Saturday, April 25, 2009

لقاءات عجيبة في القيامة

بقلم : البابا شنودة الثالث
أهنئكم يا أخوتي وأبنائي بعيد القيامة‏،‏ راجيا فيه لبلادنا العزيزة سلاما وأمنا‏،‏ وراجيا للعالم كله قياما من سقطته المالية‏،‏ وكل آثارها المؤلمة في جميع الأقطار‏..‏

وبعد‏.‏ نحن قد تعودنا في كل عام أن نتحدث عن القيامة العامة‏،‏ وما تحوي من معان وأفكار وتأملات‏،‏ عارفين الأهمية العظمي لقيامة الأموات‏،‏ التي لولاها لتشابه البشر مع الحيوانات والحشرات والهوام‏،‏ تلك التي تنتهي حياتها بالموت وبعده الفناء‏....‏ أما البشر فيمتازون بأن لهم حياة أخري بعد الموت بدايتها القيامة التي يدخلون بها إلي الحياة الأبدية التي لا تنتهي‏.‏

ومن نعم القيامة أنها تفتح الباب للقاءات كثيرة وعجيبة ومجيدة‏،‏ ما كان ممكنا أن تحدث إطلاقا بدون القيامة‏..‏

أول هذه اللقاءات‏:‏ لقاء اثنين كانا متلازمين ومتزاملين طول العمر كله‏،‏ لا يفترقان لحظة واحدة‏،‏ بل إنهما كانا في وحدة عجيبة واندماج فوق الوصف‏....‏ وأعني بهذين الاثنين‏:‏ الروح والجسد في كل إنسان‏،‏ وفي الوحدة التي عاشاها‏، كانت مشاعرهما تندمج‏،‏ فإن فرحت الروح‏،‏ يبتسم الجسد أو يضحك ويتهلل‏،‏ وإن حزنت الروح‏،‏ فإن الجسد يكتئب أو يبكي‏،‏ وإن دخلت الروح في مجال الصلاة‏،‏ فإن الجسد يركع أو يسجد أو يقف في خشوع‏،‏ وما إلي ذلك من نواحي المشاركة في كل المشاعر والانفعالات التي يسمونها في عالم الطب سيكو سوماتيك حقا كل منهما للآخر شريك العمر‏.‏

هذان الصديقان المتلازمان افترقا بالموت‏،‏ فصعدت الروح إلي فوق‏،‏ ونزل الجسد إلي أسفل ودفن‏،‏ وبقيت الروح حية لم تمت‏،‏ أما الجسد فتحلل وتحول إلي تراب‏..‏ ومرت مئات أو آلاف السنين علي الافتراق الكامل بين الروح والجسد‏.‏

وأخيرا بالقيامة قام الجسد‏،‏ وارسل الله الروح لتتحد بالجسد وبلا شك أنها وجدته يختلف في بعض الأحوال عما كان من قبل‏،‏ لأن الله لا يقيم جسدا بعيوب كانت له‏،‏ فالأعمي لا يقوم أعمي‏،‏ بل يقوم ببصر جيد‏،‏ والأعرج والكسيح لا يقومان‏،‏ كما هما‏،‏ بل بأرجل سليمة‏،‏ وهكذا باقي المعاقين لا يقومون بأية إعاقة‏،‏ وأيضا المشوه والذي يمنحه الرب في القيامة جمالا‏.‏

والذين بترت اعضاء من جسهم في حوادث أو جراحات‏...‏ وركبت لهم أعضاء تعويضية‏، كل أولئك يقومون بأعضاء طبيعية سليمة‏..‏

هنا‏، يقف أمامنا سؤال هو‏:‏ كيف ستتعرف الروح علي جسدها لكيما تتحد به‏،‏ بعد تلك الغربة الطويلة والتغيرات الكثيرة؟ لاشك أن ذلك معجزة أخري‏!‏ هل هي ترجع إلي ذاكرة عجيبة للروح؟ أم أنها نعمة معرفة موهوبة لها؟‏!‏

المهم أن كل روح تتحد بجسدها ثم يقفان معا امام الله العادل في يوم الحساب الرهيب أو يوم الدينونة العامة‏،‏ لكي يقدما حسابا عن كل ما فعلاه خلال عمرهما الأرضي‏،‏ خيرا كان أم شرا مما اشتركا فيه معا‏،‏ وبعد صدور حكم الله عليهما‏،‏ يذهبان معا إلي مصيرهما الأبدي‏..‏

هذا هو اللقاء الأول في القيامة‏..‏ وماذا عن اللقاء الثاني؟ إنه لقاء الأحباء معا‏،‏ والأقارب والمعارف والأصدقاء‏...‏ منه لقاء الأسرة التي فقد لها حبيب بالموت‏،‏ ومرت علي ذلك سنوات لهم في الحزن والبكاء عليه‏،‏ ثم يكون اللقاء معه في القيامة العامة‏...‏ إنه لقاء الأرامل بالأزواج‏،‏ أو لقاء اليتامي بالآباء والأمهات‏...‏

وهنا أضع مثالا نادرا‏،‏ وهو رجل مات وقد ترك زوجته حبلي‏،‏ فولدت ابنا بعد موت ابيه‏،‏ لم ير أباه قط‏،‏ ولا يعرف شكله‏، هذا كيف سيتعرف علي أبيه في وقت القيامة؟‏!‏

مثال آخر وهو التعرف علي سلسلة الأنساب‏:‏ أي تعرف شخص علي جده وأبي جده‏،‏ وجد جده وجد جد جده‏،‏ إلي آخر السلسلة؟‏!‏ من سيقوم بتعريف الأسرة علي أصولها‏...‏؟‏!‏ ثم إذا كانت الأجساد ستقوم روحية غير مادية‏،‏ كما نعتقد ــ فكيف ستكون عملية التعرف أو التعريف؟

ثالث لقاء هو لقاء الناس عموما‏،‏ بعضهم بالبعض؟ علما بأن اللقاء في النعيم الأبدي سيكون فقط للأبرار مع الأبرار‏،‏ أما الخطاة فإنهم سيطرحون خارجا في الظلمة‏،‏ بعيدا عن نور الله ونور ملائكته وقديسيه‏...‏

وهنا تخطر لي بعض اسئلة منها‏:‏
أم بارة كان لها ابنان‏:‏ أحدهما بار ذهب إلي السماء‏،‏ ورأته معها‏،‏ والابن الآخر لم يستحق أن يدخل السماء‏،‏ فلم تره أمه‏،‏ ولن تراه‏...‏ ماذا يكون شعورها وعاطفتها نحوه‏، مع معرفتنا بأن مكان النعيم الأبدي قد هرب منه الحزن والكآبة والتنهد‏،‏ إنه مكان للفرح الكامل الدائم‏،‏ فهل تلك الأم التي فقدت أحد ابنيها في الأبدية‏،‏ سينعم الله عليها بنسيانه تماما‏،‏ وكأنه لم يولد؟ أم أن مشاعرها ستكون كلها مركزة في الله وفي البر والأبرار‏،‏ بحيث لا يخطر لها علي بال ذلك الابن؟‏!‏

مثال آخر‏:‏ إنسان بار مات قتيلا‏.‏ وكان قاتله قد ندم من كل قلبه علي القتل‏،‏ وتاب توبة حقيقية‏،‏ وقبل الله توبته وذهب إلي السماء‏،‏ والتقي القاتل والقتيل معا في دار النعيم‏،‏ كيف يكون شعورهما‏،‏ وفي الأبدية لا توجد مشاعر خاطئة إطلاقا‏،‏ يقينيا سيلتقيان بكل مودة وحب وفرح‏،‏ ولكن من أي نوع ستكون تلك المودة وذلك الفرح؟

النوع الرابع من اللقاء في العالم الآخر‏،‏ سيكون لقاء شعوب وأمم وأجناس‏،‏ من الأبرار من كل مكان‏،‏ من الجنس الآري إلي الجنس الزنجي‏،‏ وما بينهما من أجناس حسب تقسيم علم الأنثروبولوجي‏:‏ شعوب بيضاء وسوداء وصفراء بدرجاتها وأنواعها‏...‏ حشد كبير لا يحصي‏.‏

لا أدري كيف سيتعرفون علي بعضهم البعض؟ أم أن الله ــ تبارك اسمه ــ سوف يصنفهم صفوفا صفوفا‏،‏ وفرقا فرقا حسب درجات إيمانهم ودرجات روحانيتهم ودرجات معرفتهم‏،‏ والكل أبرار ومقبولون‏...‏ ولكن هل يمكن لقاء الكل بالكل؟ أم هذا غير ممكن؟ هنا يقف عقلي محتارا‏،‏ لا يعرف كيف يجيب‏،‏ وعلي رأي الشاعر ذو الحجي من قال إني لست أدري‏.‏

وهنا تحضرني قصة أخ أرسل إلي قديس شيخ متوحد‏،‏ في أيامه الأخيرة يقول له‏:‏ اسمح لي يا أبي أن أزورك الآن وأراك قبل أن تنطلق إلي مستواك العالي في الأبدية حيث لا يستطيع ضعيف مثلي أن يقترب‏،‏ فهل يعني هذا أن درجات الأبرار تكون في مستويات كل منها أعلي من الآخر‏،‏ وليست الخلطة متاحة للكل‏!‏ بل يرون من بعيد دون أن يندمجوا معهم ويعطلوا ما هم فيه من متعة روحية في الأبدية‏!‏

إن كان الأمر هكذا فكيف يتاح للأبرار اللقاء الخامس الذي هو اللقاء مع الملائكة‏،‏ وما هم فيه من درجات يعلو بعضها بعضا؟‏!‏ أم أن في الحياة الأخري عشرة مع الملائكة‏،‏ دون أن يعني هذا اندماجا شاملا؟ أم هناك اندماج لأن عدد الملائكة لا يحصي‏،‏ فيمكن لأعدادهم الوافرة أن تندمج بالبشر الأبرار‏،‏ وبدء ذلك الشهداء منهم والأنبياء والرسل وسائر القديسين الذين سيكون لقاء الأبرار بهم نوعا من اللقاءات في الأبدية‏...‏

أخيرا يخيل إلي انني تناولت موضوعات أعلي من مستوي فهمي البشري‏،‏ ويكفي أن نقول إنه ستكون لنا في الأبدية لقاءات عديدة تحدثنا عن أنواعها‏،‏ أما كنه تلك اللقاءات ونوعيتها‏،‏ فإنه من الأمور التي لم تعلن لنا‏،‏ ولا يسوغ لنا الخوض في أعماقها‏...‏

