Wednesday, March 23, 2016

احد التجربة - القمص تادرس يعقوب ملطي






إنجيل القداس
لوقا 4 : 1 - 13
الفصل 4

 أما يسوع فرجع من الأردن ممتلئا من الروح القدس ، وكان يقتاد بالروح في البرية
أربعين يوما يجرب من إبليس . ولم يأكل شيئا في تلك الأيام . ولما تمت جاع أخيرا
وقال له إبليس : إن كنت ابن الله ، فقل لهذا الحجر أن يصير خبزا
فأجابه يسوع قائلا : مكتوب : أن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ، بل بكل كلمة من الله
ثم أصعده إبليس إلى جبل عال وأراه جميع ممالك المسكونة في لحظة من الزمان
وقال له إبليس : لك أعطي هذا السلطان كله ومجدهن ، لأنه إلي قد دفع ، وأنا أعطيه لمن أريد
فإن سجدت أمامي يكون لك الجميع
فأجابه يسوع وقال : اذهب يا شيطان إنه مكتوب : للرب إلهك تسجد وإياه حده تعبد
ثم جاء به إلى أورشليم ، وأقامه على جناح الهيكل وقال له : إن كنت ابن الله فاطرح نفسك من هنا إلى أسفل
لأنه مكتوب : أنه يوصي ملائكته بك لكي يحفظوك
وأنهم على أياديهم يحملونك لكي لا تصدم بحجر رجلك
فأجاب يسوع وقال له : إنه قيل : لا تجرب الرب إلهك
ولما أكمل إبليس كل تجربة فارقه إلى حين

والمجد لله دائماً أبدياً، آمين 


تفسير انجيل القداس

لقدس الاب الموقر - 
القمص تادرس يعقوب ملطي

 التجربة في البرِّيَّة

في الأصحاحات الثلاثة السابقة (1-2-3) رأينا صديقنا السماوي ينزل إلينا يشاركنا كل شيء، صار جنينًا في الأحشاء مثلنا، وخضع للناموس، وانطلق مع الجموع إلى المعموديَّة، وإذ ليس له خطيَّة يعترف بها، حملنا فيه خليقة جديدة تتمتَّع بالبنوَّة للآب، وتحمل فيها روحه القدُّوس. فما أُعلن في نهر الأردن من أمجاد كان لحسابنا وباسمنا، فيه استرددنا طبيعتنا الأولى الصالحة، وصار لنا حق التمتَّع بالفردوس المفقود واللقاء مع الآب في دالة البنوَّة. الآن إذ صار مثلنا أكَّد هذه الصداقة على صعيد العمل، فانطلق بالروح إلى البرِّيَّة يُجُرَّب أربعين يومًا. عوض البرِّيَّة التيانطلق إليها إسرائيل يحمل روح التذمر المستمر، حملنا هو في جسده إلى البرِّيَّة بطبيعته الغالبة والمنتصرة
  تعالوا نسبِّح للرب، ونرتِّل أناشيد الفرح لله مخلِّصنا، ولِندُس الشيطان تحت أقدامنا، ونهلِّل بسقوطه في المذلَّة والمهانة. لنخاطبه بعبارة إرميا النبي: "كيف قُطعتْ وتحطَّمتْ مطرقة كل الأرض... قد وُجدت وأُمسكت لأنك قد خاصمت الرب" (إر50: 23-24)

منذ قديم الزمان وقبل مجيء المسيح مخلِّص العالم أجمع والشيطان عدوُّنا الكبير يفكِّر إثمًا وينضح شرًا، ويشمخ بأنفه على ضعف الجبلة البشريَّة، صارخًا "أصابت يدي ثروة الشعوب كعشٍ، وكما يُجمع بيض مهجور جمعت أنا كل الأرض ولم يكن مرفرف جناح ولا فاتح فم ولا مصفِّف" (إش 10: 14)

والحق يُقال لم يجرؤ أحد على مقاومة إبليس، إلاالابن يسوع المسيح الذي سكن المغارة، كافحه كفاحًا شديدًا وهو على صورتنا، ولذلك انتصرت الطبيعة البشريَّة... في يسوع المسيح، ونالت إكليل الظفر والغلبة، ومنذ القِدم يخاطب الابن على لسان أنبيائه عدوُّنا اللدود إبليس بالقول المشهور: "هأنذا عليك أيها الجبل المُهلك، (يقول الرب) المُهلك كل الأرض" (إر 51: 25)

والآن تعالوا معي لنرى كيف يصف الإنجيلي المغبوط يسوع المسيح وهو يقاتل بالنيابة عنَّا مهلك الأرض بأسرها. "أما يسوع فرجع من الأردن ممتلئًا من الروح القدس" (لو4: 1).
انظروا طبيعة الإنسان في المسيح وقد دهنتها نعمة الروح القدس، وتوَّجتها بالإجلال والإكرام، فإن الله سبق أن وعد قائلًا: "إنّي أسكب روحي على كل بشر" (يوئيل2: 28). وقد تمَّت هذه النبوَّة لأول مرَّة في يسوع المسيح، لأن الله لم يهب روحه للناس قديمًا، وكانوا ضعاف العقول صغار النفوس، فقد ورد: "لا يدين روحي في الإنسان لزيغانه، وهو بشر" (تك6: 3). ولكن في المسيح وُجدت خليقة جديدة تقدَّست بالماء والروح، فلم نصبح أولاد لحم ودم، بل أبناء الله الآب، فلنا الآن نعمة التبنِّي، وبهذا العطف الأبوي صرنا شركاء في الطبيعة الإلهيَّة

فلم يكن بمستغربٍ إذن أن يكون بِكْرنا أول من يتسلَّم الروح القدس، مع أنه هو مانح الروح القدس حتى يهبه لنا نحن إخوته الأعزَّاء. وأشار إلى ذلك بولس الرسول بالقول: "لأن المقدَّس والمقدَّسين جميعهم من واحد، فلهذا السبب لا يستحي أن يدعوهم إخوة قائلًا: "أُخبر باسمك إخوتي" (عب2: 12).
لذلك يصف الإنجيلي المسيح: "رجع من الأردن ممتلئًا من الروح القدس" (لو4: 1) وأرجو ألا تنحرفوا عن جادة الحق ولا يُسيئكم القول بأن المسيح الكلمة تقدَّس، بل فكَّروا بالأولى في حكمة الفداء والخلاص، فإن المسيح تأنَّس وتجسَّد لا حبًا في تجنُّب ما اِختصَّ به الإنسان، بل شاركنا في إنسانيَّتنا حتى يزيدنا من غناه، ويشرِّفنا بعظمة مكانته فإن المسيح شاركنا في كل شيء ما عدا الخطيَّة

القديس كيرلس الكبير

  كان هدف ربَّنا يسوع المسيح في صومه وخلوته هو شفاؤنا من جاذبيَّة الشهوة، فلأجل الجميع قبِل أن يُجُرَّب من إبليس لنعرف كيف ننتصر نحن فيه.
  جاء الرب ليعتمد لأنه صار للكل كل شيء (1 كو9: 20). خضع للناموس لأجل الذين هم تحت الناموس، فاختتن ليكسب الذين تحت الناموس، وشارك الذين بلا ناموس في أكلهم ليربح الذين بلا ناموس. صار للضعفاء كضعيفٍ بالآلام التي تحمَّلها في جسده ليربحهم (2 كو8: 9). فرحًا مع الفرحين، بكاءً مع الباكين (رو12: 15)، جاع مع الجياع... كريمًا مع الأغنياء وسجينًا مع الفقير (إش26: 20)، عطش مع السامريَّة (يو4: 7)، وجاع في البرِّيَّة (مت4: 6) ليُكفِّر بصومه عن سقوط آدم الأول الذي سبَّبه شهوة الطعام والتلذُّذ به، فشبع آدم من معرفة الخير والشر لضررنا، وجاع المسيح لفائدتنا

القديس أمبروسيوس

"وكان يُقتاد بالروح في البرِّيَّة،
أربعين يومًا يجُرَّب من إبليس،
ولم يأكل شيئًا في تلك الأيام،
ولما تمَّت جاع أخيرًا"[1-2]

  سكن المسيح البرِّيَّة بالروح، أي روحيًا، وصام فلم يهب الجسم حاجاته الضروريَّة. قد يسأل أحدكم: وأي ضرر ينشأ إن سكن المسيح المدن على الدوام؟ وكيف اِستفاد المسيح من عيشته في البرِّيَّة، وهو لم يكن في حاجة إلى صلاح؟ ولمَ صام المسيح مع أنه لم يكن في حاجة إلى الصوم؟ فقد وُضعت هذه الفريضة لقتل اللذَّات والشهوات وإخضاع ناموس الخطيَّة الذي في داخلنا والمتملُّك على مختلف الانفعالات التي تبعث فينا شهوة الجسد الدنيئة؟ فهل كان المسيح في حاجة إلى الصوم، وهو الذي به قَتل الآب الخطيَّة في الجسد، حتى أن بولس الرسول الحكيم يقول:"لأنه ما كان الناموس عاجزًا عنه فيما كان ضعيفًا بالجسد، فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطيَّة، ولأجل الخطيَّة دان الخطيَّة في الجسد، لكي يتم حكم الناموس فينا، نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح" (رو8: 3)؟
 
فالمسيح إذن دان الخطيَّة في الجسد ومحا الإثم الذي تمَلَّك الطبيعة البشريَّة رِدحًا من الزمن؟ مارس المسيح الصوم وهو مقدَّس ونقي بطبيعته لا عيب فيه ولا نقص ولا تغيير ولا ظل دوران! لمَ صام المسيح فاعتزل عيشة المدن وسكن البرِّيَّة وتحمَّل تعب الصوم؟ أن هذا العمل العظيم الذي قام به المسيح هو لتعليمنا يا أحبائي. فقد رسم لنا المسيح الخُطَّة التي يجب علينا انتهاجها، ومهَّد لنا طريقًا قويمًا نسير عليه، هذا الطريق الذي يسير فيه جماعة الرهبان المقدَّسين؟ وإلا كيف كان الناس يعشقون عيشة البراري، ويستفيدون من حياة العُزلة والانفراد ويرون فيها خلاصًا لنفوسهم وسلامًا لأرواحهم؟ إن جماعة الرهبان يهجرون العالم ليبتعدوا عن أمواجه الهائجة وعواصفه الثائرة، ويحرَّروا نفوسهم من الفوضى والاضطراب والغرور والشهوات، أو كما قال يوسف المغبوط يخلع الناس عنهم ما عليهم ليقدِّموا للعالم مقتنياته وممتلكاته

