏ مثل ضمانك لإنسان صديق لك‏،‏ وتوقيعك علي ذلك‏.‏ ثم يسافر ذلك الصديق إلي الخارج ولايعود‏..‏ وتطالب أنت بكل ماعليه من ديون أو مستحقات مالية‏.‏ إن الخلاص من شيطان الأمور الصغيرة يحتاج بالضرورة إلي حياة التدقيق والحرص لئلا تتحول تلك الأمور إلي كبائر تهدد حياتك الروحية‏،‏ وحياتك العملية أيضا‏.‏

مقال قداسة الانبا شنوده الثالث – بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – في جريدة الأهرام – السنة 133 – العدد 44624 – يوم الأحد الموافق 8 فبراير (شباط) 2009 ميلادية، 1 أمشير 1725 شهداء (قبطية)، 13 صفر 1430 هجرية (للهجرة) – الصفحة العاشرة (10)، قضايا وآراء،
http://www.ahram.org.eg

‏‏


Share/Save/Bookmark

صفات الشيطان في حروبه

يفيدنا جدا أن نعرف صفات الشيطان في حروبه معنا لكي ندرك كيف نواجهه والمعروف عن الشيطان الصفات الآتية‏:‏

الشيطان صاحب قتال لايهدأ‏،‏ وهوايته اسقاط الآخرين‏.‏ وهو في قتاله لايمل ولا يستريح‏.‏ إنه ماهر‏،‏ باستمرار يرقب حالة ضحاياه‏،‏ ويلقي بذاره في كل مكان‏،‏ وحتي ان كانت حروبه تنتهي أخيرا إلي هزيمته‏،‏ ولكنه لايستطيع أن يبطل الحرب لأنها صارت جزءا من طبيعته‏.‏

والشيطان قوي ودلائل قوته انه استطاع ان يضل العالم كله أيام الطوفان‏،‏ ولم تنج من ضلاله سوي أسرة واحدة هي أسرة أبينا نوح‏.‏

ونفس الوضع نقوله عن مدينة سدوم أيام لوط البار‏،‏ التي ألقاها في الشذوذ الجنسي حتي استحقت عقوبة الله‏.‏

وقوة الشيطان تظهر ايضا في القائه العالم كله في الوثنية في العهد القديم ماعدا شعب واحد حدث انه وقع في الوثنية أيضا‏، فكثير من ملوك يهوذا وإسرائيل وقعوا في عبادة الاصنام وأخطأ معهم الشعب‏، كذلك أوقع العالم في تعدد الآلهة في كثير من البلدان‏،‏ ومن أمثلة قوته انه صرع أناسا كثيرين قيل انه كانت عليهم أرواح نجسة‏.‏

ولكن ليس معني الحديث عن قوة الشيطان أن نخاف منه‏!‏ كلا فان كان الشيطان قويا‏،‏ فان قوة الله أعظم وأعظم وهو ينقذ الناس من قوة الشيطان‏،‏ وآباء عديدون قد غلبوا الشيطان وكان يخاف منهم‏.‏

والشيطان خبير بالحروب وخبير بالبشر‏،‏ تصوروا ان الشيطان كان يحارب الانسان منذ أكثر من سبعة آلاف سنة منذ الانسان الاول فأي خبرة تكون له في حربه مع البشرية‏.‏ لاشك انه أقدر مخلوق علي فهم النفس البشرية وطريقة محاربتها‏،‏ ويعرف نواحي القوة والضعف فيها‏،‏ ويعرف الاسلوب الذي يمكنه أن يحاربها به‏.‏

إن أكبر عالم نفساني وأكبر محلل نفساني‏،‏ هو الشيطان علم النفس عنده ليس مجرد نظريات‏، إنما هو خبرات علي المستوي العملي والعلمي ايضا‏،‏ وبنطاق واسع جدا شمل البشرية كلها‏،‏ كذلك هو يعرف متي يحارب وكيف يحارب ومتي ينتظر‏!‏ ومن أي الابواب يدخل إلي الفكر أو إلي القلب‏.‏

والشيطان ذكي وحكيم في الشر‏،‏ وحكمة الشيطان كلها خبث ومكر وحيلة‏،‏ ومن مظاهر ذكاء الشيطان انه قد يغير خططه وأساليبه لتوافق الظروف‏،‏ فهو يسبك حيله بطريقة ذكية لا يشعر بها الانسان المحارب منه‏،‏ أو أنه يقدم الخطية في أسلوب فضيلة‏.‏