ختاما أرجو لكم كل خير‏،‏ وكل عام وأنتم في بركة ونعمة‏،‏ مصلين من أجل رئيس دولتنا المحبوب محمد حسني مبارك أن يمنحه الرب قوة خاصة تسنده في جهاده من أجل حفظ السلام في بلادنا وما يحيط بها‏.‏


مقال قداسة الانبا شنوده الثالث – بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – في جريدة الأهرام – السنة 133 – العدد 44694 – يوم الأحد الموافق 19 ابريل (نيسان) 2009 ميلادية، 11 برموده 1725 شهداء (قبطية)، 23 ربيع الاخر 1430 هجرية (للهجرة) – الصفحة العاشرة (10)، قضايا وآراء،
http://www.ahram.org.eg


‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏


Share/Save/Bookmark

Friday, April 17, 2009

توتر الأعصاب

ماهي الأسباب التي تؤدي إلي توتر الأعصاب؟ وكيف يتصرف الإنسان إذا وجد أن أعصابه متوترة؟ وما هو علاج توتر الأعصاب بصفة عامة؟ إن أسباب توتر الأعصاب‏:‏ بعضها جسدية‏،‏ والبعض نفسية أو روحية‏.‏ فمن الأسباب الجسدية التعب والإرهاق‏:‏ إن الأعصاب تتعب ضمن الجسد المتعب‏.‏ وتكون في حالة لاتحتمل فيها شيئا‏.‏ وأي ضغط عليها أو أية إثارة‏،‏ تسبب لها توترا‏،‏ يظهر في انفلات الإنسان وتصرفاته‏:‏ إن العمل المتواصل يعرض الأعصاب ـ كما يعرض الجسد كله ـ إلي الإرهاق‏.‏ لذلك يحتاج الإنسان إلي الراحة والاسترخاء خلال فترات العمل‏.‏ كما يحدث مع تلاميذ المدارس‏:‏ يعطونهم فسحة بين الحصص‏،‏ يسمونها في الإنجليزية ‏break ، لأنها تكسر حدة العمل المتواصل‏،‏ وتريح الذهن‏،‏ كما تريح الجسد‏،‏ وبالتالي تريح الأعصاب‏.‏ ونلاحظ أن الله ـ تبارك اسمه ـ قد منحنا يوم راحة في الأسبوع‏.‏ لأنه وهو الخالق لطبيعتنا‏،‏ يعرف أن طبيعتنا تحتاج إلي هذه الراحة‏،‏ كما يعرف أن العمل المتواصل بدون راحة‏،‏ يسبب للإنسان مشاكل كثيرة‏.‏ لذلك احترس من أن تدخل في لقاء أو حوار ساخن‏،‏ وأنت مرهق جسديا‏،‏ لأن أعصابك أيضا تكون مرهقة‏،‏ ولاتحتمل سخونة الحوار‏..‏ بينما إذا تم ذلك اللقاء ـ وأنت مستريح جسديا وعصبيا ـ فانه يمر بطريقة سهلة ويأتي بنتيجة أفضل‏.‏ إذن لاتعتبر فترات الراحة والاسترخاء لونا من الترفه‏،‏ بل هي من لوازم النجاح‏.‏ وكما لاتدخل في نقاش حاد وأنت مرهق‏، كذلك لاتدخل في مثل هذا النقاش مع شخص تعرف أنه مرهق‏،‏ لأن حالته الصحية لاتساعده علي التفكير العميق‏،‏ ولاعلي مجابهة رأي معارض‏.‏

أيضا قد يكون من أسباب التوتر‏،‏ مرض الأعصاب‏:‏

فالأعصاب المريضة لاتحتمل كثيرا‏،‏ بل تتوتر بسرعة‏.‏ وهي تحتاج إلي علاج عند أطباء متخصصين‏،‏ وبعض أمراض الأعصاب لاعلاقة لها بالنفسية والأخلاق‏.‏ مثال ذلك‏:‏ شخص مريض بالعمود الفقري‏،‏ وإحدي الفقرات تضغط علي عصب معين فتتعبه أو تلهبه‏.‏ ويكون هذا المريض ـ في ألمه ـ غير محتمل لحوار أو نقاش‏.‏ بل المرضي عموما‏،‏ الذين يشتد عليهم المرض والألم‏،‏ قد يكونون في حالة من التعب لاتحتمل أي لون من الجدل‏.‏ وقد يكون سبب التوتر‏،‏ أن الشخص عصبي بطبعه‏،‏ يثور بسرعة لأدني سبب‏.‏ ويحتد ويرتفع صوته‏،‏ وتتغير لهجته‏،‏ وتتجهم ملامحه‏،‏ ومثل هذا الشخص يحتاج إلي علاج نفسي‏،‏ وإلي تداريب روحية علي الهدوء وضبط النفس وحسن معاملة الآخرين‏.‏ والمعروف أن كلمة نرفزة مأخوذة من كلمة ‏nerves‏ أي أعصاب‏..‏ فابعد عن الاحتكاك بمثل هؤلاء‏،‏ لئلا تسمع منهم ما لايرضيك‏.‏ وقد يكون سبب توتر الأعصاب‏،‏ هو طبع العنف أو التزمت‏:‏
فالإنسان الذي يتخذ العنف منهجا في حياته‏،‏ تكون طبيعة تصرفاته مصحوبة بالتوتر‏.‏ ولايقبل نقاشا ولامخالفة له في الرأي‏.‏ ويحاول أن يصل إلي هدفه بسرعة ومن أقصر الطرق‏،‏ وبشدة‏.‏ فلو قوبل عنفه بعنف‏،‏ يزداد الأمر توترا من الجانبين‏.‏ كذلك الإنسان المتزمت لايكون واسع الصدر‏،‏ ولاواسعا في تفكيره‏.‏ وتزمته يجعله يضيق علي نفسه‏،‏ وعلي غيره أيضا‏، ويكون التعامل معه مشحونا بالتوتر‏.‏ وكما نجد الأشخاص المتزمتين ملامحهم عابسة‏،‏ بجدية متحفزة وعيون ملتهبة‏،‏ وأعصاب مستعدة للهجوم‏،‏ مع تعليقات متشددة قاسية‏:'‏ هذا خطأ‏،‏ وهذا حرام‏،‏ وهذا لايليق‏'.‏ والمتزمت قد يقيم نفسه رقيبا علي جميع الناس‏،‏ ومصلحا للمجتمع كله‏،‏ محاولا أن يصلح الكبار كما يصلح الصغار‏،‏ والذين يعرفهم والذين لايعرفهم‏،‏ إنه يثور علي كل شيء‏، في كل مكان‏،‏ في كل مناسبة ولامناسبة‏..‏ كل ذلك بأعصاب متوترة‏.‏ لذلك‏، نصيحتي إليك ـ لكي تهدأ أعصابك وتبعد عن التوتر ـ أنك لاتقم نفسك رقيبا علي غيرك‏.‏ ولاتتدخل فيما لايعنيك‏،‏ ولا تحاسب أحدا إلا ما هو في حدود مسئوليتك الخاصة‏.‏ أما ما هو خارج ذلك‏،‏ فلا تحشر نفسك فيه‏،‏ وقل لنفسك‏:'‏ من أقامني قاضيا أو محاسبا‏'.‏ بهذا تستريح أعصابك وتهدأ‏.‏ وقد يكون سبب التوتر حالة نفسية‏:‏ مثل الاضطراب أو القلق‏،‏ أو الخوف أو الخجل أو التردد‏.‏ ففي هذه الحالات تتوتر الأعصاب‏،‏ وبخاصة لو لم تجد حلا‏،‏ ولم تجد وسيلة للتعبير عما تريد‏..‏ ويحتاج الإنسان في هذه الحالة‏،‏ أن يهدئ نفسه من الداخل‏.‏ كذلك قد تتعب الأعصاب‏،‏ بسبب الأفكار السوداء‏:‏ إذ يفكرون بطريقة تشد أعصابهم وتتعبهم‏.‏ مثال ذلك الذي لايتوقع إلا شرا‏،‏ ولا يتخيل إلا أسوأ النتائج‏.‏ ومثله الإنسان الشكاك‏،‏ والمعقد‏،‏ والذي يتمادي بسرعة في تفكيره‏،‏ بغير حدود‏، فتتعب أعصابه‏.‏ ومن أسباب توتر الأعصاب‏،‏ الضغوط الخارجية‏:‏ مع خطأ التعامل معها‏.‏ كالمشاكل والضيقات المتتابعة‏،‏ والتي تبدو صعبة الحل‏.‏ وأيضا أخطاء الآخرين ونتائجها‏،‏ أو قسوتهم وسوء معاملتهم‏.‏ علي أن كل الضغوط الخارجية لاتؤثر إلا من جهة نفسية الشخص‏.‏ فالبعض قد يقابلها باحتمال أو بحكمة‏،‏ والبعض يقابلها بلا مبالاة أو يجعلها خارج نفسه‏.‏ والبعض يقابلها بانفعال‏،‏ وتتوتر أعصابه بسببها‏.‏ ومن أسباب التوتر سماع أو قراءة الأخبار المتعبة‏:‏ فهي إما أن تكون متعبة في نوعيتها‏، أو في تكرارها‏.‏ فالأخبار المزعجة والمقلقة والمثيرة‏،‏ أو التي تحوي ظلما أو تسبب شرا‏،‏ والأخبار المغرضة‏، والأخبار الكاذبة‏..‏ كل هذه كلها تثير الأعصاب وتسبب توترا‏،‏ لذلك فالبعد عن هذه الأخبار يريح النفس‏،‏ وأيضا مقابلتها بلا مبالاة‏..‏

