Tuesday, October 2, 2012

النبي الهارب والشعب التائب


النبي الهارب والشعب التائب - للقديس كيرلس الكبير

لماذا أُرسِلَ يونان إلى شعب وثني

وصار قول الرب إلى يونان... قُمْ اذهب إلى نينوى المدينة العظيمة ونادِ فيها، لأنه قد صعد صراخ شرِّهم إليَّ. يون 1: 1 - 2 سبعينية. وَصَارَ قَوْلُ الرَّبِّ إِلَى يُونَانَ بْنِ أَمِتَّايَ قَائِلاً: قُمِ اذْهَبْ إِلَى نِينَوَى الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ وَنَادِ عَلَيْهَا، لأَنَّهُ قَدْ صَعِدَ شَرُّهُمْ أَمَامِي. يونان 1: 1 - 2 ينبغي أن تُلاحظوا من خدمة ورسالة نبوَّة يونان مبدءاً هاماً بأسلوب الطوباوي بولس الذي قال: أَمِ اللهُ لِلْيَهُودِ فَقَطْ؟ أَلَيْسَ لِلأُمَمِ أَيْضًا؟ بَلَى، لِلأُمَمِ أَيْضًا لأَنَّ اللهَ وَاحِدٌ، هُوَ الَّذِي سَيُبَرِّرُ الْخِتَانَ بِالإِيمَانِ وَالْغُرْلَةَ بِالإِيمَانِ. رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 3: 29 - 30. وإذ نتعلَّم ذلك بالاختبار فإنَّ الرسول بطرس أيضاً يُعلن ذلك بقوله: بِالْحَقِّ أَنَا أَجِدُ أَنَّ اللهَ لاَ يَقْبَلُ الْوُجُوهَ. بَلْ فِي كُلِّ أُمَّةٍ، الَّذِي يَتَّقِيهِ وَيَصْنَعُ الْبِرَّ مَقْبُولٌ عِنْدَهُ. أعمال الرسل 10: 34 - 35. فإنَّ الله هو الذي خلق الإنسان في البدء على صورته ليكون مُكرَّساً للفضيلة، لكي يعيش حياة قداسة مُباركة جديرة بالثناء، ولكي يتمتَّع بنصيبٍ وافرٍ من عطايا الله

ولكن البشر ضلُّوا في الخطية، إذ أغوتهم خداعات الشيطان، وبالتالي فقد أصبحوا ملعونين وخاضعين للفساد. وكان المسيح قد دبَّر - إذ عَلِمَ بذلك قبل تأسيس العالم - أن يُصحِّح كل شيء. لقد سُرَّ الله الآب أن يَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ، مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ. رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس 1: 10

أَمَرَ الله يونان أن يذهب إلى نينوى التي كانت مدينة فارسية، وكانت كما قال إرميا النبي: أَرْضُ مَنْحُوتَاتٍ هِيَ. إرميا 50: 38. وكانت على حدود بلاد اليهود وقد استسلمت لعبادة الأصنام. فلماذا ترك الله المدن القريبة وأرسل يونان إلى تلك المدينة الوثنية التي كانت كما قال ناحوم النبي: الزَّانِيَةِ الْحَسَنَةِ الْجَمَالِ صَاحِبَةِ السِّحْرِ الْبَائِعَةِ أُمَمًا بِزِنَاهَا. ناحوم 3: 4! أرى أنَّ الله كان له قصد نافع في أن يُبرهن حتى للمتغرِّبين عنه أنه يمكنهم أن يُجتذَبوا، في الوقت المناسب، إلى معرفة الحق حتى ولو كانوا غارقين في عنادهم


قوة تأثير كلمة الله

وكما ترون، فإنَّ كلمة الله قادرة على حثِّ الناس أن يتعلَّموا ما يجعلهم حكماء. وكما قال الرب لإرميا النبي: هأَنَذَا جَاعِلٌ كَلاَمِي فِي فَمِكَ نَارًا، وَهذَا الشَّعْبَ حَطَبًا، فَتَأْكُلُهُمْ. إرميا 5: 14، وأيضاً: أَلَيْسَتْ هكَذَا كَلِمَتِي كَنَارٍ، يَقُولُ الرَّبُّ، وَكَمِطْرَقَةٍ تُحَطِّمُ الصَّخْرَ؟ إرميا 23: 29. وهكذا فلم يكن بدون هدف أن يُرسَل يونان إلى أهل نينوى، بل إنَّ ذلك حدث لكي يكون كبشير لرأفة الله المتأصِّلة فيه، والتي يمكن أن تُمنَح حتى للشعب الذي ضلَّ بجهالته

وفي نفس الوقت، فقد كانت في هذا القول من فم إرميا النبي إدانة لشعب إسرائيل، لأنهم كانوا مُدانين بكونهم متمردين غير مستجيبين لناموس الله وغير مُبالين به. ومع ذلك فإنَّ أهل نينوى رجعوا فوراً إلى الشعور بالالتزام بالتوبة بإنذارٍ واحدٍ للنبي، رغم أنَّ هذا الشعب كان يعيش في خداع الوثنية؛ في حين أنَّ شعب إسرائيل استخفَّ بموسى والأنبياء، ثم قاوم المسيح مخلِّصنا، رغم أنه أيَّد تعاليمه بالمعجزات، حيث كان يجب أن يقتنعوا بسهولة أنه هو الله الذي صار إنساناً ليُخلِّص الجميع وهم قَبْل الجميع. ولذلك قال عنهم الرب: رِجَالُ نِينَوَى سَيَقُومُونَ فِي الدِّينِ مَعَ هذَا الْجِيلِ وَيَدِينُونَهُ، لأَنَّهُمْ تَابُوا بِمُنَادَاةِ يُونَانَ، وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ يُونَانَ ههُنَا! متى 12: 41. وما هو الأمر الأعظم في المسيح من يونان؟ ففي حين أنَّ الرب هدَّد أهل نينوى بأن تنقلب مدينتهم، فإنَّ الرب يسوع أدهش اليهود بعجائبه التي تفوق الوصف، والمعجزة التي ترافق الرسالة هي دائماً وسيلة لتوصيل الناس إلى الإيمان


لماذا هرب يونان؟ ولماذا إلى ترشيش؟

هرب يونان إلى ترشيش من وجه الرب. (وترشيش هي التي تُدعَى في أيام القديس كيرلس تارسي في كيليكية. كما يُرجِّح البعض أنها هي طرسوس موطن شاول الطرسوسي - بولس الرسول). ولكن لماذا هرب إلى ترشيش؟ ربما لأنه كانت لديه فكرة أنَّ قوة الله كانت قاصرة على أرض إسرائيل، ولذلك فقد غادر اليهودية إلى إحدى المدن اليونانية

ويمكننا أن نتعرَّف على نفور يونان من تلك الإرسالية وعدم تحمُّسه لها من خوفه من عدم تحقيق الله لإنذاره بمعاقبة أهل نينوى، وذلك من كلامه هو إذ قال: آهِ يَا رَبُّ، أَلَيْسَ هذَا كَلاَمِي إِذْ كُنْتُ بَعْدُ فِي أَرْضِي؟ لِذلِكَ بَادَرْتُ إِلَى الْهَرَبِ إِلَى تَرْشِيشَ، لأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّكَ إِلهٌ رَؤُوفٌ وَرَحِيمٌ بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَنَادِمٌ عَلَى الشَّرِّ. فَالآنَ يَا رَبُّ، خُذْ نَفْسِي مِنِّي، لأَنَّ مَوْتِي خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِي. يونان 4: 2 - 3

ولكن الرب أرسل ريحاً شديدة على البحر حتى صارت السفينة في خطر، وارتعب الملاَّحون وصرخوا كل واحد إلى إلهه، وطرحوا الأمتعة في البحر لتخفَّ الحمولة عن السفينة. أمَّا يونان فقد نزل إلى جوف السفينة ونام نوماً ثقيلاً. فَجَاءَ إِلَيْهِ رَئِيسُ النُّوتِيَّةِ وَقَالَ لَهُ: مَا لَكَ نَائِمًا؟ قُمِ اصْرُخْ إِلَى إِلهِكَ عَسَى أَنْ يَفْتَكِرَ الإِلهُ فِينَا فَلاَ نَهْلِكَ. يونان 1: 6. وإن كان يبدو أنه نام هكذا قبل هبوب العاصفة، إلاَّ أنَّ ذلك دلَّ على عدم مبالاته بإرساليته، وأنَّ اهتمامه انحصر في ذاته، ولكنه لم يتجاهل واجبه


اعتراف يونان بخطيئته

ولما ألقى الملاَّحون قرعتهم لمعرفة بسبب مَن هذه البلية... وقعت القرعة على يونان، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هَلُمَّ نُلْقِي قُرَعًا لِنَعْرِفَ بِسَبَبِ مَنْ هذِهِ الْبَلِيَّةُ. فَأَلْقَوا قُرَعًا، فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى يُونَانَ. يونان 1: 7. وكان ذلك جزءاً من خطة الله، إذ اكتشفوا الشخص الذي ظنَّ أنه يمكنه أن يهرب من حضرة الله. ولما سألوه عن أمره، اعترف أنه هاربٌ من وجه الرب. فسألوه عمَّا يفعلونه به ليسكن البحر الذي كان يزداد اضطراباً، فاعترف بخطيئته فَقَالَ لَهُمْ: خُذُونِي وَاطْرَحُونِي فِي الْبَحْرِ فَيَسْكُنَ الْبَحْرُ عَنْكُمْ، لأَنَّنِي عَالِمٌ أَنَّهُ بِسَبَبِي هذَا النَّوْءُ الْعَظِيمُ عَلَيْكُمْ. يونان 1: 12. ولكنهم جَذَفُوا لِيُرَجِّعُوا السَّفِينَةَ إِلَى الْبَرِّ. يونان 1: 13، لأنهم أرادوا أن ينقذوا خادم الله ويأتوا به سالماً إلى الشاطئ، ولكنهم لَمْ يَسْتَطِيعُوا، لأَنَّ الْبَحْرَ كَانَ يَزْدَادُ اضْطِرَابًا عَلَيْهِمْ. يونان 1: 13. ثم «صرخوا إلى الرب وقالوا: آهِ يَا رَبُّ، لاَ نَهْلِكْ مِنْ أَجْلِ نَفْسِ هذَا الرَّجُلِ، وَلاَ تَجْعَلْ عَلَيْنَا دَمًا بَرِيئًا، لأَنَّكَ يَا رَبُّ فَعَلْتَ كَمَا شِئْتَ. ثُمَّ أَخَذُوا يُونَانَ وَطَرَحُوهُ فِي الْبَحْرِ، فَوَقَفَ الْبَحْرُ عَنْ هَيَجَانِهِ. يونان 1: 14 - 15