ويشير بولس الرسول إلى أولئك الذين تعوَّدوا العيشة مع المسيح: "ولكن الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات" (غل 5: 24). ويُضيف إلى ذلك قولهبأن عيشة الزهد لا بُد منها، وأن ثمار هذه العيشة الصوم والتحمُّل ونبذ الأطعمة قليلًا أو كثيرًا فإنه بذلك يمكن قهر الشيطان، ولكن لاحظوا أن المسيح عُمِّد أولًا ثم امتلأ بالروح القدس، وبعد ذلك سكن البرِّيَّة واتَّخذ الصوم سلاحًا له في محاربة إبليس وجنوده، وكل هذا لتعليمنا، حتى ننسج على منواله، ونحتذي منهجه، فعليكم بادئ ذي بدء أن تلبسوا خوذة الله، وتتمنطقوا بدِرع الإيمان، وتتمسَّكوا بصولجان الخلاص. يجب في بداية الأمر أن تُمنحوا قوَّة من الأعالي، وذلك عن طريق العماد المقدَّس، فيمكنكم بهذه أن تسلكوا حياة شريفة مع الله العظيم، ثم بشجاعة روحيَّة تعتزلون الناس للسكن في البراري، ثم تصومون صومًا مقدَّسا، فتقمعون أهواء الجسم، وتهزمون إبليس إذا ما أراد تجريبكم، ففي المسيح إذن نجد كل سلاح نتقوَّى به
نعم يظهر المسيح بين المقاتلين فيَمنح الجائزة ويتوِّج المنتصرين بإكليل الفوز والغلبة. والآن فلنتأمَّل مصارعات المسيح مع إبليس؟ "صام أربعين يومًا، وجاع أخيرًا"

كيف يجوع المسيح وهو الذي يُشبعنا من دسم نعمته؟ أليس المسيح هو الخبز السماوي الذي نزل من السماء حتى لا يجوع من يتغذى منه؟ صام المسيح "وجاع" لأنه قَبِلَ أن يكون مثلنا، فكان لا بُد أن يتحمَّل ما يجب أن يتحمَّله إنسان بشري

القديس كيرلس الكبير

  [يقدِّم لنا مقارنة بين تجرِبة آدم في الفردوس، وتجرِبة آدم الثاني في البرِّيَّة] لنتأمَّل كيف طُرد آدم الأول من الفردوس، ولنعرف كيف رجع آدم الثاني من البرِّيَّة إلى الفردوس، ولنتأمَّل أيضًا كيف تمَّ الإصلاح وبأي ترتيب حدث. وُلد آدم من أرض بكر، ووُلد المسيح من العذراء (البكر)، خُلق آدم على صورة الله، أما المسيح فهو صورة الله (الجوهريَّة). كان للأول سلطان على كل الحيوانات غير العاقلة، أما الثاني فله سلطان على كل شيء

اتَّصفَت حواء بالتردُّد، واتَّصفت العذراء بالحكمة
جاءت الشجرة بالموت، وجاء الصليب بالحياة
كان الأول في الفردوس، أما المسيح فكان في البرِّيَّة، لكنه جاء ليبدِّد ضلال المحكوم عليه ويردُّه للفردوس
لم يكن ممكنًا أن يتراجع الله عن حُكمه، فتمَّ حُكم الموت في واحد عوض الآخر 
إن كان آدم قد سقط وهو في الفردوس لعدم وجود الراعي، فكيف كان يمكنه أن يجد الطريق وهو في البرِّيَّة بلا راعٍ يقوده؟ ففي البرِّيَّة تكثر التجارب... ويسهل الانحدار نحو الخطيَّة

أي راع يستطيع أن يعيننا أمام فِخاخ هذه الحياة وخِداعات إبليس "لكي نجاهد ليس ضد لحم ودم، بل ضد الرؤساء والسلاطين وأجناد الشر الروحيَّة في الهواء" (أف6: 11)؟! هل يُرسل الله ملاكًا وقد سقط بعض الملائكة...؟! هل يرسل ساروفًا، هذا الذي نزل على الأرض وسط شعب نجس الشفتين (إش6: 6)، لم يُطهِّر سوى شَفتيّ نبي واحد بجمرَّة من نار؟! إذن كان يلزم البحث عن راعٍ آخر نتبعه جميعنا؛ فمن هو هذا الراعي العظيم الذي يستطيع أن يهيئ الخير للجميع إلا ذاك الذي هو أعلى من الكل؟! من يرفعني فوق هذا العالم إلا مَن هو فوق العالم؟! من هو هذا الراعي العظيم الذي يستطيع بقيادة واحدة يرعى الرجل والمرأة، اليهودي واليوناني، أهل الختان وأهل الغُرلة، البربري والسكِّيثي (كو 3: 11)، العبد والحر، إلا ذاك الذي هو الكل في الكل؟!
الفخاخ كثيرة أينما ذهبنا، فخاخ الجسد، وفخاخ الناموس (حرفيَّته)، والفخاخ التي ينصبها إبليس على جناح الهيكل وعلى قمَّة الجبل، وفخاخ الفلسفات، وفِخاخ الشهوات، لأن العين الزانية هي فخْ الخاطئ (أم 7: 22)، وفِخاخ محبَّة العالم، وفِخاخ التديُّن (الرياء)، وفِخاخ في حياة الطهارة (احتقار سرّ الزواج)... غير أن أفضل طريقة تحطِّم هذه الفِخاخ هو عرض طُعم لإبليس لينقَضْ على فريسته فينطبق الفخْ عليه، عندئذ نستطيع أن نردِّد: "نصبوا لرجلي فخاخًا فسقطوا فيها" (مز 56: 7). ما هذا الطُعم إلا الجسد... فقد أخذ الرب جسد تواضعنا وضعفنا، ليُعطي فرصة للعدو أن يحاربه فينهزم العدو إبليس

الآن المسيح في البرِّيَّة يقود الإنسان ويعلِّمه ويشكِّله ويدرِّبه ويدهنه بالمسحة المقدَّسة، وعندما يراه قويًا يقوده إلى المراعي الخضراء المخصبة... أخيرًا يقوده إلى البستان أثناء الآلام، كما هو مكتوب: "تكلَّم يسوع بهذا ثم خرج مع تلاميذه إلى جبل الزيتون، حيث كان بستان دخله مع تلاميذه" (يو18: 1)... أخيرًا فإن إرجاع الإنسان بقوَّة الرب تؤكِّد لنا هذه الحقيقة التي أبرزها القدّيس لوقا بين كل البشريِّين، بتلك الكلمات التي قالها الرب للِّص: "أنك اليوم تكون معي في الفردوس" (لو23: 44)

 رجع يسوع ممتلئًا من الروح القدس إلى البرِّيَّة يتحدَّى إبليس، فلو لم يجُرِّبه إبليس لما اِنتصر الرب لأجلي بطريقة سِرِّيَّة، محرِّرا آدم من السبي

القديس أمبروسيوس

  "لقد أُصعد يسوع إلى البرِّيَّة من الروح"، بلا شك من الروح القدس، ليس كمن هو مُلزم أو من هو أسير، إنما اُقتيد باشتياق إلى المعركة ليُصارع

القديس جيروم

 يسوع قائدنا سمح لنفسه بالتجربة حتى يُعلِّم أولاده كيف يحاربون

القديس أغسطينوس

أ. تجربة الخبز

إذ دخل السيِّد المسيح المعركة نيابة عنا، ليغلب باسمنا ولحسابنا، بدأت التجارب بتجربة الخبز، فقد طلب الشيطان من السيِّد المسيح أن يحول الحجر إلى خبز ليأكله في جوعه. من جانب فإن هذه التجربة تقابل تجربة آدم الأول الذي سقط في العصيان خلال الأكل من شجرة معرفة الخير والشر. فجاء السيِّد صائمًا يقاوم العدُو ويغلبه رافضًا السماع له رغم إمكانيَّته من تحويل الحجر إلى خبز، كما حوّل الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل. ومن جانب آخر فإن هذه التجربة سمح بها الرب ليُعلن أُبوَّة الشيطان المخادعة للخطاة، فإن الآب الحقيقي لا يقدِّم حجرًا إن طلب منه ابنه خبزًا كقول السيِّد المسيح (لو 11: 11)، أما هذا العدو فيقدِّم حجرًا عوض الخبز ليأكله الإنسان، فيحمل في أحشائه حجرًا قاسيًا
ليتنا نرفض كل حجر يقدِّمه العدو فلا نأكله كخبز لننمو قساة القلب بلا حب ولا حنو
يرى العلامة أوريجينوس أن الحجر الذي يقدِّمه العدو هو الهرطقات التي يقدِّمها العدُو كخبزٍ غاشٍ، فنظنَّها كلمة الله المشبعة
"وقال له إبليس
إن كنتَ ابن الله فقل لهذا الحجر أن يصير خبزًا
فأجابه يسوع، قائلًا
"مكتوب أن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان
بل بكل كلمة تخرج من فم الله" [3-4]
  قفز إبليس إلى حيث كان المسيح، ونظر إلى الحجر وخاطب المسيح، قائلًا: "إن كنت ابن الله، فقلْ لهذا الحجر أن يصير خبزًا" (لو4: 3). ترون أن إبليس يدنو من المسيح كإنسانٍ، كأحد القدِّيسين، ومع ذلك يرتاب في المسيح. لكن كيف سعى الشيطان ليتحقَّق من لاهوت المسيح؟ كان يعلم أنه لا يمكن تغيير طبيعة المادة إلى طبيعة أخرى تغايرها في الجوهر إلا بقوَّة إلهيَّة، فإما المسيح يُغيِّر المادة فيرتبك إبليس في أمره، أو يعجز عن القيام بهذا العمل، فيُسَر الشيطان لأنه لم يجد أمامه سوى إنسانًا ضعيفًا يمكن مقاومته

علم السيِّد المسيح ما كان يجول بخُلد إبليس، فلم يغيِّر الخبز ولم يعلن عجزه عن تغييره. اِنتهر المسيح الشيطان بالقول: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان" (لو4: 5). ومعنى ذلك أنه إذا منح الله الإنسان القوَّة أمكنه أن يحيا بدون أكل، وعاش كما عاش موسى وإيليَّا بقوَّة أربعين يومًا ولم يذوقا شيئًا، فإذًا استطاع المسيح أن يعيش بدون طعام، فلم يحوِّل الحجر خبزًا إلا أن المسيح لم يقل قط أنه "لا يستطيع ذلك" حتى لا يتطرَّق الشك بأنه إنسان لا إله، ولم يقل أستطيع ذلك لئلا يتركه الشيطان وشأنه، وكان المسيح يريد تعليمنا دروسًا أخرى