من أسباب توتر الأعصاب أيضا الإلحاح المستمر‏، والإطالة والتكرار‏:‏ ويكون ذلك الإلحاح ضغطا علي أعصابك‏،‏ وبخاصة إذا قلت للمتكلم قد فهمت ماتقصد‏،‏ ومع ذلك يزيد ويعيد نفس المفهوم‏،‏ أو إذا وعدته بأنك ستنفذ طلبه‏،‏ ومع ذلك يلح ويلح‏،‏ غير مهتم بوقتك أو بأعصابك‏.‏ أو من يشرح لك شيئا‏،‏ وتقول له‏:'‏ قد عرفت‏'‏ ومع ذلك يطيل الشرح ويكرر الكلام‏.‏ كل ذلك يسبب توتر الأعصاب‏.‏ مما يريح أعصابك‏، أن تتعود البشاشة وأن يدخل في حياتك روح المرح‏،‏ ففي ذلك تنبسط الأعصاب بدلا من التوتر‏.‏ وبعكس ذلك يحكم المتزمتون علي المرح والضحك بأنه حرام‏!‏ وتوتر الأعصاب يعالج أيضا بالحياة الروحية السليمة‏.‏ فالإنسان الروحي بعيد عن التوتر‏،‏ يؤمن أن الله يتدخل في المشاكل لكي يحلها‏،‏ ويؤمن أن كل باب مغلق‏،‏ له مفتاح يرسله الله‏،‏ أو عدة مفاتيح‏.‏ وهو إن قرأ عن أخبار متعبة‏،‏ يضيفها إلي معلوماته وليس إلي أعصابه‏.‏ ويؤمن أن الله سيحولها إلي خير‏.‏

مقال قداسة الانبا شنوده الثالث – بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – في جريدة الأهرام – السنة 133 – العدد 44673 – يوم الأحد الموافق 29 مارس (آذار) 2009 ميلادية، 20 برمهات 1725 شهداء (قبطية)، 2 ربيع الاخر 1430 هجرية (للهجرة) – الصفحة العاشرة (10)، قضايا وآراء،
http://www.ahram.org.eg



Share/Save/Bookmark

Thursday, April 16, 2009

ترنيمة مبدع الكون القدير



Share/Save/Bookmark

Wednesday, April 15, 2009

البشاشة

البشاشة فضيلة اجتماعية مميزة‏.‏ فالإنسان البشوش يسعد الناس ببشاشته‏،‏ يشركهم معه في فرحه أو في سلامه وهم يستبشرون به‏،‏ إذ ينقلهم إلي نفس مشاعر البهجة التي له‏.‏

إنه يشيع السلام حوله‏.‏ ويبعث الطمأنينة في قلوب الآخرين‏.‏ وبشاشته تشع من نظرات عينيه‏،‏ ومن ابتسامته‏،‏ ومن ملامح وجهه‏، ومن أسلوب حديثه‏.‏ إنه نفس مستريحة من الداخل‏،‏ وقادرة علي إراحة الغير‏.‏ تشعر من حولها بأنه لايوجد ما يدعو إلي الكآبة‏،‏ بل هناك فرح علي الرغم من كل شيء‏.‏

الإنسان البشوش لا يسمح للمشاكل بأن تحصره داخلها‏.‏ و إنما يكسر دائراتها‏،‏ ويفتح له بابا ليخرج منها‏.‏

إنه لايعتمد علي عقله وحده‏،‏ وإنما علي الإيمان بالأكثر‏.‏ أي الإيمان بالله الذي يحب البشر‏،‏ ودائما يعمل معهم خيرا‏.‏ فإن كنا لانري هذا الخير‏،‏ فذلك قصور منا لا يمنع من وجود الخير أو من انتظار مجيئه‏.‏

الإنسان البشوش‏،‏ حتي إن حاربته الأحزان من كل جانب‏،‏ يقول لنفسه‏:‏ وما ذنب الناس في أن يروني عابس الوجه فيحزنوا؟‏!‏ لذلك فهو في نبل نفسه ‏-‏ إن أدركه الحزن ‏-‏ يحتفظ به لذاته وحده‏.‏ ويقدم بشاشته للآخرين‏.‏ فهو لا يشركهم في الحزن بل في الفرح‏..‏

الإنسان البشوش ينتصر علي المتاعب‏،‏ ولاتنتصر المتاعب عليه‏..‏ إنه لا يقع في الحصر النفسي‏، ولاتكون نفسه عدوة له في داخله‏.‏ وهنا يكون عقله صديقا له‏،‏ ودائما يريحه‏.‏ أما الكئيب‏،‏ فعقله يكون ألد أعدائه‏،‏ لأنه يصور له متاعب‏،‏ ربما لا وجود لها‏.‏ ودائما يضخم له ما يمكن أن تنتظره من مشاكل‏.‏ ويغلق أمامه أبواب الحلول‏..!‏ وإن إراد أن يخرج من بيته‏،‏ يقول له‏:‏ لاتنس المتاعب التي ستقابلك‏!‏

الإنسان البشوش حقا هو الذي يتمتع بالبشاشة الداخلية‏.‏ فهو ليس فقط بشوشا في مظهره‏،‏ من الخارج‏.‏ بل البشاشة تملك أعماق قلبه وفكره‏،‏ وتنبع من ذاخله‏.‏ فلا يحمل هما‏...‏ إذا أخطأ‏:‏ فبدلا من أن يفقد بشاشته‏، يعمل علي إصلاح الخطأ‏.‏ وحينئذ يعيش في سلام داخلي وفي سلام مع الله‏.‏ كثيرون إذا وقعوا في خطأ أو في مشكلة‏،‏ يكون الرد الطبيعي عندهم هو الكآبة‏.‏

ولكن الكآبة ليست حلا عمليا للمشاكل‏.‏ أما الشخص البشوش‏،‏ فإنه يبحث عن الحل العملي الذي يتخلص به من المشكلة وينقذه من الكآبة‏.‏ فإن وجد الحل‏، تزول المشكلة ويملكه الفرح‏.‏

أما الكئيب‏:‏ فإن المشكلة تستولي علي كيانه كله‏.‏ وبالأكثر عقله ومشاعره‏.‏ فيظل يفكر في المشكلة وأعماقها وأبعادها‏،‏ وكيف حدثت‏،‏ وما يتوقعه من نتائج سوداء لها‏..‏ فيزداد كآبة‏،‏ ولايفكر مطلقا في حل المشكلة وإن فكر في حل‏،‏ فإنه يستصعبه ويضع أمامه العقبات‏..‏ أو يتخيل أنه لا حل‏..!‏ وهنا تشمل الكآبة كل تفكيره‏.‏ فلا يبصر الحل وهو موجود‏!‏ وهكذا يستمر في كآبته‏،‏ بل تزداد تلك الكآبة‏.‏ ولايستطيع أن يكون بشوشا‏.‏

الإنسان البشوش إن لم يجد حلا لمشاكله‏،‏ يتركها إلي الله‏،‏ وينساها في يديه الإلهيتين‏.‏

أما الكئيب‏،‏ فلا يستطيع أن ينسي مشاكله‏.‏ إنها قائمة دائما أمام عينيه‏،‏ تتعبه وتزعجه‏.‏

وكلما فكر فيها‏،‏ ترهق أعصابه‏.‏ وربما يحتاج إلي طبيب نفسي‏،‏ يعطيه منوما أو مهدئا‏،‏ لكي تستريح أعصابه‏.‏ علي أن تلك المهدئات‏،‏ هي مجرد علاج من الخارج‏،‏ بينما الداخل في تعب‏...‏

البشوش لا يعطي للمتاعب وزنا فوق وزنها الطبيعي‏.‏ وكثير من الأمور يأخذها ببساطة‏،‏ فلا تتعقد أمامه‏.‏ وبطبيعة نفسه لايتضايق إلا من الأمور التي هي فوق الاحتمال‏..‏ وهو في العادة له قلب واسع لايتضايق لأي سبب‏، ولايفقد بشاشته‏.‏

إن الإنسان عموما قد يفقد بشاشته بسبب عدم الاكتفاء‏.‏ أي أنه لايكتفي بما عنده‏،‏ بل يتطلع باستمرار إلي طموحات عالية ربما لا تكون سهلة المنال‏.‏ فإن لم ينلها يكتئب‏.‏ ولهذا فالإنسان القنوع الراضي بما قسم الله له‏،‏ يكون دائما بشوشا شاكرا‏، إن الطامع في منصب كبير أو في مستوي عال‏،‏ إن لم تتحقق آماله‏،‏ فإنه يكتئب ويفقد بشاشته‏.‏ ومن العجيب أن كبار الأغنياء قد يفقدون بشاشتهم أيضا‏،‏ إن أرادوا نموا لثرواتهم ولم يتحقق ذلك‏.‏ وقد يتحقق لهم ما يريدون‏،‏ ومع ذلك يفقدون البشاشة إذ يجدون أمامهم ضرائب ومستحقات للدولة لا يحبون دفعها كلها‏.‏ وإن لجأوا إلي التهرب الضريبي تصدمهم قضايا وأحكام تفقدهم البشاشة أيضا‏!!‏

الإنسان البشوش يحب أن يكون جميع الناس بشوشين مثله‏.‏ فلذلك هو يحاول دائما أن ينسيهم أحزانهم‏،‏ ويشع فيهم الاطمئنان‏،‏ ويبحث عن حلول لمشاكلهم‏،‏ ويعطيهم تعليلا مريحا لكل الضيقات‏،‏ يجلب البهجة لهم مهما حدث‏..‏

إنه يخفف من قدر المتاعب‏،‏ ولايحسب لها ثقلا‏.‏ وفي كل مشكلة تحل لغيره‏،‏ يريحه بأن الرب الحنون المحب يقول‏:‏ تعالوا إلي يا جميع التعابي والثقيلي الأحمال‏،‏ وأنا أريحكم‏.‏

الإنسان البشوش لا يعيش في التعب الحاضر‏،‏ وإنما بالرجاء يعيش في الفرح المقبل يعيش سعيدا ولو في الخيال‏.‏ وله إيمان أن الله لابد سينقذه من تعبه‏.‏ إنه مؤمن بالمعونة الإلهية التي لايشك مطلقا في وصولها إليه‏.‏ إن لم يكن اليوم‏،‏ فغدا‏.‏

هناك مشكلة في موضوع البشاشة وهي أن البعض يخلط بين الجدية والعبوسة‏،‏ وبين الضحك والخطيئة‏.‏ وكأن الذي لا يكون عابسا‏،‏ فهو بالضرورة يكون عابثا‏!!‏ أو علي الأقل يكون ساهيا عن نفسه‏، أو غافلا عن الاهتمام بأبديته وناسيا لخطاياه‏.‏ ومن هنا نري أن بعض المتدينين أو رجال الدين يحرصون دائما أن يتصفوا بالجدية أو بالتزمت‏.‏ وهذا يقودهم إلي أن يكون كل منهم عابسا‏.‏ ويعتبرون المرح أو البشاشة حراما‏..!‏