ولماذا سألوه عن موطنه الأصلي؟ لأنهم أرادوا، حسب رأيي، أن يعرفوا مَن هو الإله الذي أغضبه. فلما قال لهم إنه عبراني وإنه خائفٌ من إله السماء، تحقَّقوا من أنه هرب من وجه الله، لماذا؟ ذلك لأنَّ اليهود غير مسموح لهم أن يتركوا بلادهم المُخصَّصة لهم ويدخلوا مدناً وثنية... ولما هدأ البحر بمجرد أن طرحوا يونان فيه، يقول الكتاب: فَخَافَ الرِّجَالُ مِنَ الرَّبِّ خَوْفًا عَظِيمًا، وَذَبَحُوا ذَبِيحَةً لِلرَّبِّ وَنَذَرُوا نُذُورًا. يونان 1: 16. وهكذا انتفعوا من هذا الحدث بكونهم آمنوا أنه يوجد في الكون إله واحد وقدَّموا له ذبيحتهم


كيف عاش يونان

في جوف الحوت ثلاثة أيام؟

وَأَمَّا الرَّبُّ فَأَعَدَّ حُوتًا عَظِيمًا لِيَبْتَلِعَ يُونَانَ. يونان 1: 17. ونحن لا ندَّعي أنَّ الله يأمر الحيوانات كما يفعل معنا أو مع الملائكة. فإذا قيل إنه يأمر الحيوانات أو العناصر، فهذا يُشير إلى مشيئته كقانون وأمر، فنحن نرى أنَّ كل شيء يخضع لإرادته. وبالتالي فإنَّ إرادته الصالحة التي جعلت الحوت يبتلع يونان لم تُسبِّب ضرراً للنبي، حيث إنه ظلَّ فِي جَوْفِ الْحُوتِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَثَلاَثَ لَيَال. يونان 1: 17

هذه الحقيقة ربما بَدَت غير مُقنعة للبعض حتى أنهم لا يُصدِّقون أنه مكث حيّاً ثلاثة أيام في جوف الحوت، وكيف أن جسده لم يتحطَّم عند ابتلاعه؟ وكيف أمكنه أن يتحمل حرارة جسم الحوت ورطوبة أحشائه الشديدة؟ وكيف أنَّ الحوت لم يهضمه كبقية الأطعمة؟ ونجيب على ذلك بأنَّ القوة الإلهية يمكنها أن تُغيِّر طبيعة الكائنات الحية بسهولة إلى أيَّة حالة يختارها الله. ونحن نعلم أن الجنين في رَحِم أُمِّه يكون غاطساً في رطوبة طبيعية وكأنه مدفون في أحشاء أُمِّه، ولا يمكنه أن يتنفس، ولكنه يظل حيّاً ويتغذَّى بطريقة دبَّرها الله. إن تدابير الله لا يمكن أن يُدركها أحد بسهولة

وإذا اتخذنا يونان النبي كنموذج للخدمة التي تُدرَك في المسيح، فيمكن القول إنَّ العالم كله، منذ آدم، كان مُعرَّضاً للخطر، وإنَّ الجنس البشري كان متأثِّراً بعواصف وأمواج الخطية الهائجة، والمسرَّات الكئيبة التي لا تُطاق كانت تغمر البشر؛ إذ كان الجنس البشري مُهدَّداً بالفساد وتضربه رياح عنيفة، أي الشيطان وقُوَى الشر الخاضعة له والتي تعمل معه. فأشفق علينا الخالق وأرسل ابنه لكي يُهدِّئ العاصفة، وهكذا خلَّصنا بموت المسيح. وإذ هدأت العاصفة واستقرَّت الأمواج ساد السلام وتمتَّعنا بجوٍّ روحي صافٍ منذ أن تألَّم المسيح من أجلنا. وذلك كما أنَّ رُسل المسيح عندما صدمتهم الرياح العاتية والأمواج، أيقظوا الرب يسوع لكي ينقذهم؛ فقام وانتهر البحر وأنقذهم. وهكذا حدث مع الجنس البشري، فإننا بالمسيح قد تحرَّرنا من الموت والفساد والخطية والأهواء البشرية، وامتلأت حياتنا بالسلام


دَعَوْتُ مِنْ ضِيقِي الرَّبَّ، فَاسْتَجَابَنِي. يونان 2: 2

عاش يونان في جوف الحوت كمنزل له، ودون أن يشعر بأيِّ نوع من المؤثِّرات الرديئة على الجسد أو الذهن، شعر بمعونة إلهية إذ عَلِمَ أن الله خيِّر. ومن الناحية الأخرى، فإذ لم يكن على دراية بأن ما حدث كان نتيجةً لنفوره من خدمته؛ فقد اتجه إلى الصلاة ناطقاً بمشاعر الشكر معترفاً بمجد الله مخلِّصه. وقوله إنَّ الرب استجاب له فقد تحقَّق من ذلك مُسْبقاً، في رأيي، بروحٍ نبوية. وقوله: صَرَخْتُ مِنْ جَوْفِ الْهَاوِيَةِ. يونان 2: 2 الذي كان يقصد به معدة الحوت، فقد قارَن هذا الوحش بالجحيم والموت، إذ عرف كيف يقتل ضحيته ويلتهمها بوحشية

طَرَحْتَنِي فِي الْعُمْقِ فِي قَلْبِ الْبِحَارِ، فَأَحَاطَ بِي نَهْرٌ. جَازَتْ فَوْقِي جَمِيعُ تَيَّارَاتِكَ وَلُجَجِكَ. فَقُلْتُ: قَدْ طُرِدْتُ مِنْ أَمَامِ عَيْنَيْكَ. يونان 2: 3 - 4. إنه يُرجِع هذا الحدث إلى نعمةٍ من فوق، وينسب إلى الأحكام الإلهية إمكانية الإنقاذ بسهولة من كل ضيقة. ويقول إنه كان في عمق البحر وفي صخب المياه التي تجيش وتُغرقه كأمواج غامرة، وقد أدرك في تلك المحنة أنه كان يُعاني من الغضب الإلهي، وأنه قد صار يائساً من إنقاذه، وهذا شعورٌ مُرعب. ثم قال: هل حقّاً لن أعود وأنظر إلى هيكل قدسك؟ يون 2: 4 سبعينية... وَلكِنَّنِي أَعُودُ أَنْظُرُ إِلَى هَيْكَلِ قُدْسِكَ. يونان 2: 4. لقد كان على درايةٍ أنه قد حُفظ بقوة الله الذي أعانه على الحياة في جوف الوحش مما يفوق التصديق. وربما كان يشكُّ إن كان الوحش سيقذف به إلى ضوء النهار مرة أخرى. ومن الناحية الأخرى، فقد اعتبر أنَّ رجوعه إلى هيكل الله لكي يُمجِّد ذاك الذي أنقذه أمراً شهياً ويحتاج إلى صلاة لكي يحصل على تلك النعمة

قَدِ اكْتَنَفَتْنِي مِيَاهٌ إِلَى النَّفْسِ. أَحَاطَ بِي غَمْرٌ. الْتَفَّ عُشْبُ الْبَحْرِ (أو الحلفاء) بِرَأْسِي. نَزَلْتُ إِلَى أَسَافِلِ الْجِبَالِ (هبطت رأسي إلى شقوق الجبال - سبعينية). مَغَالِيقُ الأَرْضِ عَلَيَّ إِلَى الأَبَدِ (هبطتُ إلى عمق الأرض التي قضبانها هي المغاليق الأبدية - سبعينية). ثُمَّ أَصْعَدْتَ مِنَ الْوَهْدَةِ حَيَاتِي أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهِي (لكنك أيها الرب إلهي سترفع حياتي من الهاوية - حسب الترجمة العربية المشتركة؛ أو دَع حياتي المُحطَّمة تتجدَّد - سبعينية). يونان 2: 5 - 6

إذ شعر يونان أنَّ الرب أنقذه حتى الآن، فكان ينوي أن يُقدِّم له أروع أناشيد الشكر. وحسب رأيي، فإنَّ كلمة المغاليق أو القضبان تعني أنها غير قابلة للكسر فلا يتغلَّب عليها أحد. وكونه لم يَمُت ولم يتألم من أيِّ شيء يتعلَّق بالموت أو الفساد، فقد ترجَّى، بشعوره النبوي، أن يُنقذه الله بإخراجه من جوف الحوت كما من الهاوية. ثم قال: حِينَ أَعْيَتْ فِيَّ نَفْسِي ذَكَرْتُ الرَّبَّ، فَجَاءَتْ إِلَيْكَ صَلاَتِي إِلَى هَيْكَلِ قُدْسِكَ (أو لعل صلاتي تأتي إليك إلى هيكلك المقدس - سبعينية). يونان 2: 7

إنَّ الضيقات ليست بلا منفعة للذين يُجرَّبون بها، ولذلك قال بولس الرسول: الضِّيقَ يُنْشِئُ صَبْرًا، وَالصَّبْرُ تَزْكِيَةً، وَالتَّزْكِيَةُ رَجَاءً، وَالرَّجَاءُ لاَ يُخْزِي. رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 5: 3 - 5. فلما تعرَّضت حياة يونان للخطر وبلغت ضيقته إلى أقصاها، التجأ إلى شيء نافع له وليس مثل الذين يُفسِحون المجال لليأس؛ بل ذَكَر ذاك الذي يُنقذ. فصرخ إليه عالياً، إذ كان على درايةٍ بقدرته

اَلَّذِينَ يُرَاعُونَ أَبَاطِيلَ كَاذِبَةً يَتْرُكُونَ نِعْمَتَهُمْ. أَمَّا أَنَا فَبِصَوْتِ الْحَمْدِ (والاعتراف) أَذْبَحُ لَكَ، وَأُوفِي بِمَا نَذَرْتُهُ. لِلرَّبِّ الْخَلاَصُ (أوفي بما نذرته لك أيها الرب خلاصي - سبعينية). يونان 2: 8 - 9. أي أنَّ الذين يُقدِّمون ولاءهم للآلهة الكاذبة ينبذون الرحمة التي كان ينبغي أن يطلبوها من الرب. أما أنا فأعلم أنك طيِّبٌ ورؤوف، ولذلك فإنني أعترف لك وأُقدِّم لك تسابيح مثل بخور عَطِر، أي ذبائح شُكر روحية. وأوفي لك نذور خلاصي بكل غيرة، أي تلك التي سبَّبت إنقاذي وكانت نافعة لحياتي. وهذا كان استجابةً للخدمة النبوية التي يريدها الله حيث زال كل نفور وجُبن. ولعل ذلك كان رمزاً للمسيح الذي في ضيقه قال للآب: يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ. متى 26: 39. وهنا نتذكَّر قول الرسول بطرس مُستشهِداً بما قاله داود النبي: لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ وَلاَ تَدَعَ قُدُّوسَكَ يَرَى فَسَادًا. أعمال الرسل 2: 27. وهكذا فإنَّ جسد يونان أيضاً لم يَرَ فساداً، وبعد ثلاثة أيام رجع إلى الحياة؛ تماماً كما أنه كان يستحيل أن يخضع الرب، الذي هو الحياة بطبيعته، لقيود الموت