ومن صفات الشيطان انه كذاب فلا يجوز أن نصدق كل ما يقوله الشيطان ولا ننخدع به مهما قدم في حيله من إغراءات وهو يعلن كذبه في الاحلام والرؤي الكاذبة‏،‏ ومن أمثلة ذلك أنه ظهر مرة لراهب متوحد وقال له أنا الملاك ميخائيل أرسلني الله اليك فأجابه الراهب في اتضاع انني انسان خاطيء لا أستحق ان يظهر له ملاك‏،‏ فلعلك ارسلت إلي غيري واخطأت الطريق فمضي الشيطان عنه وظهر كذبه‏.‏ ولعل من كذب الشيطان ايضا ما يقوله علي أفواه المنجمين ومن يدعون معرفة الغيب‏،‏ كمن يقرأ الكف‏،‏ أو يضرب الرمل أو يقرأ فنجان القهوة أو يدعي معرفة البخت والطالع بأنواع وطرق شتي‏،‏ وواضح لاهوتيا انه لايعرف الغيب سوي الله وحده‏.‏

وإغراءات الشيطان كلها أكاذيب حيث يصور للانسان سعادة تأتيه من وراء الخطية فاذا سقط الشخص يجد ان كل اغراءات الشيطان هي سراب زائل‏.‏

كذلك أحلام اليقظة التي يقدمها لضحاياه كلها أكاذيب‏.‏

ومن أكاذيب الشيطان إيهام المنتحر أن الموت سوف يريحه من متاعبه‏،‏ وأنه لا حل لمشاكله سوي الموت حيث يتخلص من كل متاعبه ويستريح‏،‏ فاذا صدق من ينتحر يجد نفسه في الجحيم وليس في راحة‏.‏

وتقريبا في غالبية الخطايا يضع الشيطان أكاذيبه فهو يوحي للسارق بأنه ليس أحد يكشف سرقته وكذلك يوحي للمرتشي والمهرب والغشاش وهو يوحي للقاتل بأن المقتول يستحق القتل أو أن القتل غسل للعار الذي يلوث الشرف بل لعل الالحاد هو أكثر أكذوبة قدمها الشيطان للبشرية‏.‏

والشيطان أيضا لحوح لايمل من الالحاح‏،‏ وربما ما يعرضه من فكر خاطيء يظل يعرضه مرات عديدة مهما رفض الناس‏، وربما من كثرة ضغطه والحاحه يستسلم الانسان له ويخضع‏.‏

والشيطان في الحاحه لا ييأس من الفشل أبدا بل يعود‏،‏ وهو في الحاحه لايعترف بالعقابات ولايهمه مراكز الناس ولاروحياتهم بل يضرب ضربته ويحدث مايحدث وربما الذي لايهلك بسمومه اليوم‏،‏ قد يهلك بها غدا أو بعد سنين أو أكثر انه مثابر نشيط دائب علي العمل‏.‏

والشيطان كثير المواهب فهو يعرف الموسيقي والفن والنحت والرسم والشعر والاغاني ويمكنه ان يلهم المشتغلين بالملاهي كل ما يحتاجونه في فنونهم لاغراء الناس واسقاطهم‏.‏ وهو قاس يسقط الناس بلا رحمة وتظهر قسوته أحيانا في محاربة البعض بالمناظر المخيفة وايضا في قسوته علي من يصرعهم‏،‏ وهو قاس فيما يثيره علي العالم من حروب وويلات وجرائم ويفرح بكل ويلات العالم ويحسب ذلك انتصارا له وهو يبث الخصومات والانشقاقات ويفرح بالتخريب‏.‏ وهو خبيث في تظاهره بالعطف‏،‏ وفي ذلك يبرر لك الخطأ حتي لايتعبك ضميرك‏، وكل أخطائك يقدم لها العديد من الاعذار والتبريرات وينصحك قائلا‏:‏ لاتقل علي كل شيء انه خطأ‏،‏ ولا تبالغ في تبكيت نفسك لئلا يقودك هذا إلي الوسوسة حقا ان ما فعلته خطأ ولكنك لم تقصد ونيتك طيبة‏،‏ الله ينظر إلي النيات وماذا كان بامكانك ان تفعل‏!‏ الظروف كانت ضاغطة‏، وهو يعطف عليك حينما تصوم ويدعوك إلي الاكل حرصا علي صحتك وهو لا يلومك علي التدخين واضرارك الصحية‏،‏ ان عطف الشيطان ليس حبا وإنما هو حيلة للإسقاط‏.‏

الشيطان أيضا حسود ونهاز للفرص‏،‏ ومن أمثلة ذلك انه حسد يوسف الصديق علي ما رآه من رؤي ونقل الحسد إلي قلوب إخوته‏،‏ وهو يحسد كل انسان في حياة الفضيلة فيحرمه منها‏.‏

مقال قداسة الانبا شنوده الثالث – بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – في جريدة الأهرام – السنة 133 – العدد 44617 – يوم الأحد الموافق 1 فبراير (شباط) 2009 ميلادية، 24 طوبه 1725 شهداء (قبطية)، 6 صفر 1430 هجرية (للهجرة) – الصفحة العاشرة (10)، قضايا وآراء،
http://www.ahram.org.eg