وهذا التزمت له خطورته‏،‏ لأنهم يخيفون الناس من التدين‏.‏ أو هم يقدمون للناس صورة عن التدين غير سليمة‏.‏ ونقول‏:‏ لماذا لايكون الإنسان متدينا‏،‏ ومرحا وبشوشا في نفس الوقت؟

وهل معني التدين أن ينفصل الإنسان عن الحياة الاجتماعية وما فيها من مرح وبهجة؟

وهل إذا ضحك المتدين يبكته ضميره ؟ وماذا عن الحفلات التي تتميز بالمرح‏،‏ هل مستواها هابط؟ وماذا عن الطفل الذي يحب أن يضحك‏، ويحب من يضحكه؟ هل نعلمه التزمت؟‏!‏

مقال قداسة الانبا شنوده الثالث – بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – في جريدة الأهرام – السنة 133 – العدد 44666 – يوم الأحد الموافق 22 مارس (آذار) 2009 ميلادية، 13 برمهات 1725 شهداء (قبطية)، 25 ربيع الاول 1430 هجرية (للهجرة) – الصفحة العاشرة (10)، قضايا وآراء،
http://www.ahram.org.eg

‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏‏


Share/Save/Bookmark

Friday, March 27, 2009

طول البال

هذه الفضيلة يسمونها أيضا طول الأناة‏،‏ وطول الروح‏،‏ وسعة الصدر‏،‏ والحليم‏،‏ وفي ذلك قيل عن موسي النبي وكان الرجل موسي حليما جدا أكثر من جميع الناس الذين علي وجه الأرض‏.‏ إلهنا الصالح ـ تبارك اسمه ـ طويل الأناة‏،‏ وينبع ذلك من عمق رحمته‏،‏ ولولا طول أناته علينا ـ مع كثرة اخطائنا ـ لهلكنا جميعا‏،‏ إنها طول أناة الله تقتاد الناس إلي التوبة‏.‏ وبطول أناته صبر علي عبدة الأصنام زمانا طويلا‏،‏ حتي رجعوا أخيرا إلي الإيمان وعبدوه‏،‏ كما صبر علي الشيوعيين الذين وقعوا في الإلحاد‏،‏ وبعد سبعين سنة عادوا إلي الإيمان‏،‏ كما أطال الله أناته علي أوغسطينوس في خطاياه‏،‏ حتي تاب أخيرا وصار قديسا‏...‏ وبالمثل أطال الرب أناته علي فلاسفة الوثنية حتي آمن البعض منهم‏.‏
طول أناة الله تقود إلي التوبة أو إلي الدينونة أي العقاب‏،‏ فلا تظن يا أخي القارئ العزيز‏،‏ إذا أطال الرب أناته عليك في كل أخطائك وخطاياك المتكررة أنك بعيد عن العدل الإلهي‏،‏ انما هي فرصة تمنح لك لكي تغير مسلكك‏،‏ وإلا‏...‏

كذلك اذا احاطت بك التجارب والضيقات‏، ولم يسرع الله إلي معونتك‏،‏ لا تظن أنه قد تخلي عنك‏،‏ كلا‏،‏ بل هو بطول أناته يعد الوقت المناسب الذي يبعد فيه كل ضيقة عنك‏،‏ تأمل مثلا قصة يوسف الصديق‏،‏ وكيف طال به الزمن في عديد من الضيقات‏،‏ وأخيرا دبر الله الفرصة المناسبة التي جعله فيها الرجل الثاني في مصر‏،‏ ورفع من شأنه جدا‏.‏

إن قصة يوسف الصديق هي درس لنا‏،‏ لذلك أطل أنت أناتك في كل ضيقاتك‏،‏ وثق أن معونة الله لابد ستأتيك في الوقت الذي يراه مناسبا‏،‏ كما أن الله ـ بطول أناته ـ إنما يعطينا نحن أيضا درسا في الصبر وفي التعامل مع الناس‏...‏ قد يتضايق البعض من معاملات الناس له‏،‏ ومن أسلوبهم الذي لا يحتمله‏،‏ ويطلب إليهم أن يغيروا أسلوبهم فلا يغيرونه‏،‏ وربما تطلب الزوجة هذا الطلب من زوجها فيظل كما هو‏..‏ ولكن علينا أن نعرف أن طباع الناس تحتاج إلي وقت لكي يمكنهم أن يغيروها‏،‏ وليس من السهل عليهم أن يغيروا أسلوبهم بسرعة‏،‏ والأمر يحتاج منا إلي طول بال‏،‏ وبخاصة لو كان أسلوب الناس قد تحول إلي طباع فيهم‏،‏ فالبعض منهم لا يشعر أنه علي خطأ‏،‏ ولا يريد أن يتغير‏،‏ والبعض يريد ولا يستطيع‏.‏ كذلك فإن طول البال يحررنا من الغضب علي الناس‏،‏ ويعطي العقل فرصة أن يتدبر الأمر‏،‏ وعموما فالإنسان الطويل البال‏،‏ هو إنسان بطئ الغضب‏.‏

نفس الوضع بالنسبة إلي التعليم والارشاد‏،‏ يحتاج ذلك ايضا الي طول بال مع التلميذ حتي يقبل الدرس‏،‏ وحتي يتفهمه ويهضمه‏،‏ ثم يغرسه في ذاكرته‏،‏ ثم لا ينساه‏،‏ إن المدرس الضيق الصدر لا يمكنه ان يفيد تلاميذه‏،‏ فبعضهم لا يفهم بسرعة‏، ويحتاج مدرسه إلي ان يطيل أناته عليه حتي يفهم‏،‏ وحتي يحفظ‏،‏ ولامدارس تطيل اناتها علي الراسبين ايضا‏،‏ فالذي لا ينجح من الدور الاول يعطونه فرصة في الدور الثاني لكي ينجح ويعوض ما قد فشل فيه من قبل‏.‏

أتذكر انني منذ ستين عاما اخذت درسا روحيا في طول البال من احد تلاميذي‏،‏ كان طالبا في احدي المدارس الاجنبية التي كنت مدرسا فيها‏،‏ وقد طلب مني ان اعطيه درسا خاصا في مادة هو ضعيف في استذكارها‏،‏ فأعطيته الدرس الأول ومعه واجب كانت نتيجة اجابته صفرا‏،‏ ثم اخذ الدرس الثاني ومعه ايضا واجب ليحله‏،‏ وبالمثل كانت نتيجته صفرا كسابقه‏،‏ فتضايقت وقلت له انت بهذا الشكل لا يمكن ان تنفع‏،‏ فعاتبني هذا التلميذ وقال لي لماذا تثبط همتي‏،‏ وانا بذلت كل جهدي وتحسنت؟‏!.‏ فتعجبت من كلامه وسألته أي تحسن هذا ـ وقد اخذت صفرين متتاليين؟‏!‏ فقال لي في الواجب الأول كانت لي‏18‏ غلطة فأخذت صفرا‏،‏ وفي الواجب الثاني كانت لي‏12‏ غلطة فقط فأخذت صفرا‏،‏ انه بلا شك تحسن ولو انه تحت الصفر‏، اذ قلت الاخطاء‏،‏ فبشيء من التشجيع يمكن ان اتحسن اكثر‏،‏ واصعد من تحت الصفر وآخذ درجة‏.‏ ومن ذلك الحين‏،‏ وحتي الآن‏،‏ مازالت في ذهني عبارة التحسن تحت الصفر‏،‏ فأطلت بالي علي ذلك التلميذ الذي صار فيما بعد مهندسا كبيرا‏.‏

إننا نحتاج ايضا ان نطيل بالنا علي الاطفال حتي ينمو تفكيرهم‏،‏ وينضج ادراكهم‏،‏ فيتحولون من مرحلة اللهو الي الجدية‏، ولاشك لابد ان يأخذ ذلك زمنا‏،‏ وهكذا تخطئ الام التي تضجر من تصرفات طفلها‏،‏ فتنهره او تضربه علي اخطاء هو لا يعرف انها اخطاء‏،‏ ومن المفروض ان تتصف بطول البال حتي يمكنها ان تتعامل مع الطفل بما يناسب عقليته ونفسيته في تلك السن‏.‏

بالمثل في الارشاد الروحي‏،‏ قد يبذل المرشد وقتا وجهدا في قيادة شخص الي التوبة‏،‏ ثم يلاحظ انه لم يتب بعد‏،‏ فيدركه اليأس منه‏،‏ وهذا خطأ‏،‏ لأن التوبة لا تأتي هكذا بسرعة‏، إذ توجد معوقات كثيرة من التعود السابق علي الخطية‏،‏ ومن شهوات القلب‏،‏ ومن المحاربات الخارجية‏،‏ والامر يحتاج الي طول بال من المرشد‏،‏ ومداومة التشجيع‏.‏

ان يئس المرشد من امكانية توبة الخاطئ‏،‏ فسوف يتركه الي الضياع والهلاك وهكذا اذا يئس الطبيب من علاج مريضه فسيتركه الي الموت لا محالة‏،‏ الامر في الحالين يحتاج الي طول بال‏.‏ وكثير من الامراض تحتاج الي صبر من المريض والطبيب حتي يتم الشفاء منها‏،‏ او علي الاقل حتي تتحسن الحالة ويمكن احتمالها‏..‏

في مجال العمل ايضا‏:‏ اذا قام شخص بمشروع‏،‏ ليس له ان ينتظر نجاح مشروعه من اول خطوة‏،‏ بل عليه ان يطيل أناته حتي يعرف مشروعه وينتشر‏،‏ وتنفتح امامه الاسواق‏،‏ وتنتصر علي المنافسات‏،‏ ويدخل في تجربة الربح والخسارة‏، ويستقر اخيرا‏.‏ ان طول البال يلزم في كل المجالات في العلاقات السياسية والاجتماعية‏،‏ وفي السياسة والاقتصاد‏،‏ وفي الحصول علي عمل‏،‏ بل وفي الوصول الي كمال الديمقراطية‏،‏ وكقاعدة عامة لا يمكن الوصول الي الكمال من اول خطوة‏،‏ انما بالتدرج والصبر‏.‏ والانسان الذي ليس له طول بال‏، ما اسهل ان يقع في القلق والضجر والانزعاج‏،‏ وتتعب نفسيته ويفقد سلامه الداخلي‏،‏ وقد يصاب بالاندفاع والتسرع مما تكون له نتائج سيئة‏،‏ وربما في تسرعه يأخذ قرارات او مواقف ارتجالية او عشوائية‏،‏ وبعض الناس ليس لهم طول بال في حل مشاكلهم‏،‏ فيلجأون الي السحرة والمشعوذين لعلهم يجدون عندهم حلا‏.‏