وَأَمَرَ الرَّبُّ الْحُوتَ فَقَذَفَ يُونَانَ إِلَى الْبَرِّ. يونان 2: 10. وهكذا تلقَّى الحوت الأمر مرةً أخرى بقوة إلهية لا توصف لتنفيذ إرادة الله، فحرَّر من أحشائه النبي الذي انتفع من المحنة، أو بالحري تشجَّع بتلك الخبرة واكتسب معرفةً صافيةً بأنه من المخاطرة أن يُقاوِم الأحكام الإلهية



مناداة يونان في نينوى

ثم صار قول الرب إلى يونان ثانيةً قائلاً: قُمْ اذهب إلى نينوى المدينة العظيمة وعِظْها بالرسالة التي أخبرتُك عنها من قبل. يون 3: 1 - 2 سبعينية. ثُمَّ صَارَ قَوْلُ الرَّبِّ إِلَى يُونَانَ ثَانِيَةً قَائِلاً: قُمِ اذْهَبْ إِلَى نِينَوَى الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ، وَنَادِ لَهَا الْمُنَادَاةَ الَّتِي أَنَا مُكَلِّمُكَ بِهَا. يونان 3: 1 - 2

انتهز الله فرصة حماس يونان وأَمَرَه أن يذهب إلى نينوى مرةً أخرى بنفس الرسالة. وقد شابه يونان المسيح الذي مكث في باطن الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ، إذ ذهب إلى أعماق قلب البحر، وكأنه نزل إلى أسافل الجبال، وهبط إلى مغاليق الأرض التي أغلقت عليه قضبانها بإحكام

ولكن المسيح سَلَبَ الجحيم وبشَّر الأرواح الموجودة هناك، وفَتَحَ الأبواب الموصدة، وعاد إلى الحياة مرةً أخرى إذ تحررت حياته من الفساد، وظهر بحالته هذه لأولئك النسوة اللائي كُنَّ يبحثن عنه ثم للرسل

ثم إنَّ رسالة الرب وصلت أخيراً أيضاً إلى الأمميين بواسطة الرسل المباركين. ومع أنه كان قد قال للرسل: إِلَى طَرِيقِ أُمَمٍ لاَ تَمْضُوا، وَإِلَى مَدِينَةٍ لِلسَّامِرِيِّينَ لاَ تَدْخُلُوا. بَلِ اذْهَبُوا بِالْحَرِيِّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ. متى 10: 5 - 6؛ إلاَّ أنه جعلهم يبشِّرون أخيراً برسالته التي جاء من أجلها للجميع. وكانت وصايا إنجيله واحدة لكلٍّ من إسرائيل والأُمم الذين نحن منهم والذين دُعينا إلى القداسة بواسطة الإيمان

فَقَامَ يُونَانُ وَذَهَبَ إِلَى نِينَوَى بِحَسَبِ قَوْلِ الرَّبِّ. أَمَّا نِينَوَى فَكَانَتْ مَدِينَةً عَظِيمَةً للهِ مَسِيرَةَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ. فَابْتَدَأَ يُونَانُ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَنَادَى وَقَالَ: بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا تَنْقَلِبُ نِينَوَى. يونان 3: 3 - 4 ونادَى وقال: بعد ثلاثة أيام تنقلب نينوى (يون 3: 3 ، 4 سبعينية). لقد مُنح النبي غيرةً لا تُقاوَم، وانطلق إلى مهمته بنشاط ودخل تلك المدينة الأجنبية لكي يوفي الأحكام الإلهية

ورغم أنها كانت مدينة كبيرة ممتدة حتى أنها تتطلَّب مسيرة ثلاثة أيام؛ ولكنه عَبَرَها في يوم واحد، بقوة إلهية طبعاً، وأعلن الرسالة الإلهية. لقد أثار دهشتهم إذ أنه رجل عبراني آتٍ من بلاد أجنبية غير معروفة لأحد هناك، وقد سار وسط المدينة وهو يصيح بصوتٍ عالٍ: بعد ثلاثة أيام تنقلب نينوى (يون 3: 3 ، 4 سبعينية). يونان 3: 3 - 4

وقد تكلَّم النبي ليس من ذاته بل من فم الرب. والأنبياء غالباً لا يذكرون كل ما قاله الله لهم ولا كل الكلام الذي قالوه هم لله. ونحن نستنتج ذلك من قوله لله: آهِ يَا رَبُّ، أَلَيْسَ هذَا كَلاَمِي إِذْ كُنْتُ بَعْدُ فِي أَرْضِي؟ لِذلِكَ بَادَرْتُ إِلَى الْهَرَبِ إِلَى تَرْشِيشَ، لأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّكَ إِلهٌ رَؤُوفٌ وَرَحِيمٌ بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَنَادِمٌ عَلَى الشَّرِّ. فَالآنَ يَا رَبُّ، خُذْ نَفْسِي مِنِّي، لأَنَّ مَوْتِي خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِي. يونان 4: 2 - 3


استجابة أهل نينوى بالإيمان والتوبة

فَآمَنَ أَهْلُ نِينَوَى بِاللهِ وَنَادَوْا بِصَوْمٍ وَلَبِسُوا مُسُوحًا مِنْ كَبِيرِهِمْ إِلَى صَغِيرِهِمْ. يونان 3: 5. آمن هذا الشعب بالله، هذا الذي كان مُداناً بسبب كل خطاياه المتأصِّلة فيه وأصنامه التي بلا عدد، وممارساته الشعبية المُخجلة. ومع ذلك فقد آمنوا بالله من كبيرهم إلى صغيرهم، الشهير والحقير، الغَني والفقير، الجميع شعروا بنفس الغيرة في قبول كلام النبي، وقد استجابوا لدعوته بدون تردُّد لإصلاح أنفسهم، وخضعوا للإنذار الإلهي الذي دعاهم للتوبة رغم أنه جاء من أجنبي وحيد لا يعرفونه. في حين أنَّ إسرائيل بغبائه لم يُطِع الناموس وسخر من الوصايا الموسوية ولم يستوعب كلام الأنبياء؛ بل إنهم صاروا قاتلين للرب، ولم يؤمنوا بالمُخلِّص

وهذا هو ما قاله الله لحزقيال النبي: اذْهَبِ امْضِ إِلَى بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَكَلِّمْهُمْ بِكَلاَمِي. لأَنَّكَ غَيْرُ مُرْسَل إِلَى شَعْبٍ غَامِضِ اللُّغَةِ وَثَقِيلِ اللِّسَانِ، بَلْ إِلَى بَيْتِ إِسْرَائِيلَ. لاَ إِلَى شُعُوبٍ كَثِيرَةٍ غَامِضَةِ اللُّغَةِ وَثَقِيلَةِ اللِّسَانِ لَسْتَ تَفْهَمُ كَلاَمَهُمْ. فَلَوْ أَرْسَلْتُكَ إِلَى هؤُلاَءِ لَسَمِعُوا لَكَ. لكِنَّ بَيْتَ إِسْرَائِيلَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَسْمَعَ لَكَ، لأَنَّهُمْ لاَ يَشَاؤُونَ أَنْ يَسْمَعُوا لِي. لأَنَّ كُلَّ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ صِلاَبُ الْجِبَاهِ وَقُسَاةُ الْقُلُوبِ. حزقيال 3: 4 - 7

وَبَلَغَ الأَمْرُ مَلِكَ نِينَوَى، فَقَامَ عَنْ كُرْسِيِّهِ وَخَلَعَ رِدَاءَهُ عَنْهُ، وَتَغَطَّى بِمِسْحٍ وَجَلَسَ عَلَى الرَّمَادِ. وَنُودِيَ وَقِيلَ فِي نِينَوَى عَنْ أَمْرِ الْمَلِكِ وَعُظَمَائِهِ قَائِلاً: لاَ تَذُقِ النَّاسُ وَلاَ الْبَهَائِمُ وَلاَ الْبَقَرُ وَلاَ الْغَنَمُ شَيْئًا. لاَ تَرْعَ وَلاَ تَشْرَبْ مَاءً. وَلْيَتَغَطَّ بِمُسُوحٍ النَّاسُ وَالْبَهَائِمُ، وَيَصْرُخُوا إِلَى اللهِ بِشِدَّةٍ، وَيَرْجِعُوا كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ طَرِيقِهِ الرَّدِيئَةِ وَعَنِ الظُّلْمِ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ، لَعَلَّ اللهَ يَعُودُ وَيَنْدَمُ وَيَرْجعُ عَنْ حُمُوِّ غَضَبِهِ فَلاَ نَهْلِكَ. يونان 3: 6 - 9. لقد أظهر مديحه لاستجابتهم بتفاصيل كاملة، وأُعجب جداً باستعدادهم للتوبة. وحتى ملكهم ترك عرشه ورداءه الملكي وتغطَّى بالمسوح رداء النوح. وإذ جلس على الرماد، أعطى مثالاً لغيره لكي يُمسِكوا عن الطعام ويُصلُّوا بلا انقطاع متوسِّلين إلى الله لأجل الرحمة

لقد كان أهل نينوى حكماء، إذ كرَّسوا أنفسهم للإقلاع عن الفساد بواسطة الصوم الذي هو العمل الأصيل الوحيد للتوبة. أمَّا شعب إسرائيل فلم يهتموا بذلك بل أنهم أحياناً كانوا يُقدِّمون صوماً يُعتبر دنساً كما قال إشعياء النبي: هَا إِنَّكُمْ فِي يَوْمِ صَوْمِكُمْ تُوجِدُونَ مَسَرَّةً، وَبِكُلِّ أَشْغَالِكُمْ تُسَخِّرُونَ. هَا إِنَّكُمْ لِلْخُصُومَةِ وَالنِّزَاعِ تَصُومُونَ، وَلِتَضْرِبُوا بِلَكْمَةِ الشَّرِّ. لَسْتُمْ تَصُومُونَ كَمَا الْيَوْمَ لِتَسْمِيعِ صَوْتِكُمْ فِي الْعَلاَءِ. أَمِثْلُ هذَا يَكُونُ صَوْمٌ أَخْتَارُهُ؟ يَوْمًا يُذَلِّلُ الإِنْسَانُ فِيهِ نَفْسَهُ. إشعياء 58: 3 - 5

أما أهل نينوى، فقد آمنوا بالله وقدَّموا صوماً نقياً بلا لوم، إذ اعتقدوا أنه لَعَلَّ اللهَ يَعُودُ وَيَنْدَمُ وَيَرْجعُ عَنْ حُمُوِّ غَضَبِهِ. يونان 3: 9 بسبب صلاحه وطيبة قلبه. ومن الناحية الأخرى فهو يُعاقب الخطاة والذين يتورطون في القساوة بعناد، إذ يفرض غضبه كنوع من اللجام لكي يُعنِّفهم ويأتي بهم إلى الإذعان. أمَّا بخصوص صوم البهائم، فقد كان نوعاً من المغالاة، وليس من الضروري أن يكون قد حدث ذلك، ولكن الكتاب ذكر ذلك لكي يُوضِّح درجة توبتهم غير العادية! إنه ينسب المعاناة أيضاً للحيوانات


