Friday, April 1, 2016

احد الابن الضال - القمص تادرس يعقوب ملطي





  الفصل 15

لوقا 15 : 11 - 32 
 
وقال : إنسان كان له ابنان 

فقال أصغرهما لأبيه : يا أبي أعطني القسم الذي يصيبني من المال . فقسم لهما معيشته 

وبعد أيام ليست بكثيرة جمع الابن الأصغر كل شيء وسافر إلى كورة بعيدة ، وهناك بذر ماله بعيش مسرف 

فلما أنفق كل شيء ، حدث جوع شديد في تلك الكورة ، فابتدأ يحتاج 

فمضى والتصق بواحد من أهل تلك الكورة ، فأرسله إلى حقوله ليرعى خنازير 

وكان يشتهي أن يملأ بطنه من الخرنوب الذي كانت الخنازير تأكله ، فلم يعطه أحد 

فرجع إلى نفسه وقال : كم من أجير لأبي يفضل عنه الخبز وأنا أهلك جوعا 

أقوم وأذهب إلى أبي وأقول له : يا أبي ، أخطأت إلى السماء وقدامك 

ولست مستحقا بعد أن أدعى لك ابنا . اجعلني كأحد أجراك 

فقام وجاء إلى أبيه . وإذ كان لم يزل بعيدا رآه أبوه ، فتحنن وركض ووقع على عنقه وقبله 

فقال له الابن : يا أبي ، أخطأت إلى السماء وقدامك ، ولست مستحقا بعد أن أدعى لك ابنا 

فقال الأب لعبيده : أخرجوا الحلة الأولى وألبسوه ، واجعلوا خاتما في يده ، وحذاء في رجليه 

وقدموا العجل المسمن واذبحوه فنأكل ونفرح 

لأن ابني هذا كان ميتا فعاش ، وكان ضالا فوجد . فابتدأوا يفرحون 

وكان ابنه الأكبر في الحقل . فلما جاء وقرب من البيت ، سمع صوت آلات طرب ورقصا 

فدعا واحدا من الغلمان وسأله : ما عسى أن يكون هذا 

فقال له : أخوك جاء فذبح أبوك العجل المسمن ، لأنه قبله سالما 

فغضب ولم يرد أن يدخل . فخرج أبوه يطلب إليه 

فأجاب وقال لأبيه : ها أنا أخدمك سنين هذا عددها ، وقط لم أتجاوز وصيتك ، وجديا لم تعطني قط لأفرح مع أصدقائي 

ولكن لما جاء ابنك هذا الذي أكل معيشتك مع الزواني ، ذبحت له العجل المسمن 

فقال له : يا بني أنت معي في كل حين ، وكل ما لي فهو لك 

ولكن كان ينبغي أن نفرح ونسر ، لأن أخاك هذا كان ميتا فعاش ، وكان ضالا فوجد

والمجد لله دائماً أبدياً، آمين   

تفسير انجيل القداس 

لقدس الاب الموقر
 - القمص تادرس يعقوب ملطي
  
 مثل الابن الضال
 
يُدعى "مثل الابن الناصح" أو "مثل الأب المحب"، لأنه بقدر ما يكشف عن جفاف قلب الابن الهارب من وجه أبيه المحب يشتاق الأب إلى عودته، ليستقبله بالقبلات، دون عتاب أو جرح لمشاعره، بينما وقف أخوه خارجًا في تذمر من أجل محبَّة الأب له
"وقال: إنسان كان له ابنان
فقال أصغرهما لأبيه
يا أبي أعطني القسم الذي يصيبني من المال 
فقسم لهما معيشته
وبعد أيام ليست بكثيرة جمع الابن الأصغر كل شيء
وسافر إلى كورة بعيدة
وهناك بذر ماله بعيش مسرف" [11-13]
 
في المثلين السابقين لم يكتفِ السيِّد المسيح بالكشف عن علاقة الله بالإنسان، إذ يبحث الله عنه كالراعي نحو خروفه الضال أو كالمرأة التي تضيء السراج وتنقب البيت وتفتشه من أجل الدرهم المفقود، وإنما كشف أيضًا عن علاقة السمائيين بنا. ففي المثل الأول ظهروا كتسعة وتسعين خروفًا لا يكمل عددهم إلا بعودتنا حيث تفرح السماء بخاطئ واحد يتوب، وكتسعة دراهم تكمل بنا نحن الدرهم المفقود. أما في المثل الذي بين أيدينا فيقدَّم صورة مُرّة لعلاقة الإنسان بأخيه، فيظهر الأخ الأكبر بالرغم مما يبدو عليه من تعقل وأمانة في العمل، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يتقبل أخاه الراجع إلى بيت الآب، بل يقف موقف الناقد لأبيه على اتساع قلبه للابن الراجع إليه. على أي الأحوال ظهور ابنين في المثل يكشف عن أمور كثيرة نذكر منها

أولًا: لا يمكن الحكم على أحد مادام لا يزال في طريق الجهاد. فقد ظهر الأصغر في بدء حياته إنسانًا محبًا للملذّات، عنيفًا في معاملاته، إذ يطالب أباه بالميراث وهو بعد حيّ، مبددًا للوزنات غير أمين فيما بين يديه... لكنه يرجع بالتوبة إلى الأحضان الأبويَّة ليظهر لابسًا الثوب الجديد وخاتم البنوة وحذاء في قدَّميه ومتمتعًا بالوليمة في بيت أبيه. أما الآخر فقد بدأ حياته إنسانًا لطيفًا في معاملاته، يخدم والده، ولا يطلب أجرة يبقى في بيت أبيه، لكنه يختم حياته بالوقوف خارجًا ينتقد أباه على حبه، ويغلق قلبه نحو أخيه، فيفقد سلامه الداخلي وفرحه ليعيش بقلب مناقض لقلب أبيه.

ثانيًا: يبدو أن البعض ظن أن الابنين يشيران إلى الطغمات الملائكيَّة والجنس البشري فالابن الأكبر يشير إلى الملائكة القدِّيسين الذين يعيشون بتعقل والأصغر يشير إلى الجنس البشري الذي ترك بيت أبيه بالعصيان وقد عاد مرة أخرى خلال التوبة. وقد رفض القديس يوحنا الذهبي الفم هذا الرأي، قائلًا: [إن الابن الأكبر قد ثار عند عودة أخيه وسلامه بينما يقول الرب: يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب.] ويقول القديس كيرلس الكبير: [إن أشرنا للابن المستقيم بكونه الملائكة القدِّيسين لا نجد الحديث مناسبًا، ولا يحمل مشاعرهم نحو الخطاة التائبين، الذين يتحولون من الحياة الدنسة إلى السلوك المستحق للإعجاب، إذ يقول الرب مخلِّص الجميع: "يكون فرح في السماء أمام الملائكة القدِّيسين بخاطئ واحد يتوب" (راجع لو 15: 7). وأما الابن (الأكبر) المذكور في المثل الذي أمامنا، وإن كان مقبولًا لدى أبيه، ويسلك في حياة بلا لوم لكنه يعود فيظهر غاضبًا ومتماديًا في عدم محبَّته والظهور بلا إحساس، حاسبًا أن أباه مخطئًا لإظهار مشاعر الحب الطبيعيَّة نحو ذاك الذي خلص... هذا مُغاير لمشاعر الملائكة القدِّيسين، الذين يفرحون ويمجدون الله عندما يرون سكان الأرض يخلصون. فعندما خضع الابن لكي يولد من امرأة حسب الجسد في بيت لحم حملوا الأخبار المفرحة للرعاة، قائلين: "لا تخافوا، فها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب، أنه ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلِّص هو المسيح الرب" (2: 11). وإذ توجوا بالمديح والحمد لذاك الذي ولد، قالوا: "المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبين الناس الإرادة الصالحة"]

أما التفسير الذي قبله غالبية الآباء فهو أن الابنين يشيران إلى البشريَّة من جهة علاقتها بالله، فقد انقسمت إلى فريقين: اليهود والأمم. الابن الأكبر يمثل الشعب اليهودي الذي يُحسب بكرًا في معرفة الله، إذ قبل المواعيد الإلهيَّة والناموس والنبوات قبل سائر الأمم، والابن الأصغر يمثل الأمم التي لم تكن لها علاقة صادقة مع الله بل بددوا عطايا الله (الناموس الطبيعي) كما في عيش مسرف خلال الانغماس في عبادة الأصنام والرجاسات الوثنية، لكن عادت الأمم إلى الله ليصير الآخرون أولين، بينما تأخر اليهود خلال حسدهم للأمم ووقفوا خارج بيت الإيمان جاحدين الله وناقدين محبَّته للأمم

يرى القديس كيرلس الكبير أن الابن الأكبر لا ينطبق على اليهود، لأن اليهود لم يسلكوا حياة مستقيمة، بل كثيرًا ما انحرفوا إلى العبادة الوثنية وانغمسوا في رجاساتها، وقد جاء في إرميا: "ماذا وجد فيَّ آباؤكم من جور حتى ابتعدوا عني، وساروا وراء الباطل، وصاروا باطلًا؟!" (أر 2: 5)، وفي إشعياء: "هذا الشعب قد اقترب إليّ بفمه، وأكرمني بشفتيه، وأما قلبه فأبعده عني، باطلًا يخافونني، وصيَّة الناس مُعلمة" (إش 29: 13) . لهذا يرى القديس كيرلس الكبير أن الابن الأكبر ينطبق بالأكثر على جماعة الفرِّيسيِّين الذين يفتخرون أنهم يسلكون بالبرّ حسب الناموس، لكنهم في كبرياء يرفضون حب المخلِّص للخطاة والعشارين، عوض الفرح والبهجة بخلاصهم

ثالثًا: كان الابن الأصغر متجاسرًا، إذ طلب نصيبه من الميراث ووالده لا يزال حيًا، أراد أن يتمتع بنصيبه بخروجه خارج بيت أبيه، حاسبًا الارتباط ببيت أبيه هو مذلة وعبوديَّة وقيد، يجب التحرَّر منه، ليعيش حسب إرادته الذاتيَّة وهواه، فإذا به ينفق ماله في عيش مسرف

يا للعجب فإن الإنسان الذي وهبه الله، أبوه السماوي، عطيَّة الإرادة الحرة، كأعظم هبة يستخدمها ضد الله نفسه، فيحسب هذه الحريَّة لن تتحقَّق إلا بالعصيان والخروج عن دائرة طاعة الله ومحبَّته والتمثل بإرادته!
 
النصيب الذي بدده الأممي في عيش مسرف هو الناموس الطبيعي الذي أساء استخدامه، إذ يقول الرسول بولس عن الأمم: "لأنهم لما عرفوا الله لم يمجدوه أو يشكروه كإله، بل حمقوا في أفكارهم، وأظلم قلبهم الغبي، وبينما هم يزعمون أنهم حكماء صاروا جهلاء" (رو 1: 21-22). أما اليهودي فنال نصيبًا أعظم ليبدده، إذ لم يسئ استخدام الناموس الطبيعي فحسب، وإنما أيضًا الناموس الموسوي، فعوض أن يقوده للتوبة والاشتياق نحو المخلِّص للتمتع بالخلاص الأبدي سقط في الكبرياء وحسب نفسه أفضل من غيره فلم يدخل الملكوت ولا ترك الآخرين يدخلون. وأما المسيحي الساقط في البر الذاتي فهو أبشع من الاثنين لأنه إذ يتمتع ببركات جديدة وعطايا إلهيَّة فائقة يستغلها للشر. وكما يقول القديس أمبروسيوس: [قد بددنا ميراث كرامتنا الروحيَّة التي نلناها في الملذّات الأرضية.] على أي الأحوال، يفتح ربَّنا يسوع خلال هذا المثل أبواب الرجاء للجميع، فإن كنا قد بددنا العطايا الطبيعيَّة أو أخطأنا في حق الوصيَّة أو النعمة المجانية، لا يزال الله ينتظرنا فاتحًا ذراعيه ليتقبلنا كأولاد له نعود إلى بيت أبينا
 
في شيء من التوضيح نقول إن كان الإنسان قبل الناموس تمتع أيضًا ببعض الدوافع والغرائز الطبيعيَّة كالحب والخوف والغضب والأبوة أو الأمومة، إنما لتعمل لبنيان الإنسان في الرب، فيكون قادرًا على محبَّة الله والخوف من الشر والغضب ضد الإثم وممارسة الوالديَّة لبنيان أبنائنا روحياُ واجتماعيًا ونفسانيًا. فإذ ينحرف الإنسان، عوض حب الله يحب ملذّاته الجسديَّة، ويتحول الحب إلى شهوة جسديَّة. حتى في محبَّته للغير يتقوقع حول "الأنا"، فيطلب ما لجسده أو لذاته تحت ستار الحب، كما فعلت امرأة فوطيفار التي ظنت أنها أحبت يوسف جدّا. فأسلمته للسجن حين رفض تقديم الملذّات لجسدها. وأيضًا ما فعله أمنون بأخته التي مرض جدّا بسبب حبه لها، وإذ سقط معها، أذلها وطردها، إذ أبغضها للغاية. وما نقول عن الحب ينطبق على كل الدوافع الطبيعيَّة، كأن يتحول خوفنا من الشر إلى خوف من الناس وجبن من أحداث المستقبل وقلق وارتباك إلخ
 
ونحن إذ قبلنا الإيمان وصارت لنا عطايا إلهيَّة فائقة، صارت إمكانياتنا أعظم. لكن أن أهملناها يكون السقوط أبشع! لذا فسقوط المؤمن في الخطيَّة غالبًا ما يكون أكثر خطرًا من سقوط غير المؤمن، لأنه يسيء استخدام العطايا التي للبنيان، محولًا إيَّاها للهدم
 
نعود إلى هذا الابن لنراه هاربًا من بيت أبيه، حاسبًا في هذا تمتعًا بالحريَّة، وكما يقول القديس أمبروسيوس: [من يبتعد عن الكنيسة يبدد ميراثه
 
ويقول الشهيد كبريانوس: [من يبقى خارج الكنيسة فهو خارج معسكر المسيح.] [من ليس له الكنيسة أمًا، لا يقدر أن يكون الله أباه!]