مقال قداسة الانبا شنوده الثالث – بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – في جريدة الأهرام – السنة 133 – العدد 44659 – يوم الأحد الموافق 15 مارس (آذار) 2009 ميلادية، 6 برمهات 1725 شهداء (قبطية)، 18 ربيع الاول 1430 هجرية (للهجرة) – الصفحة العاشرة (10)، قضايا وآراء،

http://www.ahram.org.eg


Share/Save/Bookmark

Wednesday, March 25, 2009

أسباب الشك

أحيانا يرجع سبب الشك إلي طبيعة الشخص نفسه‏،‏ إذ تكون شخصيته مهزوزة غير ثابتة‏،‏ أو يكون موسوسا‏،‏ وطريقته في التفكير وفي الحكم علي الأمور تجلب له الشك‏.‏ وقد يكون بسيطا يصدق كل مايقال له‏،‏ فيصبح ألعوبة في يد من يلهو به‏.‏ إن حكي له أحد عن صديق يتقول عليه‏،‏ ما أسهل ان تتغير معاملته لهذا الصديق‏،‏ ويشك في إخلاصه بل إنه قد يتعرض إلي الشك في أمور عقائدية أو إيمانية‏،‏ إذا ماشككه شخص أكثر منه فهما‏،‏ ونفس الوضع من جهة الفكر السياسي‏،‏ فإن البعض الذين لهم اتجاه سياسي معين‏،‏ يجدون لهم مجالا في أمثال هؤلاء البسطاء والقليلي المعرفة لكي يضموهم إليهم‏.‏ ومثل هؤلاء البسطاء ـ ربما بالشك ـ يتحولون من اتجاه الي عكسه‏،‏ ويكونون كما قال الشاعر‏:‏ كريشة في مهب الريح طائرة‏..‏ لاتستقر علي حال من القلق وعلي عكس هذا فإن الشك قد يحارب أشخاصا لهم عقول عميقة التفكير‏،‏ فبينما الإنسان العميق التفكير يستطيع أن يكتشف زيف الشكوك فلا يقع فيها‏،‏ نراه من الناحية المضادة‏.‏ إذا ما بحث أمورا أعلي من مستوي عقله خاصة بالله والسماء والأبدية وطبيعة الخليقة ـ ربما يقع في الشك ويرتبك عقله‏.‏ وهذا هو الذي حدث مع الفلاسفة الملحدين‏..‏ كانوا فلاسفة علي مستوي عقلي عميق‏.‏

ولكنهم ألحدوا‏،‏ لأنهم حاولوا أن يبحثوا أمورا فوق مستوي عقلهم‏!!‏ ففشل العقل في الوصول‏،‏ وضلوا‏..‏

حقا‏،‏ إن العقل هو نعمة كبيرة من عند الله ولكن له حدودا لايجوز له أن يتجاوزها‏.‏ هذه الأمور أعلنها الله بطريق الوحي والأنبياء‏،‏ ولايمكن الوصول إليها بالعقل وحده وإذا حاول بالعقل بعيدا عن الإيمان أن يصل إليها قد يقع في الشك‏.‏ مثال ذلك خلق الإنسان من تراب‏..!!‏ وأيضا المعجزات‏.‏ ولهذا فإن المعجزات قد تحدث مع البسطاء الذين يقبلونها بالإيمان‏..‏ بينما بعض العقلاء الذين لايقبلون شيئا إلا بعد تفكير وفحص‏..‏ هؤلاء لاتحدث لهم معجزة‏،‏ ولايؤمنون بها‏..‏

من مصادر الشك أيضا‏،‏ بل من أهمها الشيطان فهو ماهر جدا في ايجاد الشكوك وفي تصديرها‏.‏ وله خبرة طويلة في غرس الشكوك في عقول الناس‏.‏ ويجد لذة في ذلك‏.‏ ويعتبر قبول البشر لشكوكه انتصارا له‏،‏ والشيطان يعرف جميع الشكوك التي مرت علي العالم من آلاف السنين‏، ويمكنه أن يحارب بها‏.‏ وقد يلقي الشكوك في الإيمان‏،‏ وفي العلاقة مع الآخرين‏،‏ وفي القيم والمبادئ‏،‏ وفي كل شيء‏..‏ لكي يجعل الإنسان في حيرة من أمره‏،‏ وفي دوامة من الشك‏..‏ وربما يأتي الشك إلي الإنسان من غيره من الناس‏،‏ إذا ماترك أذنيه فريسة لأقوالهم‏..‏ وهكذا قد تأتي الشكوك من معاشرة الشكاكين‏.‏ فاحترس إذن من كلام هؤلاء ولاتصدقه‏.‏ لأنه كما أن معاشرة المؤمنين الثابتين في إيمانهم تنقل إليك الإيمان والثقة‏،‏ فإن معاشرة الشكاكين تنقل إليك الشك إذا قبلت مايقولونه لك‏.‏ ومثال ذلك أن شخصا قال لي‏:‏ حينما أقرأ بعض الجرائد في الصباح‏,‏ يخيل إلي أن البلد قد ضاعت‏، وأن الخطر قريب‏،‏ فهم يشككوننا في الحال وفي المستقبل وفي الأشخاص‏..‏

ولذلك فمن أشهر مصادر الشك‏،‏ الشائعات‏.‏ وكثيرا ماتكون خاطئة أو مغرضة‏،‏ وفي ذلك قال أحد الأدباء‏:‏ إذا أردت أن تشعل حريقا في بلد ما أطلق فيها شائعات مهمة فإن الشائعات يمكن أن تثير جوا من القلق والاضطراب وربما الخوف أيضا‏..‏ ويشك الناس قائلين‏:‏ تري ماالذي حدث؟‏!‏ من أسباب الشك أيضا‏:‏ الانحصار في سبب واحد‏..‏ وقد يكون هذا السبب هو أسوأ افتراض ممكن‏.‏ مثال ذلك‏:‏ أم قد تأخرت ابنتها في العودة إلي البيت مساء فتشك في إصابتها بسوء‏،‏ كأن حدث لها حادث‏،‏ أو أن أحدا قد خطفها‏،‏ وتظل في قلق بسبب هذا الشك حتي تعود‏..‏ وربما تشك في أنها ستعود‏!!‏ بينما يكون السبب في تأخرها هو زحمة المواصلات أو زميلة لها قد عطلتها‏،‏ أو احتاجت أن تشتري شيئا من مكان بعيد‏،‏ أو‏..‏ ولكن حصر التفكير في سبب واحد‏، وهو إصابتها بسوء هذا مايجلب الشك‏.‏

ومشكلة الانحصار في سبب واحد‏،‏ كثيرا مايجلب الشك بين الأزواج‏..‏ وهذا السبب هو سوء الظن في شريك الحياة‏.‏ فإن حدث أن الزوج قد ألزمته الضرورة في الاهتمام بوالدته أو والده في ضيقة معينة‏،‏ ربما تشك الزوجة قائلة‏:‏ إنه يحب عائلته اكثر مني‏،‏ وبسببهم يتأخر عن بيته‏،‏ أو ينفق عليهم اكثر مما ينفق علي أولاده وأسرته‏!!.‏ وإذا أعجب الزوج بدعابة قالتها امرأة أخري‏،‏ أو برأي ذكي عرضته تبدأ الزوجة في أن تشك وتظن ان هذا الاعجاب ربما وراءه علاقة ما‏،‏ أو أنه سيقود الي انحراف‏،‏ وتتعب‏!!‏ إن الانحصار في سبب واحد هو ضيق في التفكير بينما الفكر المتسع يضع أمامه افتراضات كثيرة‏،‏ فلايشك ولايتعب‏.‏

قد يحدث الشك ايضا بسبب الوهم‏.‏ فقد يتوهم البعض أن رقم‏13‏ مثلا وراءه شر ما فيدخلهم الشك في كل يوم يكون تاريخه‏13‏ أو مضاعفاته‏!‏ وهكذا في بعض البلاد نري أن المصعد‏(‏ الأسانسير‏)‏ ينتقل من رقم‏12‏ إلي‏14‏ مباشرة‏،‏ ويلغي رقم‏13‏ ونفس الوضع في أدوار المساكن‏..‏ وكل ذلك عبارة عن وهم‏..‏ وقد يحدث الشك بسبب الضيقات وبخاصة إذا ما طالت مدتها‏،‏ واقترب الإنسان من اليأس‏.‏ حينئذ قد يحاربه الشك في رحمة الله‏،‏ وفي جدوي الصلاة التي لم تكن لها نتيجة‏.‏ أو أن فتاة طال بها الوقت ولم تتزوج‏،‏ أو كلما يأتي إليها عريس يذهب ولايعود‏..‏ حينئذ قد يدخلها الشك في أن‏(‏ عملا‏)‏ قد عمل لها وبسببه يحدث كل هذا‏!!‏ وتبدأ في الذهاب إلي المشعوذين لكي يفكوا لها ذلك العمل‏!‏ وكل ذلك خرافات‏.‏

ومن أسباب الشك أيضا عدم الثقة بالنفس‏،‏ ومثال ذلك كثير من ألوان الشك بين الأزواج‏،‏ فالزوجة التي تشك في خيانة زوجها‏.‏ وراء هذا الشك يوجد شك منها في نفسها‏،‏ وفي مدي كفايتها للزوج‏،‏ أما الزوجة الواثقة بنفسها فهي لاتشك بل تقول في نفسها‏:‏ لا توجد امرأة أفضل مني في الجمال أو الجاذبية يمكن أن ينجذب إليها زوجي أنا واثقة أنه في قبضة يدي‏،‏ لايمكنه الخروج منها‏!‏

وبنفس المنطق يمكن أن يتحدث الزوج الواثق تماما بقوته وتأثيره علي زوجته وبمدي محبتها له‏.‏ أما إذا فقد الثقة بنفسه‏،‏ فحينئذ يمكن ان يشك في زوجته‏،‏ وفي إمكانية أن تتجه إلي رجل آخر وتتعلق به‏.‏

مقال قداسة الانبا شنوده الثالث – بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – في جريدة الأهرام – السنة 133 – العدد 44652 – يوم الأحد الموافق 8 مارس (آذار) 2009 ميلادية، 29 أمشير 1725 شهداء (قبطية)، 11 ربيع الاول 1430 هجرية (للهجرة) – الصفحة العاشرة (10)، قضايا وآراء،
http://www.ahram.org.eg


Share/Save/Bookmark

Thursday, March 12, 2009

الشاب الحافي

الشاب الحافي - قصة من واقع الحياة

اسمه ”بيل“، وهو طالب في الجامعة في العشرينيات من عمره، شعره كثيف منكوش، ويلبس تي شيرت مليء بالثقوب، وسروالاً من قماس الجين (جينس)، ولكنه حافي القدمين، إذ ليس لديه حذاء. ويبدو أنه كان يلبس هذه الملابس طيلة السنوات الأربع أثناء دراسته الجامعية. وهو طالب نابه مجتهد، ولكنه من الفئة التي لا يفهمها إلاَّ القليلون.
وفي الشارع الذي يؤدِّي إلى الجامعة كانت هناك كنيسة يحضرها عِلْية القوم المتدثِّرون بالملابس النظيفة الأنيقة. لكن هذا الشاب لم يدخل هذه الكنيسة قط.