رجوع الله عن غضبه

فَلَمَّا رَأَى اللهُ أَعْمَالَهُمْ أَنَّهُمْ رَجَعُوا عَنْ طَرِيقِهِمِ الرَّدِيئَةِ، نَدِمَ اللهُ عَلَى الشَّرِّ الَّذِي تَكَلَّمَ أَنْ يَصْنَعَهُ بِهِمْ، فَلَمْ يَصْنَعْهُ. يونان 3: 10. هكذا يُسرع الرب في إظهار رحمته وخلاصه للتائبين. وهو يُريحهم في الحال من جرائمهم السابقة إذا كفُّوا عن خطاياهم، وهو يرفع غضبه ويُبدِّله بمعاملة طيِّبة. وهو ما قاله الرب لحزقيال النبي: لِمَاذَا تَمُوتُونَ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ؟ لأَنِّي لاَ أُسَرُّ بِمَوْتِ مَنْ يَمُوتُ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، فَارْجِعُوا وَاحْيَوْا. حزقيال 18: 31 - 32

فَغَمَّ ذلِكَ يُونَانَ غَمًّا شَدِيدًا، فَاغْتَاظَ. وَصَلَّى إِلَى الرَّبِّ وَقَالَ: آهِ يَا رَبُّ، أَلَيْسَ هذَا كَلاَمِي إِذْ كُنْتُ بَعْدُ فِي أَرْضِي؟ لِذلِكَ بَادَرْتُ إِلَى الْهَرَبِ إِلَى تَرْشِيشَ، لأَنِّي عَلِمْتُ أَنَّكَ إِلهٌ رَؤُوفٌ وَرَحِيمٌ بَطِيءُ الْغَضَبِ وَكَثِيرُ الرَّحْمَةِ وَنَادِمٌ عَلَى الشَّرِّ. فَالآنَ يَا رَبُّ، خُذْ نَفْسِي مِنِّي، لأَنَّ مَوْتِي خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِي. يونان 4: 1 - 3

فطالما أنَّ الله رؤوف على الذين يتفادون غضبه بالتوبة، وحتى لو مضى الوقت على إتمام ما كان مُقدَّراً لهم، وما تنبَّأ به عليهم النبي كان قد جاء وقت حدوثه؛ ومع ذلك فإنه لم يحدث، لذلك شعر يونان بغمٍّ شديد، وذلك ليس لأن انقلاب المدينة لم يحدث، ولكن لأنهم أخذوا عنه انطباعاً بأنه كاذبٌ مهذار. لقد أراد أن يتجنَّب ذلك فأقرَّ بأنه هرب إلى ترشيش، حتى لا يكون موقفه مهزوزاً لأنه اعترض على الله الذي يعلم كل شيء ويمكنه أن يُغيِّر فكر الإنسان، فهو شافي الأرواح الـذي يمكنه أن يُهدِّئ ضـراوة شهواتـنا بالمصاعب أحياناً وبأعمال رحمته أحياناً أخرى


اكتئاب يونان وتشجيع الله له

فَقَالَ الرَّبُّ: هَلِ اغْتَظْتَ بِالصَّوَابِ (أو بالحقِّ)؟. وَخَرَجَ يُونَانُ مِنَ الْمَدِينَةِ وَجَلَسَ شَرْقِيَّ الْمَدِينَةِ، وَصَنَعَ لِنَفْسِهِ هُنَاكَ مَظَلَّةً وَجَلَسَ تَحْتَهَا فِي الظِّلِّ، حَتَّى يَرَى مَاذَا يَحْدُثُ فِي الْمَدِينَةِ؟. يونان 4: 4 - 5. فلكي لا يجعل الله النبي فريسةً للاكتئاب، زوَّده بالحيوية في ضعفه، مؤنِّباً إيَّاه برقَّةٍ على هذا الاكتئاب وعلى فشله في إدراك الغرض من الأحكام الإلهية، إذ مـرت الأيام ولم يُنفِّذ الله تهديده لهم

لقد اعتقد أن الكارثة تأجَّلت بسبب أنهم قرَّروا أن يتوبوا، ولكن الغضب الإلهي سوف تظهر نتائجه إنْ لم يصنعوا أعمالاً تليق بالتوبة وتتناسب مع خطاياهم. ولذلك ترك النبي المدينة لكي ينتظر ما سيحدث لهم، وتوقَّع أن المدينة ربما تحترق مثل سدوم، ولكن خيمته في الواقع هي التي تحطَّمت

فَأَعَدَّ الرَّبُّ الإِلهُ يَقْطِينَةً (شجرة خروع) فَارْتَفَعَتْ فَوْقَ يُونَانَ لِتَكُونَ ظِلاُ عَلَى رَأْسِهِ، لِكَيْ يُخَلِّصَهُ مِنْ غَمِّهِ. فَفَرِحَ يُونَانُ مِنْ أَجْلِ الْيَقْطِينَةِ فَرَحًا عَظِيمًا. يونان 4: 6. هكذا أعدَّ الرب اليقطينة لفائدة النبي، كما أعدَّ الحوت لكي يبتلعه. فكبرت اليقطينة سريعاً، ليس فقط لتُظلِّله من الحرِّ، بل الأهم هو لِكَيْ يُخَلِّصَهُ مِنْ غَمِّهِ. يونان 4: 6 فشعر يونان بالسعادة والميل إلى الاحتفاظ ببساطة الذهـن مثل الأطفال الذيـن تشغلهم الأشياء المُفرحـة عمَّا يُحزنهم

ثُمَّ أَعَدَّ اللهُ دُودَةً عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ في الْغَدِ، فَضَرَبَتِ الْيَقْطِينَةَ فَيَبِسَتْ. وَحَدَثَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ أَنَّ اللهَ أَعَدَّ رِيحًا شَرْقِيَّةً حَارَّةً، فَضَرَبَتِ الشَّمْسُ عَلَى رَأْسِ يُونَانَ فَذَبُلَ. فَطَلَبَ لِنَفْسِهِ الْمَوْتَ، وَقَالَ: مَوْتِي خَيْرٌ مِنْ حَيَاتِي. يونان 4: 7 - 8

والمقصود من الدودة عند الفجر هو الجراد لأنه يتخذ وجوده من ندى الصباح. وضَرَبَ الجراد اليقطينة بقسوة، فلما يبست وهبَّت الريح الحارة حُرِمَ النبي من الظل فتفاقم سُخطه حتى اشتهى الموت


الله يوضِّح الهدف من القصة كلها

فَقَالَ اللهُ لِيُونَانَ: هَلِ اغْتَظْتَ بِالصَّوَابِ (أو بالحقِّ) مِنْ أَجْلِ الْيَقْطِينَةِ؟ فَقَالَ: اغْتَظْتُ بِالصَّوَابِ حَتَّى الْمَوْتِ. يونان 4: 9. لاحِظ مرةً أخرى إله الجميع في معاملته الرقيقة وحبه للنفوس البريئة، وأنه لا يُقصِّر بأيِّ حال عن إبداء عاطفة الأُبوَّة. فلم يَعُد يونان يلوم رِقَّة الحب الإلهي عندما قرَّر أن يُشفق على أهل نينوى؛ بل اعترف بغيظه مِمَّا جعل الله يشرح له سبب تدبيره لتلك القصة كلها

فَقَالَ الرَّبُّ: أَنْتَ شَفِقْتَ عَلَى الْيَقْطِينَةِ الَّتِي لَمْ تَتْعَبْ فِيهَا وَلاَ رَبَّيْتَهَا، الَّتِي بِنْتَ لَيْلَةٍ كَانَتْ وَبِنْتَ لَيْلَةٍ هَلَكَتْ. أَفَلاَ أَشْفَقُ أَنَا عَلَى نِينَوَى الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا أَكْثَرُ مِنِ اثْنَتَيْ عَشَرَةَ رِبْوَةً مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ يَمِينَهُمْ مِنْ شِمَالِهِمْ، وَبَهَائِمُ كَثِيرَةٌ؟. يونان 4: 10 - 11

كيف يمكننا أن نفتح أفواهنا لنُقدِّم تسابيح الشكر لذاك المملوء بالرأفة والصلاح؟ إنَّ الرب يُبعد عنا معاصينا، فهو مثل أب يُبدي الرأفة على أبنائه، هكذا هو يتراءف على الذين يخافونه لأنه يعرف جبلتنا (انظر مز 103: 12 - 14). كَبُعْدِ الْمَشْرِقِ مِنَ الْمَغْرِبِ أَبْعَدَ عَنَّا مَعَاصِيَنَا. كَمَا يَتَرَأَفُ الأَبُ عَلَى الْبَنِينَ يَتَرَأَفُ الرَّبُّ عَلَى خَائِفِيهِ. لأَنَّهُ يَعْرِفُ جِبْلَتَنَا. يَذْكُرُ أَنَّنَا تُرَابٌ نَحْنُ. المزامير 103: 12 - 14

لاحِظ كيف يُظهِر الرب اكتئاب يونان في وقت غير مناسب رغم كونه ملتزماً أن يمدح الرب على صلاحه كنبي قديس. فإذا كان هو قد بلغ إلى اكتئابٍ فائق الحدِّ بسبب ذبول اليقطينة، أفلا يُشفق الرب على كل هذا الشعب الذي لا يعرف يمينه من شماله؟ كما أنه يُشير إلى شفقته على البهائم، لأنه إن كان الصِّدِّيق يُشفق على نفس بهيمته (أم 12: 10 سبعينية).. الصِّدِّيقُ يُرَاعِي نَفْسَ بَهِيمَتِهِ، أَمَّا مَرَاحِمُ الأَشْرَارِ فَقَاسِيَةٌ. الأمثال 12: 10، وهذا يُضاف إلى فضله، فلا غرابة أن يُشفق الرب على البهائم أيضاً

وهذه هي الطريقة التي خلَّص بها المسيح كل أحد، إذ بذل نفسه لأجل الصغير والكبير، الحكيم والجاهل، الغني والفقير، اليهودي واليوناني، والذي قيل عنه: النَّاسَ وَالْبَهَائِمَ تُخَلِّصُ يَا رَبُّ. مَا أَكْرَمَ رَحْمَتَكَ يَا اَللهُ! فَبَنُو الْبَشَرِ فِي ظِلِّ جَنَاحَيْكَ يَحْتَمُونَ. المزمور 36: 6 - 7، الذي له المجد والقوة مع الآب والروح القدس الصالح والمُحيي إلى الأبد، آمين