لاحظوا يا أحبائي كيف أن طبيعة المسيح نبذَت شراهة آدم ونهمه، فبأكل آدم غُلبنا، وبزهد المسيح انتصرنا

الجسم يأكل ما تُخرجه الأرض من دسم، أما النفس العاقلة فطعامها كلمة الله الخالدة. فإن الخبز الذي تجود به الأرض يُغذي جسمًا عناصره هي عناصر الخبز الأرضي، أما الخبز السماوي الذي يبعث به الله من فوق يُغذِّي النفس الباقية. هذا هو الخبز السماوي الذي يتغذَّى به جمهور الملائكة

القديس كيرلس الكبير

  ينكشف لنا من هذه التجربة أن لإبليس ثلاثة سهام اعتاد أن يستخدمها ليجْرح قلب الإنسان: شهوة الأكل، المجد الباطل، الطمع! (يبدأ من حيث اِنتصر إبليس) هكذا تبدأ نُصرتي في المسيح من حيث غلبني إبليس في آدم
يقول: "إن كنتَ ابن الله"، فقد كان إبليس يعلم تمامًا أنه ينبغي أن يأتي ابن الله، لكنه لم يكن يعتقد أنه يأتي في ضعف، لهذا أراد أن يتأكَّد ثم يُجرِّبه بعد ذلك
انظروا أسلحة المسيح التي بها اِنتصر من أجلكم وليس لأجل نفسه، فإنه قادر أن يحوِّل العناصر (كما في عرس قانا الجليل)، لكنه يعلِّمنا ألا نطيع إبليس في شيء، ولا لإظهار قوَّتَك. لنعرف أيضًا من هذه التجربة مهارة إبليس الخادعة فهو يجُرِّب ليتأكَّد من الحقيقة ليخترق الإنسان ويُجرِّبه... ولم يستخدم الرب سلطانه كإله وإلا فإننا لم نكن نجني فائدة، إنما استخدم الإمكانيَّة العامة وهي استخدام كلام الله

القديس أمبروسيوس

  قل لهذا "الحجر"، أي حجر هو هذا؟ بلا شك الحجر الذي كان إبليس يريه إيّاه طالبًا أن يحوِّله إلى خبز. إذن ما هي التجربة...؟
الشيطان العدو المخادع يقدِّم حجرًا عوض الخبز (لو11: 11). هذا ما يريده الشيطان أن يتحوَّل الحجر إلى خبز، فينمو الناس لا على الخبز، وإنما على الحجر الذي يُريه الشيطان على شكل خبز. وإنني اعتقد أن الشيطان لا يزال يُرينا الحجر ويقول لكل أحد: "قل لهذا الحجر أن يصير خبزًا..." فإن رأيت الهراطقة يأكلون تعاليمهم الكاذبة كخبزٍ، فاِعلم أن مناقشاتهم وتعاليمهم هي الحجر الذي يُظهره الشيطان لنأكله كخبز
لنسهر إذن ولا نأكل حجارة الشيطان ظانِّين أننا ننمو بخبز الرب

العلامة أوريجينوس

يخضع الجسد لتجربة الجوع لتُعطى فرصة لإبليس كي يجُرِّب 
القديس جيروم

  تأكَّد تمامًا أن العدو يهاجم القلب عن طريق امتلاء البطن
الأب يوحنا من كرونستادت 


ب. تجربة الصليب

في التجربة السابقة أراد إبليس أن يقدِّم للسيِّد الحجر خبزًا، لكن السيِّد رفض تحويل الحجر خبزًا، مقدَّما نفسه "الخبز الحيّ النازل من السماء" شبعًا لمؤمنيه. والآن إذ كان إبليس يعلم أن المسّيا القادم يملك إلى الأبد خلال الصليب والألم. أراه ممالك العالم ليملُك، لكن ليس خلال الصليب، وإنما خلال الطريق السهل والباب الواسع وهو "السجود لإبليس نفسه". رفض المسيح بهذا الطريق الواسع الرحب بقوَّة، فتح لنا الباب لنملُك نحن أيضًا معه خلال آلامه لا خلال الشر

  يريد ابن الله كما ضد المسيح أن يملُكا، لكن ضد المسيح يريد أن يملك ليُهلك من له، أما المسيح فيملُك ليخلِّص (بالصليب). فمن كان فينا أمينًا يملُك المسيح عليه بكلمته وبالحكمة والعدل والحق؛ أما إذا فضَّلنا الشهوة عن الله فتملُك الخطيَّة علينا، حيث يقول الرسول: "إذًا لا تملُكنَّ الخطيَّة في جسدكم المائت" (رو6: 12)
إذن ملِكان يبادران لكي يملُكا، تملُك الخطيَّة أو الشيطان على الأشرار، ويملُك العدل أو المسيح على الأبرار

إذ كان إبليس يعلم أن المسيح جاء ليغتصب ملكوته، ويُخضع لقوته وسلطانه أولئك الذي كانوا قبلًا خاضعين للمخادع، "أراه جميع ممالك المسكونة" وكل سكان العالم، أراه كيف يملك على الواحد بالشهوة، وعلى الآخر بالبُخل، وثالث بحب المجد الباطل، ويأسِر آخرين خلال جاذبيَّة الجمال... وكأن الشيطان يقول له: أتريد أن تملك على كل الخليقة؟! وأراه الجموع غير المحصية التي تخضع له، والحق يُقال لو قبلنا أن نعرف في بساطة بؤسنا ونُدرك مصيبتنا لوجدنا الشيطان يملك في معظم العالم، لذلك يسمِّيه الرب "رئيس هذا العالم" (يو12: 31؛ 16: 11). وعندما يقول إبليس ليسوع: أترى جميع الشعب الخاضع لسلطاني؟ يكون قد أراه ذلك "في لحظة من الزمان"، إذ يحسب الوقت الحالي لحظة أن قورن بالأبديَّة... حينئذ قال إبليس للرب: أجئت لتصارع ضدِّي، وتنزع عنِّي كل الذين هم تحت سلطاني؟ لا، لا تحاول أن تقارن نفسك بي، ولا تعرض نفسك لصعاب هذه المعركة. انظر كل ما أطلبه منك، "إن سجدت أمامي يكون لك الجميع"

بدون شك يريد ربَّنا ومخلِّصنا أن يملك، لكن بالعدل والحق وكل فضيلة... لا يريد أن يكلَّل كملكٍ بدون تعب (الصليب)
أجابه الرب قائلًا: "مكتوب للرب إلهك تسجد، وإيّاه وحده تعبد" (تث6: 13). إرادتي هي أن يكون الكل لي يعبدونني، ولا يسجدون لغيري. هذه هي الرغبة الملوكيَّة. أتريدني أن أخطئ أنا الذي جئت لأبيد الخطيَّة وأُحرَّر الناس منها؟!
لنفرح ولنبتهج نحن إذ صرنا له، ولنُصَلِ إليه ليقتل الخطيَّة التي ملَكت في أجسادنا (رو 6: 6) فيملك وحده علينا

العلامة أوريجينوس

  "وأراه جميع ممالك المسكونة" [5] كيف تجرؤ أيها الشيطان المارد اللعين فتُري السيِّد ممالك العالم وتخاطبه بالقول: "لك أعطي هذا السلطان كله ومجدهن... إن سجدتَ أمامي" (لو 4: 6)؟ كيف تعد بأن تهب ما ليس لك؟! من الذي نصَّبك وارثًا على مملكة الله؟!؟إنك اِغتصبت هذه الممالك غشًا وزورًا، فرُد ما اغتصبته إلى الابن المتجسِّد رب العالم بأسره، واسمع ما يصرح به النبي إشعياء ضد إبليس وجنوده: "لأن تُفتة مرتَّبة منذ الأمس مهيَّأة، هيأيضًا للملِكِ عميقة واسعة، كومتها نار وحطب بكثرة، نفخة الرب كنهر كبريت توقدها" (إش30: 33)

فكيف تتقدَّم أيها الشيطان، ونصيبك الهاويَّة السحيقة مِلكًا...؟ وكيف يسجد السيِّد لك، والسيرافيم وجميع طغمات الملائكة لا يغفلون طرفة عين عن التسبيح لاسمه لأنه مكتوب: "للرب إلهك تسجد وإيّاه وحده تعبد" (لو4: 8)؟

حقًا لقد أصابت هذه الآية مقتلًا من إبليس لأنه كان قبل نزول المسيح ومجيئه يخدع كل الذين تظلِّلهم القبَّة الزرقاء، فتجثو له كل ركبة، أما وقد جاء المسيح فقد شاءت رحمته أن يرجع الناس عن غلوائهم ويقدِّموا له السجود والعبادة والإكرام

القديس كيرلس الكبير

  ليس العيب في السلطان في ذاته، وإنما في الطمع الباطل، وعلى هذا فإن تأسيس السلطان يأتي من قِِبل الله، ومن يستعمله يكون سفيرًا لله بكونه خادم الله للصلاح (رو13:3-4). العمل في ذاته ليس خطيَّة، لكن العيب في الذي ينفِّذه... يجب أن نميِّز بين الاستخدام الصالح للسلطان والاستخدام الطالح

القديس أمبروسيوس

  أراه مجد العالم على قمَّة جبل، هذا الذي يزول، أما المخلِّص فنزل إلى الأماكن السفليَّة ليهزم إبليس بالتواضع

القديس جيروم

  أعلن الرب أن الشيطان كذَّاب من البدء، وليس فيه الحق (يو8: 44)، وبكونه كذَّابًا وليس فيه الحق فإنه لا ينطق بالحق بل بالكذب، عندما قال: "إليّ قد دُفع وأنا أعطيه لمن يريد" (لو4: 6)

  لقد كذب الشيطان في البداية وبقي في كذبه حتى النهاية، فإنه ليس هو الذي يقيم ممالك هذا العالم بل الله إذ"قلْب الملك في يد الله" (أم21: 1). كما يقول الكلمة خلال سليمان: "بي تملك الملوك وتقضي العظماء عدلًا، بي تترآس الرؤساء والشرفاء وكل قضاة (ملوك) الأرض" (أم8: 15)

  لقد فضحه الرب كاشفًا حقيقة شخصيَّته، إذ قال له: "اذهب يا شيطان" [8]... مُظهرًا ذلك من ذات اسمه، فإن كلمة "شيطان" في العبريَّة تعني "مرتد"