وفي أحد أيام الآحاد قرر ”بيل“ أن يحضر الصلاة في الكنيسة. وسار حافي القدمين، وبالقميص وسروال الجينس وبشعره الأشعث المنكوش؛ ودخل الكنيسة، وكانت الصلاة قد بدأت.

ودار الشاب بعينيه في صحن الكنيسة باحثاً عن مقعد. ولكن الكنيسة كانت قد امتلأت عن آخرها بالمصلِّين، فلم يجد ولا مقعداً واحداً خالياً. ولكن في ذات الوقت، كان الحاضرون في الكنيسة غـير مستريحين لمنظر هذا الشاب، لكـن لم يفتح أيٌّ منهم فـاه.

وتقدَّم الشاب إلى الأمام نحو منبر الوعظ، ولما فَقَدَ الأمل في العثور على مكانٍ للجلوس، افترش بجانب المنبر وجلس على الأرض. فتزايد سخط الحاضرين، وتوتر الجو.

وشاهد واعظ الكنيسة من بعيد أن الشماس الواقف في آخر صحن الكنيسة قد تأهَّب آخذاً طريقه ببطء نحو هذا الشاب ”بيل“. وكان الشماس في الثمانينيات من عمره، وقد ابيضَّ شعره.

هذا الشماس كان رجلاً تقياً، أنيق الملبس، مُبجَّلاً، كيِّس التصرُّف. وكان يسير ببطء متوكِّئاً على عُكَّازه. وإذ كان متوجِّهاً ناحية هذا الشاب، كان كل واحد من المصلِّين يُفكِّر في نفسه أن هذا الشماس الشيخ لن يُلام على أي تصرُّف يتخذه تجاه هذا الشاب.

لكن، ماذا يتوقَّع أي شخص من رجل شيخ في مثل هذا العمر، وفي مثل هذه الحياة التقية، أن يفعل إزاء شاب مثل هذا يفترش الأرض بمثل هذا المنظر؟

وقد مرَّ وقتٌ طويل على هذا الشماس العجوز حتى يصل إلى الشاب. وكان الصمت يُخيِّم على الكنيسة إلاَّ من قرعات عُكَّاز هذا الشيخ وهو يدقُّ على الأرض.

وتركَّزت كل الأعين عليه، لترى ماذا سيفعل؟ حتى أن الجميع كانوا وكأنهم حبسوا أنفاسهم من رهبة الانتظار والتوقُّع.

ولم يستطع الواعظ حتى أن يبدأ عظته ليرى ماذا سيفعل ذلك الشماس!

والآن، رأى الجميع الرجل العجوز يصل إلى حيث الشاب الجالس على الأرض، فإذا به يُلقي عُكَّازه على الأرض، وبصعوبة شديدة ينحني ويجلس بجوار الشاب ”بيل“ على الأرض، ويبدأ في الصلاة معه، حتى لا يبدو ”بيل“ أمام المُصلِّين وكأنه وحيدٌ في تصرُّفه!

وصُدم الجميع من تصرُّف ومشاعر هذا الشماس العجوز!

وحينما التقط الواعظ أنفاسه، تكلَّم وقال:

- ”لقد كنتُ أعزم أن أعظ لكم اليوم، ولكن ما كان يمكنكم أن تتذكَّروا عظتي بعد انصرافكم. ولكن ما قد رأيتموه الآن، فهذا لن تنسوه أبداً“!

”فتعلَّموا كيف تعيشون المحبة مِمَّا رأيتموه، لعلَّكم تصيرون، كل واحد فيكم، إنجيلاً حيّاً مقروءاً من جميع الناس!“

مجلة مرقس - مجلة شهرية - رسالة الفكر المسيحي للشباب والخدام - يصدرها دير القديس أنبا مقار - برية شيهيت - السنة 53 - فبراير 2009م - العدد 501 - طوبة / أمشير 1725 شهداء - قصة من واقع الحياة - صفحة 41، 42 - رئيس التحرير: الأب يوحنا المقاري - عنوان المراسلات: ص. ب 31 شبرا - القاهرة
St. Mark Magazine, Monthly Review - Published by: The Monastery of St. Macarius the Great, Wadi El-Natrun.
http://www.stmacariusmonastery.org




Share/Save/Bookmark

Tuesday, March 10, 2009

مزمور طوبى لمن يتعطف على المسكين

مزمور طوبى لمن يتعطف على المسكين
اَلْمَزْمُورُُ الْحَادِي والأَرْبَعُونَ
لإِمَامِ الْمُغَنِّينَ. مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ

1طُوبَى لِلَّذِي يَنْظُرُ إِلَى الْمَِسْكِينِ. فِي يَوْمِ الشَّرِّ يُنَجِّيهِ الرَّبُّ. 2الرَّبُّ يَحْفَظُهُ وَيُحْيِيهِ. يَغْتَبِطُ فِي الأَرْضِ، وَلاَ يُسَلِّمُهُ إِلَى مَرَامِ أَعْدَائِهِ. 3الرَّبُّ يَعْضُدُهُ وَهُوَ عَلَى فِرَاشِ الضُّعْفِ. مَهَّدْتَ مَضْجَعَهُ كُلَّهُ فِي مَرَضِهِ.
4أَنَا قُلْتُ: «يَا رَبُّ ارْحَمْنِي. اشْفِ نَفْسِي لأَنِّي قَدْ أَخْطَأْتُ إِلَيْكَ». 5أَعْدَائِي يَتَقَاوَلُونَ عَلَيَّ بِشَرّ: «مَتَى يَمُوتُ وَيَبِيدُ اسْمُهُ؟ » 6وَإِنْ دَخَلَ لِيَرَانِي يَتَكَلَّمُ بِالْكَذِبِ. قَلْبُهُ يَجْمَعُ لِنَفْسِهِ إِثْمًا. يَخْرُجُ. فِي الْخَارِجِ يَتَكَلَّمُ. 7كُلُّ مُبْغِضِيَّ يَتَنَاجَوْنَ مَعًا عَلَيَّ. عَلَيَّ تَفَكَّرُوا بِأَذِيَّتِي. 8يَقُولُونَ: «أَمْرٌ رَدِيءٌ قَدِ انْسَكَبَ عَلَيْهِ. حَيْثُ اضْطَجَعَ لاَ يَعُودُ يَقُومُ». 9أَيْضًا رَجُلُ سَلاَمَتِي، الَّذِي وَثِقْتُ بِهِ، آكِلُ خُبْزِي، رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ!
10أَمَّا أَنْتَ يَا رَبُّ فَارْحَمْنِي وَأَقِمْنِي، فَأُجَازِيَهُمْ. 11بِهذَا عَلِمْتُ أَنَّكَ سُرِرْتَ بِي، أَنَّهُ لَمْ يَهْتِفْ عَلَيَّ عَدُوِّي. 12أَمَّا أَنَا فَبِكَمَالِي دَعَمْتَنِي، وَأَقَمْتَنِي قُدَّامَكَ إِلَى الأَبَدِ. 13مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلهُ إِسْرَائِيلَ، مِنَ الأَزَلِ وَإِلَى الأَبَدِ. آمِينَ فَآمِينَ.


المقصود بكلمة "المسكين" هنا بصفة عامة الفقير المحتاج أو المتألم. والمزمور يطوب من يتعطف على المسكين ويعطيه مواعيد كثيرة في حفظ الرب له، وفي ﺇقامته في اليوم الأخير من الأموات، وفي حمايته من حروب الشياطين، وفي ﺇعانته على سكرات الموت وما قبل الموت وما بعد الموت. ولكن المزمور بصفة أعمق يتكلم عن السيد المسيح في آلامه من أجل خلاص البشرية ويدعوه بهذا اللقب. لأن السيد المسيح قد احتمل الظلم والجراحات والسخرية التي نستحقها نحن من أجل خطايانا.

فعبارة "طوبى لمن يتعطف على المسكين" تعني أيضا تطويب من يحن قلبه لسبب آلام السيد المسيح ويود أن يخفف هذه الآلام.


ألم يعاتب السيد المسيح تلاميذه بطرس ويعقوب ويوحنا في بستان جثيماني؛ قائلا "أَهكَذَا مَا قَدَرْتُمْ أَنْ تَسْهَرُوا مَعِي سَاعَةً وَاحِدَةً؟" مَتَّى (26 : 40). وكذلك ورد عن السيد المسيح في المزمور "انْتَظَرْتُ رِقَّةً فَلَمْ تَكُنْ، وَمُعَزِّينَ فَلَمْ أَجِدْ." (مزمور 69 : 20).


ﺇلى هذه الدرجة تواضع السيد المسيح، حتى أنه يطلب – من خلال الوحى اﻹلهي عنه في تجسده العجيب – أن يتعطف عليه البشر، مقدرين جراحاته وآلامه لأجلهم!! وأين ذلك من قساوة قلب اليهود والرومان الذين عاملوه بمنتهى القسوة حتى أن الوالي بيلاطس قد طلب أن يتم جلد السيد المسيح بالجلد الروماني المعروف بعقوبة نصف الموت، لكي يحنن قلوب اليهود عليه. وبعد أن تهرأ لحمه من جلد السياط لم تتحنن قلوبهم؛ بل ﺇزدادوا صياحا: "ﺇصلبه.. ﺇصلبه"!! فأين القلب الرحيم الذي يتعطف على المسكين الجريح الذي حمل خطايا العالم؟!