مجلة مرقس – رسالة الفكر المسيحي للشباب والخُدَّام – يصدرها دير القديس أنبا مقار – ببرية شيهيت – السنة 56 – العدد 531 – فبراير 2012م – طوبة / أمشير 1728ش
مجلة مرقس – رسالة الفكر المسيحي للشباب والخُدَّام – يصدرها دير القديس أنبا مقار – ببرية شيهيت – السنة 56 – العدد 532 – مارس 2012م – أمشير / برمهات 1728ش


http://www.stmacariusmonastery.org/
http://www.stmacariusmonastery.org/st_mark/sm021204.htm
http://www.stmacariusmonastery.org/st_mark/sm031204.htm

 

Share

Monday, October 1, 2012

صلاة


آثامي علت رأسي كحمل ثقيل لا أستطيع حمله... إطرحها ياربي عني وإجعلني مثل العشار تائباً... فانك بدون أعمال بارة منه دعوته لرحمتك... صيرني كتلك الزانية مشابهاً، فقد غفرت لها مجاناً... بنعمتك اجعلني مثل اللص مماثلاً... فانك بدون أعمال صالحة منه اسكنته الفردوس

إذكرني يارب إذ جئت في ملكوتك كأب شفوق دعوتني إبناً... أنا المفرط وكصديق ودود قبلت الأتعاب من أجل الخاطئ الشرير، فأزل يا قدوس يا متحنن سيئاتي بمراحمك آمين


فلنشكر صانع الخيرات الرحوم الله، أبا ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح. لأنه سترنا وأعاننا، وحفظنا، وقبلنا اليه، وأشفق علينا، وعضدنا، وأتى بنا  إلى هذه الساعة. هو أيضًا فلنسأله أن يحفظنا فى هذا اليوم المقدس وكل أيام  حياتنا بكل سلام، الضابط الكل الرب إلهنا


أبانا الذي في السماوات. ليتقدس اسمك. ليأت ملكوتك
لتكن مشيئتك. كما في السماء كذلك على الأرض
خبزنا الذي للغد أعطنا اليوم
وأغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا
ولا تدخلنا في تجربة. لكن نجنا من الشرير
بالمسيح يسوع ربنا لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد. آمين


Share

Saturday, September 29, 2012

تحت اقدام المصلوب - القمص بيشوي كامل





تحت اقدام المصلوب  
القمص بيشوي كامل 


ربى يسوع... هبني فهما و إدراكا لقوة صليبك، و أشعرني عندما أكون في
شدة العالم و ضد مبادئ العالم أنى لست مهزوما بل منتصرا بقوة صليبك ....

* ربى يسوع... إن عطشك لا يرويه الماء و لا الخل بل ترويه توبتي و رجوعي لك تحت أقدام الصليب حيث تبقى هناك عطشانـــا......

* أتأمل كيف بصقوا على وجهك و أرى إني أنا الذي أستحق هذه البصقات لأن عيني الشاردة هي المتسببة فى هذه البصقات....

* أيها الرب يسوع أن الصليب كان الوسيلة الوحيدة للقاء اللص معك. ما أسعدها ساعة و ما أمتعه صليب .....

* ربى يسوع.. أعطني روحك المملوء حبا الذي قال لصالبيه: يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون. لأن هذه الصلاة هي التي أوقعت اللص القاتل أسيرا في أحضان محبتك ....

* ربى يسوع.. جبيني المملوء بالأفكار هو الذي يستحق إكليل الشوك، فأربط فكري بأشواكك المقدسة، و أعطني فكر المسيح....

* إلهي.. عرفت جيدا معنى قولك لي أن أحمل صليبي كل يوم كما حملت صليبك أنت.. صليبي هو جهادي ضد الخطية، و صليبك هو خطيتي التي فشلت أنا في مقاومتهــــــــا........

* ربي يسوع أنا لا أطلب صليبا معينا.. و لكن الذي تختاره مشيئتك لي، و أنا لا أريد أن أعرض عليك خدماتي.. بل أن تستخدمني أنت فيهــــا .....

* ربى يسوع.. إني أتأملك مصلوبا و قلبي كالصخر، ما هذا الجفاف الروحي؟ يارب أفض فيّ ينبوع دموع.. يا ربي يسوع اضرب الصخرة فتفيض دموعــــا...

* ربى يسوع ... أعنى أن احمل صليبي بقوة و شجاعة و حب للحق و تمثلا بك و بفرح و سعادة للشهادة لك في عالم مخــادع..... 

* ربى يسوع أنت الذي تعطى الماء الحي الذي يشرب منه لا يعطش إلى الأبد، ثم بعد ذلك تعطش إلىّ.. سبحانك ربى.!!!!!. يا لمحبتك لي أنا الساقط!!!!!!!!

* ليس هناك قوة في الوجود تربط يسوع إلا خطيتي... لأنه صنع هذا محبة لي. إذا لم 
  تكن هذه الرباطات إلا رباطات خطيتي
يا أبتاه.. الآن أعطني أن أقرأ في كل حركة طول يومي، ما هي مشيئتك، و أتممها بأسرع ما يكون، و بفرح عظيم. عندئذ سأرى من حيث لا أدري إني في حضن أبي ...

* يا أبتاه.. أعطني أن أكون سريع الاستجابة لإلهامات روحك القدوس فيّ عن طريق الصلاة....

 * إن حياتي ستظل بلا معنى و لا طعم و لا فائدة إن لم تعلن مشيئتك فيّ لأتممها
إن أخطر لحظة فى حياتى هى التى أنسى فيها التفكير في المسيح ... انها لحظة  الانحلال و الضعف، و التعرض للسقوط فى أبسط خطية

* ما أقواك أيتها التوبة و ما أروعك، انك أروع أيقونة للقيامة

* ربنا يسوع غلب العالم لأنه لم يكن للعالم شئ فيه. إذا كان للعدو جواسيس داخل بلدي كيف أستطيع مواجهته؟
 
* نحن نحمل قوة لا نهائية أمام عالم مادي مغلوب رغم مظهره القوي، هذا هو إيماننا

* يارب.. أنت ترشدنا، و لكننا نتركك و نبحث عن إرشاد العالم و تعزيته، ثم نفشل فنجدك كما كنت. عندئذ نحس بخطئنا نحوك

* أنت يا الهى أب... كلك حبك للبشرية و سكبت روح حبك فىّ ، و هذا هو الطريق الوحيد لمعرفتك و الحياة معك

* الخادم هو إنسان غسل يسوع قدميه القذرتين، و يغسلها كل يوم... من أجل ذلك هو يجول مع يسوع من كل قلبه ليغسل أقذار كل الناس

* ربي.. أعطني أن أبكي على خطية أخي مثلما أبكي على خطيتي لأن كلاهما جرحاك يا حبيبي يسوع ......

  * إن النفس الساقطة عندما تقوم تشع منها قوة هائلة من قوة قيامة الرب يسوع
يا نفسي اهتمي بداخلك لتعجبي يسوع، العريس السماوي لا يهمه نوع الموضة بل يهمه الجمال الداخلي للنفس



تذكار عيدالصليب  
القمص بيشوي كامل



Share

فارشدني الي صليبك حتي افرح بالامك





فارشدني الي صليبك حتي افرح بالامك

---

يارب انني كثيرا ما اطلب القيامة بغير الصليب
او اطلب المجد بغير الم
ولكن يا من تسمح لي بالالام
اعطني ان اطلب وطنا افضل سماويا
يا من تالمت اعط ان تكون الامي شركة في الامل
حتي ادخل معك الي مجدك
انني يارب كثيرا ما اظن
ان الحياة مع اللة
معناها الحياة بلا ضيق
ولكن ها هو وعدك لي
في هذا العالم سيكون لي ضيق
ان رجاءنا فيك
ليس في هذا العالم
الفاني الزائل
والا صرنا اشقي جميع الناس
اعطني يارب في الالم
ان اري علامات الطريق
وصدق الدعوة
امسك يدي يارب وقت الالم
وافتح عيني لاري مجدك
والدموع التي اسكبها وقت الالم
اجعلها لحساب الشركة
في الامك المقدسة
لك المجد يارب
في الامك وصليبك
الذي فتحت بة باب الفردوس
للبشرية المتالمة

----------------------

يارب ان المرارة التي في الضيق
لا احتملها لانها فوق احتمالي
لا استطيع ان اشرب الماء المر
ولكن امنحني ان اختبر سر الشجرة
التي القاها موسي النبي في البئر
فتحول الماء المر الي عذب
ولذلك يارب ان صليبك والامك
هما اللذان يحولان مرارة الضيق
الذي في قلبي الي حلاوة العشرة معك
اني محتاج اليك يارب
فارشدني الي صليبك حتي افرح بالامك
واتقدس في جروحك
وافرح بصليبك
الذي يحول كل مرارة في الي فرح وحلاوة وعذوبة
لك المجد يارب في الامك
التي تحول مرارة الضيق التي في
الي حلاوة وحب وعذوبة
اعطني يارب ان اذوق حلاوتك
التي تمتص مرارة الالم التي في

-----------------------------------

حبك المتفجر يا إلهي النازف من قلبك المطعون

ساريا بين قلوب البشر ,قارعا على كل باب قائلا

"أيها القلب,هل تأويني فأسعدك ,إنني أحمل لك كل الهناء وكل السرور ,أحمل لك كل سعادة أبدية"

"هوذا انا واقف على الباب أقرع

تعالوا إلي و أنا أريحكم"

متاريس قلبي يا إلهي قد علاها الصدأ

أنتنت إحساساتي من طول الإنحباس داخلي

نتانة خطاياي ملأت أنفي وصدري بالروائح الكريهة

ليتني أقوم وأفتح لمن وعدني بالحياة الأبدية

مابالي لا زلت مترددا

قومي يا نفسي قومي إفتحي

دعوت يسوع فأجاب وتفتح قلبي لة وإستنشقت عبيرا
كأنة أزاهير الربيع المتفتحة

قد وجد الحب الإلهي مقرا لة في قلبي, فأنار
عاد يسوع إلى بيتة

وعاد قلبي إلى صاحبة


القمص تادرس يعقوب ملطي




Share

Friday, September 28, 2012

شركة القديسين


أواخر الأيام وحياة الدهر الآتي

الدينونة العامة للبشر

وسيأتي في مجده ليدين الأحياء والأموات

قانون الإيمان

شركة القديسين

قانون الإيمان الرسولي

والآن فإنَّ التاريخ البشري، وقد بلغ محطته النهائية، ها هو الآن يقترب من مصيره النهائي، ومعه يبدأ الدهر الجديد، أو الدهر الآتي. ولنتذكَّر كلمات القديس غريغوريوس اللاهوتي: خالق الزمن... ليس خاضعاً للزمن


ما هي شركة القديسين؟ الكنيسة هي شركة. ليست شركة فقط بين الأحياء بعضهم البعض، بل وأيضاً مع الذين رقدوا في الإيمان، ومع كل المؤمنين الآتين في المستقبل