القدِّيس إيريناؤس

ج. تجربة في المقدَّسات

إن كان عدو الخير إبليس قد حاول أن يُجرِّب "يسوع" في لقمة العيش بتحويل الحجر إلى خبزٍ، وقد فشل إذ قدَّم السيِّد المسيح نفسه خبزًا حقيقيًا يُنعش النفس وينزع عنها طبيعتها الحجريَّة، وفي التجربة السابقة أراد تحطيم هدفه بفتح طريق سهل وقصير لكي يملك دون الحاجة إلى صليب، لكن الرب أصرَّ ألا يقبل إلا أن يدخل دائرة الصليب (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). أما التجربة التي بين أيدينا فتمس العبادة ذاتها، إذ تمّت في أورشليم على جناح الهيكل، وقدَّم الشيطان عبارة من الكتاب المقدَّس: "لأنه مكتوب أنه يوصي ملائكته بك لكي يحفظونك، وأنهم على أياديهم يحملونك، لكي لاتصدم بحجر رجلك"[10-11]، سائلًا إيّاه أن يطرح نفسه من جناح الهيكل إلى أسفل
هذه التجربة يتعرَّض لها بالأكثر الرعاة والخدَّام والمتديِّنون، فإن عدو الخير يحاربهم في أورشليم في هيكل الرب، يقدِّم لهم كلمات الكتاب المقدَّس مشوَّهة سواء في بعض كلماتها أو في فهمها ليحوِّل عبادتهم إلى شكليَّات واستعراضات ورياء، طالبًا منهم عوض أن يصعدوا منطلقين نحو السماويَّات أن ينطرحوا من جناح الهيكل إلى أسفل، إذ يحدرهم الشكل أو الرياء عن غايتهم الحقَّة

* لنلاحظ بداية هذا الإنجيل الذي سمعناه اليوم، ولنضع في النور الأمور المخفية فيه "جاء (إبليس) به إلى أورشليم"،الأمر الذي يبدو غير مُصدق أن إبليس يقود ابن الله، وهو يتبعه؛ فإنه يشبه المصارع الذي يذهب إلى التجربة ولا يخشاها، ولا يرهب مصيدة العدو المخادع للغاية وغير المحتملة، وكأنه يقول: ستجدني أقوى منك
قاده إلى قمَّة الهيكل وطلب منه أن يطرح نفسه من فوق، وكان هذا العرض تحت ستار أنه يتم لمجد الله

يتكلَّم الشيطان ويستند على الكتاب المقدَّس... لكن ليته لا يخدعني الشيطان حتى وإن استخدم الكتاب المقدَّس
تأمَّل العبارة التي يعرضها إبليس على الرب: "مكتوب أن يوصي ملائكته بك لكي يحفظونك وعلى أيديهم يحملونك لكي لا تصدم بحجر رجلك". انظر كم هو مخادع حتى في اختياره للعبارات، فإنه يريد أن يقلِّل من مجد الرب، كما لو كان يسوع محتاجًا إلى معونة الملائكة؛ كما لو كان يمارس عملًا خاطئًا ما لم تسنده الملائكة. هكذا يقتبس إبليس عبارة من الكتاب لا تناسب المسيح ويطبِّقها عليه، إنما تناسب القدِّيسين بوجَّه عام... المسيح ليس بمحتاج لمعونة الملائكة، إذ هو أعظم منهم، ويرث اسمًا أعظم وأسمى: "لأنه لمن من الملائكة قال قط أنت ابني أنا اليوم ولدتك؟!" (عب 1: 5-7؛ مز2: 7)
بعد ما قال: "إنه يوصي ملائكته بك لكي يحفظوك، وأنهم على أياديهم يحملونك لكي لا تصطدم بحجر رجليك"، يصمت إبليس عن التكملة وهي: "على الأسد والصل تطأ، الشبل والثعبان تدوس" (مز91: 13). فلماذا تعبر على هذه العبارة بصمت أيها الشيطان؟! لأنك أنت هو الصل وملك كل الحيَّات. أنت تعرف أنك تحمل على جانبيك قوَّة عدوانيَّة أخرى تسمى "الأسد"، تخضع للأبرار تحت أقدامهم، لذلك لا تتكلَّم عن هذا الأمر
أنت هو الشِبل والثعبان، حيث مكتوب: "لي الأسد والصل تطأ، الشِبل والثعبان تدوس". إن كنت تصمت ولا تذكر شيئًا ضدَّك، لكننا نحن إذ نقرأ الكتاب باستقامة ندرك تمامًا أن لدينا سلطانًا أن نطأك بالأقدام، هذا السلطان لم يوهب لنا في العهد القديم حيث كان المزمور يرنَّم به، وإنما أيضًا في العهد الجديد. ألم يقل المخلِّص: "ها أنا أعطيكم السلطان أن تدوسوا الحيَّات والعقارب وكل قوَّة العدو ولايضرُّكم شيء؟!" (لو 10: 19). لنستند على هذا السلطان ونأخذ سلاحنا، ونطأ بسلوكنا الشِبل والثعبان

العلامة أوريجينوس

  "إن كنت ابن الله فاطرح نفسك من هنا إلى أسفل"[9]. أما التجربة الثالثة فكان محورها الزَهْو والخيلاء "اطرح نفسك من هنا" حتى تثبت أمام المِلأ لاهوتك، إلا أن المسيح أجابه: "لا تجُرِّب الرب إلهك" (لو4: 12) فإن الله لا يساعد من يجرؤ على تجربته ولم يُعط المسيح قط آية لمن جاءه بقصد تجربته، إذ ورد: "فأجاب وقال لهم جيل شرِّير وفاسق يطلب آية ولا يُعطى له آية إلا آية يونان النبي" (مت 12: 39).
لاغرابة أن يتقهقر أمام المسيح بعد هذه الثلاث تجارب، فيقدِّم لنا المسيح المنتصر إكليل الفوز والغلبة على حد قول الصادق: "ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيَّات والعقارب وكل قوَّة العدو ولا يضرُّكم شيء" (لو10: 19)
"لأنه مكتوب أنه يوصي ملائكته بك لكي يحفظونك"[10]
وانظروا كيف يقتبس إبليس من الأسفار الإلهيَّة ليستعين بها على تصويب سهمه الدنيء، لأن هذه الآية التي وردت في المزامير لا تشير إلى المسيح، لأن المسيح ليس في حاجة إلى ملائكة. أما جناح الهيكل فقصد به البناء المرتفع الذي أقيم بجوار الهيكل

القديس كيرلس الكبير

 هذا هو شيطان المجد الباطل، فعندما يظن الإنسان أنه قد ارتفع عاليًا ويشتهي القيام بالأعمال العظيمة يسقط في الهاوية
قال له: "إن كنتَ ابن الله فاطرح نفسك إلى أسفل" لا ينطق بهذه الكلمات إلا الشيطان الذي يحاول أن يُحدر الروح الإنسانيَّة إلى أسفل من حيث سمت بفضائلها؟! هل شيء يوافق الشيطان إلا النصح بالانحدار إلى أسفل...؟!
لا يستطيع إبليس أن يؤذي إلا من يدفع نفسه إلى أسفل، أي يترك السماء ليختار الأرض

القديس أمبروسيوس

 هذه هي كلمات إبليس دائمًا إذ يتمنَّى السقوط للجميع
 
القديس جيروم

ختم حديثه عن التجربة "ولما أكمل إبليس كل تجاربه فارقه إلى حين" [13]. إن كان الشيطان لا يمِلّ عن المصارعة بالرغم من هزيمته المُرَّة في كل التجارب، إذ يقول"فارقه إلى حين"... فقد جاء بقيَّة السفر عبارة عن صراع مستمر بين السيِّد المسيح وإبليس بكل طريقة، سواء مباشرة أو خلال خدَّامه، لهذا يليق بنا ألا ننخدع إن تركنا العدو، فإنه يفارقنا إلى حين لكي يعود فيصارعنا

 لما سمع إبليس اسم "الله" فارقه إلى حين، إذ جاء بعد ذلك لا ليُجربه وإنما ليُحاربه علانيَّة. والكتاب المقدَّس يُعرِّفك أنك في حرب ليس مع لحم ودم بل مع السلاطين والرؤساء مع أجناد الشر الروحيَّة (أف6: 12).
اُنظر رِفعة المسيحي الذي يُحارب رؤساء العالم (الشياطين)، فمع أنه يعيش على الأرض لكنه يبسط قوَّته الروحيَّة أمام أرواح الشرّ في السماويَّات. ونحن لا نُكافأ بأمور أرضيَّة في حربنا من أجله إنما مكافآتنا روحيَّة هي ملكوت السماوات وميراث المسيح

يليق بنا أن نجاهد بكل مقاومة لإبليس، فالإكليل مقدَّم لنا، ويلزمنا أن نقبل الدخول معه في حرب. لا يكلَّل أحد ما لم يَغلب، ولا يمكن له أن يغلب ما لم يحارِب (2 تي2: 5). والإكليل يعظُم كلما كثر الألم، لأنه ضيق وكرب هو الطريق المؤدِّي للحياة، وقليلون هم الذين يجدونه، وواسع هو الطريق المؤدِّي للموت (مت 7: 13)

يليق بنا ألا نخشى تجارب هذه الحياة قط، فهي فرصة مقدَّمة للغلبة ومادة للنصرة...
المُضل يُكثر من جرح المجاهد، ومع ذلك فالمُجاهد في شجاعته لا يضطرب قلبه...
إن تعرَّضت للتجارب فاعلم أن الأكاليل تُعد

أُلقي يوسف في السجن كثمرة لطهارته، لكنه ما كان يشارك في حكم مصر لو لم يبعه إخوته


القديس أمبروسيوس

Share

Sunday, March 13, 2016

احد الكنوز - 
القمص تادرس يعقوب ملطي







 متى 6 : 19 - 33
الفصل 6 

لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض حيث يفسد السوس والصدأ ، وحيث ينقب السارقون ويسرقون 

بل اكنزوا لكم كنوزا في السماء ، حيث لا يفسد سوس ولا صدأ ، وحيث لا ينقب سارقون ولا يسرقون 
 
لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضا 
 
سراج الجسد هو العين ، فإن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيرا  
 
وإن كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلما ، فإن كان النور الذي فيك ظلاما فالظلام كم يكون 
 
لا يقدر أحد أن يخدم سيدين ، لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر ، أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر . لا تقدرون أن تخدموا الله والمال 
 لذلك أقول لكم : لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون ، ولا لأجسادكم بما تلبسون . أليست الحياة أفضل من الطعام ، والجسد أفضل من اللباس 
 انظروا إلى طيور السماء : إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن ، وأبوكم السماوي يقوتها . ألستم أنتم بالحري أفضل منها 

 ومن منكم إذا اهتم يقدر أن يزيد على قامته ذراعا واحد  
 ولماذا تهتمون باللباس ؟ تأملوا زنابق الحقل كيف تنمو لا تتعب ولا تغزل 