رابعًا: يقول: "وسافر إلى كورة بعيدة" [13]. ما هي هذه الكورة البعيدة التي يمكن للإنسان أن يهرب إليها إلا "الأنا"؟ فينطلق الإنسان في كمال حريته بغباوة من الحياة السماويَّة، التي هي "الحب"، إلى الأنانية حيث يتقوقع حول ذاته، فيصير كمن هو في كورة بعيدة، لا عن الله فحسب، بل وعن الناس، وعن محبَّته لخلاص نفسه. خلال "الأنا" يفقد الإنسان التصاقه الداخلي بالكل، حتى وإن ظهر في أعين الآخرين اجتماعيًا ولطيفًا وسخيًا في العطاء! "الأنا" هي انغلاق داخلي محكم، يحبس فيه الإنسان نفسه وحيويته، ليفقد إنسانيته، ويعيش في عزلة داخليَّة حتى عن أولاده وأهل بيته!
 
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يسافر الابن الأصغر إلى كورة بعيدًا، فيرحل عن الله مكانيًا، لأن الله حاضر في كل موضع، وإنما يرحل عنه بقلبه؛ إذ يهرب الخاطئ من الله ليبتعد عنه بعيدًا.] يقول القديس أغسطينوس بأن هذا الرحيل هو اتكال الإنسان على ذاته وقوَّته الخاصة فيفقد عمل الله فيه، وعلى العكس الاقتراب من الله يعني الاتكال عليه، ليعمل فينا، فنصير على مثاله
 
يُعلِّق القديس أمبروسيوس على السفر إلى كورة بعيدة، قائلًا:[الابتعاد الأعظم هو أن ينفصل الإنسان لا خلال المسافات المكانية وإنما خلال العادات، فلا يذهب إلى بلاد مختلفة بل يحمل اتجاهات مختلفة... من ينفصل عن المسيح يتغرب عن الوطن، ويصير وطنه هذا العالم، أما نحن فلسنا بعد غرباء ونزلاء بل رعيَّة مع القدِّيسين وأهل بيت الله (أف 2: 19)، لأنه "أنتم الذين كنتم قبلًا بعيدين صرتم قريبين بدم المسيح" (أف 2: 13). ليتنا لا نكن قساة على القادمين من كورة بعيدة، لأننا نحن أيضًا كنا بعيدين في كورة بعيدة... هي ظلال الموت... وقد صرنا أحياء في ظل المسيح، لذا تقول الكنيسة: "تحت ظله اشتهيت أن أجلس" (نش 2: 3).]

خامسًا: حدوث مجاعة "فلما أنفق كل شيء، حدث جوع شديد في تلك الكورة، فابتدأ يحتاج" [14]. إذ تهرب النفس من الله مصدر الشبع وكنز الحكمة تجد نفسها قد دخلت إلى حالة فراغ داخلي، فتكون كمن في "مجاعة"
 
خُلقت النفس البشريَّة على صورة الله ومثاله، لن تشبع إلا به بكونه الأصل. العالم كله بإغراءاته، والجسد بشهواته، والحياة الزمنيَّة بكل أحداثها، لن تملأ فراغ النفس التي تتطلب ذاك اللانهائي لكي يملأها
 
يقول القديس أمبروسيوس: [المجاعة التي اجتاحت تلك الكورة لم تكن مجاعة طعام، بل مجاعة للأعمال الصالحة والفضائل. هل يوجد أمر يحتاج إلى رثاء أكثر من هذا؟! فإن من يبتعد عن كلمة الله يصير جائعًا، لأنه "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله" (لو 4: 4). بالابتعاد عن الينبوع نعطش، وبالابتعاد عن الكنز نفتقر، وبالابتعاد عن الحكمة نصير جهلاء، وبالابتعاد عن الفضيلة نموت. إذن كان طبيعيًا (لهذا الابن) أن يحتاج، لأنه ترك الله الذي فيه كنوز الحكمة والعلم (كو 2: 3)، وترك أعماق الخيرات السمائية، فشعر بالجوع إذ لا يوجد ما يُشبع الإنسان الضال. الإنسان يصير في جوعٍ دائمٍ عندما لا يدرك أن الطعام الأبدي هو مصدر الشبع.]

سادسًا: رعايته للخنازير "فمضى والتصق بواحد من أهل تلك الكورة، فأرسله إلى حقوله، ليرعى خنازير، وكان يشتهي أن يملأ بطنه من الخرنوب الذي كانت الخنازير تأكله، فلم يُعطه أحد" [15-16]

يقول القديس أمبروسيوس

[يبدو أن هذا الرجل يشير إلى رئيس هذا العالم، وقد أرسل (هذا الابن) إلى حقوله، التي بها يعتذر الشاري عن وليمة الملكوت (لو 14: 18)، وفيها يرعى الخنازير التي طلبت الشياطين أن تدخل فيها فاندفعت إلى جرف هذا العالم (مت 8: 32). هذه الخنازير تعيش على النفايات والنتانة
 
كان يشتهي أن يملأ بطنه من الخرنوب الذي كانت الخنازير تأكله، فلم يعطه أحد. الخاطئ لا همّ له سوى أن يملأ بطنه، إذ قيل "آلهتهم بطنهم" (في 3: 19). الطعام المناسب لهم هو الخرنوب الفارغ في الداخل ولين في الخارج، الذي يملأ البطن بلا فائدة غذائية، وزنه أكثر من نفعه
 
يرى البعض في الخرنوب إشارة للأجناد الشرِّيرة، أو ضعف الفضيلة البشريَّة، كمن لهم رونق في العظات دون فائدة، تجتذبهم الفلسفة الباطلة. لهم المظهر الخارجي البراّق دون نفع. هذه الزينة الخارجيَّة لا يُكتب لها الدوام

"لم يعطه أحد"، إذ لا يمكن لأحد غير الله أن يهب الحياة.]
 
يقدَّم لنا القديس أغسطينوس ذات التفسير، إذ يرى هذا الإنسان هو "رئيس الهواء" الذي يدخل بالنفس المبتعدة عن الله إلى حقوله، أي يجعله تحت سلطانه، يخدم الأرواح الدنسة (الخنازير)، إذ يعمل لحساب الخطايا المتنوعة. أما الطعام الذي يقدَّمه فهو الخرنوب، أي التعاليم البشريَّة الجوفاء التي تبهج الشياطين وتملأ ذهن الخطاة لكنها لا تشبع النفس، فيعيش الخاطئ في حياة بلا سعادة، ويشعر كأنه لا يجد من يعطه شيئاُ مشبعًا 

 سابعًا: رجوعه إلى نفسه، "فرجع إلى نفسه، وقال: كم من أجير لأبي يفضل عنه الخبز وأنا أهلك جوعًا؟! أقوم وأذهب إلى أبي..." [17-18.]
 
هذا هو بداية طريق التوبة: "رجع إلى نفسه"، ماذا يعني هذا؟ قلنا أن الابن الضال حين ترك أباه وسافر إلى كورة بعيدة، إنما ترك طريق الحب وتقوقع حول "الأنا" أو "الذات البشريَّة " ليعيش في أنانيته مؤلهًا ذاته، متمركزًا حول كرامته أو شبعه الجسدي أو ملذّاته. بهذا يكون بالحق قد انطلق حتى من "نفسه". فإنه إذ يتقوقع حول "الذات" إنما يحطم نفسه ويهلك حياته

بمعنى آخر ليتنا نميز بين "الذات" وحب الإنسان لنفسه بمعنى حبه لخلاصها، هذا ما أكده السيِّد المسيح حين أعلن من يهلك نفسه يخلصها، بمعنى من يحطم "الأنا" فيه إنما يعيش في طريق الحب لا لله والناس والملائكة فحسب، وإنما يحب نفسه أيضًا خارج دائرة الأنانية. وهذا ما أعلنه الناموس حين طالبنا أن نحب قريبنا كأنفسنا، إذ يقول القديس أغسطينوس من لا يحب نفسه، أي خلاصها الأبدي، كيف يقدر أن يحب قريبه؟
 
إن كانت الخطيَّة هي تحطيم للنفس بدخول الإنسان إلى "كورة بعيدة" أي الأنا، فإن التوبة هي عودة الإنسان ورجوعه إلى نفسه ليعلن حبه لخلاصها، فيرجع بهذا إلى أبيه السماوي القادر على تجديد النفس وإشباعها الداخلي. بهذا إذ يرجع الإنسان إلى نفسه إنما يعود إلى كورة أبيه، ليمارس الحب كعطيَّة إلهيَّة، ويوجد بالحق كعضو حيّ في بيت الله يفتح قلبه لله وملائكته وكل خليقته حتى للمقاومين له

* إن كان قد رجع إلى نفسه، فلأنه كان قد ترك نفسه، إذ سقط عن نفسه وتركها، لذلك يرجع أولًا إلى نفسه، لكي يرجع إلى حالته الأولى التي سقط منها
* إذ سقط عن نفسه سقط عن أبيه
إذ سقط عن نفسه انطلق إلى الأمور الخارجيَّة
الآن يعود إلى نفسه فيعود إلى أبيه حيث تكون نفسه في آمان تام

القديس أغسطينوس

رجع إلى نفسه بعد أن ابتعد عنها، لأن الرجوع إلى الرب هو رجوع إلى النفس. فمن يبتعد عن المسيح يقاوم نفسه
 
القديس أمبروسيوس

رجوع الإنسان إلى نفسه يحتاج إلى عمل إلهي ينير بصيرة الإنسان الداخليَّة ليكتشف فقره التام بل وموته، وفي نفس الوقت يدرك عمل الله الخلاصي ومحبَّته له، فيمتلئ رجاءً. فالقدِّيس بطرس رجع إلى نفسه عندما تطلع الرب إليه، فخرج سمعان بطرس خارجًا يبكي بمرارة، لكن ليس بدون رجاء، أما يهوذا فندم مدركًا شره، لكنه إذ لم ينظر إلى مخلِّص العالم مضى وشنق نفسه
 
ما أحوجنا أن نجلس مع نفوسنا الداخليَّة تحت رعاية ربَّنا يسوع المسيح نفسه الذي يشرق علينا بروحه القدُّوس فيبكتنا على خطيَّة، وفي نفس الوقت يعزينا بنعمته المجانية، يهبنا تنهدات القلب مع سلامه الفائق، يدفق فينا ينبوع الدموع لتختلط مشاعر التوبة ببهجة عمله الإلهي. فنرجع إلى نفوسنا بالحق، متكئين في حضن الآب الباسط يديه بالحب ليحتضننا

إذ رجع الابن الشارد إلى نفسه أدرك الحقيقة، أنه وهو ابن يشتهي أن يأكل الخرنوب مع الخنازير، بينما يأكل الأجراء في بيت أبيه خبزًا لا خرنوبًا! يعيش بعيدًا عن بيت أبيه في جوعٍ شديدٍ بينما يقترب الأجراء من أبيه ويشبعون!

بعد أن عانى في كورة غريبة ما يستحقه الأشرار، فسقط تحت المصائب التي حلت به، أي الجوع والعوز، أحسّ بهلاكه، مدركًا أنه بإرادته ألقى بنفسه في أيدي الغرباء بعيدًا عن أبيه، فصار في منفى عوض بيته، وفي عوز عوض الغنى، وفي مجاعة عوض الخيرات والترف؛ هذا هو ما عناه بقوله: "وأنا أهلك جوعًا" [17]
 
كأنه يقول: إني لست غريبًا بل ابن لأب صالح وأخ لأخ مطيع. أنا هو الحُر النبيل قد صرت أبأس من العبيد الأجراء، سقطت من الرتبة العاليَّة السامية إلى أحط درجة!
القديس يوحنا ذهبي الفم

* آهأيها الرب يسوع،ليتك ترفع عنا الخرنوب، وتهبنا البركات، لأنك أنت المسئول في بيت أبيك!
 