الليتورجيا المستمرة

الحياة الأبدية مع الله تأتي بالبركة التي لا تُقارَن بأية بركة، أي بركة الشركة بين الأشخاص: إنها أولاً الشركة مع الله وسط شركة القديسين مع الله، أي مع كل مَن يعكس صورة قداسة الله: الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ. لوقا 23: 43، وَحَيْثُ أَكُونُ أَنَا هُنَاكَ أَيْضًا يَكُونُ خَادِمِي. يوحنا 12: 26، لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ. رسالة بولس الرسول إلى أهل فيلبي 1: 23، هؤُلاَءِ هُمُ الَّذِينَ يَتْبَعُونَ الْخَرُوفَ حَيْثُمَا ذَهَبَ. رؤيا يوحنا اللاهوتي 14: 4. هذه هي الجماعة المحتفلة بالليتورجيا الدائمة، وهي تضم كلاًّ من المؤمنين الأحياء والمؤمنين الذين رحلوا، والذين - كلاهما - يتمتعون بالحياة الأبدية مع الله

في قانون الإيمان المُسلَّم من الرسل، وَرَدَ بند شركة القدِّيسين، وقد ردَّده كثيرون من الكُتَّاب المسيحيين في القرون الأولى. وكلمة قديسين تشير إلى المؤمنين المُعمَّدين الذين سيرتهم تعكس وتُعلن إيمانهم ورجاءهم في قوة القيامة من بين الأموات

الشركة مع مَن؟ الجماعة المؤتلفة معاً، المُسمَّاة في اللغة اليونانية
koinonia
التي تضم القديسين، هي موضوع تكرَّر ذِكْره في أسفار العهد الجديد التي تُشير إلى كِلاَ الشركة مع الله، وأيضاً الشركة مع كلِّ الذين لهم شركة في حياة الله: رَأَيْنَا وَنَشْهَدُ وَنُخْبِرُكُمْ بِالْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ الآبِ وَأُظْهِرَتْ لَنَا. الَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ، لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ أَيْضًا شَرِكَةٌ مَعَنَا. وَأَمَّا شَرِكَتُنَا نَحْنُ فَهِيَ مَعَ الآبِ وَمَعَ ابْنِهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. رسالة يوحنا الرسول الأولى 1: 2 - 3. والمسيح نفسه صلَّى إلى الآب لكي كل جماعة الإيمان: يَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا نَحْنُ. يوحنا 17: 11


هذه الوحدة تنبثق من شخص المسيح الذي هو الرأس، الذي فيه يتماسك الجسد كله، ويلتحم، بفضل جميع المفاصل التي تقوم بحاجته، حتى إذا قام كل جزء بعمله الخاص به، نما الجسد كله وتكامَل بنيانه بالمحبة (أف 4: 16 - الترجمة العربية الحديثة)، الَّذِي مِنْهُ كُلُّ الْجَسَدِ مُرَكَّبًا مَعًا، وَمُقْتَرِنًا بِمُؤَازَرَةِ كُلِّ مَفْصِل، حَسَبَ عَمَل، عَلَى قِيَاسِ كُلِّ جُزْءٍ، يُحَصِّلُ نُمُوَّ الْجَسَدِ لِبُنْيَانِهِ فِي الْمَحَبَّةِ. رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس 4: 16. وهؤلاء الذين وُلدوا الولادة الثانية بالمعمودية، وتقدَّسوا بالروح القدس الممسوحين به في سرِّ المسحة المقدسة، هم الذين يُكوِّنون المجتمع الجديد، شعب الله: اللاؤس
laos
الجديد المذكور في سفر الرؤيا 21: 3 هُوَذَا مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ، وَهُوَ سَيَسْكُنُ مَعَهُمْ، وَهُمْ يَكُونُونَ لَهُ شَعْبًا، وَاللهُ نَفْسُهُ يَكُونُ مَعَهُمْ إِلهًا لَهُمْ. رؤيا يوحنا اللاهوتي 21: 3، وتنبَّأ عن ذلك هوشع النبي: هناك يُدْعَوْن أبناء الله الحي، لكِنْ يَكُونُ عَدَدُ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَرَمْلِ الْبَحْرِ الَّذِي لاَ يُكَالُ وَلاَ يُعَدُّ، وَيَكُونُ عِوَضًا عَنْ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ: لَسْتُمْ شَعْبِي، يُقَالُ لَهُمْ: أَبْنَاءُ اللهِ الْحَيِّ. هوشع 1: 10. كَمَا يَقُولُ فِي هُوشَعَ أَيْضًا: سَأَدْعُو الَّذِي لَيْسَ شَعْبِي شَعْبِي، وَالَّتِي لَيْسَتْ مَحْبُوبَةً مَحْبُوبَةً. وَيَكُونُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فِيهِ: لَسْتُمْ شَعْبِي، أَنَّهُ هُنَاكَ يُدْعَوْنَ أَبْنَاءَ اللهِ الْحَيِّ. رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 9: 25 - 26. ونجد نفس النبوَّات في 2كو 6: 16 أَنْتُمْ هَيْكَلُ اللهِ الْحَيِّ، كَمَا قَالَ اللهُ: إِنِّي سَأَسْكُنُ فِيهِمْ وَأَسِيرُ بَيْنَهُمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلهًا، وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْبًا. رسالة بولس الرسول الثانية إلى أهل كورنثوس 6: 16 ؛ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ، لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ الَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيبِ. الَّذِينَ قَبْلاً لَمْ تَكُونُوا شَعْبًا، وَأَمَّا الآنَ فَأَنْتُمْ شَعْبُ اللهِ. الَّذِينَ كُنْتُمْ غَيْرَ مَرْحُومِينَ، وَأَمَّا الآنَ فَمَرْحُومُونَ. رسالة بطرس الرسول الأولى 2: 9 - 10

هذه الجماعة أو المجتمع الجديد سُمِّي بأنه الملكوت: ثُمَّ يَقُولُ الْمَلِكُ لِلَّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ: تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ. متى 25: 34 ؛ رؤ 1: 6: وَجَعَلَنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً للهِ أَبِيهِ، لَهُ الْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ. رؤيا يوحنا اللاهوتي 1: 6
كما سُمِّي هذا المجتمع وهذه الجماعة: مدينة (عب 11: 16،10): المدينة التي لها الأساسات، مدينة الله الحي، أورشليم السماوية
لأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ الْمَدِينَةَ الَّتِي لَهَا الأَسَاسَاتُ، الَّتِي صَانِعُهَا وَبَارِئُهَا اللهُ. رسالة بولس الرسول إلى العبرانيين 11: 10
وَلكِنِ الآنَ يَبْتَغُونَ وَطَنًا أَفْضَلَ، أَيْ سَمَاوِيًّا. لِذلِكَ لاَ يَسْتَحِي بِهِمِ اللهُ أَنْ يُدْعَى إِلهَهُمْ، لأَنَّهُ أَعَدَّ لَهُمْ مَدِينَةً. رسالة بولس الرسول إلى العبرانيين 11: 16
محفل ملائكة، وكنيسة أبكار مكتوبين في السموات عب 12: 22 ، 23 بَلْ قَدْ أَتَيْتُمْ إِلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ، وَإِلَى مَدِينَةِ اللهِ الْحَيِّ. أُورُشَلِيمَ السَّمَاوِيَّةِ، وَإِلَى رَبَوَاتٍ هُمْ مَحْفِلُ مَلاَئِكَةٍ، وَكَنِيسَةُ أَبْكَارٍ مَكْتُوبِينَ فِي السَّمَاوَاتِ، وَإِلَى اللهِ دَيَّانِ الْجَمِيعِ، وَإِلَى أَرْوَاحِ أَبْرَارٍ مُكَمَّلِينَ، وَإِلَى وَسِيطِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، يَسُوعَ، وَإِلَى دَمِ رَشٍّ يَتَكَلَّمُ أَفْضَلَ مِنْ هَابِيلَ. رسالة بولس الرسول إلى العبرانيين 12: 22 - 24 ، مَنْ يَغْلِبُ فَسَأَجْعَلُهُ عَمُودًا فِي هَيْكَلِ إِلهِي، وَلاَ يَعُودُ يَخْرُجُ إِلَى خَارِجٍ، وَأَكْتُبُ عَلَيْهِ اسْمَ إِلهِي، وَاسْمَ مَدِينَةِ إِلهِي، أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةِ النَّازِلَةِ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ إِلهِي، وَاسْمِي الْجَدِيدَ. رؤيا يوحنا اللاهوتي 3: 12

هذه الشركة تضم المؤمنين في الماضي والحاضر والمستقبل: هناك وحدة واتحاد بين المؤمنين على الأرض وبين المؤمنين في السماء، والذي يجمعهما كليهما هو الشركة المشتركة مع الرأس الواحد، والشركة كل واحد مع الآخر. شركة تُساندها الصلاة، ويُؤازرها الإيمان المشترك، ويضمها الرجاء الواحد في حياة الدهر الآتي، ورباطها المشترك هو المحبة

شركة القديسين ليست قاصرة فقط على الكنيسة المنتصرة في السماء، ولا هي ببساطة قاصرة فقط على الكنيسة التي على الأرض. إنها الكنيسة التي تربط أعضاء جسد المسيح على الأرض وفي السماء معاً، يقول عنها القديس إيرينيئوس (القرن الثالث): إنها الكنيسة الكائنة في التاريخ، ولكنها فوق التاريخ. إنها الجسد السرِّي للمسيح والمتَّصلة اتصالاً حقيقياً بكل الكنوز الروحية. فهي تضم المؤمنين الأحياء وكل ذوي الأصوات المحتفلة بالليتورجيا في المدينة السمائية. بعضهم ما زالوا سائحين غرباء على هذه الأرض، في التاريخ؛ بينما البعض الآخر رقدوا في الرب، فهم ممتلئون فرحاً لأنهم يُعاينون الله نفسه

السائحون والمنتصرون كلاهما يُشاركان


في شركة القدِّيسين الواحدة

فالوحدة التي استُعلنت يوم الخمسين (يوم حلول الروح القدس) هي الثمرة الأولى (الباكورة) للوحدة الأزلية الكاملة بين الآب والابن، والتي ستُعرف في كمالها، فقط حينما سينجمع كل شيء في المسيح في مجده حينما يظهر في مجيئه الثاني. والرب الذي سيجعلها كلها في وحدة كاملة في الدهر الآتي هو الذي يحثُّنا الآن أن نسعى إلى تحقيق هذه الوحدة التي يريدها المسيح لكنيسته على الأرض الآن. فإن كانت الوحدة بين أعضاء جسد المسيح المنتصرين في السماء قد اكتملت؛ إلاَّ أنَّ الوحدة بين السائحين الغرباء على الأرض مشوَّهة، متصدِّعة، ناقصة غير كاملة، لذلك فوحدتها كاملة جزئياً وغير كاملة جزئياً، في نفس الوقت، ومع كنيسة القديسين في السماء