  ولكن أقول لكم : إنه ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها  
 فإن كان عشب الحقل الذي يوجد اليوم ويطرح غدا في التنور ، يلبسه الله هكذا ، أفليس بالحري جدا يلبسكم أنتم يا قليلي الإيمان 
 
فلا تهتموا قائلين : ماذا نأكل ؟ أو ماذا نشرب ؟ أو ماذا نلبس  
  
 فإن هذه كلها تطلبها الأمم . لأن أباكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه كلها 

 لكن اطلبوا أولا ملكوت الله وبره ، وهذه كلها تزاد لكم  

والمجد لله دائماً أبدياً، آمين

تفسير انجيل القداس

متى 6 : 19 - 33 
  
لقدس الاب الموقر
القمص تادرس يعقوب ملطي

العبادة السماويّة
 
بعد أن قدّم لنا السيّد المسيح الجوانب الثلاثة للعبادة المسيحيّة أراد توضيح غايتها، ألا وهي رفع القلب النقي إلى السماء، ليرى الله ويحيا في أحضانه، محذّرًا إيّانا ليس فقط من تحطيمها خلال "الأنا" وحب الظهور، وإنما أيضًا خلال "محبّة المال" التي تفقد القلب المتعبّد حيويّته وحريّته، إذ يقول السيد: "لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض حيث يفسد السوس والصدأ، وحيث ينقب السارقون 
ويسرقون، بلا اكنزوا لكم كنوزًا في السماء حيث لا يفسد سوس ولا صدأ، وحيث لا ينقب سارقون ولا يسرقون"  
متى 6 : 19-20
 
من يتعبّد لله بقصد المجد الزمني الباطل يكون كمن جمع كنوزه على الأرض، سواء في شكل ثياب فاخرة يفسدها السوس، أو معادن تتعرّض للصدأ، أو أمور أخرى تكون مطمعًا للصوص. هكذا يرفع قلوبنا إلى السماء لننطلق بعبادتنا إلى حضن الآب السماوي، يتقبّلها في ابنه كسرّ فرح له وتقدِمة سرور، لا يقدر أن يقترب إليها سوس أو لصوص ولا أن يلحقها صدأ

يقول القديس أغسطينوس: [إن كان القلب على الأرض، أي إن كان الإنسان في سلوكه يرغب في نفع أرضي، فكيف يمكنه أن يتنقّى، مادام يتمرّغ في الأرض؟ أمّا إذا كان القلب في السماء فسيكون نقيًا، لأن كل ما في السماء فهو نقي. فالأشياء تتلوّث بامتزاجها بالفضّة النقيّة، وفكرنا يتلوّث باشتهائه الأمور الأرضيّة رغم نقاوة الأرض وجمال تنسيقها في ذاته

يُعلّق أيضًا القديس أغسطينوس على حديث السيّد: "لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض"، قائلًا

* لو أخبركم مهندس معماري أن منزلكم يسقط حالًا، أفلا تتحرّكون سريعًا قبل أن تنشغلوا بالنحيب عليه؟‍! هوذا مؤسّس العالم يخبركم باقتراب دمار العالم، أفلا تصدّقوه...؟! اسمعوا إلى صوت نبوّته: "السماء والأرض تزولان" (مت 24: 35)... استمعوا إلى مشورته

الله الذي أعطاكم المشورة لن يخدعكم، فإنكم لن تخسروا ما تتركونه، بل تجدوا ما قدّمتموه أمامكم... أعطوا الفقراء فيكون لكم كنز في السماء! لا تبقوا بلا كنز، بل امتلكوا في السماء بلا هّم ما تقتنونه على الأرض بقلق. أرسلوا أمتعتكم إلى السماء. إن مشورتي هي لحفظ كنوزكم وليس لفقدانها

ينبغي علينا أن نضع في السماء ما نخسره الآن على الأرض. فالعدو يستطيع أن ينقب منازلنا، لكنّه هل يقدر أن يكسر باب السماء؟‍ إنه يقتل الحارس هنا، لكن هل يستطيع أن يقتل الله حافظها...؟ 

الفقراء ليسوا إلا حمّالين ينقلون أمتعتنا من الأرض إلى السماء. إذن فلتعطوهم ما لديكم فإنهم يحملونها إلى السماء... هل نسيتم القول: "تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت... لأني جعت فأطعمتموني... وكل ما فعلتم بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم" - مت 25: 34-40
 
القديس أغسطينوس
 
بهذه الوصيّة يرفع الرب عبادتنا للسماء، محذّرًا إيّانا من "المجد الباطل" ومقيمًا حراسًا عليها، ألا وهي أعمال الرحمة المملوءة حبًا. فالصدقة الحقيقية بمعناها الواسع والتي تضم العطاء المادي والمعنوي، ترفع القلب بعيدًا عن الزمنيّات المعنويّة والماديّة، وتحوّل أرصدته في السماء

ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيّد المسيح يحدّثنا عن الحب والرحمة في دستوره الإلهي بطريقة تدريجيّة هكذا

أولًا: قدّم لنا الرحمة كمبدأ عام نلتزم به

ثانيًا: طالبنا بمصالحتنا لخصمنا، فلا حاجة للدخول مع أحد في منازعات، وإنما الرحمة تغلب  (  5 : 23ـ  26

ثالثًا: ارتفع بنا إلى ما فوق القانون، فبالحب ليس فقط نترك ثوبنا لمن ليس له الحق فيه، وإنما نقدّم معه رداءنا حتى نربح الخصم بحبّنا

رابعًا: سألنا ألا نكنز على الأرض، فلا نقدّم أعمال الرحمة للخصم والمضايقين لنا فحسب، حتى لا ندخل معهم في نزاعات بل نكسبهم بالمحبّة، فتكون طبيعتنا هي العطاء بسخاء، كطبيعة داخليّة تنبع عن حنين مستمر لنقل ممتلكاتنا إلى السماء 

إذ يقدّم لنا السيّد هذا التوجيه يُعلن جانبه الإيجابي ألا وهو أنه بالعطاء نحوّل كنزنا إلى فوق في السماء، كما يوضّح جانبه السلبي مهدّدًا أن ما نتركه هنا يفسد بطريق أو آخر فنفقده إلى الأبد. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [أنه يجتذبهم، إذ لم يقل فقط إن قدّمت الصدقة تُحفظ لك بل هدّد بأنك إن لم تعطِ غناك إلخ. إنّما تجمعه للسوس والصدأ واللصوص. وإن هربت من هذه الشرور لن تهرب من عبوديّة قلبك له فيتسمّر بالكامل أسفل، لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضًا. إذن فلنُقِم المخازن في السماء 

 البصيرة الداخليّة
 
تحدّث عن القلب الذي يلتصق بالكنز ويجري وراءه، مطالبًا إيّانا أن يكون مسيحنا هو كنزنا عِوض الكنز يحطّمه السوس والصدأ واللصوص، فيكون قلبنا على الدوام مرفوعًا إلى فوق حيث المسيح جالس، لهذا يحدّثنا عن "العين البسيطة" التي تجعل الجسد كلّه نيّرًا. ما هي هذه العين الداخليّة إلا القلب الذي وحده يقدر أن يرى أسرار الكنز السماوي، فيجذب نحو السماويات، ولا يتذبّذب بين النور الأبدي ومحبّة الفانيات

"سراج الجسد هو العين
فإن كانت عينك بسيطة فجسدك كلّه يكون نيّرًا
وإن كانت عينك شرّيرة فجسدك كلّه يكون مظلمًا
فإن كان النور الذي فيك ظلامًا، فالظلام كم يكون؟!" [22-23

العين هي مرشد الجسد كلّه لينطلق إلى هنا أو هناك، فإن ارتفعت نحو السماء انطلق الإنسان كلّه بعبادته وسلوكه كما بأحاسيسه ومشاعره نحو السماويات، أمّا إن اِنحنت نحو الأرض لتصير أسيرة حب المجد الباطل أو رياء الفرّيسيّين أو حب الغنى الزمني، لا يمكن للإنسان مهما قدّم من عبادات أن يرتفع إلى فوق

يشبّه القديس يوحنا الذهبي الفم العين بالقائد الذي إن سقط أسيرًا ماذا ينتفع الجند بالذهب؟ وربّان السفينة الذي إن بدأ يغرق ماذا تنتفع السفينة بالخيرات الكثيرة التي تملأها؟! حقًا كثيرون قد جمعوا ذهب الصداقة والصلاة والصوم وظنّوا أن سفينتهم مشحونة بالأعمال الصالحة، ولكن بسبب فساد قلبهم وظلمة بصيرتهم الداخليّة يبقون بعيدًا عن الميناء الآمن وتغرق بكل ما تحمله

لهذا يفسر القديس أغسطينوس العين البسيطة بنيّة القلب الداخلي التي تقود كل تصرفاتنا، إذ يقول: [نفهم من هذه العبارة أن جميع أفعالنا تكون نقيّة ومرضية في نظر الله إن صنعناها بقلب بسيط، أي إن جميع أفعالنا تكون نقيّة ومرضيّة في نظر الله إن صنعناها بقلب بسيط، أي إن كان هدفنا فيها سماويًا، متطلّعين إلى تلك الغاية التي هي المحبّة، لأن "المحبّة هي تكميل الناموس" (رو 13: 10). من ثم فلنفهم "العين" هنا على أنها "النيّة التي نصنع بها أفعالنا"، فإن كانت نيّتنا نقيّة وسليمة، أي ناظرين إلى السماويات، فستكون جميع أعمالنا صالحة، هذه التي لقّبها الرب "جسدك كلّه"، لأنه عندما حدّثنا الرسول عن بعض أعمالنا القبيحة، دعاها أيضًا (أعضاء لنا)، إذ علّمنا أن نصلبها قائلًا: "فأميتوا أعضاءكم التي على الأرض، الزنا النجاسة... الطمع" (كو 3: 5)، وما على شاكلة ذلك

ويرى الأب موسى أن العين البسيطة تُشير إلى روح التمييز أو الحكمة، [لأنها هي التي تميّز كل الأفكار والأعمال، وترى كل شيء وتراقب ما سيحدّث. فإن كانت عين الإنسان شرّيرة، أي غير محصّنة بصوت الحكمة والمعرفة، مخدوعة ببعض الأخطاء والعجرفة (في العبادة) فإنها تجعل جسدنا كلّه مظلمًا، أي يظلم كل نظرنا العقلي، وتصير أعمالنا في ظلام الرذيلة ودجى الإضرابات، إذ يقول: "فإن كان النور الذي فيك ظلامًا فالظلام كم يكون؟" [23].  فلا يستطيع أحد أن يشك في أنه متى كان "الحكم في الأمور" في القلب خاطئًا، أي متى كان القلب مملوء جهالة، تكون أفكارنا وأعمالنا - التي هي ثمرة التمييز والتأمّل - في ظلام الخطيّة العُظمى