ليتك تقبلنا عبيدًا، وإن كنا قد جئنا متأخرين، لأنك تقبل الذين يأتون في الساعة الحاديَّة عشر وتدفع لهم ذات الأجرة؛ تهبهم ذات الحياة لكن ليس نفس المجد، فإكليل البرّ لا يحفظ للجميع، بل للذي يستطيع أن يقول "جاهدت الجهاد الحسن" (2 تي 4: 7)!
يرى البعض أن يؤجلوا عمادهم أو توبتهم لحين قرب الموت، لكنك كيف تعرف أنه لا تُطلب نفسك في هذه الليلة (12: 20)؟

القديس أمبروسيوس

هكذا يحثُّنا القديس أمبروسيوس على الرجوع السريع إلى بيت أبينا حتى لا نُحرم نحن الأبناء من التمتع بما يناله ولو الأجراء، الذين يخدمون أبانا السماوي من أجل الأجرة. لنجر سريعًا إليه، يدفعنا في ذلك عوامل كثيرة، أولها أننا لا نعرف متى تُطلب نفوسنا فقد تكون "الآن". وثانيًا لكي نجاهد بالحق، فإن كانت عطيَّة الله لكل داخلٍ ملكوته هي "الحياة الأبديَّة"، لكن "نجمًا يمتاز عن نجم في المجد" (1 كو 15: 41)، وكما يقول رب المجد نفسه: "في بيت أبي منازل كثيرة" (يو 14: 2)
 
لنقم الآن وننطلق نحو بيت أبينا السماوي مجاهدين كل لحظات غربتنا، لنقول بحق: "جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان، وأخيرًا قد وُضع لي إكليل البرّ، الذي يهبه لي في ذلك اليوم الرب الديان العادل" (2 تي 4: 7-8)

ثامنًا:
الدخول في خبرة الحياة المقامة، "أقوم وأذهب إلى أبي" [18]
 
إن كان عمل التوبة يبدأ بعودة الإنسان إلى نفسه بالروح القدس ليكتشف أنه في حالة جوعٍ، مدركًا أن "الأنا" قد أردته على الأرض منهارًا من الفراغ، مكتشفًا أنه قد سقط على الأرض تمامًا، وصار تحت حكم الموت الأبدي. لكن الروح القدس يكشف عن بصيرته، ليرى في مخلِّصه يسوع المسيح القائم من الأموات "سّر القيامة". إنه يهب الموتى "قيامة" ليعيشوا في "خبرة حياته المقامة". التوبة ليست عملًا سلبيًا خلاله يكتشف الإنسان ضعفاته بل وهلاكه التام، إنما هي عمل إيجابي فيه يقبل المؤمن مسيحه كسرّ قيامته وحياته، ليعيش كل أيام غربته مختبرًا الحياة الجديدة، منطلقًا من قوَّة إلى قوَّة، ومتمتعًا بمجد وراء مجدًا، ونعمة فوق نعمة... مشتاقًا أن يبلغ قياس قامة ملء المسيح (أف 4: 13)... التوبة هي تمتع عملي بالقيامة الدائمة

* سبيلنا نحن أيضًاأن نتوسل إلى الله، لكي يجردنا من الإنسان العتيق ويلبسنا المسيح السماوي... لأن الرب عندما شاء أن يشبعنا بذوق ملكوته قال: بدوني لا تقدرون أن تعملوا شيئًا (يو 15: 5)
 
يجب على كل واحدٍ منا أن يغصب نفسه على التوسل إلى الله، لكي يُحسب أهلًا لنوال ووجود كنز الروح السماوي، لكي يقدر بلا تعب وصعوبة أن يتمم وصايا الرب كلها بطهارة وبدون عيب

القديس مقاريوس الكبير 

الروح القدس - هو القوَّة التي تقيم الحياة، وهو الذي بواسطته قبل الإنسان التبني، وتحول فيه الموت إلى عدم الموت 

القديس باسيليوس الكبير

* إن التجديد الذين جوزه في هذه الحياة، وانتقالنا من حياة أرضية حسب الجسد إلى حياة سمائية روحيَّة، إنما يحدث فينا بفعل الروح القدس

القديس باسيليوس الكبير

تاسعًا: الاعتراف بالخطأ، "وأقول له: يا أبي أخطأت إلى السماء وقدامك، ولست مستحقًا بعد أن أدعى لك ابنا، اجعلني كأحد أجراءك" [18-19]. الروح القدس الذي يعمل فينا للتوبة يفتح قلبنا بالرجاء في الله واهب القيامة من الأموات، لكن بروح التواضع يهبنا أن نعترف بخطايانا. فالابن الضال بثقة يقول: "يا أبي"، وبتواضع يعلن أنه مخطئ وغير مستحق للبنوة طالبًا قبوله كأجير

* إذا سلمت النفس ذاتها للرب بطل قوَّتها، يظهر الله الصالح لها هذه الأوجاع والعيوب واحدة فواحدة لكي تحيد عنها

القديس أنبا أنطونيوس الكبير

لنتعلم كيف نتضرع إلى الآب. قال: "يا أبي"! يا لرحمة الله وعطفه! فمع أنه قد أسيء إليه لكنه لا يرفض مناداته "يا أبي"
"أخطأت إلى السماء وقدامك". وهذا هو الاعتراف الأول... قدام سيد الرحمة، أمام ديان الخطيَّة
الله يعرف كل شيء، لكنه ينتظر الإقرار بالاعتراف، "لأن الفم يعترف به للخلاص" (رو 10: 10)
عندما يلوم الإنسان نفسه يخفف ثقل ضلاله، ويقطع عنه حدة الاتهام... إنك لا تخسر شيئًا عندما تعترف بما معروف لديه
لتقر بخطاياك فيشفع فيك المسيح لأنه هو شفيعنا لدى الآب (1 يو 2: 21)
لتصلِ أيضًا الكنيسة لأجلك، ولتبكِ الجموع عليك، ولا ترتاب فإنك ستأخذ. الشفيع يعدك بالغفران، وصاحب الكرم بالنعمة، والدفاع يؤكد مصالحتك مع العطف الأبوي
ثق أن هذه حقيقة واسترح، لأن الله قوَّة! يهمه أن يشفع فيك حتى لا يكون قد مات لأجلك باطلًا. والآب يهمه أن يغفر، "لأنه إن كان بالناموس برّ، فالمسيح إذًا مات بلا سبب" (غل 2: 21)
"يا أبي أخطأت في السماء وقدامك" الخطيَّة تسيء إلى مواهب الروح السماوي، إذ كان ينبغي بالإنسان ألا ينحرف عن أحشاء هذه الأم "أورشليم" التي هي السماء
يقول: "لست مستحقًا أن أدعى لك أبنًا"، إذ يليق بالساقط ألا يتكبر بل يرجع متضعًا 

القديس أمبروسيوس

* هذه الكلمات تخص من يفكر في التوبة معترفًا بخطاياه، لكنه لم يستخدمها بعد
أنه لا يتحدَّث الآن مع أبيه، إنما يعد بما ينطق به عندما يأتي إلى أبيه
لنفهم "المجيء إلى الآب" يعني الإقامة في الكنيسة بالإيمان، حيث نمارس فيها الاعتراف بالخطايا بطريقة قانونية فعّالة 

القديس أغسطينوس

* كان يوجه الحديث لنفسه، ولكنه لا يكفي الحديث ما لم يأتِ إلى الأب
أين يبحث عنه؟ أين يجده؟
قم أسرع إلى الكنيسة لتجد هناك الأب، هناك الابن، هناك الروح القدس
الأب ينصت إليك، وأنت تتحدَّث في داخلك، ويسرع لمقابلتك

القديس أمبروسيوس

عاشرًا:
البدء بالعمل، "فقام وجاء إلى أبيه" [20]
 
إن كان الابن الشارد قد سافر إلى كورة بعيدة من أجل ما حسبه تمتعًا بالحريَّة الشخصيَّة، يبذر مال أبيه كما يعلن له، فإنه أن رجع بذهنه إلى بيت أبيه أدرك أن المسافة مهما طالت بينه وبين أبيه لا تمثل عائقًا. جذبته أبوة أبيه، وسحبت ذهنه ليجد طريق العودة ليس طويلًا ولا مستحيلًا، فقام منطلقًا أيضًا بالعمل، سائرًا نحو أبيه، وكأنه يسمع صوت النبي زكريا: "هكذا قال رب الجنود: ارجعوا إليّ يقول رب الجنود، فأرجع إليكم يقول رب الجنود" (زك 1: 3)
لنعمل أيضًا، حتى وإن كنا خارج الحدود.َ لنرتفع إلى بيت أبينا، ولا نتوانى خلال الرحلة. إن أردنا فسيكون الرجوع سريعًا وسهلًا جدًا. فقط علينا أن نترك الكورة الغريبة التي هي الخطيَّة، لنتركها حتى نرجع سريعًا إلى بيت أبينا

قد يقول قائل: كيف أرجع؟
 
فقط ابتدئ بالعمل، فيتحقَّق كل شيء

القديس يوحنا الذهبي الفم

حادي عشر: لقاء مع الأب الحنون، "وإذ كان لم يزل بعيدًا رآه أبوه فتحنن، وركض، ووقع على عنقه وقبله. فقال له الابن: يا أبي أخطأت إلى السماء وقدامك ولست مستحقًا بعد أن أدعى لك ابنًا. فقال الأب لعبيده: اخرجوا الحلة الأولى..."[20-22]
 
يكشف هذا المثل عن أبوة الله الحانية، فإنه وإن كان لا يلزم الإنسان بالرجوع إليه، لكنه إذ يراه من بعيد منطلقًا نحوه يركض هو مسرعًا لا ليعاتبه أو يوبخه وإنما ليقع على عنقه ويقّبله. إنه ينصت لاعتراف ابنه المخطئ، لكنه لا يسمح له بالمذلة، فلا يتركه يقول: "اجعلني كأحد أجراءك"، إنما يطلب له ثوب الابن وخاتمه، مكرمًا إيَّاه في بيته!

ينصت الآب إليك وأنت تتكلم في داخل نفسك، ويسرع لمقابلتك. عندما تكون لا تزال بعيدًا يراك ويركض
إنه ينظر ما في داخل قلبك، ويُسرع حتى لا يؤخرك أحد، بل ويحتضنك
"مقابلته لك" هي سبق معرفته، و"احتضانه لك" هو إعلان رحمته، وتعبير عن حبه الأبوي
يقع على عنقك لكي يقيمك أنت الساقط تحت ثقل الخطايا، ولكي يرجعك إلى السماء إذ اتجهت إلى الأرض، فتطلب خالقك
يقع المسيح على عنقك، لكي يخلص عنقك من نير العبوديَّة، فيحملك نيره الهين (مت 11: 30)
يقع على عنقك بقوله: "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم، احملوا نيري عليكم" (مت 11: 28)
هكذا يحتضنك الرب عندما تتوب

القديس أمبروسيوس

 ماذا يعني: "ركض"؟ إلا أنه بسبب عائق خطايانا لا نستطيع نحن أن نبلغ إلى الله خلال فضيلتنا، لكن الله نفسه قادر أن يأتي للضعيف لذا يقع على عنقه
يُقبل الفمّ، أي يتقبل الآب بفرح ذاك الذي يعترف (بفمه) نادمًا من قلبه
القديس يوحنا الذهبي الفم

  إذ يركض يقع على عنقه، لأن الآب لا يترك ابنه الوحيد الجنس الذي يجري دومًا نحونا نحن الذين ضللنا طويلًا. "الله كان في المسيح مصالحًا العالم لنفسه" (2 كو 5: 19)
إنه يقع على عنقه، ينحني ليحتضن بذراعه، أي بالرب يسوع المسيح
إذ يتعزى (التائب) بكلمة نعمة الله الواهبة رجاء غفران الخطايا هذا يتّحقَّق بقبلة الحب النابعة عن الأب عند الرجوع إليه في رحلة طويلة
لم يقل: "اجعلني كأحد أجراءك"، لأنه عندما كان في عوز إلى خبز اشتاق أن يكون ولو عبدًا أجيرًا، لكنه إذ تقّبل القبلة من أبيه بنبلٍ كفّ عن ذلك

القديس أغسطينوس

اثنا عشر: العطايا الأبويَّة، "فقال الأب لعبيده: اخرجوا الحلة الأولى وألبسوه، واجعلوا خاتمًا في يده، وحذاء في رجليه. وقدَّموا العجل المسمن واذبحوه فنأكل ونفرح. لأن ابني هذا كان ميتًا فعاش، وكان ضالًا فُوجد، فابتدأوا يفرحون" [22-24] 

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم أن الأب لا يوجه حديثه لابنه الراجع بل لعبيده، أو وكلائه، فإن كان التائب هو الذي جاء متوسلًا لكنه ينال الإجابة لا خلال كلمات موجهة إليه، وإنما خلال أعمال الرحمة التي تُقدَّم له