وبينما الجهاد الروحي للكنيسة السائحة على الأرض مستمر ودائم، فإنَّ الكنيسة المنتصرة، وقد نالت حريتها في السماء، تتهلَّل وتفرح أمام المسيح؛ لذلك فهي تُصلِّي وتتشفَّع أمام الله من أجل الكنيسة المجاهدة على الأرض لكي تتقوَّى وتتشجَّع وتثبت في جهادها على الأرض. وهكذا تظل الكنيسة الواحدة في السماء وعلى الأرض، بالرغم من ذلك، في شركة ووحدة بسبب الصلاة المشتركة التي تُرفَع في السماء ومن على الأرض، الواحدة من أجل الأخرى

شركة القديسين الفائقة على التاريخ تتوحَّد وتتشارك بالصلاة مع شفاعة المسيح الدائمة من أجل الكنيسة المجاهدة في التاريخ على الأرض. ولهذا تشترك الكنيسة على الأرض في تذكار القديسين في السماء بصفة دورية في ليتورجيتها، تعبيراً دائماً ومُتمِّماً لهذا البند في قانون الإيمان الرسولي الخاص بـ شركة القديسين (كما يتضح ذلك في صلاة مجمع القديسين في القدَّاس الإلهي): لأن هذا يا رب هو أمر ابنك الوحيد أن نشترك في تذكار قدِّيسيك


سرُّ الشركة، أي سرُّ الإفخارستيا

وتظهر شركة القديسين في جماعة العابدين السمائية الملائكية على الأرض مع مجمع أرواح الأبرار المُكمَّلين من الرجال والنساء والأطفال الذين رحلوا، كما يذكر ذلك سفر العبرانيين: أتيتم... إلى مدينة الله الحيِّ، أورشليم السماوية، وإلى ربوات هم محفل ملائكة، وكنيسة أبكار مكتوبين في السموات، وإلى الله ديَّان الجميع، وإلى أرواح أبرار مُكمَّلين، وإلى وسيط العهد الجديد، يسوع. عب 12: 22 - 24. بَلْ قَدْ أَتَيْتُمْ إِلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ، وَإِلَى مَدِينَةِ اللهِ الْحَيِّ. أُورُشَلِيمَ السَّمَاوِيَّةِ، وَإِلَى رَبَوَاتٍ هُمْ مَحْفِلُ مَلاَئِكَةٍ، وَكَنِيسَةُ أَبْكَارٍ مَكْتُوبِينَ فِي السَّمَاوَاتِ، وَإِلَى اللهِ دَيَّانِ الْجَمِيعِ، وَإِلَى أَرْوَاحِ أَبْرَارٍ مُكَمَّلِينَ، وَإِلَى وَسِيطِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، يَسُوعَ، وَإِلَى دَمِ رَشٍّ يَتَكَلَّمُ أَفْضَلَ مِنْ هَابِيلَ. رسالة بولس الرسول إلى العبرانيين 12: 22 - 24

إنه الاحتفال الأبدي الذي سبق وبدأه المسيح وهو على الأرض يوم خميس العهد بتقديم جسده ودمه الأقدسين عن حياة العالم، غفراناً للخطايا وحياةً أبدية لكل مَن يتناول منه - الاعتراف الأخير قبل التناول في القدَّاس الإلهي

لهذا السبب يُطلَق على سر الإفخارستيا اسم سر الشركة المقدسة. فالمؤمن يشترك مع المسيح ويشترك مع المؤمنين الآخرين حسب قول القديس بولس: فإننا نحن الكثيرين خبزة (بالمفرد) واحدة، جسد واحد، لأننا جميعنا نشترك في الخبزة الواحدة (1كو 10: 17) كَأْسُ الْبَرَكَةِ الَّتِي نُبَارِكُهَا، أَلَيْسَتْ هِيَ شَرِكَةَ دَمِ الْمَسِيحِ؟ الْخُبْزُ الَّذِي نَكْسِرُهُ، أَلَيْسَ هُوَ شَرِكَةَ جَسَدِ الْمَسِيحِ؟ فَإِنَّنَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ، جَسَدٌ وَاحِدٌ، لأَنَّنَا جَمِيعَنَا نَشْتَرِكُ فِي الْخُبْزِ الْوَاحِدِ. رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 10: 16 - 17 ، نتغذَّى على جسد المسيح ودمه الأقدسين، حيث تجعلنا الشركة مع المسيح قادرين على أن تكون شركتنا - نحن المؤمنين - بعضنا مع البعض حقيقة حيَّة: لأن خبز الله هو النازل من السماء، الواهب حياةً للعالم. يوحنا 6: 33
فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَيْسَ مُوسَى أَعْطَاكُمُ الْخُبْزَ مِنَ السَّمَاءِ، بَلْ أَبِي يُعْطِيكُمُ الْخُبْزَ الْحَقِيقِيَّ مِنَ السَّمَاءِ، لأَنَّ خُبْزَ اللهِ هُوَ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ الْوَاهِبُ حَيَاةً لِلْعَالَمِ. فَقَالُوا لَهُ: يَا سَيِّدُ، أَعْطِنَا فِي كُلِّ حِينٍ هذَا الْخُبْزَ.  فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلاَ يَجُوعُ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلاَ يَعْطَشُ أَبَدًا. يوحنا 6: 32 - 35

إن الشركة مع المسيح والشركة مع الآخرين، النابعة من سرِّ الإفخارستيا، ربما تكون غير واضحة للكثيرين من المؤمنين، ظانِّين أننا ننال مجرد بركة أو غفراناً للخطايا (وسر الإفخارستيا يحمل هاتين النعمتين فعلاً)؛ ولكن ليتنا نحسُّ بنعمة الشركة مع شخص المسيح، والتأكيد على كلمة مع، وكذلك نُمارس نعمة الشركة مع الآخرين، لأن هذه الشركة مع المسيح وكل مؤمن مع المؤمنين الآخرين هي سَبْق تذوُّق حياة الملكوت في الدهر الآتي القائمة على أننا سنكون مع المسيح كل حين، وسنكون نحن مجمع الشركة المقدسة مع أرواح الأبرار الذين سبقونا والذين نُعاصرهم الآن أو نحيا معهم في الدهر الآتي

وهكذا كان الحال منذ بدء الكنيسة في عصر الرسل، حينما كان تلاميذ المسيح (أي كل مَنْ آمن) يستمرون في الحياة حسب تعليم الرسل وفي الشركة بعضهم مع البعض، يشتركون في كسر الخبز (أي الإفخارستيا)، وفي الصلاة، وفي الاعتراف بخطاياهم، واعظين بعضهم بعضاً بكل ما علَّم به المسيح، متشاركين معاً في كل أموالهم ومقتنياتهم، بل ومتشاركين معاً في تقديم أشخاصهم بعضهم للبعض لمجد المسيح أع 2: 42-44؛ رو 12: 5،4؛ 1كو 12: 12؛ أف 4: 16،15
وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُلِ، وَالشَّرِكَةِ، وَكَسْرِ الْخُبْزِ، وَالصَّلَوَاتِ. وَصَارَ خَوْفٌ فِي كُلِّ نَفْسٍ. وَكَانَتْ عَجَائِبُ وَآيَاتٌ كَثِيرَةٌ تُجْرَى عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ. وَجَمِيعُ الَّذِينَ آمَنُوا كَانُوا مَعًا، وَكَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكًا. أعمال الرسل 2: 42 - 44
فَإِنَّهُ كَمَا فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ لَنَا أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَلكِنْ لَيْسَ جَمِيعُ الأَعْضَاءِ لَهَا عَمَلٌ وَاحِدٌ، هكَذَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ: جَسَدٌ وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ، وَأَعْضَاءٌ بَعْضًا لِبَعْضٍ، كُلُّ وَاحِدٍ لِلآخَرِ. رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية 12: 4 - 5
لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْجَسَدَ هُوَ وَاحِدٌ وَلَهُ أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَكُلُّ أَعْضَاءِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ إِذَا كَانَتْ كَثِيرَةً هِيَ جَسَدٌ وَاحِدٌ، كَذلِكَ الْمَسِيحُ أَيْضًا. رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 12: 12
بَلْ صَادِقِينَ فِي الْمَحَبَّةِ، نَنْمُو فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَى ذَاكَ الَّذِي هُوَ الرَّأْسُ: الْمَسِيحُ، الَّذِي مِنْهُ كُلُّ الْجَسَدِ مُرَكَّبًا مَعًا، وَمُقْتَرِنًا بِمُؤَازَرَةِ كُلِّ مَفْصِل، حَسَبَ عَمَل، عَلَى قِيَاسِ كُلِّ جُزْءٍ، يُحَصِّلُ نُمُوَّ الْجَسَدِ لِبُنْيَانِهِ فِي الْمَحَبَّةِ. رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس 4: 15 - 16


الحياة في جماعة المؤمنين

الموت لا يَفصم عُرَى العلاقات الشخصية للمؤمنين، بل هو يرفع هذه العلاقات إلى أعلى مستوى من الشركة الحقيقية القائمة على تسبيح الله وشُكره ومَدْح مجد نعمته، وهذا هو العمل المحوري الأساسي لكل صلوات الليتورجيا: نُسبِّحك، نُمجِّدك، نعترف لك... إلخ

المؤمنون في هذه الحياة لا يمكن أن ينفصلوا بعضهم عن البعض، لأنهم لا يمكن أن ينفصلوا عن المسيح. إنها شركة حقيقية ودائمة لكل واحد مع المسيح، وكل واحد مع كل مَن يشترك في الحياة التي في المسيح. المسيح لَبِسَ بشريتنا الضعيفة المائتة، فالذي يشترك مع المسيح من خلال جسده ودمه الأقدسين لابد سينال معه - بالضرورة - القيامة والحياة الأبدية. وبدون هذه الشركة المزدوجة: مع المسيح، وكل واحد مع الآخرين؛ لن تكون كنيسة، ولن تكون شركة القديسين

والمدعوون لهذه الشركة لا يعيشون في انفصال عن الجماعة المؤمنة المشتركة في حياة المسيح؛ بل هم يُشاركون في هذا الاتحاد المُبهج مع شركة القديسين: إن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتَّكئون مع إبراهيم وإسحق ويعقوب في ملكوت السموات، ولكن الرب يُكمِّل قوله بحُكْم مؤسف: وأما بنو الملكوت (أي الذين ليست لهم شركة في حياة المسيح ولا مع الآخرين الذين لهم الشركة في حياة المسيح، بالرغم من أنهم بحسب الاسم يُطلَق عليهم اسم المسيح) فيُطرحون (للأسف) إلى الظلمة الخارجية. مت 8: 11 - 12. وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ مِنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِب وَيَتَّكِئُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، وَأَمَّا بَنُو الْمَلَكُوتِ فَيُطْرَحُونَ إِلَى الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ. متى 8: 11 - 12 ، ويُشبَّه الملكوت بـ وليمة العُرس. مت 22: 2. يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا مَلِكًا صَنَعَ عُرْسًا لابْنِهِ، وَأَرْسَلَ عَبِيدَهُ لِيَدْعُوا الْمَدْعُوِّينَ إِلَى الْعُرْسِ، فَلَمْ يُرِيدُوا أَنْ يَأْتُوا. متى 22: 2 - 3