Share/Save/Bookmark

Tuesday, February 24, 2009

حروب الشياطين

من طبيعة الشيطان ان يقاوم البر والأبرار‏،‏ وحروبه هي اختبار لحرية إرادتنا‏،‏ فإذا انتصرنا فيها نصبح مستحقين لخيرات السماء‏،‏ وأيضا تكون لنا مكافآت علي الأرض‏‏

والشيطان باستمرار يحسد السالكين في الفضيلة‏،‏ لكي لا ينالوا البركة الإلهية التي حرم هو منها‏

وحروب الشيطان وكل جنوده وأعوانه هي ضد الكل‏،‏ لم ينج منها أحد إذ يحاول الشيطان بكل جهده ان يبعد البشرية عن الله‏،‏ فلا تظنوا أن حروب الشياطين هي للمبتدئين فقط أو للخطاة‏،‏ كلا فهو يحارب الكل مهما ارتفعوا في حياة البر‏،‏ بل يحارب الأبرار بالأكثر‏،‏ لذلك علي كل إنسان أن يحترس‏،‏ ولا يظن انه قد ارتفع فوق مستوي هذه الحروب‏،‏ والشيطان دائم الجولان في الأرض لكي يصيد ضحاياه ويبحث عن أية فريسة ليسقطها‏‏

الشيطان لا ييأس مهما كان الذي يحاربه قويا‏،‏ فالخطية قد طرحت كثيرين جرحي وكل قتلاها أقوياء‏،‏ وان كانت ملائكة السماء تفرح بخاطئ واحد يتوب‏،‏ فلا شك ان الشياطين تفرح ببار واحد إذا سقط‏،‏ بل تفرح بسقوط أي أحد يخضع لهم ويصبح من أعوانهم‏،‏ وهي حروب دائمة‏،‏ قد تتنوع ولكنها لا تنتهي‏‏

وحروب الشيطان قد تشتد في الأوقات المقدسة‏، كالصوم مثلا‏،‏ والشيطان يتضايق جدا حينما نبدأ في أي عمل روحي‏،‏ فيسعي بكل الحيل لئلا تفلت الفريسة منه‏،‏ فنحن نبدأ العمل الروحي وهو يبدأ في المقاومة‏،‏ لأنه لا يستريح لأية صلة لنا مع الله‏،‏ كذلك إن بدأ الانسان بالصلاة الطاهرة العميقة أو التأمل الروحي أو التسبيح‏،‏ فإن الشيطان لا يقف مكتوف اليدين او متفرجا وإنما يعمل هو أيضا عمله‏، والعمل الروحي بما فيه خدمة الله يثير حسد الشياطين‏،‏ اذ كيف للبشر الذين لهم جسد من تراب تكون لهم حياة مرتبطة بالله‏،‏ بينما الشيطان وهو روح بعيد عن الله وروحه نجسة‏!‏

ومحاربات الشيطان قد تكون خفيفة أحيانا أو ثقيلة‏،‏ فإنسان يحاربه الشيطان بشهوة ما‏، فإن استجاب لها يكتفي الشيطان بنقطة البدء هذه‏،‏ ثم يترك هذه الفريسة المسكينة يحاربها فسادها الداخلي أو تحاربها عاداتها الخاطئة أو غرائزها‏،‏ والانسان المنتصر في حروب الشياطين علي طول الخط ربما يحاربه الشيطان بالكبرياء لكي يرتفع قلبه وتتركه النعمة‏‏

وهناك حروب شيطانية عنيفة وفجائية‏،‏ منها الظهورات المفزعة‏،‏ أو الرؤي الكاذبة وسائر الضربات الشيطانية‏،‏ ولكن الله لايسمح لأن تحدث أمثال هذه الحروب لكل أحد‏،‏ لأنه لا يدعنا نجرب فوق ما نستطيع‏.‏ ولهذا ننصح الذين يحاربون بالرؤي والأحلام المضللة ان يعرفوا ان ليست كل الرؤي والأحلام من الله أو من العقل الباطن‏،‏ فبعضها من الشياطين‏‏

لا ننسي ان الشيطان حارب العالم القديم بالوثنية وعبادة الأصنام‏، وبعبادة الأرواح وبعض مظاهر الطبيعة مثل عبادة الشمس‏،‏ كما حاربهم بتعدد الآلهة أيضا‏،‏ والبعض حاربه بإنكار وجود الله كما حدث في الشيوعية‏،‏ وأيضا مع الوجوديين الذي غلبهم أولا بالشهوات‏،‏ ثم أقنعهم أن يقولوا من الخير ان الله لايوجد لكي نوجد نحن علي اعتبار ان وصايا الله تحد من حريتهم‏‏