يرى الأب ثيؤفلاكتيوس أن هؤلاء العبيد هم الأرواح الخادمة، أو الكهنة الذين يمارسون العماد ويقدَّمون كلمة التعليم لكي تكتسي النفس بالمسيح نفسه
  يأتيك بالحلة والخاتم والحذاء
الحلة هي ثوب الحكمة التي بها غطى الرسل عري أجسادهم، وبها يكتسي كل إنسان
أخذوا الحلة لكي يستروا ضعفات أجسادهم بقوَّة الحكمة الروحيَّة، وقد قيل عن الحكمة: "غسل بالخمر لباسه" (تك 49: 11). الحلة هي الكساء الروحي وثوب العرس
الخاتم ليس إلا صك الإيمان الصادق وختم الحق
الحذاء يشير إلى الكرازة بالإنجيل

القديس أمبروسيوس

* الحلة الأولى هي الكرامة التي فقدها آدم، وأما العبيد الذين قدَّموها فهم الكارزون بالمصالحة
الخاتم الذي في اليد هو عربون الروح القدس بسبب شركة النعمة، إذ يُشار إلى الروح حسنًا بالإصبع
الحذاء في القدَّمين هما الاستعداد للبشارة بالإنجيل كي لا نمس الأرضيات 

القديس أغسطينوس

  هذا هو عمل الحب الأبوي المترفق وصلاحه، أنه ليس قط يقيم الإنسان من الأموات، بل ويعيد إليه نعمته العظيمة خلال الروح؛ وبدل الفساد يلبسه ثوبًا غير فاسد، وبدل الجوع يذبح العجل المسمن، وعوض المسافة الطويلة التي قطعها في رحلته، فإن الآب المنتظر رجوعه إليه يقدَّم حذاء لرجليه. وما هو أعجب من هذا أنه يعطيه خاتم الخطبة الإلهي في إصبعه، وفي هذا كله يجعله في صورة مجد المسيح

القدِّيس البابا أثناسيوس
 
هذه الأمور الثلاثة (الثوب والخاتم والحذاء) قدَّمها السيِّد المسيح للبشريَّة الخاطئة، ليقيم منها أبناء الله الحيّ، الذين يرتدون ثوب العرس اللائق بالوليمة السماويَّة، ويحملون خاتم البنوة، ويسترون أرجلهم ويحفظونها من أتربة هذا العالم ودنسه أثناء عبورهم خلال كلمة الكرازة

يمكننا أيضًا أن نقول أن هذه الأمور إنما قدَّمها للبشريَّة الراجعة إليه ليقيمها عرُوسًا وملكة له بعد أن عاشت زمانها كزانية روحيًا تجري وراء عريسٍ آخر. قدَّم لها أولًا الثوب المُوشى بالذهب، كقول المرتل: "قامت الملكة عن يمينك بثوب موشى بالذهب" (مز 45). وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لا يقصد هنا ثوبًا حقيقيًا بل الفضيلة... الثوب الموشى بالذهب ثوب به في نسيجه مواد متنوعة]. يكمل القدِّيس حديثه موضحًا أن الكنيسة تضم أصحاب مواهب متنوعة ومتمايزة، لكنها متكاملة، فتنسج ثوبًا واحدًا للعرس السماوي. أما الخاتم فهو عربون الروح، إذ يقول الرسول بولس: "ولكن الذي يثبتنا معكم في المسيح وقد مسحنا هو الله، الذي ختمنا أيضًا وأعطى عربون الروح" (2 كو 1: 21-22) هذا هو مهر العرس الذي قدَّمه العريس السماوي لعروسه الكنيسة لكي تحيا به حتى تدخل إلى كمال العرس. والحذاء يشير إلى الانطلاق للكرازة لتضم كل نفس إلى العضويَّة الكنسيَّة الروحيَّة فيكون له نصيب في العرس الأبدي

ما هو العجل المسمن الذي قدَّم في الوليمة ليأكل الكل ويشبعوا ويفرحوا؟ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إنه الرب يسوع المسيح الذي دعي هكذا مقدَّما جسده الذي بلا عيب ذبيحة، وسمي "المسمن" بسبب غناه وتكلفته، إذ قادر على خلاص العالم كله.] ويقدَّم القديس أغسطينوس ذات التفسير، قائلًا: [قد ذُبح لأجل كل إنسان يؤمن بذبحه.] وجاء تعليق القديس أمبروسيوس هكذا: [بالتناول من الأسرار المقدَّسة يستطيع الإنسان أن يتقوت بجسد الرب الدسم بالقوَّة الروحيَّة... هو الذبيحة الكهنوتيَّة التي قدَّمت عن الخطايا.]
 
إن كان الابن قد أسلم جسده ذبيحة من أجل خلاص البشريَّة، والآب قد فرح وتهلل من أجل هذا العمل المفرح، وطالب السمائيين أن يتقدَّموا لينظروا ويفرحوا بالإنسان القائم إلى الحياة السماويَّة بعد موته، إلا أن الابن الأكبر الذي يشير إلى المتكبرين من اليهود قد وقف خارجًا لا يريد أن يدخل ويفرح مع الكل، إذ يقول السيِّد المسيح

"وكان ابنه الأكبر في الحقل 

فلما جاء وقرب من البيت سمع صوت آلات طربٍ ورقصًا
فدعا واحدًا من الغلمان وسأله ما عسى أن يكون هذا
فقال له: أخوك جاء، فذبح أبوك العجل المسمن، لأنه قبله سالمًا
فغضب، ولم يرد أن يدخل، فخرج أبوه يطلب إليه
فأجاب وقال لأبيه: هاأنا أخدمك سنين هذا عددها
وقط لم أتجاوز وصيتك
وجديًا لم تعطني قط، لأفرح مع أصدقائي
ولكن لما جاء ابنك هذا الذي أكل معيشتك مع الزواني
ذبحت له العجل المسمن
فقال له: يا بني أنت معي في كل حين
وكل ما لي فهو لك
ولكن كان ينبغي أن نفرح ونسر
لأن أخاك هذا كان ميتًا فعاش، وكان ضالًا فُوجد" [25-32]
يُعلِّق القديس أمبروسيوس على تصرف هذا الابن الأكبر، قائلًا
[دين الابن الأكبر، لأنه جاء من الحقل. هنا الحقل يشير إلى الاهتمام بأعمال الأرض والجهل بأعمال روح الله (1 كو 2: 11)
اشتكى لأنه لم يُعط جديًا ليذبحه، مع أن حمل الله قد ذُبح لغفران الخطايا، لا لذة الجسد
يطلب الحاسد جديًا ليذبحه، بينما يشتهي البار أن يُذبح من أجل حمل الله
بسبب الحسد أصيب الأكبر بشيخوخة (روحيَّة) مبكرة، وقد ظل خارجًا بسبب عدم محبَّته. الغيرة (الشرِّيرة) التي فاض بها قلبه طردته خارجًا
إنه أحد الذين لا يبصرون الخشبة التي في أعينهم، بينما ينتقدون القذى التي في الآخرين
إنه يغضب، لأن الغير ينال غفرانًا ونعمة
يا لعدم احتمال جنود الشر الروحيَّة، إذ لا تطيق أن تسمع ترانيم الفرح وتلاوة المزامير

يشير الابنان إلى شعبين، الأصغر يمثل الأمم، والأكبر إسرائيل الذي يحسد الآخر من أجل تمتعه بالبركات الأبديَّة. احتج اليهود عندما دخل المسيح ليأكل عند الأمم، لذا طلبوا جديًا كتقدَّمة أثيمة مكروهة 

يطلب اليهودي الجدي (باراباس)، والمسيحي يطلب حملًا (المسيح)، لذلك أطلق لليهود بارباس وقدَّم لنا المسيح ذبيحة. حل بهم منذ ذلك الحين فساد الإثم بينما نلنا نحن غفران الخطايا

يشير الابن الأكبر للفرِّيسي الذي برر ذاته في صلاته المملوءة غرورًا، هذا الذي حسب نفسه أنه لم يكسر وصيَّة الله مطلقًا، بممارسته لحرف الناموس (18: 11). بقسوة اتهم أخاه أنه بدد ميراث أبيه مع الزواني، مع أنه كان يجب أن يحترس في كلماته لأن الرب يسوع جاء لأجل العشارين والزواني 

لم يُطرد الابن الأكبر، إنما وقف على الباب ولم يرد أن يدخل، إذ لم يقبل إرادة الله التي دعت الأمم للإيمان، بهذا صار الابن عبدًا، "لأن العبد لا يعرف إرادة سيِّده" (يو 10: 14)، وعندما عرفها غار وصار معذبًا من أجل سعادة الكنيسة، وبقي هو خارجًا. مع هذا أراد الأب المحب أن يخلصه، إذ قال له: "أنت معي في كل حين"... يا حبذا لو أبطلت حسدك، "كل ما هو لي فهو لك"، فإذ لك أسرار العهد القديم كيهودي، وتنال أسرار العهد الجديد أن اعتمدت أيضًا.]

الآن إذ كان أخوه الأكبر في الحقل وقد جاء إلى البيت سمع صوت موسيقى ورقصًا، فدعى أحد العبيد وسأله ما عسى أن يكون هذا. الابن الأكبر يُفهم بكونه الشعب اليهودي الذي كان في الحقل يخدم الله لأجل التمتع بممتلكات أرضية. ففي العهد القديم على وجه الخصوص كانت السعادة الأرضية وعدًا لمن يعبد الله

جاء إلى البيت وسمع موسيقى. الصوت المتناغم معًا يُسمى موسيقى، لأنه حينما يتفق كل الذين يخدمون الله في محبَّة يتممون قول الرسول: "أطلب إليكم أن تقولوا جميعكم قولًا واحدًا" (1 كو 1: 10) حينما يصير المسيحيون هكذا يبعثون موسيقى، أي صوتًا متناغمًا يسرّ الله، ويتحقَّق فيهم المكتوب: "كان لهم قلب واحد ونفس واحدة" (راجع أع 4: 32)
 
لقد سأل أحد العبيد، أي قرأ أحد الأنبياء... إشعياء أو إرميا أو دانيال، إذ كرز الكل بمجيء المسيح وبالفرح من أجل مصالحة الأمم
 
قال له العبد: "أخوك جاء فذبح أبوك العجل المسمن" [27]، فغضب ولم يرد أن يدخل [28]. غضبه يعني مقاومة الشعب اليهودي لخلاص الأمم. حقًا فإنهم إلى هذا اليوم في غيرة من الكنيسة يقاومونها 

الحقيقة التاليَّة هي أن الأب "خرج يطلب إليه" [28] ربَّما تعني أنه في نهاية العالم سيقبل كل اليهود الإيمان خلال رحمة الله، كقول الرسول بولس: "إلى أن يخلص ملئ الأمم وهكذا سيخلص جميع إسرائيل" (رو 11: 25-26)

بقوله: "قط لم أتجاوز وصيتك" [29] عني أن اليهود بدوا كمن عبدوا الله الواحد، وعندما اشتكى: "وجديًا لم تعطني قط" تُفهم عن المسيح. فإن المسيح وهو حمل الله دين كجدي بواسطة اليهود، أي دين كخاطئ. لهذا فالمسيح بالنسبة لنا هو حمل، وبالنسبة لهم هو جدي. الذين اعتقدوا أنه خاطئ وليس بارًا لم يستحقوا التمتع بوليمة جدي مذبوح أو حمل كذبيحة

عندما قال الأب: "أنت معي في كل حين وكل ما لي فهو لك" [31] يعني بذلك عبادة الله الواحد وكتابات العهد القديم والأنبياء الأمور التي بالتأكيد تخص الله وقد بقيت مع اليهود على الدوام
الأب قيصريوس أسقف آرل

Share

Wednesday, March 23, 2016

احد التجربة - القمص تادرس يعقوب ملطي






إنجيل القداس
لوقا 4 : 1 - 13
الفصل 4

 أما يسوع فرجع من الأردن ممتلئا من الروح القدس ، وكان يقتاد بالروح في البرية
أربعين يوما يجرب من إبليس . ولم يأكل شيئا في تلك الأيام . ولما تمت جاع أخيرا
وقال له إبليس : إن كنت ابن الله ، فقل لهذا الحجر أن يصير خبزا
فأجابه يسوع قائلا : مكتوب : أن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ، بل بكل كلمة من الله
ثم أصعده إبليس إلى جبل عال وأراه جميع ممالك المسكونة في لحظة من الزمان
وقال له إبليس : لك أعطي هذا السلطان كله ومجدهن ، لأنه إلي قد دفع ، وأنا أعطيه لمن أريد
فإن سجدت أمامي يكون لك الجميع
فأجابه يسوع وقال : اذهب يا شيطان إنه مكتوب : للرب إلهك تسجد وإياه حده تعبد
ثم جاء به إلى أورشليم ، وأقامه على جناح الهيكل وقال له : إن كنت ابن الله فاطرح نفسك من هنا إلى أسفل
لأنه مكتوب : أنه يوصي ملائكته بك لكي يحفظوك
وأنهم على أياديهم يحملونك لكي لا تصدم بحجر رجلك
فأجاب يسوع وقال له : إنه قيل : لا تجرب الرب إلهك
ولما أكمل إبليس كل تجربة فارقه إلى حين