ليت الرب يمنحنا أن يكون لنا مكان منذ الآن في شركة القديسين، وليتنا نحفظ هذه النعمة وندوم فيها؛ حتى يكون لنا نصيب في شركة القديسين في الدهر الآتي في شركة مع المسيح ومع سائر القديسين في كل الأجيال، آمين



مجلة مرقس – رسالة الفكر المسيحي للشباب والخُدَّام – يصدرها دير القديس أنبا مقار – ببرية شيهيت – السنة 56 – العدد 532 – مارس 2012م – أمشير / برمهات 1728ش


http://www.stmacariusmonastery.org/
http://www.stmacariusmonastery.org/st_mark/sm031206.htm


Share

من كلمات البابا شنوده الثالث‬


اﻹنسان المملوء بالرجاء، دائماً توجد في قلبه بشارة مفرحه

Share

Tuesday, September 25, 2012

لأحمل صليبي بفرح

لاحظت الأرملة الجميلة أولادها الصغار يهربون من أمام وجهها عندما تعود من عملها مرهقة للغاية. تساءلت في نفسها: لماذا أحمل هذا الصليب الثقيل؟؟ لقد مات زوجي الحبيب وأنا في ريعان شبابي تاركا لي 3 أطفال... وها أنا أكد وأشقي كل يوم، ولا تفارق العبوسة وجهي. كرهني الجميع... حتى أطفالي... يهربون من وجهي إني لا أحتملهم وهم يلعبون ويلهون... ولكن ما ذنبي؟؟ صليبي أثقل من أن يحتمل

ركعت الأرملة في احدي الليالي تطلب من الله أن يأخذ نفسها منها!! فان صليبها لا يحتمل!! وإذ نامت رأت في حلم أنها في غرفة مملوءة صلبانا، بعضها كبير والآخر صغير، بعضها أبيض والآخر أسود، وقد وقف بجوارها السيد المسيح الذي تطلع إليها في حنو وقال لها: لماذا تتذمرين؟؟ أعطني صليبك الذي هو ثقيل عليك جدا، واختاري لنفسك صليبا من هذه الصلبان التي أمامك، لكي يسندك حتى تجتازي هذه الحياة

إذ سمعت الأرملة هذه الكلمات ... قدمت صليبها بين يدي المسيح... صليب حزنها المر... ومدت يدها لتحمل صليبا صغيرا يبدو أنه خفيف. لكن ما أن رفعته حتى وجدته ثقيلا للغاية. سألت عن هذا الصليب، فأجابها السيد المسيح: هذا صليب شابة أصيبت بالفالج في سن مبكرة وستظل كسيحة كل أيامها، لا تري الطبيعة بكل جمالها. ويندر أن يلتقي بها صديق يعينها أو يواسيها

تعجبت المرأة لما سمعته، وسألت السيد المسيح: ولماذا يبدو الصليب صغيرا وخفيفا للغاية؟؟ أجابها السيد المسيح: لأن صاحبته تقبلته بشكر، وتحملته من أجلي فتجده صغيرا وخفيفا للغاية

تحركت الأرملة نحو صليب آخر يبدو أيضا صغيرا وخفيفا، لكنها ما أن أمسكت به حتى شعرت كأنها قطعة حديد ملتهبة نارا. صرخت المرأة من شدة الحرق، وسقط الصليب من يدها. صرخت الأرملة: صليب من هذا يا سيدي؟؟ أجابها السيد المسيح: انه صليب سيدة زوجها رجل شرير للغاية، عنيف جدا معها ومع أولادها... لكنها تحتمله بفرح وتصلي لأجل خلاص نفسه

انطلقت نحو صليب ثالث يبدو أيضا كأنه صغير وخفيف، لكن ما أن لمسته وجدته كقطعة جليد. صرخت: صليب من هذا يا سيدي؟ أجابها: هذا صليب أم فقدت أولادها الستة... ومع كل ولد ينتقل ترفع قلبها إلى تطلب التعزية. وها هي تنتظر خروجها من العالم بفرح لتلتقي معهم في فردوس النعيم! انطرحت الأرملة أمام مخلصها وهي تقول: سأحمل صليبي الذي سمحت لي به... لكن... لتحمله أنت معي أيها المصلوب... أنت تحول آلامي إلى عذوبة... أنت تحول مرارتي إلى حلاوة


لأحمل معك صليبك بشكر... ولتحمل أنت معي صليبي يا مخلص نفسي


مجلة مرقس – رسالة الفكر المسيحي للشباب والخُدَّام – يصدرها دير القديس أنبا مقار – ببرية شيهيت – السنة 56 – العدد 532 – مارس 2012م – أمشير / برمهات 1728ش

http://www.stmacariusmonastery.org/
http://www.stmacariusmonastery.org/st_mark/sm031211.htm

Share

Saturday, September 22, 2012

من كلمات البابا شنوده الثالث‬


مهما بدا الطريق مظلماً أو صعباً أمامك. ومهما بدت قوة الشيطان مخيفة ثق أن الذين معنا أكثر من الذين علينا

Share

Wednesday, September 12, 2012

الشكر هو الصلاة المرفوعة إلى الله وقت الضيق - من يوميات طبيب





  الشكر هو الصلاة المرفوعة إلى الله وقت الضيق

من يوميات طبيب 

كانت طفلة تبلغ من العمر خمس سنوات محجوزة فى قسمى تعانى من فيروس سى بالدم ... و فشل كلوى .... و عيب خلقى بأرجلها 


فكانت معقوفة ولا تستطيع المشى فكانت محمولة دوما على أذرع والديها ... و انسداد بأحدى قنوات المخ 
تم عمل جراحة لها وتركيب قسطرة بالمخ ... و نزيف حول القلب ... و انفجار بأحدى الرئتين و كانت محجوزة انتظارا لدورها فى جراحة ثالثة المخ لتسليك القسطرة التى تحركت من مكانها

كان عمرها خمس سنوات ... قضت منهم فى غرف المستشفيات أكثر مما عاشت فى عالمنا .

عندما كنت اقترب منها للكشف أو لأى غرض , كانت تصرخ طلبا للرحمة من يسوع بتأوهات مثل التى يطلبها شيخ فى السبعين من عمره !!

كنت أخاف الإقتراب منها ... لأنها كشفتنى أمام نفسى

فكثيرا ما كنت أشكر الله   على الصحة فى صلاتى... ولكنى لم أعرف معنى و قيمة عطية الله إلا عندما رأيت هذه الطفلة... و سألت نفسى هل من  الممكن فعلا أن أشكره إن كنت فى نفس موقفها ؟!!
فمن من السهل أن أشكر الله فى الصحة ... لكن صعب أن أشكره فى المرض خاصة عند عدم الاستجابة لطلبات الشفاء 
ومن السهل  أن أشكر الله فى النجاح ... لكن صعب أن أشكره فى الفشل و الخسارة


لا أعلم لماذا تذكرت قصة شعب الله فى هروبه من العبودية إلى مصر ( سفر الخروج )
لقد شق لهم الله البحر الأحمر لينجوا  ... عطشوا فتحول الماء المر إلى عذب ... تاهوا فقادهم نهار بعمود السحاب و ليلا بعمود النار ... جاعوا فامطرت السماء عليهم منّ و سلوى !

انبهر الشعب و مجد الله فى أعماله
و مرت الأيام و السنون و تذمر الشعب على المن و السلوى و أشتاق إلى الثوم و الكرات فى أرض العبودية
نسى الشعب أنه كاد يموت جوعا و عطشا فى الصحراء فأمطرت عليه السماء طعاما و شرابا فى وقت كان يمكن أن يأكلوا فيه بعضهم البعض و يشربوا دماء بعض من أجل البقاء على قيد الحياة

صارت احسانات الله و أعاجيبه أمرا عاديا ألف إليها و فقد الشعور بها ... فأشتهى الثوم و الكرات فى أرض العبودية


تلك الفتاة أعادت إلى نفس شعور ذلك الشعب الذى تذمر على احسانات الإله الحىّ
فصار المألوف و الطبيعى عندى أن أكون انسانا متعلم له أب و أم و أخوة و اصدقاء يحبونه , لديه بيت يسكن فيه ,  يتناول ثلاث وجبات , يتمتع بصحة جيدة , و و و و و

فقد اعتدت على كل ما منحنى إياه الله من عطايا ولم أعد أشعر فى قرار نفسى أنها هبة من عنده ... فهذا هو الطبيعى
بل و صرت أتذمر لأنى لم أحظى بقدر أكبر من التعليم أو أملك بيت أكبر أو أن اتناول طعام أفضل أو أن اتمتع بجسد أقوى أو أو أو

تلك الفتاة أيقظتنى من غفوة ... فالمألوف عندى فقد بهجته ... و شكرى لإلهى فقد معناه ولم يتعد كونه كلمة تنطق بها شفتاى دون أن اشعر بمعناها الحقيقى

فوقفت يوما أمامها و أخذت أقارن فقط بين كل عضو من جسمها العليل و بين أعضاء جسدى فلم أجد فيها أى عضو يعمل بصورة سليمة فهى مصابة بمرض فى كل جزء من جسدها.
أما أنا فلم أجد فى جسدى عيبا ... فقد تعلمت معنى أن أشكر الله فعلا من قلبى على ما اغدق علىّ به من عطايا لا أستحقها

وحاولت أن أكون صديقا لها فأتيت لها يوما مبكرا بالحلوى, لكن الله اختار أن يضمها إلى حضنه فى تلك الليلة
لم يمهلنى الوقت لنكون اصدقاء ... 

لكنها صارت معلمتى 

علمتنى أن أشكر الله كل يوم من أجل أصغر و أتفه الأمور
 
علمتنى أن أضاعف فرحى بأن أعدد إحسانات الله إلىّ

علمتنى
أن الشكر هو الصلاة المرفوعة إلى الله وقت الضيق

" اشكروا فى كل شىء لأن هذه هى مشيئة الله " ( 1تس 18:5 )

" فى الأيام الأخيرة ستاتى أزمنة صعبة لأن الناس يكونوا... غير شاكرين " ( كو 15:3 )

" لا تهتموا بشى بل  فى كل شىء بالصلاة مع الدعاء و الشكر " ( فى 6:4 )
 


Share

Monday, September 3, 2012

من كلمات البابا شنوده الثالث‬




من كلمات البابا شنوده الثالث

إذا أردت أن تكون عادلاً في أحكامك على الناس، 
ينبغي باستمرار أن تستمع إلى الطرف الآخر، 
ولا تأخذ الحقائق من جانب واحد فقط..  
فمن حق كل إنسان أن يوضح موقفه ومن حقه أن يدافع عن نفسه.. 
تصور أن الله نفسه العالم بكل شيئ، سأل حواء وآدم قبل أن يصدر حكمه.. 
وسأل أيضاً قايين


Share

Facebook Comments

Twitter

I Read

Word of the Day

Quote of the Day

Article of the Day

This Day in History

Today's Birthday

In the News