ومن محاربات الشيطان‏، حروب الشك‏،‏ كالشك في رعاية الله وخصوصا اذا صلي شخص وشعر ان صلواته لم تستجب‏،‏ وحروب الشك في القيامة وفي السماء وفي عقائد كثيرة‏،‏ فإن اتتك بعض هذه الحروب لا تظن انك قد ضعت تماما‏،‏ إنها محاربات من الشيطان فعليك بالصلاة لكي ينجيك الرب منها‏،‏ وقل له في صلاتك أنا يارب أعبدك وأؤمن بك‏،‏ لكن هذه الأفكار غريبة عني وتأتيني من الخارج‏،‏ كذلك امتنع عن القراءات التي تجلب مثل هذه الأفكار‏،‏ وثق ان الله لايمنع أمثال هذه الحروب ولكنه يساعدنا لكي ننتصر عليها‏‏

لا تخافوا من الشيطان وحروبه‏،‏ لأننا إن ضعفنا أمامه نجعل للشيطان كرامة ليست له‏،‏ ونجعله يتجرأ علينا‏،‏ بل يجب ان نصمد امام الشيطان ونقاومه‏،‏ حينئذ لايجد له مكانا فينا فيهرب ويبعد عنا‏،‏ كذلك لايليق ان نترك عقولنا في فراغ لئلا يجدها الشيطان فرصة لكي يملأ فراغنا بما يلقيه فيه من أفكار وشهوات‏‏

إن الشيطان قد يحاربنا بحياة اللهو‏،‏ وحياة الترف‏، ومحبة المادة أو المال‏،‏ أو الانقياد الي ملاذ الجسد وإشباع غرائزه‏،‏ كل ذلك لكي يمهد قلوبنا وأفكارنا لحروب أشد‏،‏ ومنها شهوات يلقيها في ذهن الانسان‏،‏ وهذه تكون ضعيفة في أولها‏،‏ لأنها غريبة عليها‏،‏ وتظل هكذا ضعيفة الي ان يفتح لها الانسان بابا تدخل منه الي قلبه‏،‏ وإلي مشاعره وهكذا يكون قد أخطأ‏،‏ بفتح القلب للشيطان وهذه خيانة روحية لله‏،‏ ومحاولة لتحطيم ملكوت الله داخلنا‏‏

هناك حروب أخري للشيطان تكون بطيئة طويلة المدي جدا لايشعر بها الشخص‏، وبها يجذب الشيطان ضحاياه بتدرج طويل يخدرهم قليلا قليلا‏،‏ وينقص من حرارتهم الروحية شيئا فشيئا علي مدي واسع حتي تتغير حياتهم وهم لايدركون ذلك الا بعد فوات الفرصة‏،‏ حينئذ ينتهز الشيطان ما وصلوا اليه من فتور فيضربهم بعد ذلك ضربة شديدة وهم غير مستعدين لها‏‏

وربما يغري الشيطان بعض الناس بأن يقيموا أنفسهم مصلحين لغيرهم‏، وقضاة علي أفعال الغير‏،‏ فإن اقتنعوا بهذا يعلمهم الغضب والثورة ومسك سيرة الناس‏،‏ والتدرج حتي الوصول الي انتقاء القادة‏،‏ واعتبار أنفسهم أبطالا في كل هذا‏، ولامانع من أن يتلفظوا بكلمات جارحة في انتقاداتهم‏،‏ ويفخرون بكل ذلك‏،‏ ويعتبرون انهم يفعلون خيرا أو لا تؤنبهم ضمائرهم‏

فهذه إحدي محاربات الشيطان أن يلبس الخطية ثوب فضيلة‏‏
علي أننا لكي ننتصر في حروب الشيطان‏،‏ ينبغي ان نعرف صفاته واسلوبه في القتال‏،‏ حتي ندرك كيف نقاومه‏،‏ فما هي صفات الشيطان؟ وكيف يحارب؟ وهل له اسلوب ثابت‏،‏ أم انه يتغير في أساليبه حسب تغير الحالة؟ هذا ما نود ان نحدثك عنه أيها القارئ العزيز في المقال المقبل ان شاء الله‏‏‏

مقال قداسة الانبا شنوده الثالث – بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – في جريدة الأهرام – السنة 133 – العدد 44610 – يوم الأحد الموافق 25 يناير (كانون ثان) 2009 ميلادية، 17 طوبه 1725 شهداء (قبطية)، 28 محرم 1430 هجرية (للهجرة) – الصفحة العاشرة (10)، قضايا وآراء،
http://www.ahram.org.eg

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏


Share/Save/Bookmark

Facebook Comments

Twitter

I Read

Word of the Day

Quote of the Day

Article of the Day

This Day in History

Today's Birthday

In the News