والمجد لله دائماً أبدياً، آمين 


تفسير انجيل القداس

لقدس الاب الموقر - 
القمص تادرس يعقوب ملطي

 التجربة في البرِّيَّة

في الأصحاحات الثلاثة السابقة (1-2-3) رأينا صديقنا السماوي ينزل إلينا يشاركنا كل شيء، صار جنينًا في الأحشاء مثلنا، وخضع للناموس، وانطلق مع الجموع إلى المعموديَّة، وإذ ليس له خطيَّة يعترف بها، حملنا فيه خليقة جديدة تتمتَّع بالبنوَّة للآب، وتحمل فيها روحه القدُّوس. فما أُعلن في نهر الأردن من أمجاد كان لحسابنا وباسمنا، فيه استرددنا طبيعتنا الأولى الصالحة، وصار لنا حق التمتَّع بالفردوس المفقود واللقاء مع الآب في دالة البنوَّة. الآن إذ صار مثلنا أكَّد هذه الصداقة على صعيد العمل، فانطلق بالروح إلى البرِّيَّة يُجُرَّب أربعين يومًا. عوض البرِّيَّة التيانطلق إليها إسرائيل يحمل روح التذمر المستمر، حملنا هو في جسده إلى البرِّيَّة بطبيعته الغالبة والمنتصرة
  تعالوا نسبِّح للرب، ونرتِّل أناشيد الفرح لله مخلِّصنا، ولِندُس الشيطان تحت أقدامنا، ونهلِّل بسقوطه في المذلَّة والمهانة. لنخاطبه بعبارة إرميا النبي: "كيف قُطعتْ وتحطَّمتْ مطرقة كل الأرض... قد وُجدت وأُمسكت لأنك قد خاصمت الرب" (إر50: 23-24)

منذ قديم الزمان وقبل مجيء المسيح مخلِّص العالم أجمع والشيطان عدوُّنا الكبير يفكِّر إثمًا وينضح شرًا، ويشمخ بأنفه على ضعف الجبلة البشريَّة، صارخًا "أصابت يدي ثروة الشعوب كعشٍ، وكما يُجمع بيض مهجور جمعت أنا كل الأرض ولم يكن مرفرف جناح ولا فاتح فم ولا مصفِّف" (إش 10: 14)

والحق يُقال لم يجرؤ أحد على مقاومة إبليس، إلاالابن يسوع المسيح الذي سكن المغارة، كافحه كفاحًا شديدًا وهو على صورتنا، ولذلك انتصرت الطبيعة البشريَّة... في يسوع المسيح، ونالت إكليل الظفر والغلبة، ومنذ القِدم يخاطب الابن على لسان أنبيائه عدوُّنا اللدود إبليس بالقول المشهور: "هأنذا عليك أيها الجبل المُهلك، (يقول الرب) المُهلك كل الأرض" (إر 51: 25)

والآن تعالوا معي لنرى كيف يصف الإنجيلي المغبوط يسوع المسيح وهو يقاتل بالنيابة عنَّا مهلك الأرض بأسرها. "أما يسوع فرجع من الأردن ممتلئًا من الروح القدس" (لو4: 1).
انظروا طبيعة الإنسان في المسيح وقد دهنتها نعمة الروح القدس، وتوَّجتها بالإجلال والإكرام، فإن الله سبق أن وعد قائلًا: "إنّي أسكب روحي على كل بشر" (يوئيل2: 28). وقد تمَّت هذه النبوَّة لأول مرَّة في يسوع المسيح، لأن الله لم يهب روحه للناس قديمًا، وكانوا ضعاف العقول صغار النفوس، فقد ورد: "لا يدين روحي في الإنسان لزيغانه، وهو بشر" (تك6: 3). ولكن في المسيح وُجدت خليقة جديدة تقدَّست بالماء والروح، فلم نصبح أولاد لحم ودم، بل أبناء الله الآب، فلنا الآن نعمة التبنِّي، وبهذا العطف الأبوي صرنا شركاء في الطبيعة الإلهيَّة

فلم يكن بمستغربٍ إذن أن يكون بِكْرنا أول من يتسلَّم الروح القدس، مع أنه هو مانح الروح القدس حتى يهبه لنا نحن إخوته الأعزَّاء. وأشار إلى ذلك بولس الرسول بالقول: "لأن المقدَّس والمقدَّسين جميعهم من واحد، فلهذا السبب لا يستحي أن يدعوهم إخوة قائلًا: "أُخبر باسمك إخوتي" (عب2: 12).
لذلك يصف الإنجيلي المسيح: "رجع من الأردن ممتلئًا من الروح القدس" (لو4: 1) وأرجو ألا تنحرفوا عن جادة الحق ولا يُسيئكم القول بأن المسيح الكلمة تقدَّس، بل فكَّروا بالأولى في حكمة الفداء والخلاص، فإن المسيح تأنَّس وتجسَّد لا حبًا في تجنُّب ما اِختصَّ به الإنسان، بل شاركنا في إنسانيَّتنا حتى يزيدنا من غناه، ويشرِّفنا بعظمة مكانته فإن المسيح شاركنا في كل شيء ما عدا الخطيَّة

القديس كيرلس الكبير

  كان هدف ربَّنا يسوع المسيح في صومه وخلوته هو شفاؤنا من جاذبيَّة الشهوة، فلأجل الجميع قبِل أن يُجُرَّب من إبليس لنعرف كيف ننتصر نحن فيه.
  جاء الرب ليعتمد لأنه صار للكل كل شيء (1 كو9: 20). خضع للناموس لأجل الذين هم تحت الناموس، فاختتن ليكسب الذين تحت الناموس، وشارك الذين بلا ناموس في أكلهم ليربح الذين بلا ناموس. صار للضعفاء كضعيفٍ بالآلام التي تحمَّلها في جسده ليربحهم (2 كو8: 9). فرحًا مع الفرحين، بكاءً مع الباكين (رو12: 15)، جاع مع الجياع... كريمًا مع الأغنياء وسجينًا مع الفقير (إش26: 20)، عطش مع السامريَّة (يو4: 7)، وجاع في البرِّيَّة (مت4: 6) ليُكفِّر بصومه عن سقوط آدم الأول الذي سبَّبه شهوة الطعام والتلذُّذ به، فشبع آدم من معرفة الخير والشر لضررنا، وجاع المسيح لفائدتنا

القديس أمبروسيوس

"وكان يُقتاد بالروح في البرِّيَّة،
أربعين يومًا يجُرَّب من إبليس،
ولم يأكل شيئًا في تلك الأيام،
ولما تمَّت جاع أخيرًا"[1-2]

  سكن المسيح البرِّيَّة بالروح، أي روحيًا، وصام فلم يهب الجسم حاجاته الضروريَّة. قد يسأل أحدكم: وأي ضرر ينشأ إن سكن المسيح المدن على الدوام؟ وكيف اِستفاد المسيح من عيشته في البرِّيَّة، وهو لم يكن في حاجة إلى صلاح؟ ولمَ صام المسيح مع أنه لم يكن في حاجة إلى الصوم؟ فقد وُضعت هذه الفريضة لقتل اللذَّات والشهوات وإخضاع ناموس الخطيَّة الذي في داخلنا والمتملُّك على مختلف الانفعالات التي تبعث فينا شهوة الجسد الدنيئة؟ فهل كان المسيح في حاجة إلى الصوم، وهو الذي به قَتل الآب الخطيَّة في الجسد، حتى أن بولس الرسول الحكيم يقول:"لأنه ما كان الناموس عاجزًا عنه فيما كان ضعيفًا بالجسد، فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطيَّة، ولأجل الخطيَّة دان الخطيَّة في الجسد، لكي يتم حكم الناموس فينا، نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح" (رو8: 3)؟
 
فالمسيح إذن دان الخطيَّة في الجسد ومحا الإثم الذي تمَلَّك الطبيعة البشريَّة رِدحًا من الزمن؟ مارس المسيح الصوم وهو مقدَّس ونقي بطبيعته لا عيب فيه ولا نقص ولا تغيير ولا ظل دوران! لمَ صام المسيح فاعتزل عيشة المدن وسكن البرِّيَّة وتحمَّل تعب الصوم؟ أن هذا العمل العظيم الذي قام به المسيح هو لتعليمنا يا أحبائي. فقد رسم لنا المسيح الخُطَّة التي يجب علينا انتهاجها، ومهَّد لنا طريقًا قويمًا نسير عليه، هذا الطريق الذي يسير فيه جماعة الرهبان المقدَّسين؟ وإلا كيف كان الناس يعشقون عيشة البراري، ويستفيدون من حياة العُزلة والانفراد ويرون فيها خلاصًا لنفوسهم وسلامًا لأرواحهم؟ إن جماعة الرهبان يهجرون العالم ليبتعدوا عن أمواجه الهائجة وعواصفه الثائرة، ويحرَّروا نفوسهم من الفوضى والاضطراب والغرور والشهوات، أو كما قال يوسف المغبوط يخلع الناس عنهم ما عليهم ليقدِّموا للعالم مقتنياته وممتلكاته

ويشير بولس الرسول إلى أولئك الذين تعوَّدوا العيشة مع المسيح: "ولكن الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات" (غل 5: 24). ويُضيف إلى ذلك قولهبأن عيشة الزهد لا بُد منها، وأن ثمار هذه العيشة الصوم والتحمُّل ونبذ الأطعمة قليلًا أو كثيرًا فإنه بذلك يمكن قهر الشيطان، ولكن لاحظوا أن المسيح عُمِّد أولًا ثم امتلأ بالروح القدس، وبعد ذلك سكن البرِّيَّة واتَّخذ الصوم سلاحًا له في محاربة إبليس وجنوده، وكل هذا لتعليمنا، حتى ننسج على منواله، ونحتذي منهجه، فعليكم بادئ ذي بدء أن تلبسوا خوذة الله، وتتمنطقوا بدِرع الإيمان، وتتمسَّكوا بصولجان الخلاص. يجب في بداية الأمر أن تُمنحوا قوَّة من الأعالي، وذلك عن طريق العماد المقدَّس، فيمكنكم بهذه أن تسلكوا حياة شريفة مع الله العظيم، ثم بشجاعة روحيَّة تعتزلون الناس للسكن في البراري، ثم تصومون صومًا مقدَّسا، فتقمعون أهواء الجسم، وتهزمون إبليس إذا ما أراد تجريبكم، ففي المسيح إذن نجد كل سلاح نتقوَّى به
نعم يظهر المسيح بين المقاتلين فيَمنح الجائزة ويتوِّج المنتصرين بإكليل الفوز والغلبة. والآن فلنتأمَّل مصارعات المسيح مع إبليس؟ "صام أربعين يومًا، وجاع أخيرًا"

كيف يجوع المسيح وهو الذي يُشبعنا من دسم نعمته؟ أليس المسيح هو الخبز السماوي الذي نزل من السماء حتى لا يجوع من يتغذى منه؟ صام المسيح "وجاع" لأنه قَبِلَ أن يكون مثلنا، فكان لا بُد أن يتحمَّل ما يجب أن يتحمَّله إنسان بشري

القديس كيرلس الكبير

  [يقدِّم لنا مقارنة بين تجرِبة آدم في الفردوس، وتجرِبة آدم الثاني في البرِّيَّة] لنتأمَّل كيف طُرد آدم الأول من الفردوس، ولنعرف كيف رجع آدم الثاني من البرِّيَّة إلى الفردوس، ولنتأمَّل أيضًا كيف تمَّ الإصلاح وبأي ترتيب حدث. وُلد آدم من أرض بكر، ووُلد المسيح من العذراء (البكر)، خُلق آدم على صورة الله، أما المسيح فهو صورة الله (الجوهريَّة). كان للأول سلطان على كل الحيوانات غير العاقلة، أما الثاني فله سلطان على كل شيء

اتَّصفَت حواء بالتردُّد، واتَّصفت العذراء بالحكمة
جاءت الشجرة بالموت، وجاء الصليب بالحياة
كان الأول في الفردوس، أما المسيح فكان في البرِّيَّة، لكنه جاء ليبدِّد ضلال المحكوم عليه ويردُّه للفردوس
لم يكن ممكنًا أن يتراجع الله عن حُكمه، فتمَّ حُكم الموت في واحد عوض الآخر 
إن كان آدم قد سقط وهو في الفردوس لعدم وجود الراعي، فكيف كان يمكنه أن يجد الطريق وهو في البرِّيَّة بلا راعٍ يقوده؟ ففي البرِّيَّة تكثر التجارب... ويسهل الانحدار نحو الخطيَّة