إن كان "البسيط" هو عكس "المُركّب أو المُعقّد"، فإن العين البسيطة إنّما هي التي لا تنظر في اتّجاهيّن، ولا يكون لها أهداف متضاربة بل لها اتّجاه واحد وهدف واحد... وكما يقول مار فيلوكسينوس:  لقد أعطانا ربّنا مبدأ سهلًا في بشارته ألا وهو الإيمان الحق البسيط، فالبساطة ليست هي المعروفة في العالم بالبلادة والخرافة بل هي فكر واحد بسيط فريد


Share

Sunday, January 31, 2016

كيف نخلص







أتى إخوة إلى الأنبا أنطونيوس وقالوا له 

يا أبانا، قُلْ لنا كيف نخلص ؟ 

فقال لهم: هل سمعتم ما يقوله الرب 

فقالوا: من فمك أيها الأب 

فأجابهم قائلاً: مَن لطمك على خدِّك الأيمن حوِّل له الأيسر- متى 5 : 39

 فقالوا له: ما نطيق ذلك

قال لهم: إن لم تطيقوا ذلك، فاصبروا على اللطمة الواحدة 

فقالوا له: ولا هذه نستطيع 

فقال لهم: إن لم تستطيعوا، فلا تجازوا مَن يظلمكم 

فقالوا له: ولا هذا نستطيع

فما كان من القديس إلاَّ أن دعا تلميذه وقال له: أَعْدِد لهم مائدة واصرفهم، لأنهم مرضى. إن هذا لا يطيقون، وذلك لا يستطيعون، ووصايا الرب لا يريدون. فماذا أصنع لهم 

وهكذا نعرف أنفسنا بهذه الطريقة، هل نحن في المسيح حياة النفس وفيه نستطيع كل شيء، ونحبه ونحفظ وصاياه ونراها ليست ثقيلة والروح القدس فينا يلبسنا قوتها، أم لا زلنا لا نحتمل هذا ولا نطيق ذاك 

وهذا يكشف قلوبنا ويواجهنا بما قاله الرسول: جربوا أنفسكم هل أنتم في الإيمان، امتحنوا أنفسكم، أم لستم تعرفون أنفسكم أن يسوع المسيح هو فيكم إن لم تكونوا مرفوضين -  كورنثوس الثانية 13: 5


Share

Thursday, November 5, 2015

لا تدعِ علي أعدائك وتطلب من الله هلاكهم ! ـ القديس يوحنا ذهبي الفم





المستمع القاسي القلب، اذ له مثل هذا الآب السماوي، عليه أن لا يسلك سلوكاً ارضياً، لأن دعوته هي من السماء. لأننا لا ينبغي أن نكون أولاده بالنعمة فقط لكن بأعمالنا أيضاً، ولا شئ يجعلنا متشبهين بالله بقدر أن نمنح غفراناً للأشرار ولكل الذين يسيئون الينا…
 
فكم يستحقون العقاب الذين بعد كل هذا ليس فقط لا يغفرون، بل يدعون الله لكي ينتقم من أعدائهم ! … المحبة هي أصل كل صلاح … ولكي نتخلص من خطايا كثيرة أعطانا الله طريقاً سريعاً وسهلاً، لا يجلب علينا أي متاعب (المغفرة)، فهل يصعب عليك أن تغفر للذي أخطأ اليك ؟! انك لا تحتاج أن تجوب البحار، ولا أن تسافر أسفاراً طويلة، ولا أن تتسلق قمم الجبال، ولا أن تقترض نقوداً، ولا أن تعذب جسدك، بل يكفي فقط أن تبغيها وسوف تُمحَي كل خطاياك

فأي رجاء لك لتخلص ان كنت لا تغفر لعدوك ! بل بالاضافة الي ذلك تصلي الي الله ضده ! لربما تظهر كأنك تصلي بينما انت في الحقيقة تصرخ بصراخ “وحشي” وتحول سهام الشرير الي نفسك ! … فكيف تكون في حاجة الي رحمة الله وتتمسك بغضبك ! بالرغم من انك تعرف جيداً أنك بموقفك هذا تصوب سهام الشرير (الشيطان) الي ذاتك ! متي تصير اذن محباً ؟! ومتي تطرد عنك هذا السم الشرير ؟

اذا يأتي اليك شخص يطلب رحمتك جاثياً علي الارض ثم وقتما انتهي من توسله هذا رأي عدوه قادم فنهض للتو وأخذ يضربه ويهدده ! ألن تغضب منه أكثر مما كنت ؟ … تأمل … فان نفس الأمر يحدث بينك وبين الله ! فبينما أنت تتضرع الي الله، اذ بك تترك تضرعك وتضرب بكلامك عدوك ! بل تفعل أكثر من هذا اذ انك تحرض المُشَرّع (الله) حتي يصب جام غضبه علي الذين يسيئون اليك ! وكأنك لا تكتفي بأن تخالف ناموس الله بل تريد أن يفعل الله نفس الأمر !! هل نسيت كل ما أعلنه لنا !! أتظن أن الله مثل الانسان ؟

لا تقل لي انك لم تغرس اسنانك في جسد الذي أساء اليك، فانك قد فعلت شيئاً سيئاً جداً، وذلك عندما أعلنت رغبتك في أن يسقط فوقه غضب السماء، لأنك تود أن تسلمه لعقاب أبدي ! وتود أن تدمره هو وكل عائلته ! اليس هذا الأمر هو اسوأ من كل اللدغات ؟! أليس هو أكثر الماً من كل النبال ؟! ألم يعلمك المسيح بأن مثل هذه الأمور هي أسوأ من الأفواه الملطخة بالدماء ؟! كيف بعد ذلك تريد أن تقترب من الذبيحة ؟! وكيف لك أن تتذوق دم الرب ؟! فانك عندما تصلي وتقول: “اسحقه ! دمر بيته ! دمره من كل جهة !”، فأنت لم تختلف في شئ عن أي “قاتل” ! ولا اختلفت بشئ عن أي “وحش مفترس” ! ليتنا نوقف هذا المرض وهذا الهوس ! ودعونا نقدم محبة للذين اساءوا الينا، لكي نصير متشبهين بالهنا السماوي

فان كنا نلعن أعدائنا في صلواتنا ! فمن أين ننال رجاء الخلاص ؟ هل سنناله من الخطايا التي نفعلها ؟!! بل ونضيف اليها هذا الهذيان الذي نقوله في الصلاة !! ليتنا نطرد السموم من داخلنا، ونصلي كما يليق بنا. دعونا ننال “هدوء الملائكة” بدلاً من “ضوضاء الشياطين”، ليتنا نلجم غضبنا أمام كل المظالم التي أصابتنا طالما نحتفظ في ذهننا بالأجر الذي سوف ينتظرنا بعد تنفيذ الوصية، ليتنا نكبح جماح الأمواج لكي نقضي الحياة الحاضرة بلا اضطراب حتي نصل الي الرب

ولو كان هذا الأمر نعده ثقيل ومخيف، فدعونا نجعله خفيفاً ومحبوباً، ليتنا نفتح كل الأبواب البهية المؤدية نحوه. حتي ان ما لم نحققه بالكف عن خطايانا يمكننا ان نحققه بأن نصير مسالمين تجاه هؤلاء الذيين يذنبون الينا، وهذا ليس ثقيلاً ولا صعباً، اذ باحساننا الي الأعداء نكون جديرين برحمته الجزيلة علينا. وبفعلنا هذا في هذه الحياة سوف يحبنا الجميع وسيحبنا الله أكثر من الجميع، سوف يحبنا ويكللنا ويجعلنا مستحقين للخيرات العتيدة والتي جميعنا ننالها بنعمة ومحبة ربنا يسوع المسيح الذي له المجد والقوة الي أبد الآبدين.  آمين

من عظات القديس يوحنا ذهبي الفم

    
Share

Saturday, September 12, 2015

يا رب أرفع فأسك


إنه تواضع منك يا رب أن تدعوني إبنًا. تواضع منك ومحبة، أن تسميني إبناً. لأن أعمالي لا تدل على هذا، وأنت قد قلت: مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. هَلْ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ عِنَبًا، أَوْ مِنَ الْحَسَكِ تِينًا؟ هكَذَا كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تَصْنَعُ أَثْمَارًا جَيِّدَةً، وَأَمَّا الشَّجَرَةُ الرَّدِيَّةُ فَتَصْنَعُ أَثْمَارًا رَدِيَّةً، لاَ تَقْدِرُ شَجَرَةٌ جَيِّدَةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا رَدِيَّةً، وَلاَ شَجَرَةٌ رَدِيَّةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا جَيِّدَةً. كُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ. فَإِذًا مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. متى 7: 16 - 20

فماذا تصنع الشجرة التي ليس لها ثمر قدامك؟! وماذا؟! يصنعون بها

أخشى ما أخشاه هو قول عبدك يوحنا المعمدان: وَالآنَ قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ، فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ. متى 3: 10

لا يا رب.. لا، ارفع فأسك قليلاً عن أصل الشجرة.. يَا سَيِّدُ، اتْرُكْهَا هذِهِ السَّنَةَ أَيْضًا، حَتَّى أَنْقُبَ حَوْلَهَا وَأَضَعَ زِبْلاً. فَإِنْ صَنَعَتْ ثَمَرًا، وَإِلاَّ فَفِيمَا بَعْدُ تَقْطَعُهَا. لوقا 13: 8 - 9. أعطها فرصة أخرى لتصنع توبة. صدقني يا أبي السماوي، إن أبوتك وإن كانت تشرفني كثيرًا، إلا أنها تخجلني بالأكثر أمام ضميري. كلما أقول لك يا أبانا، أتذكر من أنا، ومن أنت الذي في السموات، فتذوب نفسي في داخلي، وتنسحق في التراب والرماد

أنا يارب مكسوف منك. أنت عاملتني بطريقة أخجلتني أمام نفسي. إنني أخجل من أن أخطئ إليك مرة أخرى.. نُبلك يخجلني

أنا يا رب مكسوف منك. خجلان. لا أعرف كيف أرفع وجهي إليك. وكيف أتجرأ وأعود فأخاطبك، :كأن شيئًا لم يحدث. صدقني يا رب، إنني خجلان من محبتك، التي تسمح الآن بأن تسمع لي، وتقبلني مصليًا. محبتك التي ترضى بأن تصطلح معي، بهذه السهولة