ليتنا نحن نتعطف عليه فلا نجرحه بخطايانا المريرة والمؤلمة: ألم يقل معلمنا بطرس الرسول "الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ." (رِسَالَةُ بُطْرُسَ الرَّسُولِ الأُولَى 2 : 24)؛ فأين التحنن والعطف عليه ﺇذا أخطأنا في حق محبته؟!


أيها القدوس البار مخلصنا يسوع المسيح: لماذا أنت جريح؟! ولماذا لطمت على خديك؟! ولماذا أهانوك وعيروك؟! ليتنا نعرف قيمة محبتك، وننذهل من هذا الحب الذي يسبينا، ويجتذبنا، ويحررنا من كل جاذبية الخطية ولذتها، ومن كل أهواء الأنا وكبريائها. دعنا ننحني في خشوع وانسحاق أمام هذا المشهد العجيب تحت أقدام الصليب!!



أضواء من اﻹنجيل – تأملات في حياة وخدمة السيد المسيح – المسيح في سفر المزامير لنيافة الأنبا بيشوى مطران دمياط وكفر الشيخ والبراري ودير القديسة دميانة وسكرتير المجمع المقدس – من مجلة الكرازة - الصفحة العاشرة – رئيس التحرير: صاحب القداسة البابا شنوده الثالث بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – السنة السابعة والثلاثون – الجمعة 6 مارس 2009 – 27 أمشير 1725 شهداء – العددان 5 ، 6 – مجلة الكرازة للكنيسة القبطية الأرثوذكسية



Share/Save/Bookmark

Monday, March 9, 2009

الشكوك‏..‏ أنواعها وعلاجها

الشك حالة يكون فيها الإنسان مزعزعا قلقا‏،‏ لا يدري في أي طريق يسير‏،‏ هو في حالة من عدم وضوح الرؤيا يفقد فيها سلامه الداخلي‏،‏ ويكون مضطربا في نفسه وفكره‏،‏ فاقدا للثقة وهكذا يصير الشك جحيما للفكر والقلب معا‏.‏ أحيانا يكون دخول الشك سهلا‏،‏ ولكن خروجه يكون صعبا جدا وقد يترك أثرا مخفيا‏،‏ مايلبث أن يظهر بعد حين‏..‏ واذا استمر الشك‏،‏ ما أسهل ان يتحول الي مرض والي عقد لها نتائجها‏،‏ فيقال ان هذا الشخص شكاك‏، أي أن الشك صار طبعا له‏.‏ وهذا الشك ـ إذا استمر ـ فإنه يتلف الأعصاب‏،‏ ويدعو الي الحيرة وارتباك الفكر‏،‏ وفي عنف الشك‏،‏ يمنع النوم‏،‏ ومن نتائجه أيضا‏،‏ أنه يؤدي الي التردد وعدم القدرة علي البت في الأمور‏.‏ والشك علي أنواع كثيرة‏:‏ منها الشك في الله وفي العقيدة‏،‏ والشك في الناس وفي الأصدقاء والأقارب‏، وأحيانا الشك في بعض الفضائل والقيم‏،‏ بل الشك في النفس أيضا‏، وفي امكانية التوبة وفي قبول الله لها‏،‏ وما أكثر تفرعات الشك ومجالاته‏،‏ وسنحاول في هذا المقال ان نتعرض ولو بإيجاز لكل ذلك‏..‏

فمن جهة الشك في الله جل جلاله يكون ذلك علي نوعين‏:‏ إما في وجود الله‏،‏ وإما في مدي معونته لنا‏،‏ والشك في وجود الله‏،‏ أي الإلحاد‏،‏ فهو إما محاربة من الشيطان‏،‏ يحاول أن يزعج بها فكر المؤمن‏،‏ بينما القلب يرفضها بشدة‏،‏ فلا يجوز للإنسان ان يتعامل مع هذا الفكر ولا أن يضطرب بسببه‏،‏ والاثباتات علي وجود الله كثيرة‏.‏ وقد يكون السبب في هذا الشك قراءة كتب الملحدين أو معاشرتهم والاختلاط بأفكارهم‏،‏ أو يأتي ذلك من بحوث منحرفة في الفلسفة‏،‏ أو في العلاقة بين الدين والعلم‏،‏ وأصل الكون ونشأته‏،‏ بينما لا خلاف بين الدين والعلم‏،‏ فإن عرض البعض خلافا‏،‏ فإما ان يكون سببه خطأ فيما يسمونه علما‏، أو فهما خاطئا للدين‏.‏

وقد يكون الشك هو في مدي معونة الله وحفظه كأن يقول شخص‏:‏ لقد صليت من أجل أمر معين مرات عديدة بلا نتيجة‏،‏ فما قيمة الصلاة إذن وما نفعها؟‏!‏ ويبدأ ان يشك في جدوي الصلاة أو في مراحم الله‏،‏ بينما الله سيستجيب في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة‏.‏ ويعطي الإنسان ما ينفعه وليس مايطلبه‏،‏ والله بحكمته يعرف تماما ماينفعنا‏،‏ ويمنحنا إياه دون أن نطلب‏..‏ ان الشيطان يلقي بذاره من جهة الشك في الله‏،‏ لكي يجعلك تترك الله‏،‏ وتصبح فريسة في يديه هو‏،‏ فعليك ان تبعد عن كل مصدر يبعدك عن الله‏،‏ أما الكتب التي تشكك في وجود الله أو معونته‏،‏ فلا يصح أن يقرأها إلا الثابت في الإيمان‏،‏ القوي في عقيدته‏،‏ الذي يستطيع أن يرد علي ما فيها من انحراف فكري‏..‏

هناك نوع آخر من الشك هو الشك في بعض الأصدقاء والأحباء والأقارب هؤلاء إن كانت تربطم المحبة والثقة‏،‏ فلن يعرف الشك اليهم سبيلا ولكن ان نقصت المحبة‏،‏ حينئذ تنقص الثقة‏،‏ فيكون القلب مستعدا للشك‏،‏ والأذن مفتوحة لكلام الوشاة‏، وكما يقول أمير الشعراء أحمد شوقي‏:‏ قد صادفوا أذنا صغواء لينة‏..‏ فأسمعوها الذي لم يسمعوا أحدا‏.‏

وعلاج هذا الأمر هو المواجهة والصراحة علي أن يكون ذلك في محبة وفي غير اتهام أو قسوة مع عدم التأثر بالسماعات والوشايات‏،‏ وعدم تصديق كل ما يقال‏،‏ فكثير ما يكون الاتهام ظالما مهما كانت الدلالات واضحة‏،‏ ولايجوز الحكم علي أحد بدون الاستماع اليه‏.‏

وقد يحدث الشك أحيانا بين زوجين‏،‏ فيشك الزوج في أن زوجته تخونه‏،‏ أو تشكك الزوجة في أن زوجها يخونها‏،‏ وقد يكون سبب ذلك كلمة إعجاب بريئة أو ابتسامة‏.‏ وأحيانا يحدث الشك كرد فعل لوسائل الاعلام فإن رأت الزوجة فيلما فيه زوج خان زوجته‏،‏ وهو في سفر أو في غربة‏،‏ ثم تصادف أو زوجها قال لها انه سيسافر في مهمة لبضعة أشهر‏، حينئذ يحاربها الشك وتقول له‏:‏ لن تسافر وحدك رجلي علي رجلك في سفري معك أكون حصنا لك يحميك من أية امرأة تحاول اجتذابك إليها‏.‏

هناك شك آخر يمكن ان يوقعه الشيطان في بعض الفضائل أو القيم‏،‏ كأن يشكك انسانا في التسامح فيقول عنه انه لون من ضعف الشخصية‏،‏ أو أثناء الصوم يحاربه بالأكل اذا جاع ويقول له‏:‏ مالزوم الصوم؟‏!‏ وهل الفضيلة الجسدية لها قيمة؟‏!‏ إن الله يهمه الروح قبل كل شئ ليكن قلبك مع الله‏،‏ وكل ماتشاء‏!!‏ وقد يشكك الانسان فيما هو الحرام؟ وما هو الحلال؟ ويحاول ان يطبق هذه الحيلة علي السينما والتليفزيون وكل أنواع اللهو والموسيقي‏،‏ ثم يتدرج الي كل مال يصل اليه‏،‏ وهل فيه حرام أو شبه حرام‏،‏ كفوائد البنوك مثلا‏،‏ ثم في حق الله من ماله‏،‏ وعلي أية جهة من العطاء يجوز أو لايجوز‏،‏ وهكذا يحيا في شك وفي حيرة‏..‏

الشك أيضا ما أكثر ما يتعب الإنسان في المراحل المصيرية‏،‏ ففي فترة الخطوبة‏:‏ من تفضل الفتاة‏:‏ هل الشاب الجذاب الذي تحبه؟ أم الغني الذي يكفل لها كل وسائل الراحة؟ أم صاحب المنصب الكبير؟ أم الذكي جدا الممتاز في دراسته؟ أم الشاب الذي يحبها ويهواها؟ وتبقي في حالة شك وفي كل ذلك‏،‏ هل تقبل مايفضله أبوها‏، أم ما يفضله قلبها؟ أم ما يفضله عقلها؟‏..‏

وفي المراحل المصيرية عموما‏،‏ يحتاج الإنسان الي ثبات في هدف سليم‏،‏ وفي وسيلة تحققه مع معرفة للنفس وقدراتها‏..‏ ومن النواحي الخطيرة في الشك‏،‏ شك الانسان في نفسه‏،‏ اذ لا تكون له ثقة في نفسه وفي قدرته كالطالب الذي يشكك في قدرته علي النجاح‏،‏ أو في كفاية الوقت الباقي له علي الامتحان لكي يدرس فيه المقرر عليه‏،‏ ومثال آخر شك انسان يريد اقامة مشروع معين‏، ‏وهل ينجح فيه أم يفشل؟ أو شك إنسان في نفسه‏:‏ هل هو محبوب من الناس أم لا؟ وهل تصرفاته مقبولة أم غير مقبولة؟ ان الفاقدين الثقة في نفوسهم يحتاجون الي تشجيع‏، وكما ان الأطفال يحتاجون الي كلمات مديح أو تشجيع ليثبتوا في الطريق السليم‏،‏ كذلك الكبار أيضا يحتاجون الي كلمة طيبة‏،‏ والي رفع روحهم المعنوية وبخاصة ان كانوا في حالة مرض‏،‏ أو في مشكلة أو ضيقة‏.‏ حتي لايدركهم اليأس‏،‏ أو ان يقول الواحد منهم‏:‏ لافائذة‏..‏ قد ضعت‏!!.‏