أي راع يستطيع أن يعيننا أمام فِخاخ هذه الحياة وخِداعات إبليس "لكي نجاهد ليس ضد لحم ودم، بل ضد الرؤساء والسلاطين وأجناد الشر الروحيَّة في الهواء" (أف6: 11)؟! هل يُرسل الله ملاكًا وقد سقط بعض الملائكة...؟! هل يرسل ساروفًا، هذا الذي نزل على الأرض وسط شعب نجس الشفتين (إش6: 6)، لم يُطهِّر سوى شَفتيّ نبي واحد بجمرَّة من نار؟! إذن كان يلزم البحث عن راعٍ آخر نتبعه جميعنا؛ فمن هو هذا الراعي العظيم الذي يستطيع أن يهيئ الخير للجميع إلا ذاك الذي هو أعلى من الكل؟! من يرفعني فوق هذا العالم إلا مَن هو فوق العالم؟! من هو هذا الراعي العظيم الذي يستطيع بقيادة واحدة يرعى الرجل والمرأة، اليهودي واليوناني، أهل الختان وأهل الغُرلة، البربري والسكِّيثي (كو 3: 11)، العبد والحر، إلا ذاك الذي هو الكل في الكل؟!
الفخاخ كثيرة أينما ذهبنا، فخاخ الجسد، وفخاخ الناموس (حرفيَّته)، والفخاخ التي ينصبها إبليس على جناح الهيكل وعلى قمَّة الجبل، وفخاخ الفلسفات، وفِخاخ الشهوات، لأن العين الزانية هي فخْ الخاطئ (أم 7: 22)، وفِخاخ محبَّة العالم، وفِخاخ التديُّن (الرياء)، وفِخاخ في حياة الطهارة (احتقار سرّ الزواج)... غير أن أفضل طريقة تحطِّم هذه الفِخاخ هو عرض طُعم لإبليس لينقَضْ على فريسته فينطبق الفخْ عليه، عندئذ نستطيع أن نردِّد: "نصبوا لرجلي فخاخًا فسقطوا فيها" (مز 56: 7). ما هذا الطُعم إلا الجسد... فقد أخذ الرب جسد تواضعنا وضعفنا، ليُعطي فرصة للعدو أن يحاربه فينهزم العدو إبليس

الآن المسيح في البرِّيَّة يقود الإنسان ويعلِّمه ويشكِّله ويدرِّبه ويدهنه بالمسحة المقدَّسة، وعندما يراه قويًا يقوده إلى المراعي الخضراء المخصبة... أخيرًا يقوده إلى البستان أثناء الآلام، كما هو مكتوب: "تكلَّم يسوع بهذا ثم خرج مع تلاميذه إلى جبل الزيتون، حيث كان بستان دخله مع تلاميذه" (يو18: 1)... أخيرًا فإن إرجاع الإنسان بقوَّة الرب تؤكِّد لنا هذه الحقيقة التي أبرزها القدّيس لوقا بين كل البشريِّين، بتلك الكلمات التي قالها الرب للِّص: "أنك اليوم تكون معي في الفردوس" (لو23: 44)

 رجع يسوع ممتلئًا من الروح القدس إلى البرِّيَّة يتحدَّى إبليس، فلو لم يجُرِّبه إبليس لما اِنتصر الرب لأجلي بطريقة سِرِّيَّة، محرِّرا آدم من السبي

القديس أمبروسيوس

  "لقد أُصعد يسوع إلى البرِّيَّة من الروح"، بلا شك من الروح القدس، ليس كمن هو مُلزم أو من هو أسير، إنما اُقتيد باشتياق إلى المعركة ليُصارع

القديس جيروم

 يسوع قائدنا سمح لنفسه بالتجربة حتى يُعلِّم أولاده كيف يحاربون

القديس أغسطينوس

أ. تجربة الخبز

إذ دخل السيِّد المسيح المعركة نيابة عنا، ليغلب باسمنا ولحسابنا، بدأت التجارب بتجربة الخبز، فقد طلب الشيطان من السيِّد المسيح أن يحول الحجر إلى خبز ليأكله في جوعه. من جانب فإن هذه التجربة تقابل تجربة آدم الأول الذي سقط في العصيان خلال الأكل من شجرة معرفة الخير والشر. فجاء السيِّد صائمًا يقاوم العدُو ويغلبه رافضًا السماع له رغم إمكانيَّته من تحويل الحجر إلى خبز، كما حوّل الماء إلى خمر في عرس قانا الجليل. ومن جانب آخر فإن هذه التجربة سمح بها الرب ليُعلن أُبوَّة الشيطان المخادعة للخطاة، فإن الآب الحقيقي لا يقدِّم حجرًا إن طلب منه ابنه خبزًا كقول السيِّد المسيح (لو 11: 11)، أما هذا العدو فيقدِّم حجرًا عوض الخبز ليأكله الإنسان، فيحمل في أحشائه حجرًا قاسيًا
ليتنا نرفض كل حجر يقدِّمه العدو فلا نأكله كخبز لننمو قساة القلب بلا حب ولا حنو
يرى العلامة أوريجينوس أن الحجر الذي يقدِّمه العدو هو الهرطقات التي يقدِّمها العدُو كخبزٍ غاشٍ، فنظنَّها كلمة الله المشبعة
"وقال له إبليس
إن كنتَ ابن الله فقل لهذا الحجر أن يصير خبزًا
فأجابه يسوع، قائلًا
"مكتوب أن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان
بل بكل كلمة تخرج من فم الله" [3-4]
  قفز إبليس إلى حيث كان المسيح، ونظر إلى الحجر وخاطب المسيح، قائلًا: "إن كنت ابن الله، فقلْ لهذا الحجر أن يصير خبزًا" (لو4: 3). ترون أن إبليس يدنو من المسيح كإنسانٍ، كأحد القدِّيسين، ومع ذلك يرتاب في المسيح. لكن كيف سعى الشيطان ليتحقَّق من لاهوت المسيح؟ كان يعلم أنه لا يمكن تغيير طبيعة المادة إلى طبيعة أخرى تغايرها في الجوهر إلا بقوَّة إلهيَّة، فإما المسيح يُغيِّر المادة فيرتبك إبليس في أمره، أو يعجز عن القيام بهذا العمل، فيُسَر الشيطان لأنه لم يجد أمامه سوى إنسانًا ضعيفًا يمكن مقاومته

علم السيِّد المسيح ما كان يجول بخُلد إبليس، فلم يغيِّر الخبز ولم يعلن عجزه عن تغييره. اِنتهر المسيح الشيطان بالقول: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان" (لو4: 5). ومعنى ذلك أنه إذا منح الله الإنسان القوَّة أمكنه أن يحيا بدون أكل، وعاش كما عاش موسى وإيليَّا بقوَّة أربعين يومًا ولم يذوقا شيئًا، فإذًا استطاع المسيح أن يعيش بدون طعام، فلم يحوِّل الحجر خبزًا إلا أن المسيح لم يقل قط أنه "لا يستطيع ذلك" حتى لا يتطرَّق الشك بأنه إنسان لا إله، ولم يقل أستطيع ذلك لئلا يتركه الشيطان وشأنه، وكان المسيح يريد تعليمنا دروسًا أخرى

لاحظوا يا أحبائي كيف أن طبيعة المسيح نبذَت شراهة آدم ونهمه، فبأكل آدم غُلبنا، وبزهد المسيح انتصرنا

الجسم يأكل ما تُخرجه الأرض من دسم، أما النفس العاقلة فطعامها كلمة الله الخالدة. فإن الخبز الذي تجود به الأرض يُغذي جسمًا عناصره هي عناصر الخبز الأرضي، أما الخبز السماوي الذي يبعث به الله من فوق يُغذِّي النفس الباقية. هذا هو الخبز السماوي الذي يتغذَّى به جمهور الملائكة

القديس كيرلس الكبير

  ينكشف لنا من هذه التجربة أن لإبليس ثلاثة سهام اعتاد أن يستخدمها ليجْرح قلب الإنسان: شهوة الأكل، المجد الباطل، الطمع! (يبدأ من حيث اِنتصر إبليس) هكذا تبدأ نُصرتي في المسيح من حيث غلبني إبليس في آدم
يقول: "إن كنتَ ابن الله"، فقد كان إبليس يعلم تمامًا أنه ينبغي أن يأتي ابن الله، لكنه لم يكن يعتقد أنه يأتي في ضعف، لهذا أراد أن يتأكَّد ثم يُجرِّبه بعد ذلك
انظروا أسلحة المسيح التي بها اِنتصر من أجلكم وليس لأجل نفسه، فإنه قادر أن يحوِّل العناصر (كما في عرس قانا الجليل)، لكنه يعلِّمنا ألا نطيع إبليس في شيء، ولا لإظهار قوَّتَك. لنعرف أيضًا من هذه التجربة مهارة إبليس الخادعة فهو يجُرِّب ليتأكَّد من الحقيقة ليخترق الإنسان ويُجرِّبه... ولم يستخدم الرب سلطانه كإله وإلا فإننا لم نكن نجني فائدة، إنما استخدم الإمكانيَّة العامة وهي استخدام كلام الله

القديس أمبروسيوس

  قل لهذا "الحجر"، أي حجر هو هذا؟ بلا شك الحجر الذي كان إبليس يريه إيّاه طالبًا أن يحوِّله إلى خبز. إذن ما هي التجربة...؟
الشيطان العدو المخادع يقدِّم حجرًا عوض الخبز (لو11: 11). هذا ما يريده الشيطان أن يتحوَّل الحجر إلى خبز، فينمو الناس لا على الخبز، وإنما على الحجر الذي يُريه الشيطان على شكل خبز. وإنني اعتقد أن الشيطان لا يزال يُرينا الحجر ويقول لكل أحد: "قل لهذا الحجر أن يصير خبزًا..." فإن رأيت الهراطقة يأكلون تعاليمهم الكاذبة كخبزٍ، فاِعلم أن مناقشاتهم وتعاليمهم هي الحجر الذي يُظهره الشيطان لنأكله كخبز
لنسهر إذن ولا نأكل حجارة الشيطان ظانِّين أننا ننمو بخبز الرب

العلامة أوريجينوس

يخضع الجسد لتجربة الجوع لتُعطى فرصة لإبليس كي يجُرِّب 
القديس جيروم

  تأكَّد تمامًا أن العدو يهاجم القلب عن طريق امتلاء البطن
الأب يوحنا من كرونستادت 

ب. تجربة الصليب

في التجربة السابقة أراد إبليس أن يقدِّم للسيِّد الحجر خبزًا، لكن السيِّد رفض تحويل الحجر خبزًا، مقدَّما نفسه "الخبز الحيّ النازل من السماء" شبعًا لمؤمنيه. والآن إذ كان إبليس يعلم أن المسّيا القادم يملك إلى الأبد خلال الصليب والألم. أراه ممالك العالم ليملُك، لكن ليس خلال الصليب، وإنما خلال الطريق السهل والباب الواسع وهو "السجود لإبليس نفسه". رفض المسيح بهذا الطريق الواسع الرحب بقوَّة، فتح لنا الباب لنملُك نحن أيضًا معه خلال آلامه لا خلال الشر

  يريد ابن الله كما ضد المسيح أن يملُكا، لكن ضد المسيح يريد أن يملك ليُهلك من له، أما المسيح فيملُك ليخلِّص (بالصليب). فمن كان فينا أمينًا يملُك المسيح عليه بكلمته وبالحكمة والعدل والحق؛ أما إذا فضَّلنا الشهوة عن الله فتملُك الخطيَّة علينا، حيث يقول الرسول: "إذًا لا تملُكنَّ الخطيَّة في جسدكم المائت" (رو6: 12)
إذن ملِكان يبادران لكي يملُكا، تملُك الخطيَّة أو الشيطان على الأشرار، ويملُك العدل أو المسيح على الأبرار

إذ كان إبليس يعلم أن المسيح جاء ليغتصب ملكوته، ويُخضع لقوته وسلطانه أولئك الذي كانوا قبلًا خاضعين للمخادع، "أراه جميع ممالك المسكونة" وكل سكان العالم، أراه كيف يملك على الواحد بالشهوة، وعلى الآخر بالبُخل، وثالث بحب المجد الباطل، ويأسِر آخرين خلال جاذبيَّة الجمال... وكأن الشيطان يقول له: أتريد أن تملك على كل الخليقة؟! وأراه الجموع غير المحصية التي تخضع له، والحق يُقال لو قبلنا أن نعرف في بساطة بؤسنا ونُدرك مصيبتنا لوجدنا الشيطان يملك في معظم العالم، لذلك يسمِّيه الرب "رئيس هذا العالم" (يو12: 31؛ 16: 11). وعندما يقول إبليس ليسوع: أترى جميع الشعب الخاضع لسلطاني؟ يكون قد أراه ذلك "في لحظة من الزمان"، إذ يحسب الوقت الحالي لحظة أن قورن بالأبديَّة... حينئذ قال إبليس للرب: أجئت لتصارع ضدِّي، وتنزع عنِّي كل الذين هم تحت سلطاني؟ لا، لا تحاول أن تقارن نفسك بي، ولا تعرض نفسك لصعاب هذه المعركة. انظر كل ما أطلبه منك، "إن سجدت أمامي يكون لك الجميع"

بدون شك يريد ربَّنا ومخلِّصنا أن يملك، لكن بالعدل والحق وكل فضيلة... لا يريد أن يكلَّل كملكٍ بدون تعب (الصليب)
أجابه الرب قائلًا: "مكتوب للرب إلهك تسجد، وإيّاه وحده تعبد" (تث6: 13). إرادتي هي أن يكون الكل لي يعبدونني، ولا يسجدون لغيري. هذه هي الرغبة الملوكيَّة. أتريدني أن أخطئ أنا الذي جئت لأبيد الخطيَّة وأُحرَّر الناس منها؟!
لنفرح ولنبتهج نحن إذ صرنا له، ولنُصَلِ إليه ليقتل الخطيَّة التي ملَكت في أجسادنا (رو 6: 6) فيملك وحده علينا