أنا يارب في خجل أن أطلب، على الرغم مما أقترفته من خطايا! استحي من الطلب، وقد خالفت الكثير من وصاياك، وقصّرت في واجباتي من نحوك. ولم تعد لي دالة أطلب بها شيئًا. الخجل يغطي وجهي، وتذكر خطاياي يعقد لساني عن الطلب. أنت تعرف يا رب كل شيئ. وأيضًا كيف أطلب شيئًا جديدًا، وأنا لم أشكر على عطاياك السابقة.. آمين

Share

Thursday, August 27, 2015

فضائل في حياة العذراء مريم


لنيافة الأنبا موسى - الاسقف العام للشباب

بنت السيدة العذراء حياتها على فضائل أساسية وبدونها صعب أن يخلص الإنسان، أو أن يكون له حياة أبدية، أو يقتني المسيح في أحشائه كما اقتنته السيدة العذراء في أحشائها، وهذه الفضائل الأربعة هي

فضيلة النعمة
فضيلة الحوار
فضيلة الاتضاع
فضيلة التسليم


فضيلة النعمة

قال لها الملاك: "سلام لك أيتها الممتلئة نعمة" كلمة (نعمة = خاريس).. أصل الكلمة يقصد "فعل الروح القدس".. فعندما يملأ روح الله الإنسان يملأه من النعمة

ما معنى؟ يملأه نعمة

أي يفعل فيه فعلاً إلهياً مقدساً ومكرساً ومدشناً هذا الإنسان، فيصبح هذا الإنسان مكان وهيكل لسكنى الروح القدس

أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم.. إذن النعمة هي عمل الروح القدس.. فالعذراء وهي طفلة في الهيكل.. فتحت قلبها لعمل الروح القدس، لذا كان طبيعياً أن يحل فيها الروح القدس

وهنا أريد أن أسألكم أحبائي الشباب، ما مدى؟ شبعي بوسائط النعمة

فالسيدة العذراء: في الهيكل إما أن تصلي أو تقرأ.. أو تخدم الذبيحة بطريقة ما، هذه الثلاث وسائط التي تملأنا نعمة. نصلي كثير.. نقرأ الإنجيل كثير.. نتحد بذبيحة الأفخارستيا، هذه هي النعمة وسكنى الروح القدس والمصاحبة الربانية للإنسان

ألا يقال أنه: "يوجد صديق ألزق من الأخ" المسيح يحب أن يكون صديق لنا وساكن بداخلنا، والمسيح لا يسكن بداخلنا إلا بعد أن يملأنا بالنعمة أولاً.. ألم يسكن داخل العذراء بعد أن ملأها نعمة

وهكذا فأنت عندما تصلي تتغذى، لأن الصلاة تماماً كالحبل السري للجنين في بطن أمه، لولا هذا الحبل السري يموت الجنين.. وأيضاً يوجد بيننا وبين الله حبل سري

فالله يسكب دمه الإلهي ويسكب نعمته في أحشائنا، الله يعمل فينا من خلال نسمة الحياة التي هي الصلاة، فالصلاة هي الأكسجين أو الغذاء

يقول الكتاب: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.. بل بكل كلمة تخرج من فم الله

إذن الذي لا يقرأ الكتاب المقدس يجوع... ومن يجوع يموت... الخبز للجسد كالكتاب المقدس للنفس، ومثلما الخبز يشبع الجسد وأساسي لحياته، كذلك الكتاب المقدس أساسي لشبع النفس

في الصلاة نشبع بالسمائيات، وفي الكتاب المقدس نشبع بكلمة الله.. وجد كلامك فأكلته فكان كلامك كالشهد في فمي

ونتغذى أيضاً من خلال الأسرار المقدسة "لأن من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ وأنا فيه" الصلاة خبز والكتاب خبز والتناول خبز

والإنسان يشبع من خلال هذه الثلاثة أنواع من الخبز الروحاني


فضيلة الحوار

لم يكن هناك تعامل مع الله على أنه ساكن بالسموات، ونحن هنا على الأرض وبيننا وبين الله مسافة كبيرة، ولكن السيدة العذراء أحست أن الله أباها، وبدأت تقيم حواراً معه، فحتى عند بشارة الملاك لها بأنها ستحبل وتلد أبناً كانت تستطيع أن تصمت على الأقل خوفاً ورهبة، ولكنها بدأت تسأل: "كيف يكون لي هذا؟" وكان رد الملاك لها محاولاً أن يوضح لها ويفسر ذلك... "الروح القدس يحل عليك وقوة العلى تظللك..." وكان سؤال العذراء استفساري في حوار بنوي، وليس حوار فيه روح الشك، فالعذراء كان بينها وبين الله دالة، ما أحلى أن تكون موجودة بينك وبين ربنا يسوع هذه الدالة البنوية

نحن لا نريد أن نتكلم والله يسمع فقط، ولكن الله أيضاً يتكلم وأنت تسمع "تكلم يارب فإن عبدك سامع" بيننا وبين ربنا حوار.. مناجاة.. محادثة

ولنتأمل يا أحبائي في قصة السامرية.. 8 مرات يسألها الرب يسوع وتجيبه هي، وتسأله السامرية ويجيبها رب المجد... فالله لا يسكن في الأعالي ويتركنا، ولكن هو يريدنا أن نتحدث معه دائماً وأن نسمعه "هلم نتحاجج يقول الرب" نريد أن نتعلم الحوار مع الله، وداود يقول إني أسمع ما يتكلم به الرب الإله


فضيلة التواضع

عندما أعلن لها الملاك أنها ستكون أم لله كان ردها "هوذا أنا آمة الرب" آمة.. عبدة.. خادمة.. تواضع لا مثيل له من السيدة العذراء، تواضع حقيقي.. نعم فأنت تضع فيّ يا رب وتعطيني من محبتك، ولكن ما أنا إلا خادمة.. هل عندنا هذا التواضع الذي يحول الأم إلى آمة؟ كلما أنكسر الإنسان أمام الله كلما أنتصر على التجارب، فالانكسار أمام الله، هو طريق الانتصار، من يتواضع يرفعه الله.. أنزل الأعزاء عن الكراسي ورفع المتواضعين

وكانت السيدة العذراء كلها وداعة، وكلها تواضع، فهي سمة ظاهرة جداً في حياة السيدة العذراء


فضيلة التسليم

كانت هذه الفضيلة عجيبة ومؤثرة "ليكن لي كقولك"، تسبب لكِ متاعبِ.. يشك فيك يوسف.. لتكن مشيئتك يا رب، ربنا تدخل وأفهم يوسف

ولكن أين كانت الولادة؟ لا بيت ولا فندق ولا حتى غرفة حقيرة.. إنه مزود حيوانات.. لتكن مشيئتك يارب، وها هم المجوس في زيارة المولود، يقدم المجوس ذهباً ولباناً ومراً.. إذن لماذا الألم يارب؟ إنها رحلة صليب.. لتكن مشيئتك يارب، ويأتي سمعان ويقول: "أنه وضع لقيام وسقوط كثيرين في إسرائيل ولعلامة تقاوم" لتكن مشيئتك يارب إنه كنز العذراء، وحتى عند تعذيب اليهود له، وعند صعوده على الصليب

كان التسليم عجيباً.. أما العالم فيفرح لقبوله الخلاص وأما أحشائي فتلتهب عند نظري إلى صلبوتك، الذي أنت صابر عليه من أجل الكل يا أبني وإلهي

هل سألته لمن تتركني؟ من ينساها... إنه تسليم في كل مراحل الحياة.. لتكن مشيئتك

هل نحن نفعل ذلك أن نقول: "ليكن لي كقولك" تأملوا في هذه العبارة.. لست تفهم الآن ماذا اصنع ولكن ستفهم فيما بعد

يا أحبائي.. أمام السيدة العذراء نذوب حباً وخجلاً من أنفسنا، ونشعر بالنورانية الحلوة التي تشع من وجهها، وننظر إلى سيرتها العطرة فنتمثل بإيمانها


Share

Wednesday, July 29, 2015

صلوا بلا انقطاع


على الإنسان أن يُردّد على الدوام صلاة
"ياربي يسوع المسيح إبن اللّه إرحمني أنا الخاطئ"
سواءٌ في اثناء عمله أو سَيرِه أو أكلِه أو راحتِه، حتّى يتغلغل اسم ربنا يسوع المسيح في أعماق القلب، ويحطّم كبرياء الحية القديمة الرابضة في الداخل لإنعاش الروح

لذلك داوم بلا إنقطاع على ترديد إسم الربّ يسوع حتى يحتضن قلبك فيصير الاثنان واحداً

القديس يوحنا الذهبي الفم


Share

Friday, July 3, 2015


صوم الرسل - كلمة منفعة للمتنيح قداسة البابا شنوده الثالث





        
لا يستهن أحد بصوم آبائنا الرسل، فهو أقدم صوم عرفته الكنيسة المسيحية في كل أجيالها وأشار إليه السيد بقوله "ولكن حينما يرفع عنهم العريس فحينئذ يصومون". وصام الآباء الرسل، كبداية لخدمتهم. فالرب نفسه بدأ خدمته بالصوم، أربعين يومًا على الجبل

صوم الرسل إذن، هو صوم خاص بالخدمة والكنيسة.قيل عن معلمنا بطرس الرسول إنه صام إلى أن " جاع كثيرًا واشتهى أن يأكل" (أع 10: 10) وفي جوعه رأى السماء مفتوحة، ورأى رؤيا عن قبول الأمم. 
وكما كان صومهم مصحوبًا بالرؤى والتوجيه الإلهي، كان مصحوبًا أيضًا بعمل الروح القدس وحلوله. ويقول الكتاب: "وبينما هم يخدمون الرب ويصومون، قال الروح القدس أفرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه. فصاموا حينئذ وصلوا، ووضعوا عليهما الأيادي، ثم أطلقوهم. فهذان إذ أرسلا من الروح القدس، انحدرا إلى سلوكية."  -  أع 13: 2-4 
       
        أمور هامة، تميز بها صوم آبائنا الرسل، منها: الصوم، والصلاة، والخدمة، وعمل الروح القدس. ويسرنا أن يعمل الروح القدس خلال الصوم وأن تأتى الدعوة الإلهية خلال الصوم وأن تتم سيامة الخدام أثناء الصوم    
      أيضًا.. وأن يبدأ الخدام بالصوم، قبل البدء بالخدمة..
        

هناك أصوام خاصة بالتوبة، مثل صوم أهل نينوى، ومثل أصوام التذلل التي تكلم عنها سفر يوئيل. وأصوام لإخراج الشياطين، كما قال الرب إن هذا الجنس لا يخرج بشيء إلا بالصلاة والصوم.
        