ومن جهة موضوع الشك‏:‏ أشك انه انتهي عند هذا الحد‏!‏

مقال قداسة الانبا شنوده الثالث – بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – في جريدة الأهرام – السنة 133 – العدد 44645 – يوم الأحد الموافق 1 مارس (آذار) 2009 ميلادية، 22 أمشير 1725 شهداء (قبطية)، 4 ربيع الاول 1430 هجرية (للهجرة) – الصفحة العاشرة (10)، قضايا وآراء،
http://www.ahram.org.eg


Share/Save/Bookmark

Saturday, March 7, 2009

حيل أخري للشيطان

الإغراءات‏:‏ منذ البدء والشيطان يقدم ألوانا من الاغراءات ليسقط بها ضحاياه من البشر‏،‏ إنه يجس نبض الإنسان‏،‏ لكي يكتشف هل يضعف أمام إغراء معين أم لا؟ فإن وجده لا يهتم بهذا الاغراء ولا يتأثر‏،‏ يجرب معه إغراء آخر‏...‏ وبخبرة الشيطان مع الناس‏،‏ يحرص أن ينتقي لكل منهم ما يناسبه‏.‏ وإغراءات الشيطان لاتسقط إلا قلبا يميل إليها‏،‏ أو يمكن أن يميل إذا استمر الوقت‏،‏ أما القلب القوي فإنه يرفض تلك الاغراءات ولا يعبأ بها‏.‏ الشيطان يعرض ولكنه لايرغم وتتوقف النتيجة علي القلب‏:‏ هل يستجيب للاغراء أم لا يستجيب؟‏.‏

وهو يغري الجسد بالشهوة أو المتعة أو اللذة‏،‏ كما يغري النفس بالسلطة أو الشهرة‏،‏ أو التفوق علي الآخرين‏، أو العظمة بجميع أنواعها‏،‏ أو اشباع الذات حسبما تري‏.‏ يغري الرجال بالنساء ويغري المرأة بنوع معين من الرجال‏..‏ ويغري الضعيف بالقوة ويغري القوي بالتشامخ والفخر ولايترك احدا بدون اغراء‏.‏

والشيطان يحاول أن يقدم اغراءاته مؤثرة وقوية فإن وجد شخصا قد عزم علي التوبة بكل إصرار وحزم يقدم له خطية كان يشتهيها منذ زمن‏،‏ ويبحث عنها فلا يجدها فيضعها أمامه فجأة وهي تسعي اليه‏!‏ ويغريه بها فيسقط‏،‏ إذ يقول له‏:‏ إنها فرصة أمامك لاتعوض فلا تترك هذه الفرصة تمر ويمكن ان تتوب بعدها‏!‏ التوبة امامك في أي وقت‏.‏ ولكن مثل هذه الخطية ليست متاحة في كل وقت‏!‏ وهكذا يجد المسكين نفسه أضعف من الإغراء فيسقط ان الشيطان يعرف بخبرته أين يوجد الجرح الذي يضغط عليه فيؤلم‏.‏

الانقياد للتيار‏:‏
يقول لك‏:‏ الكل هنا يفعل هكذا فهل تشذ أنت ويكون لك اسلوب خاص يغايرهم؟‏!‏ تقول إنك تتبع الحق ولو كان ضد تصرف الكل‏،‏ ولكن هذا سيجعل الكل ضدك لانك بهذا تكشفهم وتحرجهم فهل تستطيع ان تسبح عكس التيار؟‏!‏ ستقول كما قال الشاعر‏:‏

سأطيع الله حتي‏..‏ لو أطعت الله وحدي
لكن الجميع لايستطيعون مثل هذا الصمود‏،‏ فشيطان الانقياد للتيار السائد يدفع إلي هذا التيار بطرق شتي‏:‏ احيانا يجعل البعض يسيرون في نفس التيار من باب المجاملة أو بدافع الخجل أو الخوف من مواجهة الآخرين أو تفاديا لتهكم الناس وتعييرهم أو نتيجة لضغط الظروف الخارجة والالحاح الواقع عليهم أو خضوعا لسلطة أقوي أو يقول له الشيطان‏:‏ دع هذه المرة تمر ولن تتكرر ثم تتكرر طبعا أو يبكته الشيطان قائلا‏:‏ ما هذه الكبرياء؟‏!‏ هل من المعقول ان يكون كل الناس مخطئين وأنت الوحيد الذي علي حق؟‏!‏ أو يقول له الشيطان في خبث‏:‏ كبر عقلك ومشي امورك ماذا تنتفع ان خسرت الكل؟‏!‏

وقد يخضع الإنسان للتيار السائد نتيجة لضعف شخصيته إما أنه لايقدر علي المقاومة أو أنه يقاوم قليلا‏،‏ ولايثبت‏،‏ أو أن صديقا له تأثير عليه يقول له ليس من الحكمة أن نبدأ بمقاومة التيار‏.‏ والأفضل أن نجاريهم فترة ثم بعد ذلك نقاوم‏!‏ علي أننا لاندري إلي أي مدي تمتد هذه الفترة‏.‏

إن الانقياد للتيار لايجرف الا الضعفاء‏،‏ أما الشجعان أو أصحاب المباديء والقيم فإنهم يثبتون علي مبادئهم مهما احتملوا في سبيل ذلك‏،‏ وبثباتهم يقدمون قدوة صالحة لغيرهم‏،‏ وربما يصيرون أمثلة يذكرها التاريخ‏.‏ انهم يرفضون الخطأ حتي إن رأوا كبارا يسيرون فيه أو وقعت فيه الغالبية‏!‏ فكل ذلك لايمكن ان يجعل الخطأ صوابا‏.‏

العنف‏:‏
والمعروف ان العنف هو ضد الوداعة والهدوء‏، وضد الاتضاع أيضا‏،‏ وهو لون أيضا من قساوة القلب ومن الكبرياء‏.‏ والشيطان لايغري الخطاة فقط بالعنف إنما يغري كذلك المتدينين والروحيين‏،‏ ولذلك ما أكثر ما نري المتدين عنيفا يواجه بالعنف كل ما يراه خطأ‏،‏ وبينما نري الله ـ تبارك اسمه ـ يصبر علي الخاطئين ويدربهم في حكمة وهدوء علي الطريق السليم فإن المتدين العنيف لايسلك هكذا‏.‏

والبر لا يأتي بطريق العنف ولابإرغام الغير علي السلوك فيه إنما يأتي باقتناع العقل ورضي القلب فيصير الإنسان بارا بقلب نقي يعمل الخير حبا في الخير لامرغما عليه‏،‏ ومن الواضح ان ضغط المتدينين العنفاء لايوجد حقيقيا بل قد يؤدي الي مظهرية دينية لاعلاقة لها بنقاوة القلب من الداخل وحتي هذه المظهرية قد لاتستمر بل تزول بزوال الضغط‏.‏

عجيب ان شيطان العنف‏،‏ يدخل في مجال التدين‏،‏ كما يدخل في مجالات الخطية لانه بمكره لايجعله تدينا حقيقيا‏،‏ أما أنت يا أخي إن اردت أن تجذب الناس الي التدين اجعلهم يحبون البر والفضيلة‏، ويجدون فيها متعة دون ان يكونوا مكرهين علي ذلك باسلوب العنف‏.‏

اليأس‏:
والشيطان يلجأ الي محاربة الإنسان باليأس بعد مقدمات طويلة تمهيدية يشعره بها أنه لم يعد له خلاص من الخطية وانه قد تشبع بها تماما بالإثم بحيث لايمكن ان يتوب فيري أنه ليس فقط لاقدرة له علي التوبة بل بالأكثر لا رغبة له في التوبة‏.‏ حدث هذا احيانا بعد سقطة كبيرة يظن فيها الخاطيء أنه لا مغفرة‏!‏ وأنه لا حل للقيام من سقطته‏!‏

وقد لاتكون السقطة بهذه الدرجة ولكن الشيطان من عادته ان يضخم في الاخطاء ليوقع صاحبها في اليأس‏.‏

انه ماكر جدا فهو قبل اسقاط الإنسان يسهل في موضوع الخطية جدا حتي تبدو شيئا عاديا ويضع لها مبررات‏..‏ أما بعد السقوط فإما أن يستمر في سياسة التهوين لكي يتكرر السقوط وإما أن يلجأ الي التهويل فيقول للخاطيء‏:‏ هل من المعقول أن يغفر لك الرب كل هذا الذي فعلته وكل هذا المستوي الذي هبطت اليه؟‏!‏ وعبثا يمكنك ان تتوب‏!‏

وقد يلقي الإنسان في اليأس ـ لا من جهة خطايا قد وقع فيها ـ إنما من جهة مشاكل تبدو معقدة جدا أمامه وليس لها من حل‏..‏ بينما الله قادر أن يحل كل المشاكل بحنانه الذي لايحد واشفاقه علي من يلجأ اليه‏.‏

إن الإنسان القوي القلب والعميق في ايمانه لايمكن ان يعرف اليأس اليه طريقا بل مهما كان الجو مظلما جدا فإن الرجاء يفتح أمامه طاقات من نور‏.‏


مقال قداسة الانبا شنوده الثالث – بابا الاسكندرية 117 وبطريرك الكرازة المرقسية – في جريدة الأهرام – السنة 133 – العدد 44638 – يوم الأحد الموافق 22 فبراير (شباط) 2009 ميلادية، 15 أمشير 1725 شهداء (قبطية)، 27 صفر 1430 هجرية (للهجرة) – الصفحة العاشرة (10)، قضايا وآراء،
http://www.ahram.org.eg


Share/Save/Bookmark

Facebook Comments

Twitter

I Read

Word of the Day

Quote of the Day

Article of the Day

This Day in History

Today's Birthday

In the News