العلامة أوريجينوس

  "وأراه جميع ممالك المسكونة" [5] كيف تجرؤ أيها الشيطان المارد اللعين فتُري السيِّد ممالك العالم وتخاطبه بالقول: "لك أعطي هذا السلطان كله ومجدهن... إن سجدتَ أمامي" (لو 4: 6)؟ كيف تعد بأن تهب ما ليس لك؟! من الذي نصَّبك وارثًا على مملكة الله؟!؟إنك اِغتصبت هذه الممالك غشًا وزورًا، فرُد ما اغتصبته إلى الابن المتجسِّد رب العالم بأسره، واسمع ما يصرح به النبي إشعياء ضد إبليس وجنوده: "لأن تُفتة مرتَّبة منذ الأمس مهيَّأة، هيأيضًا للملِكِ عميقة واسعة، كومتها نار وحطب بكثرة، نفخة الرب كنهر كبريت توقدها" (إش30: 33)

فكيف تتقدَّم أيها الشيطان، ونصيبك الهاويَّة السحيقة مِلكًا...؟ وكيف يسجد السيِّد لك، والسيرافيم وجميع طغمات الملائكة لا يغفلون طرفة عين عن التسبيح لاسمه لأنه مكتوب: "للرب إلهك تسجد وإيّاه وحده تعبد" (لو4: 8)؟

حقًا لقد أصابت هذه الآية مقتلًا من إبليس لأنه كان قبل نزول المسيح ومجيئه يخدع كل الذين تظلِّلهم القبَّة الزرقاء، فتجثو له كل ركبة، أما وقد جاء المسيح فقد شاءت رحمته أن يرجع الناس عن غلوائهم ويقدِّموا له السجود والعبادة والإكرام

القديس كيرلس الكبير

  ليس العيب في السلطان في ذاته، وإنما في الطمع الباطل، وعلى هذا فإن تأسيس السلطان يأتي من قِِبل الله، ومن يستعمله يكون سفيرًا لله بكونه خادم الله للصلاح (رو13:3-4). العمل في ذاته ليس خطيَّة، لكن العيب في الذي ينفِّذه... يجب أن نميِّز بين الاستخدام الصالح للسلطان والاستخدام الطالح

القديس أمبروسيوس

  أراه مجد العالم على قمَّة جبل، هذا الذي يزول، أما المخلِّص فنزل إلى الأماكن السفليَّة ليهزم إبليس بالتواضع

القديس جيروم

  أعلن الرب أن الشيطان كذَّاب من البدء، وليس فيه الحق (يو8: 44)، وبكونه كذَّابًا وليس فيه الحق فإنه لا ينطق بالحق بل بالكذب، عندما قال: "إليّ قد دُفع وأنا أعطيه لمن يريد" (لو4: 6)

  لقد كذب الشيطان في البداية وبقي في كذبه حتى النهاية، فإنه ليس هو الذي يقيم ممالك هذا العالم بل الله إذ"قلْب الملك في يد الله" (أم21: 1). كما يقول الكلمة خلال سليمان: "بي تملك الملوك وتقضي العظماء عدلًا، بي تترآس الرؤساء والشرفاء وكل قضاة (ملوك) الأرض" (أم8: 15)

  لقد فضحه الرب كاشفًا حقيقة شخصيَّته، إذ قال له: "اذهب يا شيطان" [8]... مُظهرًا ذلك من ذات اسمه، فإن كلمة "شيطان" في العبريَّة تعني "مرتد"

القدِّيس إيريناؤس

ج. تجربة في المقدَّسات

إن كان عدو الخير إبليس قد حاول أن يُجرِّب "يسوع" في لقمة العيش بتحويل الحجر إلى خبزٍ، وقد فشل إذ قدَّم السيِّد المسيح نفسه خبزًا حقيقيًا يُنعش النفس وينزع عنها طبيعتها الحجريَّة، وفي التجربة السابقة أراد تحطيم هدفه بفتح طريق سهل وقصير لكي يملك دون الحاجة إلى صليب، لكن الرب أصرَّ ألا يقبل إلا أن يدخل دائرة الصليب (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات و التفاسير الأخرى). أما التجربة التي بين أيدينا فتمس العبادة ذاتها، إذ تمّت في أورشليم على جناح الهيكل، وقدَّم الشيطان عبارة من الكتاب المقدَّس: "لأنه مكتوب أنه يوصي ملائكته بك لكي يحفظونك، وأنهم على أياديهم يحملونك، لكي لاتصدم بحجر رجلك"[10-11]، سائلًا إيّاه أن يطرح نفسه من جناح الهيكل إلى أسفل
هذه التجربة يتعرَّض لها بالأكثر الرعاة والخدَّام والمتديِّنون، فإن عدو الخير يحاربهم في أورشليم في هيكل الرب، يقدِّم لهم كلمات الكتاب المقدَّس مشوَّهة سواء في بعض كلماتها أو في فهمها ليحوِّل عبادتهم إلى شكليَّات واستعراضات ورياء، طالبًا منهم عوض أن يصعدوا منطلقين نحو السماويَّات أن ينطرحوا من جناح الهيكل إلى أسفل، إذ يحدرهم الشكل أو الرياء عن غايتهم الحقَّة

* لنلاحظ بداية هذا الإنجيل الذي سمعناه اليوم، ولنضع في النور الأمور المخفية فيه "جاء (إبليس) به إلى أورشليم"،الأمر الذي يبدو غير مُصدق أن إبليس يقود ابن الله، وهو يتبعه؛ فإنه يشبه المصارع الذي يذهب إلى التجربة ولا يخشاها، ولا يرهب مصيدة العدو المخادع للغاية وغير المحتملة، وكأنه يقول: ستجدني أقوى منك
قاده إلى قمَّة الهيكل وطلب منه أن يطرح نفسه من فوق، وكان هذا العرض تحت ستار أنه يتم لمجد الله

يتكلَّم الشيطان ويستند على الكتاب المقدَّس... لكن ليته لا يخدعني الشيطان حتى وإن استخدم الكتاب المقدَّس
تأمَّل العبارة التي يعرضها إبليس على الرب: "مكتوب أن يوصي ملائكته بك لكي يحفظونك وعلى أيديهم يحملونك لكي لا تصدم بحجر رجلك". انظر كم هو مخادع حتى في اختياره للعبارات، فإنه يريد أن يقلِّل من مجد الرب، كما لو كان يسوع محتاجًا إلى معونة الملائكة؛ كما لو كان يمارس عملًا خاطئًا ما لم تسنده الملائكة. هكذا يقتبس إبليس عبارة من الكتاب لا تناسب المسيح ويطبِّقها عليه، إنما تناسب القدِّيسين بوجَّه عام... المسيح ليس بمحتاج لمعونة الملائكة، إذ هو أعظم منهم، ويرث اسمًا أعظم وأسمى: "لأنه لمن من الملائكة قال قط أنت ابني أنا اليوم ولدتك؟!" (عب 1: 5-7؛ مز2: 7)
بعد ما قال: "إنه يوصي ملائكته بك لكي يحفظوك، وأنهم على أياديهم يحملونك لكي لا تصطدم بحجر رجليك"، يصمت إبليس عن التكملة وهي: "على الأسد والصل تطأ، الشبل والثعبان تدوس" (مز91: 13). فلماذا تعبر على هذه العبارة بصمت أيها الشيطان؟! لأنك أنت هو الصل وملك كل الحيَّات. أنت تعرف أنك تحمل على جانبيك قوَّة عدوانيَّة أخرى تسمى "الأسد"، تخضع للأبرار تحت أقدامهم، لذلك لا تتكلَّم عن هذا الأمر
أنت هو الشِبل والثعبان، حيث مكتوب: "لي الأسد والصل تطأ، الشِبل والثعبان تدوس". إن كنت تصمت ولا تذكر شيئًا ضدَّك، لكننا نحن إذ نقرأ الكتاب باستقامة ندرك تمامًا أن لدينا سلطانًا أن نطأك بالأقدام، هذا السلطان لم يوهب لنا في العهد القديم حيث كان المزمور يرنَّم به، وإنما أيضًا في العهد الجديد. ألم يقل المخلِّص: "ها أنا أعطيكم السلطان أن تدوسوا الحيَّات والعقارب وكل قوَّة العدو ولايضرُّكم شيء؟!" (لو 10: 19). لنستند على هذا السلطان ونأخذ سلاحنا، ونطأ بسلوكنا الشِبل والثعبان

العلامة أوريجينوس

  "إن كنت ابن الله فاطرح نفسك من هنا إلى أسفل"[9]. أما التجربة الثالثة فكان محورها الزَهْو والخيلاء "اطرح نفسك من هنا" حتى تثبت أمام المِلأ لاهوتك، إلا أن المسيح أجابه: "لا تجُرِّب الرب إلهك" (لو4: 12) فإن الله لا يساعد من يجرؤ على تجربته ولم يُعط المسيح قط آية لمن جاءه بقصد تجربته، إذ ورد: "فأجاب وقال لهم جيل شرِّير وفاسق يطلب آية ولا يُعطى له آية إلا آية يونان النبي" (مت 12: 39).
لاغرابة أن يتقهقر أمام المسيح بعد هذه الثلاث تجارب، فيقدِّم لنا المسيح المنتصر إكليل الفوز والغلبة على حد قول الصادق: "ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيَّات والعقارب وكل قوَّة العدو ولا يضرُّكم شيء" (لو10: 19)
"لأنه مكتوب أنه يوصي ملائكته بك لكي يحفظونك"[10]
وانظروا كيف يقتبس إبليس من الأسفار الإلهيَّة ليستعين بها على تصويب سهمه الدنيء، لأن هذه الآية التي وردت في المزامير لا تشير إلى المسيح، لأن المسيح ليس في حاجة إلى ملائكة. أما جناح الهيكل فقصد به البناء المرتفع الذي أقيم بجوار الهيكل

القديس كيرلس الكبير

 هذا هو شيطان المجد الباطل، فعندما يظن الإنسان أنه قد ارتفع عاليًا ويشتهي القيام بالأعمال العظيمة يسقط في الهاوية
قال له: "إن كنتَ ابن الله فاطرح نفسك إلى أسفل" لا ينطق بهذه الكلمات إلا الشيطان الذي يحاول أن يُحدر الروح الإنسانيَّة إلى أسفل من حيث سمت بفضائلها؟! هل شيء يوافق الشيطان إلا النصح بالانحدار إلى أسفل...؟!
لا يستطيع إبليس أن يؤذي إلا من يدفع نفسه إلى أسفل، أي يترك السماء ليختار الأرض

القديس أمبروسيوس

 هذه هي كلمات إبليس دائمًا إذ يتمنَّى السقوط للجميع
 
القديس جيروم

ختم حديثه عن التجربة "ولما أكمل إبليس كل تجاربه فارقه إلى حين" [13]. إن كان الشيطان لا يمِلّ عن المصارعة بالرغم من هزيمته المُرَّة في كل التجارب، إذ يقول"فارقه إلى حين"... فقد جاء بقيَّة السفر عبارة عن صراع مستمر بين السيِّد المسيح وإبليس بكل طريقة، سواء مباشرة أو خلال خدَّامه، لهذا يليق بنا ألا ننخدع إن تركنا العدو، فإنه يفارقنا إلى حين لكي يعود فيصارعنا

 لما سمع إبليس اسم "الله" فارقه إلى حين، إذ جاء بعد ذلك لا ليُجربه وإنما ليُحاربه علانيَّة. والكتاب المقدَّس يُعرِّفك أنك في حرب ليس مع لحم ودم بل مع السلاطين والرؤساء مع أجناد الشر الروحيَّة (أف6: 12).
اُنظر رِفعة المسيحي الذي يُحارب رؤساء العالم (الشياطين)، فمع أنه يعيش على الأرض لكنه يبسط قوَّته الروحيَّة أمام أرواح الشرّ في السماويَّات. ونحن لا نُكافأ بأمور أرضيَّة في حربنا من أجله إنما مكافآتنا روحيَّة هي ملكوت السماوات وميراث المسيح

يليق بنا أن نجاهد بكل مقاومة لإبليس، فالإكليل مقدَّم لنا، ويلزمنا أن نقبل الدخول معه في حرب. لا يكلَّل أحد ما لم يَغلب، ولا يمكن له أن يغلب ما لم يحارِب (2 تي2: 5). والإكليل يعظُم كلما كثر الألم، لأنه ضيق وكرب هو الطريق المؤدِّي للحياة، وقليلون هم الذين يجدونه، وواسع هو الطريق المؤدِّي للموت (مت 7: 13)

يليق بنا ألا نخشى تجارب هذه الحياة قط، فهي فرصة مقدَّمة للغلبة ومادة للنصرة...
المُضل يُكثر من جرح المجاهد، ومع ذلك فالمُجاهد في شجاعته لا يضطرب قلبه...
إن تعرَّضت للتجارب فاعلم أن الأكاليل تُعد