وأصوام نصومها قبل كل نعمة نتلقاها من الرب، كالأصوام التي تسبق الأسرار المقدسة كالمعمودية والميرون والتناول والكهنوت.أما صوم الرسل فهو من أجل الخدمة والكنيسة، على الأقل لكي نتعلم لزوم الصوم للخدمة، ونفعه لها

        
نصوم لكي يتدخل الله في الخدمة ويعينها. ونصوم لكي نخدم ونحن في حالة روحية. ونصوم شاعرين بضعفنا.. 
        كم اشتهينا مجيء هذا الصوم، خلال الخمسين المقدسة




Share

Wednesday, June 17, 2015

الصليب




الصليب في حياة المسيح ليس حادثة عرضية بل غاية، جاء وتجسد من أجلها، ونهجًا شمل حياته كلها جاعلًا من الصليب كأسه المفضل وطاعته العظمى للآب، وبرهان حبه الأبدي للإنسان كل الإنسان، نقض به ناموس الخطيئة وبَّرر به الخطاة، وظفر به على قوات الظلمة، وقتل به العداوة، وجمع تحت لوائه شمل الإنسان كل البعيدين والقريبين، كرعية مع القديسين وأهل بيت ربنا

الأنبا ياكوبوس أسقف الزقازيق ومنيا القمح
29 مايو 1977 م - 19 نوفمبر 2008 م




نستطيع أيضًا في جرأة الإيمان أن نقول أنه ليس من بين أعمال الله كلها عمل بلغ في قوته، بل في شموله، بل في مجده، بل في سلطانه، بل في غايته، مثلما بلغ الصليب!

لأنه رفع الخليقة كلها من دائرة العصيان إلى الصفح الكلى والمصالحة، من الرفض إلى القبول والاختيار، من العبودية إلى البنوة والميراث مع المسيح في الله!!

والصليب مذخر فيه كل مجد الله بل وكل مجد الإنسان. فمن أدرك سر المسيح المصلوب وآمن بالإله المهان، انكشف له السر وانقلب تجديفه إلى دموع وهتاف، وعثرته إلى إيمان وشهادة، وتجلى له الصليب كمصدر وحيد للحق والمعرفة والخلاص

آلاف من المعجزات عملها الله في القديم وعملها المسيح في الإنجيل وكلها معجزات للإنسان، أما الصليب فهو معجزة الله..!

"إذ عرفنا بسر مشيئته حسب مسرته التي قصدها في نفسه لتدبير ملء الأزمنة ليجمع كل شيء في المسيح ما في السموات وما على الأرض في ذاك" - أف1: 9، 10

والصليب في حياة المسيح ليس حادثة عرضية بل غاية، جاء وتجسد من أجلها، ونهجًا شمل حياته كلها جاعلًا من الصليب كأسه المفضل وطاعته العظمى للآب، وبرهان حبه الأبدي للإنسان كل الإنسان، نقض به ناموس الخطيئة وبَّرر به الخطاة، وظفر به على قوات الظلمة، وقتل به العداوة، وجمع تحت لوائه شمل الإنسان كل البعيدين والقريبين، كرعية مع القديسين وأهل بيت الله.

لقد حول المسيح صورة الصليب الذي عرفناه يوم الجمعة، صليب الخشب الثقيل الذي لم يقوى هو على حمله فسقط تحت ثقله، الصليب الذي بدا أمام أحبائه كريهًا مشئومًا، والذي تراءى لأعدائه ذلًا وشماتة، وكان بالنسبة للناموس لعنة وعارًا، هذا صار لنا من أجل يسوع وفى يسوع شركة سعادة أبدية ومصدر راحة وسرور وافتخار، وكلما ازدادت الآلام من أجل شهادة يسوع ازدادت رؤية الصليب نورًا وازدادت الحياة قوة وعزاءًا، وارتفع الصليب من التاريخ لينغرس في عمق أعماق الضمير.

وتكريم الصليب نابع من كرامة القيامة، لأن الموت الذي باشره الرب على الصليب، أثمر قيامة وبالتالي مجدًا. فيكون الصليب باختصار هو سبب المجد!!

وفى هذا يصف القديس يوحنا في إنجيله – الصليب بالمجد قائلًا في موضوع انسكاب الروح: "لأن يسوع لم يكن قد مُجِدَّ بعد" - يو7: 39

مشيرًا بذلك الى الصليب، والمسيح نفسه سمَّى الصليب ارتفاعًا: "وأنا إن ارتفعت أجذب إلىَّ الجميع. قال هذا مشيرًا إلى أية ميتة كان مزمعًا أن يموت
"
  يو12: 32، 33 

إذًا فحق لنا أن نهتف بملء أفواهنا: السلام للصليب مصدر كل ارتفاع ومجد!! فإن كان الصليب هو أقصى صورة للاتضاع والمذلة، فهو قد صار أعظم واسطة للارتفاع والمجد.

كتاب رؤية كنسيّة آبائية: الصليب في المسيحية - الأنبا ياكوبوس



Share

Sunday, April 26, 2015

المسيح القائم يعمل لأجلنا - لقداسة البابا شنوده الثالث







قام المسيح، لأنه ما كان ممكنًا للموت أن ينتصر عليه، كان يحمل في ذاته قوة قيامته. لذلك هو الوحيد بين الذين قاموا من الأموات، الذي قام بذاته، ولم يقمه أحد

قام، وفي قيامته، أعطى للبشرية نعمة القيامة، حينما يسمع الذين في القبور صوته - يو 5: 29

قام منتصرًا، وداس الموت، ليقودنا أيضًا في موكب نصرته. ولكي يعطينا عدم الخوف من الموت، حتى يقول رسوله فيما بعد "أين شوكتك يا موت؟!" - 1 كو 15: 55

إن الله الذي سمح أن يدخل الموت إلي طبيعتنا، سمح أيضًا برحمته أن تدخل القيامة إلي طبيعتنا

وكما خلق الإنسان من تراب، وبالخطيئة أعاده إلي التراب، هكذا سمح بالقيامة، أن يحول هذا التراب إلي جسد مرة أخري، ولكن في طبيعة أفضل

لقد قال قبل صلبه "أبي يعمل حتى الآن، وأنا أيضًا أعمل". وهوذا بعد القيامة يستمر في عمله، ليس فقط في إراحة النفوس المتعبة، وتقوية الركب المخلعة، وإنما أيضًا في إعداد تلاميذه للخدمة، لتسليم العبء الكبير الذي سيلقي عليهم، ليكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها
هكذا كان المسيح يعمل بعد القيامة، لأجل الرعاية

وأعطي الرب للتلاميذ بقيامته روح الفرح. وكان قد قال لهم قبل صلبه "أراكم فتفرح قلوبكم، ولا يستطيع أحد أن ينزع فرحكم منكم". وقد كان، وتخلصوا من الخوف والاضطراب، و"وفرح التلاميذ إذ رأوا الرب" - يو 20: 20

وعملت روح القيامة فيهم، ومنحتهم قوة، فشهدوا لها

وكانوا يكرزون بقيامة الرب من الأموات في كل مناسبة

وهؤلاء الذين كانوا خائفين ومختبئين في العلية ظهروا في جرأة، وملأوا الدنيا تبشيرًا، ولم يعبأوا بتهديد رؤساء اليهود، بل قالوا لهم "ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس"

"وكان الرب كل يوم يضم إلي الكنيسة الذين يخلصون" - أع 2: 47  "وبقوة عظيمة كان الرسل يؤدون الشهادة بقيامة الرب يسوع. ونعمة عظيمة كانت علي جميعهم" - أع 4: 23

وكما مكث الرب مع موسى علي الجبل أربعين يومًا، ليسلمه الشريعة، ويسلمه مثال خيمة الاجتماع وكل محتوياتها، هكذا مكث الرب مع تلاميذه أربعين يومًا، يتكلم معهم فيها "عن الأمور المختصة بملكوت الله"

حقًا للهدوء والتأمل والخلوة وقت، ولخدمة الآخرين وقت

لقد مكث السيد المسيح مع الآب أربعين يومًا في خلوة روحية، وأيضًا أربعين يومًا أخري قضاها مع تلاميذه يعلمهم ويثبت إيمانهم. وفي تلك الفترة سلمهم العقيدة وكل تفاصيل الإيمان، وأسرار الكنيسة وكيف يمارسونها، وكل الترتيبات الخاصة بالعبادة .. وأصبحت قيامة الرب مركز فرح التلاميذ وموضوع كرازتهم

إنها فترة في التسليم والتعليم والتفهيم

وفيما بعد ظهر للقديس بولس أيضًا، الذي قال عن سر الافخارستيا "تسلمت من الرب ما سلمتكم أيضًا.." - 1 كو 11: 23
وهكذا تتابعت عملية التسليم، من الرب لتلاميذه، لتلاميذهم

الرب سلم بولس. وماذا فعل بولس؟ إنه يقول لتلميذه تيموثاوس "وما سمعته مني بشهود كثيرين، أودعه أناسًا أمناء، يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضًا" -2  تي 2: 2

وهكذا بعد أن علم تلاميذه، قال لهم قبل صعوده "اذهبوا اكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها."- مر 16: 15   "تلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس، وعلموهم جميع ما أوصيتكم به."  -  متى 28: 19، 20 

وهكذا كما سلمهم التعليم، سلمهم التعميد أيضًا

والتعليم والتعميد، لم يأمر بهما الشعب كله، إنما هو تكليف خاص بتلاميذه فقط، انتقل منهم إلي خلفائهم الأساقفة، الذين سلموه بدورهم إلي أناس أمناء أكفاء، وليس إلي عامة الشعب. إنه عمل من أعمال الكهنوت، يقوم به رجال الإكليروس

وهكذا قبل أن يسلمهم التعليم والتعميد، سلمهم الكهنوت، ومع الكهنوت سلمهم سلطان مغفرة الخطايا

وهكذا يشرح لنا إنجيل يوحنا، كيف أن الرب ظهر لتلاميذه. دخل والأبواب مغلقة، وقال لهم "سلام لكم. كما أرسلني الآب أرسلكم أنا. ولما قال هذا نفخ (في وجوههم) وقال لهم: اقبلوا الروح القدس. من غفرتم خطاياه، تغفر له، ومن أمسكتم خطاياه، أمسكت." - يو 20: 19-23

إن منح الروح القدس لسلطان الكهنوت ومغفرة الخطايا، غير منح الروح القدس في يوم الخمسين، الذي منح التلاميذ موهبة التكلم بألسنة وقوة علي الكرازة والتبشير


من كتاب تأملات في القيامة - البابا شنوده الثالث



Share

Facebook Comments

Twitter

I Read

Word of the Day

Quote of the Day

Article of the Day

This Day in History

Today's Birthday

In the News