أُلقي يوسف في السجن كثمرة لطهارته، لكنه ما كان يشارك في حكم مصر لو لم يبعه إخوته


القديس أمبروسيوس

Share

Sunday, March 13, 2016

احد الكنوز - 
القمص تادرس يعقوب ملطي







 متى 6 : 19 - 33
الفصل 6 

لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض حيث يفسد السوس والصدأ ، وحيث ينقب السارقون ويسرقون 

بل اكنزوا لكم كنوزا في السماء ، حيث لا يفسد سوس ولا صدأ ، وحيث لا ينقب سارقون ولا يسرقون 
 
لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضا 
 
سراج الجسد هو العين ، فإن كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيرا  
 
وإن كانت عينك شريرة فجسدك كله يكون مظلما ، فإن كان النور الذي فيك ظلاما فالظلام كم يكون 
 
لا يقدر أحد أن يخدم سيدين ، لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر ، أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر . لا تقدرون أن تخدموا الله والمال 
 لذلك أقول لكم : لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون ، ولا لأجسادكم بما تلبسون . أليست الحياة أفضل من الطعام ، والجسد أفضل من اللباس 
 انظروا إلى طيور السماء : إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن ، وأبوكم السماوي يقوتها . ألستم أنتم بالحري أفضل منها 

 ومن منكم إذا اهتم يقدر أن يزيد على قامته ذراعا واحد  
 ولماذا تهتمون باللباس ؟ تأملوا زنابق الحقل كيف تنمو لا تتعب ولا تغزل 

  ولكن أقول لكم : إنه ولا سليمان في كل مجده كان يلبس كواحدة منها  
 فإن كان عشب الحقل الذي يوجد اليوم ويطرح غدا في التنور ، يلبسه الله هكذا ، أفليس بالحري جدا يلبسكم أنتم يا قليلي الإيمان 
 
فلا تهتموا قائلين : ماذا نأكل ؟ أو ماذا نشرب ؟ أو ماذا نلبس  
  
 فإن هذه كلها تطلبها الأمم . لأن أباكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى هذه كلها 

 لكن اطلبوا أولا ملكوت الله وبره ، وهذه كلها تزاد لكم  

والمجد لله دائماً أبدياً، آمين

تفسير انجيل القداس

متى 6 : 19 - 33 
  
لقدس الاب الموقر
القمص تادرس يعقوب ملطي

العبادة السماويّة
 
بعد أن قدّم لنا السيّد المسيح الجوانب الثلاثة للعبادة المسيحيّة أراد توضيح غايتها، ألا وهي رفع القلب النقي إلى السماء، ليرى الله ويحيا في أحضانه، محذّرًا إيّانا ليس فقط من تحطيمها خلال "الأنا" وحب الظهور، وإنما أيضًا خلال "محبّة المال" التي تفقد القلب المتعبّد حيويّته وحريّته، إذ يقول السيد: "لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض حيث يفسد السوس والصدأ، وحيث ينقب السارقون 
ويسرقون، بلا اكنزوا لكم كنوزًا في السماء حيث لا يفسد سوس ولا صدأ، وحيث لا ينقب سارقون ولا يسرقون"  
متى 6 : 19-20
 
من يتعبّد لله بقصد المجد الزمني الباطل يكون كمن جمع كنوزه على الأرض، سواء في شكل ثياب فاخرة يفسدها السوس، أو معادن تتعرّض للصدأ، أو أمور أخرى تكون مطمعًا للصوص. هكذا يرفع قلوبنا إلى السماء لننطلق بعبادتنا إلى حضن الآب السماوي، يتقبّلها في ابنه كسرّ فرح له وتقدِمة سرور، لا يقدر أن يقترب إليها سوس أو لصوص ولا أن يلحقها صدأ

يقول القديس أغسطينوس: [إن كان القلب على الأرض، أي إن كان الإنسان في سلوكه يرغب في نفع أرضي، فكيف يمكنه أن يتنقّى، مادام يتمرّغ في الأرض؟ أمّا إذا كان القلب في السماء فسيكون نقيًا، لأن كل ما في السماء فهو نقي. فالأشياء تتلوّث بامتزاجها بالفضّة النقيّة، وفكرنا يتلوّث باشتهائه الأمور الأرضيّة رغم نقاوة الأرض وجمال تنسيقها في ذاته

يُعلّق أيضًا القديس أغسطينوس على حديث السيّد: "لا تكنزوا لكم كنوزًا على الأرض"، قائلًا

* لو أخبركم مهندس معماري أن منزلكم يسقط حالًا، أفلا تتحرّكون سريعًا قبل أن تنشغلوا بالنحيب عليه؟‍! هوذا مؤسّس العالم يخبركم باقتراب دمار العالم، أفلا تصدّقوه...؟! اسمعوا إلى صوت نبوّته: "السماء والأرض تزولان" (مت 24: 35)... استمعوا إلى مشورته

الله الذي أعطاكم المشورة لن يخدعكم، فإنكم لن تخسروا ما تتركونه، بل تجدوا ما قدّمتموه أمامكم... أعطوا الفقراء فيكون لكم كنز في السماء! لا تبقوا بلا كنز، بل امتلكوا في السماء بلا هّم ما تقتنونه على الأرض بقلق. أرسلوا أمتعتكم إلى السماء. إن مشورتي هي لحفظ كنوزكم وليس لفقدانها

ينبغي علينا أن نضع في السماء ما نخسره الآن على الأرض. فالعدو يستطيع أن ينقب منازلنا، لكنّه هل يقدر أن يكسر باب السماء؟‍ إنه يقتل الحارس هنا، لكن هل يستطيع أن يقتل الله حافظها...؟ 

الفقراء ليسوا إلا حمّالين ينقلون أمتعتنا من الأرض إلى السماء. إذن فلتعطوهم ما لديكم فإنهم يحملونها إلى السماء... هل نسيتم القول: "تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت... لأني جعت فأطعمتموني... وكل ما فعلتم بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم" - مت 25: 34-40
 
القديس أغسطينوس
 
بهذه الوصيّة يرفع الرب عبادتنا للسماء، محذّرًا إيّانا من "المجد الباطل" ومقيمًا حراسًا عليها، ألا وهي أعمال الرحمة المملوءة حبًا. فالصدقة الحقيقية بمعناها الواسع والتي تضم العطاء المادي والمعنوي، ترفع القلب بعيدًا عن الزمنيّات المعنويّة والماديّة، وتحوّل أرصدته في السماء

ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيّد المسيح يحدّثنا عن الحب والرحمة في دستوره الإلهي بطريقة تدريجيّة هكذا

أولًا: قدّم لنا الرحمة كمبدأ عام نلتزم به

ثانيًا: طالبنا بمصالحتنا لخصمنا، فلا حاجة للدخول مع أحد في منازعات، وإنما الرحمة تغلب  (  5 : 23ـ  26

ثالثًا: ارتفع بنا إلى ما فوق القانون، فبالحب ليس فقط نترك ثوبنا لمن ليس له الحق فيه، وإنما نقدّم معه رداءنا حتى نربح الخصم بحبّنا

رابعًا: سألنا ألا نكنز على الأرض، فلا نقدّم أعمال الرحمة للخصم والمضايقين لنا فحسب، حتى لا ندخل معهم في نزاعات بل نكسبهم بالمحبّة، فتكون طبيعتنا هي العطاء بسخاء، كطبيعة داخليّة تنبع عن حنين مستمر لنقل ممتلكاتنا إلى السماء 

إذ يقدّم لنا السيّد هذا التوجيه يُعلن جانبه الإيجابي ألا وهو أنه بالعطاء نحوّل كنزنا إلى فوق في السماء، كما يوضّح جانبه السلبي مهدّدًا أن ما نتركه هنا يفسد بطريق أو آخر فنفقده إلى الأبد. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [أنه يجتذبهم، إذ لم يقل فقط إن قدّمت الصدقة تُحفظ لك بل هدّد بأنك إن لم تعطِ غناك إلخ. إنّما تجمعه للسوس والصدأ واللصوص. وإن هربت من هذه الشرور لن تهرب من عبوديّة قلبك له فيتسمّر بالكامل أسفل، لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضًا. إذن فلنُقِم المخازن في السماء 

 البصيرة الداخليّة
 
تحدّث عن القلب الذي يلتصق بالكنز ويجري وراءه، مطالبًا إيّانا أن يكون مسيحنا هو كنزنا عِوض الكنز يحطّمه السوس والصدأ واللصوص، فيكون قلبنا على الدوام مرفوعًا إلى فوق حيث المسيح جالس، لهذا يحدّثنا عن "العين البسيطة" التي تجعل الجسد كلّه نيّرًا. ما هي هذه العين الداخليّة إلا القلب الذي وحده يقدر أن يرى أسرار الكنز السماوي، فيجذب نحو السماويات، ولا يتذبّذب بين النور الأبدي ومحبّة الفانيات

"سراج الجسد هو العين
فإن كانت عينك بسيطة فجسدك كلّه يكون نيّرًا
وإن كانت عينك شرّيرة فجسدك كلّه يكون مظلمًا
فإن كان النور الذي فيك ظلامًا، فالظلام كم يكون؟!" [22-23

العين هي مرشد الجسد كلّه لينطلق إلى هنا أو هناك، فإن ارتفعت نحو السماء انطلق الإنسان كلّه بعبادته وسلوكه كما بأحاسيسه ومشاعره نحو السماويات، أمّا إن اِنحنت نحو الأرض لتصير أسيرة حب المجد الباطل أو رياء الفرّيسيّين أو حب الغنى الزمني، لا يمكن للإنسان مهما قدّم من عبادات أن يرتفع إلى فوق

يشبّه القديس يوحنا الذهبي الفم العين بالقائد الذي إن سقط أسيرًا ماذا ينتفع الجند بالذهب؟ وربّان السفينة الذي إن بدأ يغرق ماذا تنتفع السفينة بالخيرات الكثيرة التي تملأها؟! حقًا كثيرون قد جمعوا ذهب الصداقة والصلاة والصوم وظنّوا أن سفينتهم مشحونة بالأعمال الصالحة، ولكن بسبب فساد قلبهم وظلمة بصيرتهم الداخليّة يبقون بعيدًا عن الميناء الآمن وتغرق بكل ما تحمله

لهذا يفسر القديس أغسطينوس العين البسيطة بنيّة القلب الداخلي التي تقود كل تصرفاتنا، إذ يقول: [نفهم من هذه العبارة أن جميع أفعالنا تكون نقيّة ومرضية في نظر الله إن صنعناها بقلب بسيط، أي إن جميع أفعالنا تكون نقيّة ومرضيّة في نظر الله إن صنعناها بقلب بسيط، أي إن كان هدفنا فيها سماويًا، متطلّعين إلى تلك الغاية التي هي المحبّة، لأن "المحبّة هي تكميل الناموس" (رو 13: 10). من ثم فلنفهم "العين" هنا على أنها "النيّة التي نصنع بها أفعالنا"، فإن كانت نيّتنا نقيّة وسليمة، أي ناظرين إلى السماويات، فستكون جميع أعمالنا صالحة، هذه التي لقّبها الرب "جسدك كلّه"، لأنه عندما حدّثنا الرسول عن بعض أعمالنا القبيحة، دعاها أيضًا (أعضاء لنا)، إذ علّمنا أن نصلبها قائلًا: "فأميتوا أعضاءكم التي على الأرض، الزنا النجاسة... الطمع" (كو 3: 5)، وما على شاكلة ذلك

ويرى الأب موسى أن العين البسيطة تُشير إلى روح التمييز أو الحكمة، [لأنها هي التي تميّز كل الأفكار والأعمال، وترى كل شيء وتراقب ما سيحدّث. فإن كانت عين الإنسان شرّيرة، أي غير محصّنة بصوت الحكمة والمعرفة، مخدوعة ببعض الأخطاء والعجرفة (في العبادة) فإنها تجعل جسدنا كلّه مظلمًا، أي يظلم كل نظرنا العقلي، وتصير أعمالنا في ظلام الرذيلة ودجى الإضرابات، إذ يقول: "فإن كان النور الذي فيك ظلامًا فالظلام كم يكون؟" [23].  فلا يستطيع أحد أن يشك في أنه متى كان "الحكم في الأمور" في القلب خاطئًا، أي متى كان القلب مملوء جهالة، تكون أفكارنا وأعمالنا - التي هي ثمرة التمييز والتأمّل - في ظلام الخطيّة العُظمى

إن كان "البسيط" هو عكس "المُركّب أو المُعقّد"، فإن العين البسيطة إنّما هي التي لا تنظر في اتّجاهيّن، ولا يكون لها أهداف متضاربة بل لها اتّجاه واحد وهدف واحد... وكما يقول مار فيلوكسينوس:  لقد أعطانا ربّنا مبدأ سهلًا في بشارته ألا وهو الإيمان الحق البسيط، فالبساطة ليست هي المعروفة في العالم بالبلادة والخرافة بل هي فكر واحد بسيط فريد


Share

Facebook Comments

Twitter

I Read

Word of the Day

Quote of the Day

Article of the Day

This Day in History

Today's Birthday

In the News